Indexed OCR Text
Pages 361-380
حيث شِئتُ، فقلتُ: بلى أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ(١). وذكر سعيد بن المسيِّب أن العباس تطاولَ يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم، فردَّه رسولُ الله ◌ِ﴿ إلى عثمان بن طلحة. أذان بلال على الكعبة وأمر رسولُ الله ◌ِلَ بