Indexed OCR Text
Pages 541-560
وفيه: أن من انتسب إلى غير أبيه، فقد انتفى من أبيه، وقفى أمه، أي: رماها بالفجور. وفيها: أن كِندة ليسوا من ولد النضر بن كنانة. وفيه: أن من أخرج رجلاً عن نسبه المعروف، جُلِدَ حَدَّ القذف. فصل في قدوم وفد الأشعريين وأهل اليمن روی یزید بن هارون، عن حميد، عن أنس، أن النبي : قال: ((يَقْدَمُ قَوْمٌ عَلَّاللّهِ هم أَرَقُّ منكم قُلُوباً))، فقدم الأشعريون، فجعلوا يرتجزون: غَداً نَلْقَى الأَحِبَّه مُحَمَّداً وحِزْبَه (١). وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ◌َّ يقول: ((جاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْتِدَةً وَأَضْعَفُ قلوباً، والإِمَانُ يَمَانٍ، والحِكْمَة يَمَانِيَةٌ، والسَّكِينَةُ في أَهْلِ الغَنَم، والفَخْرُ والخُيَلاَءُ في الفَذَّادِينِ مِنْ أَهْلِ الوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْس)) (٢). وروينا عن يزيد بن هارون، أنبأنا ابنُ أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ◌َّة في سفر، فقال: ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ كَأَنَّهُمْ السَّحَابُ هُمْ خِيَارُ مَنْ فِي الأَرْضِ))، فقال رجلٌ من الأنصار: إلا نحنُ يا رسولَ الله، فسكت، ثم قال: إلا نحنُ یا رسولَ الله، فسكتَ، ثم قال: ((إلاَّ أَنْتُم)) كَلِمَةً ضَعِيفَةٌ(٣). (١) أخرجه أحمد ١٠٥/٣ و١٥٥ و٢٢٣ و٢٦٢، وإسناده صحيح. وانظر ابن سعد ٣٤٨/١. (٢) أخرجه مسلم (٥٢) في الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه، والفدادين: جمع فداد وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والفديد: الصوت الشديد. (٣) أخرجه أحمد ٨٤/٤، وإسناده صحيح. ٥٤١ وفي ((صحيح البخاري)): أن نفراً من بني تميم، جاؤوا إلى رسولِ الله ◌ِصَّر، فقال: ((أَبْشِرُوا يا بني تَميم))، فقالوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعطنا، فتغيَّر وجهُ رسول الله ◌َِ، وجاء نفرٌ من أهل اليمن، فقال: ((اقْبَلُوا الْبُشْرِى إذْلَمْ يَقْبَلَهَا بَنُو تَمِيم))، قالوا: قد قَبِلْنَا، ثم قالُوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين، ونسألك عن أول لهذا الأمر، فقال: ((كَانَ اللَّهُ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّشَيءٍ))(١) . فصل في قدوم وفد الأزدِ على رسول الله مية(٢) قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ◌َّ صُرَدُ بنُ عبد الله الأزدي، فأسلم وحسن إسلامُه في وفد من الأَزْد، فأمَّره رسولُ الله ◌ِِّ على من أسلم مِن قومه، وأمره أن يُجاهد بمن أسلم من كان يليه مِن أهل الشركِ من قبائل اليمن، فخرج صُرَدُ يسيرُ بأمر رسول اللهَوََّ حتى نزل بِجُرَشَ(٣)، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائلُ من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم(٤) خَثْعَمُ، فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصرؤُهم فيها قريباً من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع (١) أخرجه البخاري ٢٠٦،٢٠٥/٦ في بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق) وفي رواية له في التوحيد: ولم يكن شيء قبله، وفي رواية غير البخاري: ولم يكن شيء معه، قال الحافظ: والقصة متحدة، فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى ولعل راويها أخذها من قوله ◌َّر في دعائه في صلاة الليل كما تقدم من حديث ابن عباس ((أنت الأول فليس قبلك شيء)» لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى، ويكون قوله ((وكان عرشه على الماء)» معناه: أنه خلق الماء سابقاً، ثَم خلق العرش على الماء. انظر ابن هشام ٥٨٨،٥٨٧/٢، و((شرح المواهب)) ٣٣،٣٢/٤، وابن سعد ٣٣٧/١. (٢) (٣) جُرش: مخلاف من مخاليف اليمن. (٤) ضوت إليهم: أوت إليهم. ٥٤٢ عنهم قافلاً، حتى إذا كان في جبل لهم يقال له: شَكَرَ، ظن أهلُ جُرَشَ أنه إنما ولَّى عنهم منهزماً، فخرجُوا في طلبه حتى إذا أدركوه، عطف عليهم، فقاتلهم، فقتلهم قتلاً شديداً، وقد كان أهلُ جُرَشَ بعثُوا إلى رسول الله صل﴾ رجلين منهم يرتادان وينظُران، فبينا هما عند رسولِ الله ◌ِِّ عشيةً بعدَ العصر، إذ قالَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((بأَيِّ بلادِ اللَّهِ شَكَر؟)) فقام الجُرشيانِ، فقالا: يا رسول الله! ببلادنا جبل يُقال له. كشر، وكذلك تُسميه أهلُ جرش، فقال: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَر، ولكِنَّهُ شكر»، قالا: فما شأنُه يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: فقال: ((إنَّ بُدْنَ اللَّهِ لتُنْحَرُ عِنْدَهُ الآن))، قال: فجلس الرجلانِ إلى أبي بكر، وإلى عثمان، فقالا لهما: ويحكما، إِنَّ رسولَ الله ◌ٍَّ لِيَنْعَى لكُما قومَكما، فقوما إليه، فاسألاه أن يدعوَ الله أن يرفَع عن قومكما، فقاما إليه، فسألاه ذلك، فقال: ((اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ))، فخرجَا مِن عند رسول الله ◌َّ راجعين إلى قومهما، فوجدا قومَهما أصيبُوا في اليومِ الذي قال فيه رسول الله صَةٍ ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر، فخرج وفدُ جُرش حتى قَدِمُوا على رسول الله بِّرَ، فأسلموا، وحمى لهم حِمی حول قريتهم. فصل في قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله مجلة(١) قال ابن إسحاق: ثم بعثَ رسولُ الله ◌َّ خالدَ بنَ الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جُمَادَى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعُوَهم إلى الإِسلام قبل أن يُقاتِلهم ثلاثاً، فإن استجابُوا، فاقبلْ منهم، وإن لم يفعلوا، فقاتِلْهم، فخرج خالدٌ حتى قَدِمَ عليهم، فبعث الرُّكبان يضرِبُون في كُلِّ وجه، ويدعُون إلى الإِسلام، ويقولون: أيها الناسُ أسلموا لِتسلموا، فأسلم الناسُ، ودخلُوا فيما دَعَوْا إليه، فأقام فيهم خالدٌ يُعلمهم الإِسلامَ، وكتب إلى رسولِ الله ◌َةِ بذلك، فكتب له رسولُ الله ◌ِّ أن يُقْبِلَ ويُقْبِلَ معه وفدهم، فأقبل (١) انظر ابن هشام ٥٩٢/٢، ٥٩٤، و«شرح المواهب)) ٣٤،٣٣/٤، وابن سعد ٣٣٩/١. ٥٤٣ وأقبل معه وفدُهم، فيهم: قيسُ بنُ الحصين ذِي الغَصَّة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجَّل، وعبد الله بن قُراد، وشَدَّاد بن عبد الله، وقال لهم رسولُ الله ◌َّةِ: ((بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الجَاهِلِيَّة)»؟ قالوا: لم نكن نغلِبُ أحداً. قال: ((بلى)). قالوا: كنا نجتمِعُ ولا نتفرَّق، ولا نبدأ أحداً بظلم. قال: ((صدقتم))، وأمَّر عليهم قيسَ بن الحُصين، فرجعوا إلى قومهم في بقيةٍ من شوال، أو من ذي القَعدة، فلم يمكثُوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسولُ الله ◌ٍَّ . فصل في قدوم وفد هَمْدَانَ عليه ◌ِچ وقَدِمَ عليه وفدُ هَمْدَانَ، منهم: مَالك بن النَّمَط، ومالك بن أيفع؛ وضِمام بن مالك، وعمروُ بن مالك، فلقُوا رسولَ اللهِلَّ مرجِعَه مِن تبوك، وعليهم مُقَطَّعَاتُ الْحِبَرَاتِ والعمائم العَدَنية على الرواحل المَهْرِية والأَرْحَبِيَّة، ومالك بن النّمط يرتجزُ بين يدي رسول الله چ﴾ ويقول: إِلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَالرِّيفِ فِي هَبَواتِ الصَّيْفِ والخَرِيفِ مُخَطَّمَاتٍ بِحِبَالِ اللِّيفِ وذكروا له كلاماً حسناً فصيحاً، فكتب لهم رسولُ الله ◌َّ كتاباً أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثَقيف، وكان لا يخرُج لهم سرحٌ إلا أغارُوا عليه. وقد روى البيهقي بإسناد صحيح، من حديث أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ◌َّ بعث خالد بن الوليد إلى أهلِ اليمن يدعوهم إلى الإِسلام، قال البراء: فكُنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستةَ أشهر يدعوهم إلى الإِسلام، فلم يُجيبوه، ثم إنَّ النبيَّ بَ بعث عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأمره أن يُقْفِلَ خالداً إلا رجلاً ممن كان مع خالد أحبّ أن يُعقِبَ مع علي رضي الله عنه، فليُعقب معه، قال البراء: فكنتُ فيمن عقب مع علي، فلما دنونا مِن القوم، خرجوا إلينا، فصلَّى بنا علي رضي الله عنه، ثم صفّنا صفاً واحداً، ثم تقدَّم بين أيدينا، وقرأ ٥٤٤ عليهم كتابَ رسول الله وَّرَ، فأسلمت هَمْدَانُ جميعاً، فكتب عليٍّ رضي الله عنه إلى رسول اللهَ رَّ بإسلامهم، فلما قرأ رسولُ الله ◌َّ الكتاب، خَرَّ ساجِداً، ثم رفع رأسه فقال: ((السَّلاَمُ عَلَى هَمْدَانَ، السَّلاَمُ عَلَى هَمْدَانَ)) (١). وأصل الحديث في «صحيح البخاري))(٢). وهذا أصحُّ مما تقدم، ولم تكن همدانُ أن تُقاتل ثقيفاً، ولا تُغير على سرحهم، فإن همَدان باليمن، وثقيفاً بالطائف. فصل في قدوم وفد مُزينة على رسولِ الله وَليّة. روينا من طريق البيهقي، عن النُّعمان بن مُقرِّن، قال: قَدِمنا على رسول الله ◌َّ أربعمائة رجل من مُزينة، فلما أردنا أن ننصرف، قال: ((يا عُمَرُ! زَوِّدِ القَوْمَ» فقال: ما عندي إلا شيءٌ مِن تمر، ما أظنُّه يقعُ من القوم موقِعاً قال: ((انطلِقِ فَزَوِّدْهُم)) قال: فانطلق بهم عمر، فأدخلهم منزله، ثم أَصعدهم إلى عُلِّيَّة، فلما دخلنا، إذا فيها مِن التمر مِثْلُ الجَمَلِ الأَوْرَقِ، فأخذ القومُ منه حاجَتَهم، قال النعمان: فكنت في آخر من خرج، فنظرتُ فما أفقد موضع تمرة مِن مكانها ". (١) أخرجه البيهقي ٣٦٩/٢، وقال: أخرج البخاري صدر هذا الحديث عن أحمد بن عثمان، عن شريح بن مسلمة، عن إبراهيم بن يوسف، فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه. (٢) أخرجه البخاري ٥٢/٨ في المغازي: باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلي اليمن عن البراء قال: بعثنا رسول الله رَّ مع خالد بن الوليد إلي اليمن، قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه، فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك، فليعقب، ومن شاء، فليقبل، فكنت فيمن عقب معه، قال: فغنمت أواقي ذوات عدد. قال الحافظ: وقد أورده الإسماعيلي من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر سمعت إبراهيم بن يوسف وهو الذي أخرجه البخاري من طريقه، فزاد فيه ... فذكر تمام رواية البيهقي ... (٣) وأخرجه أحمد ٤٤٥/٥، ورجاله ثقات، وسنده حسن، وانظر ابن سعد ٢٩١/١. ٥٤٥ زاد المعاد ج ٣ -م١٨ فصل في قدوم وفد دوس على رسول الله محمدم قبل ذلك بخيير (١) قال ابن إسحاق: كان الطُّفيل بن عمرو الدُّوسي يُحدِّث أنه قَدِمَ مكة، ورسولُ الله ◌ِّ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيلُ رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، قالوا له: إنك قَدِمْتَ بلادنا، وإن هذا الرجلَ - وهو الذي بين أظهرنا - فَرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يُفَرِّقُ بين المرءِ وابنه، وبينَ المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد حلَّ علينا، فلا تُكَلِّمه، ولا تَسْمَعْ منه، قال: فو اللهِ ما زالُوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمعَ منه شيئاً، ولا أُكَلِّمَه حتى حشوتُ في أذنيَّ حين غدوتُ إلى المسجد كُرُسُفاً فَرَقاً من أن يَبْلُغَني شيءٌ من قوله. قال: فغدوتُ إلى المسجد، فإذا رسولُ اللهَِّ قائمٌ يُصلي عند الكعبة، فقمتُ قريباً منه، فأبى اللَّهُ إلا أن يُسمِعَني بعضَ قوله، فسمعتُ كلاماً حسناً، فقلتُ في نفسي: واثكل أمِّياه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يَخفى عليَّ الحسنُ من القبيح، فما يمنعُني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان ما يقولُ حسناً، قبلتُ، وإن كان قبيحاً، تركتُ. قال: فمكثتُ حتى انصرف رسولُ الله ◌َّه إلى بيته، فتبعتُه حتى إذا دخل بيتَه دخلتُ عليه، فقلتُ: يا محمد! إن قومك قد قالُوا لي: كذا وكذا، فَو اللَّهِ ما بَرِحُوا يُخوفوني أمرَك حتى سددتُ أذني بِكَرْسُفٍ لئلا أسمعَ قولَك، ثم أبى الله إلا أن يُسمِعَنيه، فسمعتُ قولاً حسناً، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ رسولُ اللهَِّ الإِسلامَ، وتلا عليَّ القرآن، فلا واللهِ ما سمعتُ قولاً قطُّ أحسنَ منه، ولا أمراً أعدلَ منه، فأسلمتُ، وشهدتُ شهادةَ الحق، وقلتُ: يا نبي الله؛ إني امرؤ مُطاع في قومي، وإني راجع إليهم، فداعيهم إلى الإِسلام، فادعُ الله لي أن يجعل لي آية تكون عوناً لي عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً)) قال: فخرجتُ إلى قومي حتَّى إذا (١) انظر (شرح المواهب)) ٣٧/٤، ٤١، والبخاري ٧٩،٧٨/٨، وابن سعد ٣٥٣/١. ٥٤٦ كنتُ بثنية تُطلعني على الحاضر، وقع نورٌ بين عيني مثلَ المصباح، قلتُ: اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مُثلة وقعت في وجهي لِفراقي دينهم، قال: فتحول، فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلَّق، وأنا أنهبطُ إليهم من الشَِّيَّة حتى جئتُهم، وأصبحتُ فيهم، فلما نزلتُ، أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، فقلتُ: إليك عني يا أبتِ، فلستَ مني ولستُ منك، قال: لِمَ يا بني؟ قلتُ: قد أسلمتُ، وتابعتُ دينَ محمد. قال: يا بني فديني دينُك. قال: فقلت: اذهب فاغتسِلْ، وطهِّرْ ثيابَك، ثم تَعالَ حتى أُعلِّمك ما عَلِمْتُ. قال: فذهب فاغتسل، وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضتُ عليه الإِسلام فأسلم، ثم أتتني صاحِبتي، فقلتُ لها: إليكِ عنّي، فلستُ منكِ ولستِ مني. قالت: لم بأبي أنت وأمي؟! قلتُ: فرق الإِسلامُ بيني وبينَكِ، أَسلمتُ وتابعتُ دين محمد. قالت: فديني دينُك. قال: قلتُ: فاذهبي فاغتسلي، ففعلت، ثم جاءت، فعرضتُ عليها الإِسلام فأسلمت، ثم دعوتُ دوساً إلى الإِسلام فأبطؤوا علي، فجئتُ رسول الله وَِّ، فقلتُ: يا رسول الله! إنه قد غلبني على دوس الزنى، فادعُ الله عليهم، فقال: ((اللَّهُمَّ اهْدِ دوساً))، ثم قال: ((ارجع إلى قومِك فادعُهم إلى الله، وارفُق بهم)) فرجعتُ إليهم، فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمتُ على رسول الله إِليه ورسولُ الله ◌ِّ بِخيبر، فنزلتُ المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً مِن دوس، ثم لحقنا برسولِ اللهِ وَّر بخيير، فأسهم لنا مع المسلمين. قال ابن إسحاق: فلما قُبِضَ رسولُ اللهِ نَّه وارتدت العربُ، خرج الطفيلُ مع المسلمين حتى فرغوا مِن طُليحة، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامَةِ، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لأصحابه: إني قد رأيتُ رؤيا فاعبُروها لي: رأيت أن رأسي قد حُلِقَ، وأنه قد خرج مِن فمي طائر، وأن امرأة لقيتني، فأدخلتني في فرجها، ورأيتُ أن ابني يطلبُني طلباً حثيثاً، ثم رأيتُه حُبِسَ عني. قالوا: خيراً رأيت. قال: أما واللَّهِ إني قد أولتُها. قالوا: وما أولتَها؟ قال: أما حلق رأسي، فوضعُه، وأما الطائر الذي خرج من فمي، فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في ٥٤٧ فرجها، فالأرض تحفر، فأغيب فيها، وأما طلب ابني إياي وحبسُه عني، فإني أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني، فقتل الطفيل شهيداً باليمامة، وجرح ابنه عمرو جرحاً شديداً، ثم قتل عام اليرموك شهيداً في زمن عمر رضي الله عنه. فصْل في فقه هذه القصة فيها: أن عادة المسلمين كانت غسلَ الإِسلام قبل دخولهم فيه، وقد صح أمرُ النبي ◌َيِبه (١). وأصح الأقوال: وجوبُه على من أجنب في حال كفره ومن لم یُجنب. غسل الدخول في الإسلام وفيها: أنه لا ينبغي للعاقل أن يُقَلِّد الناسَ في المدح والذم، ولا سيما تقليدَ من يَمدح بهوى ويذُغُّ بهوى، فكم حَالَ هذا التقليدُ بينَ القُلُوب وبين الهُدى، ولم ينجَ منه إلا مَن سبقت له من الله الحسنى. لا ينبغي للعاقل أن يقلد الناس في المدح والذم ومنها: أن المدد إذا لحق بالجيش قبل انقضاء الحرب، أسهم لهم. وقوع كرامات الأولياء ومنها: وقوعُ كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدِّين، أو لمنفعةٍ للإسلام والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية، سببها متابعة الرسول، ونتيجتُها إظهار الحق، وكسرُ الباطل، والأحوال الشيطانية ضِدُّها سبباً ونتيجة. التأني والصبر في الدعوة إلى الله ومنها: التأني والصبرُ في الدعوة إلى الله، وأن لا يُعجل بالعقوبةِ والدعاء على العصاة، وأما تعبيرُه حلق رأسه بوضعه، فهذا لأن حلق الرأس وضعُ شعره على الأرض، وهو لا يدُلُّ بمجرده على وضع رأسه، فإنه دال على خلاص من هم، أو مرض، أو شدة لمن يليقُ به ذُلك، وعلى فقر ونَكَدٍ، وزوال رياسة وجاه لمن لا يليق به ذلك، ولكن في منام الطُّفَيْل قرائن اقتضت أنه وضْعُ رأسه، منها أنه (١) أخرج أبو داود (٣٥٥) والنسائي ١٠٩/١، وأحمد ٦١/٥ عن قيس بن عاصم قال: أتيت النبي ◌َ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر، وإسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة (٢٥٤) وابن حبان، (٢٣٤). ٥٤٨ كان في الجهاد، ومقاتلة العدو ذي الشوكة والبأس. بيان تأويل الطفيل لرؤیاه ومنها: أنه دخل في بطن المرأة التي رآها، وهي الأرض التي هي بمنزلة أمه، ورأى أنه قد دخل في الموضع الذي خرج منه، ولهذا هو إعادته إلى الأرض، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفِيهَا نُعِيذُكُمْ ومِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، فأوَّلَ المرأة بالأرض إذ كلاهما محلُ الوطء، وأوَّلَ دخولَه في فرجها بعودِه إليها كما خُلِقَ منها، وأوَّلَ الطائر الذي خرج مِن فيه بروحه، فإنها كالطائر المحبوس في البدن، فإذا خرجت منه كانت كالطائر الذي فارق حبسه، فذهب حيثُ شاء، ولهذا أخبر النبيُّ ◌َ﴾: ((أنَّ نَسْمَةَ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّةُ))(١)، وهذا هو الطائرُ الذي رُؤي داخلاً في قبر ابن عباس لما دُفِنَ، وسُمِعَ قارىء يقرأ: ﴿يَا أَيَتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبَّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الحجر: ٢٧]. وعلى حسب بياض هذا الطائر وسواده وحسنِهِ وقُبحهِ، تكونُ الروح، ولهذا كانت أرواحُ آلِ فرعون في صورة طيور سود تَرِدُ النارَ بكرةً وعشيةً، وأوَّل طلبَ ابنه له باجتهاده في أن يلحق به في الشهادة، وحبسه عنه هو مدة حياته بين وقعة اليمامة واليرموك. والله أعلم. فصل في قدوم وفد نجران عليه عَ ليه (٢) قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله ﴿ وفدُ نصارى نجران بالمدينة، فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما قَدِمَ وفد نجرانَ على رسول الله دخلُوا عليه مسجدَه بعد صلاة العصر، فحانت صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في (١) أخرجه أحمد ٤٥٥/٣ و٤٥٦ و٤٦٠، والنسائي ١٠٨/٤، ومالك في ((الموطأ)» ١/ ٢٤٠ عن كعب بن مالك، وإسناده صحيح، ومعنى يعلق: يأكل ويرعى. (٢) انظر ابن هشام ٥٧٣/١، ٥٨٤، وابن كثير في السيرة ١٠٠/٤، ١٠٨، و٣٧١،٣٦٧/١ في تفسيره، وابن سعد ٣٥٧/١. ٥٤٩ مسجده، فأراد الناسُ منعهم، فقال رسول الله بَّه: ((دَعُوهُم)) فاسْتَقْبَلُوا المَشْرِقَ، فَصَلَّوا صَلاَتَهُمْ (١). قال: وحدّثني يزيدُ بن سفيان، عن ابن البيلماني (٢)، عن كُرز بن علقمة، قال: قَدِمَ على رسولِ الله ◌َّ﴾ وفدُ نصارى نجران ستون راكباً، منهم: أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم، والأربعة والعشرون، منهم ثلاثةُ نفر إليهم يؤول أمرُهم: العاقِبُ أميرُ القوم، وذو رأيهم، وصاحِبُ مشورتهم، والذي لا يَصْدُرون إلا عن رأيه وأمره، واسمُه عبد المسيح، والسيد: ثِمالُهم، وصاحِبُ رحلهم، ذكر أبي حارثة حبرهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل أُسقُفهم وحَبْرُهم وإمامُهم، وصاحِبُ مِدْرَاسِهِم. وكان أبو حارثة قد شَرُفَ فيهم، وَدَرَسَ كتبَهم، وكانت ملوكُ الروم مِن أهل النصرانية قد شرَّفوه، ومؤَّلُوه، وأخدَموه، وبَنَوْا له الكنائِسَ، وبسطوا عليه الکراماتِ لِما یبلغهم عنه مِن علمه واجتهاده في دینھم. كان أبو حارثة يعلم أن محمداً النبي الموعود فلما وجَّهوا إلى رسول الله بِّهِ مِن نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له مُوجِّهاً إلى رسولِ اللهِ وَّهَ وإلى جنبه أخٌ له يقال له: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلةُ أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعدُ يريدُ رسولَ الله ◌َّ. فقال له أبو حارثة: بل أنت تَعِسْتَ. فقال: ولم يا أخي؟ فقال: واللَّهِ إنه النبيُّ الأميُّ الذي كنا ننتظرُه. فقال له كُرز: فما يمنعُك من اتِّباعه وأنت تعلمُ هذا؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القومُ: شرَّفونا، ومؤَّلونا، وأكرمونا، وقد أَبَوْا إلا خِلافَه، ولو فعلتُ نزعوا منا كُلَّ ما ترى، فأضمر عليها مِنه أخوه ◌ُرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت (٣)، قال: حدثني سعيد بن جُبير، وعِكرمة، عن ابن عباس، قال: اجتمعت نصارى (١) رجاله ثقات، لكنه منقطع. (٢) واسمه محمد بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وقد اتهمه ابن عدي وابن حبان. (٣) هو مجهول تفرد بالرواية عنه ابن إسحاق. ٥٥٠ نجران، وأحبارُ يهود عند رسول الله وَّ، فتنازعُوا عنده، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانياً، فأنزل الله عز وجل التّحاج في دين إبراهيم فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمْ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ومَا أُنْزِلَت الثَّوْرَاةُ والإِنْجِيلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُم هَؤُلاءِ حَاجَجْتُم فيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياً ولا نَصْرَانِياً ولُكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِين إنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِبْراهِيمٍ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهذا النّبيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمنين﴾ [آل عمران: ٦٥، ٦٦] فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبُدَك كما تعبُدُ النَّصارى عيسى بن مريم؟ وقال رجل مِن نصارى نجران: أو ذلك تريدُ يا محمد، وإليه تدعونا؟ فقال رسول اللّه ◌َّ: ((مَعَاذَ الله أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ الله، أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةٍ غَيْرِهِ مَا بِذُلِكَ بَعَثَنِي وَلاَ أَمَرَني»، فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ الله الكِتَابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاس كُونُوا عِباداً لِي مِنْ ذُونِ الله ولَكِنْ كُونُوا رَبَّانِتِين بِمَا كُنْتُم تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، ولا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَة والنَّبِّين أرباباً أَيَأْمُرُكُم بالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ٧٩]، ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم مِن الميثاق بتصديقه، وإقرارهم به على أنفسهم، فقال: ﴿وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِين﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشَّاهِدين﴾ [آل عمران: ٨١]. ظن الوفد أنه تمأو دعاهم إلى عبادته وحدّثني محمد بن سهل بن أبي أمامة، قال: لما قَدِمَ وفدُ نجران على نزول فاتحة آل عمران في وفد نجران رسول الله بَّ يسألونه عن عيسى بن مريم، نزل فيهم فاتحةُ آل عمران إلى رأس الثمانين منها. وروينا عن أبي عبد الله الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بکیر، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده - قال یونس وكان نصرانياً فأسلم -: إن رسول الله بَّ كتب إلى أهل نجران باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب: (أَمَّا بَعْدُ فَإِنِي أَدْعُوكُم إلى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ، وأَدْعُوكُم إلى وِلاَيَّةِ اللَّهِ مِنْ وِلاَيَّةِ العِبَادِ، فإنْ أَبَيِّتُمْ فَالجِزْيَّةُ، فَإِنْ ٥٥١ أَبَيْتُمْ، فَقَدْ آذَنْتُكُمْ بِحَربٍ، والسَّلام))! فلما أتى الأسقف الكتابُ فقرأه، فَظِعَ به، وذعر به ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجرَان يُقال له: شُرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يُدعى إذا نزل مُعضِلة قبله، لا الأيهم، ولا السيدُ، ولا العاقِبُ، فدفع الأسقف كِتابَ رسول الله وَال إليه، فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم! ما رأيُك؟ فقال شُرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان مِن أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حِمير، فاجلِس، فتنخَّى شُرحبيل، فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل مِن أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حِمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شُرحبيل. فقال له الأسقف: تنح فاجلس، فتنخَّى، فجلس ناحية، فبعث الأسقفُ إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثلَ قولِ شُرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقفُ فتنحى. فلما اجتمع الرأيُ منهم على تلك المقالة جميعاً، أمر الأسقفُ بالناقوس، فضُرِبَ به، ورُفِعَتِ المسوحُ في الصوامع، وكذلك كانُوا يفعلون إذا فزِعُوا بالنهار، وإذا كان فَزَعُهم بالليل ضرب الناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعَ - حين ضرب بالناقوس، ورفعت المسوح - أهلُ الوادي أعلاه وأسفله، وطولُ الوادي مسيرةُ يوم للراكب السريع، وفيه ثلاثٌ وسبعون قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتابَ رسول الله ◌َيّ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأيُ أهلِ الوادي منهم على أن يبعثوا شُرحبيل بن وداعة الهَمْدَاني، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض الحارثي، فيأتوهم بخبر رسول الله فانطلق الوفدُ حتى إذا كانُوا بالمدينة، وضعوا ثيابَ السفر عنهم، ولبسوا حُللاً لهم يجرُّونها من الحِبَرَةِ، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أَتَوْا ٥٥٢ رسولَ اللَّهِ ﴿، فسلموا عليه، فلم يَرُدَّ عليهم السلامَ، وتصدَّوا لِكلامه نهاراً طويلاً، فلم يُكلمهم، وعليهم تلك الحُلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمانَ بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفةً لهم، كانا يُخرِجان العِيرَ في الجاهلية إلى نجرانَ، فيُشترى لهما مِن بُرِّها وثمرها وذرتها، فوجدوهما في ناس من الأنصار والمهاجرين في مجلس، فقالوا: يا عثمان، ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب، فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا سلامنا، وتصدَّيْنَا لِكلامه نهاراً طويلاً، فأعيانا أن يُكلمنا، فما الرأيُ منكما، أنعود؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما: أرى أن يضعوا حللهم لهذه وخواتيمَهم، ويلبسوا ثيابَ سفرهم، ثم يأتوا إليه، ففعل الوفدُ ذُلك، فوضعوا حُللهم وخواتيمهم، ثم عادُوا إلى رسول الله ◌َي﴿، فسلَّمُوا عليه، فردَّ سلامهم، ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألةُ حتى قالُوا له: ما تقولُ في عيسى عليه السلام؟ فإنا المباهلة في شأن عيسى نرجع إلى قومنا، ونحنُ نصارى، فيشُّرنا إن كنت نبياً أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسولُ اللهِّ: ((مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هذا، فَقِيمُوا حَتَى أُخْبِرَكم بِمَا يُقَالُ لي في عِيسى عَلَيْهِ السَّلام))، فأصبح الغدُ وقد أنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ مثَلَ عيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابِ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتِينِ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكُ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمُ ونِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنَفْسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكَاذِبِين﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١] فأبوا أن يُقِرُّوا بذلك، فلما أصبح رسولُ الله ◌َ ﴿ الغَد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له، وفاطمةُ رضي الله عنها تمشي عند ظهره للمُباهلة، وله يومئذ عِدةُ نِسوة، فقال شُرحبيل لصاحبيه: يا عبدَ الله بن شرحبيل، ويا جبار بن فيض، قد علمتما أن الوادِي إذا اجتمع أعلاه وأسفلُه ٥٥٣ لم يَرِدُوا، ولم يصدُرُوا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمراً مقبلاً، وأرى واللّهِ إن كان هذا الرجلُ ملكاً مبعوثاً، فكنا أولَ العرب طعن في عينه، وردَّ عليه أمره لا يذهب لنا من صدره، ولا مِن صدور قومه حتى يُصيبونا بجائحة، وإنا أدنى العرب منهم جواراً، وإن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً، فلاعنَّاه، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرةٌ ولا ظفرٌ إلا هلَكَ، فقال له صاحباه: فما الرأيُ فقد وضعتك الأمورُ على ذِراعٍ، فهاتِ رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكِّمَه، فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً. فقالا له: أنتَ وذاك. فلقي شُرحبيلُ رسولَ الله ◌ِّ، فقال: إني قد رأيتُ خيراً مِن مُلاعنتك، فقال: وما هو؟ قال شُرحبيل: حُكمك اليومَ إلى الليل وليلتك إلى الصَّباح، فمهما حکمتَ فینا، فهو جائز. فقال رسولُ الله ◌ِ: ((لَعَلَّ وَرَاءَكَ أَحَداً يُثَرِّبُ عَلَيْكَ))، فقال له شُرحبيل: سل صاحبيَّ، فسألهما، فقالا: ما يَردُ الوادي، ولا يصدُر إلا عن رأي شُرحبيل. فقال رسول الله مَثّ: ((كافر))، أو قال: ((جاحد مُوَفَّق)). فرجع رسولُ الله ◌َ﴿ ولم يُلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أَتَوْه، فكتب لهم في الكتاب: كتابه 11 لهم ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبيُّ رسولُ اللَّهِ لنجرانَ إذا كان عليهم حُكمه في كل ثمرة، وفي كل صفراء، وبيضاء، وسوداء، ورقيق، فأفضَلَ عليهم، وتركَ ذُلك كُلَّه على ألفي حُلة، في كل رَجَب ألفُ حُلة، وفي كُلِّ صَفَر ألفُ حُلة، وكل حُلة أوقية، ما زادت على الخراج أو نقصت على الأواقي، فبحساب، وما قَضَوْا مِن دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عَرَضٍ، أُخِذَ منهم بحساب، وعلى نجران مثواةُ رسلي، ومتعتهم بها عشرين فدونه، ولا يُحبس رسول فوقَ شهر، وعليهم عاريةٌ ثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً إذا كان كيدٌ باليمن ومغدرة، وما هلك مما أعارُوا رسولي مِن دروع، أو خيل، أو ركاب، فهو ضَمانٌ على رسولي حتى ٥٥٤ يؤدِّيَه إليهم، ولنجرانَ وحسبها جوارُ الله وذمةُ محمد النبيِّ على أنفسهم، ومِلتهم، وأرضِهم، وأموالهم، وغائِهم، وشاهِدهم، وعشيرتهم، وتبعهم، وأن لا يُغيِّرُوا مما كانوا عليه، ولا يُغيَّر حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يُغيَّرُ أسقفٌ من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا وافه عن وَفهِيَّتِهِ (١) وكل ما تحت أيديهم مِن قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة ولا دمُ جاهلية، ولا يُحشَرُونَ، ولا يُعَشَّرُون، ولا يطأ أرضَهم جيش، ومن سأل منهم حقاً فبينهم النّصَفُ غيرَ ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا مِن ذي قبل، فذمتي منه بريئة، ولا يُؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوارُ الله وذِمَّةُ محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحُوا وأصلحُوا فيما عليهم غيرَ منقلبين بظلم)) شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة بن شعبة، وكتب: حتى إذا قبضوا كتابهم، انصرفوا إلى نجران، فتلقاهم الأسقف ووجوهُ نجران على مسيرة ليلة، ومع الأسقف أخ له من أمه، وهو ابنُ عمه من النسب، يقال له: بشر بن معاوية، وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفدُ كتابَ رسول اللّه ◌ِله إلى الأسقف، فبينا هو يقرؤه، وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كَبَتْ ببشرٍ ناقتُهُ، فَتَّسَ بِشْرٌ، غير أنه لا يكني عن رسول الله ◌َّار، فقال له الأسقف عند ذلك: قد تَعَّسْتَ واللَّهِ نِيّاً مرسلاً، فقال بشر: لا جرم والله لا أحُلُّ عنها عقداً حتى آتيه، فضربَ وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقفُ ناقته عليه، فقال له: افهم عني إنما قلتُ هذا لتبلغ عني العربَ مخافة أن يقولوا: إنا أُخِذْنَا حُمقة أو نخعنا لهذا الرجل بما لم تَنْخَعْ به العربُ، ونحن أعزُّهم وأجمعُهم داراً، فقال له بشر: لا والله لا أقيلُك ما خرج من رأسك أبداً، فضرب بشر ناقته، وهو مُولِّ ظھره للأسقف وهو يقول: رجوعهم إلى نجران (١) في ((النهاية)) الوافه: القيم على البيت الذي فيه صليب النصارى بلغة أهل الجزيرة، وبعضهم يرويه بالقاف، والصواب الفاء. ٥٥٥ إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وَضِينُها مُعْتَرِضاًفِي بَطْنِهَا جَنِينُها مُخَالِفِاَ دِينَ النَّصارى ◌ِدِينُها حتى أتى النبيَّ ◌َّ ولم يزل مع النبي خلال حتى استشهد أبو علقمة بعد ذلك. ودخل الوفد نجران، فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي، وهو في رأس صومعة له، فقال له: إن نبياً قد بعث بتهامة، وإنّه كتب إلى الأسقف، فأجمع أهلُ الوادي أن يُسَيِّروا إليه شُرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شُرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبره، فسارُوا حتى أَتَوْه، فدعاهم إلى المباهلة، فكرهوا ملاعنته، وحكمه شُرحبيل فحكم عليهم حكماً، وكتب لهم كتاباً، ثم أقبل الوفدُ بالكتاب حتی دفعُوه إلى الأسقف، فبينا الأسقفُ يقرؤه وبشر معه حتى كبت ببشر ناقته فتعَّسَه، فشهد الأسقفُ أنه نبي مرسل، فانصرف أبو علقمة نحوَه يُريد الإِسلام، فقال الراهب: أنزلوني وإلا رميتُ بنفسي مِن هذِه الصومعة، فانزلوه، فانطلق الراهب بِهَدِية إلى رسولِ اللهِ رَّة، منها هذا البُردُ الذي يَلْبَسُهُ الخلفاء والقعب والعصا، وأقام الراهبُ بعد ذلك يسمع كيف ينزل الوحيُّ، والسنن، والفرائض، والحدودُ، وأبى الله لِلراهب الإِسلام، فلم يُسلم، واستأذنَ رسولَ الله ◌َّ في الرجعة إلى قومه، وقال: إن لي حاجةً ومعاداً إن شاء الله تعالى، فرجع إلى قومه، فلم يعد حتى قُبِضَ رسول الله ◌ِ﴾. وإن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله ◌َّ ومعه السَّيد والعاقِب ووجوهُ قومه، وأقامُوا عنده يستمعون ما ينزل اللَّهُ عليه، فكتب للأسقف هذا الكتاب وللأساقفة بنجران بعده: ((بسْم اللَّهِ الرَّحْمُن الرَّحيم، منْ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ إلى الأسقُف أبي الحارث وأَسَاقِفَةِ نَجْرِانَ وكَهَنَتِهِم، ورُهْبَانِهِمْ، وأهْلِ بيعِهم، ورَقِيقِهِم، ومِلَّتِهِم، وسَوَقِتِهِم، وعَلى كُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِم مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِرٍ، جِوارُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌ مِنْ أُسْقُفَتِهِ ولا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، ولا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ، ولا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِم، ولا سُلْطَانهم، ولا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ عَلَى ذُلِكَ جِوَارُ اللَّهِ ورَسُولِه أبداً ما نَصحوا وأَصْلَحوا عَلَيْهِم، غَيْرَ منقَلِين بِظَالِم، ولا ظَالِمِينَ)). وكتب المغيرةُ بن شعبة، فلما قبض الأسقفُ الكتاب، استأذن في الانصراف إلى ٥٥٦ قومه ومن معه، فأذن لهم، فانصرفوا . وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود، أن السيد والعاقب أتيا رسول الله ◌َّة، فأراد أن يُلاعنهما، فقال أحدُهما لصاحبه: لا تُلاعِنْه، فوالله إن كان نبياً فلاعنتَه لا نُفْلِحُ نحن، ولا عَقِبُنا مِن بعدنا، قالوا له: نُعطيك ما سأَلتَ، فابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعثْ معنا إلا أميناً، فقال رسول اله وَّهُ: ((لاَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلاً أَميناً حَقَّ أَمِينٍ))، فاستشرف لها أصحابُه، فقال: ((قُمْ يا أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ)) فلمَّا قَامَ، قال: ((هذا أمِينُ هذِهِ الأمَّة)). (٢) ورواه البخاري في ((صحيحه)) من حديث حذيفة بنحوه . وفي ((صحيح مسلم)) من حديث المُغيرة بن شعبة قال: بعثني رسولُ الله كَ له إلى نجران، فقالُوا فيما قالوا: أرأيتَ ما يقرؤون (يا أختَ هارون)، وقد كان بينَ عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيتُ النبي ◌َّةَ، فأخبرتُه، قال: ((أَفَلا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ - بِأَسماءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُم))(٣). وروينا عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: وبعث رسولُ اللهِ وَّ علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمَع صدقاتِهم، ويَقْدَمَ عليه بجزيتهم. فصل في فقه هذه القصة ففيها: جوازُ دُخولِ أهلِ الكتاب مساجدَ المسلمين. (١) سنده ضعيف لجهالة سلمة بن يسوع فما فوقه، فلم نقف لهم على ترجمة، وذكره ابن كثير في السيرة ١٠٦،١٠١/٤ وفي ((تفسيره)) ٣٧٠،٣٦٩/١، ونسبه للبيهقي في ((دلائل النبوة)) وقال: وفيه غرابة. (٢) أخرجه البخاري ٧/ ٧٤ في فضائل أصحاب النبي عليه: باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح، ومسلم (٢٤٢٠) في فضائل الصحابة: باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. (٣) أخرجه مسلم (٢١٣٥) في الآداب: باب النهي عن التكني بأبي القاسم. ٥٥٧ تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفيها: تمكينُ أهلِ الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً، ولا يُمكَّنون من اعتياد ذلك. إقرار الكاهن الكتابي له* بانه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته واختلاف الناس في ذلك وفيها: أن إقرارَ الكاهن الكِتابي لرسول الله ◌َّل بأنه نبي لا يُدخله في الإِسلام ما لم يلتزِمْ طاعتَه ومتابعته، فإذا تمسّك بدينه بعد هذا الإِقِرار لا يكونُ رِدة منه، ونظيرُ هذا قول الحَبرينِ له، وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهما، قالا: نشهد أنك نبي، قال: ((فما يمنعُكما مِن اتباعي؟)) قالا: نخاف أن تقتُلَنا اليهودُ، ولم يُلزمهما بذلك الإِسلام. ونظيرُ ذُلِكَ شهادةُ عمه أبي طالب له بأنه صادق، وأن دينَه مِن خير أديان البرية ديناً ولم تُدخِلْه هذه الشهادةُ في الإِسلام. ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ◌َّ بالرسالة، وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإِسلام، علم أن الإِسلامَ أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفةُ والإِقِرارُ، والانقيادُ، والتزامُ طاعته ودينه ظاهراً وباطناً. وقد اختلف أئمةُ الإِسلام في الكافر إذا قال: أشهدُ أن محمداً رسولُ اللَّهِ ولم يَزِدْ، هل يُحكم بإسلامه بذلك؟ على ثلاثة أقوال، وهي ثلاثُ روايات عن الإِمام أحمد، إحداها: يحكم بإسلامه بذلك. والثانية: لا يحكم بإسلامه حتى يأتيَ بشهادة أن لا إله إلا الله. والثالثة: أنه إذا كان مقراً بالتوحید، حُكِم بإسلامه، وإن لم يكن مقراً، لم يحكم بإسلامه حتى يأتيَ به، وليس هذا موضعَ استيفاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليه إشارة، وأهلُ الكتابين مجمعون على أن نبياً يخرج في آخر الزمان، وهم ينتظرونه، ولا يَشُكُّ علماؤهم في أنه محمدُ بنُ عبد الله بن عبد المطلب، وإنما يمنعُهم من الدخول في الإِسلام رئاستُهم على قومهم، وخضوعُهم لهم، وما ينالونه منهم مِن المال والجاه. ومنها: جوازُ مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحبابُ ذُلك، بل وجوبُه إذا ظهرت مصلحتُه من إسلام من يُرجى إسلامُه منهم، وإقامة الحجة جواز مجادلة أهل الكتاب ٥٥٨ عليهم، ولا يهرُب من مجادلتهم إلا عاجزٌ عن إقامة الحجة، فليوَلِّ ذُلك إلى أهله، وليُخَلّ بَيْنَ المَطِيِّ وحَادِيها، والقوس وباريها، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا مِن الحُجج التي تلزمُ أهل الكتابَيْنِ الإِقِرارَ بأنه رسولُ الله بما في كتبهم، وبما يعتقدونه بما لا يمكنهم دفعُه ما يزيد على مائة طريق، ونرجو من الله سبحانه إفرادَها بمصنف مستقل. مناظرة المصنف لأحد علماء أهل الكتاب في نبوته ۴﴾﴾ ودار بيني وبين بعض علمائهم مناظرةٌ في ذلك، فقلت له في أثناء الكلام: ولا يتم لكم القَدح في نبوة نبينا ◌َّ إلا بالطعن في الربِّ تعالى والقدح فيه، ونسبته إلى أعظم الظلم والسفه والفساد، تعالى الله عن ذلك، فقال: كيف يلزمُنا ذلك؟ قلت: بل أبلغ مِن ذلك، لا يَتَمُّ لكم ذلك إلا بجحوده وإنكار وجوده تعالى، وبيانُ ذلك أنه إذا كان محمد عندكم ليس بنبي صادق، وهو بزعمكم ملك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتريَ على الله، ويتقوَّل عليه ما لم يقُلْه، ثم يتم له ذلك، ويستمر حتى يُحلِّل، ويُحَرِّمَ، ويفرِضَ الفرائضَ، ويشرع الشرائع، وينسخَ المِلل، ويضربَ الرقاب، ويقتلَ أتباعَ الرسل، وهم أهلُ الحق، ويسبي نساءَهم وأولادهم، ويَغْنَم أموالهم ودِيارَهم، ويِمَّ له ذلك حتى يفتحَ الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله تعالى له به ومحبته له، والربُّ تعالى يُشاهده، وما يفعل بأهل الحقِّ وأتباع الرسل، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة، وهو مع ذلك كُلُّه يُؤيده وينصُره، ويُعلي أمره، ويُمكِّن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأعجَب من ذلك أنه يُجيب دعواته، ويُهلِكُ أعداءَه من غير فعل منه نفسه ولا سبب، بل تارة بدعائه، وتارة يستأصِلُهم سبحانه من غير دعاء منه چآ، ومع ذلك يقضي له كل حاجة سأله إياها، ويعده كل وعد جميل، ثم ينجز له وعده على أتمِّ الوجوه، وأهنئها، وأكملها، لهذا وهو عندكم في غاية الكذب والافتراءِ والظّلم، فإنه لا أكذبَ ممن كذبَ على اللّهِ، واستمرَّ على ذلك، ولا أظلمَ ممن أبطل شرائعَ أنبيائه ورسله، وسعى في رفعها من الأرض، وتبديلها بما يُريد هو، وقتل أولياءه وحزبه وأتباع رسله، واستمرت نصرتُه عليهم دائماً، والله تعالى في ذلك كُلِّهِ ٥٥٩ يقره، ولا يأخُذ منه باليمين، ولا يقطَعُ منه الوتين، وهو يُخبِرُ عن ربه أنه أوحى إليه أنه لا ﴿أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال: أوحي إليَّ ولم يُوحَ إليهِ شيءٍ . ومن قال: سأنزل مِثْلَ ما أنزل الله﴾ [الأنعام: ٩٣] فيلزمُكم معاشِرَ مَنْ كذَّبه أحدُ أمرين لا بد لكم منهما: إما أن تقُولوا: لا صانع للعالم، ولا مُدَبِّرَ، ولو كان للعالم صانع مدبٌِّ قديرٌ حكيم، لأخذ على يديه، ولقابله أعظمَ مقابلة، وجعله نكالاً للظالمينَ إذ لا يليقُ بالملوك غيرُ هذا، فكيف بملك السماواتِ والأرض، وأحكم الحاكمين؟ . الثاني: نسبةُ الربِّ إلى ما لا يليق به من الجور، والسفه، والظلم، وإضلال الخلق دائماً أبد الآباد، لا بَلْ نصرة الكاذب، والتمكين له من الأرض، وإجابة دعواته، وقيام أمره مِن بعده، وإعلاء كلماته دائماً، وإظهار دعوته، والشهادة له بالنبوة قرناً بعد قرن على رؤوس الأشهاد في كل مجمع وناد، فأين لهذا من فعل أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فلقد قدحتم في رب العالمين أعظمَ قدح، وطعنتم فيه أشَدَّ طعن، وأنكرتموه بالكلية، ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكذابين قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم له أمرُه، ولم تطل مدته، بل سلط عليه رسله وأتباعهم، فمحقوا أثره، وقطعوا دابره، واستأصلوا شأفته. هذه سنته في عباده منذ قامت الدنيا، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها. فلما سمع مني هذا الكلام، قال: معاذَ الله أن نقول: إنه ظالم أو كاذب، بل كُلُّ منصف من أهل الكتاب يُقِرُّ بأن من سلك طريقه، واقتفى أثَره، فهو مِن أهل النجاة والسعادة في الأخرى. قلتُ له: فكيف يكون سالكُ طريق الكذاب، ومقتفي أثره بزعمكم مِن أهل النجاة والسعادة؟ فلم يجد بداً من الاعتراف برسالته، ولكن لم يُرسل إليهم. قلت: فقد لزمك تصديقُه، ولا بد وهو قد تواترت عنه الأخبار بأنه رسولُ رب العالمين إلى الناس أجمعينَ، كِتَابِيهم وأمِّيهم، ودعا أهل الكتاب إلى دينه، ٥٦٠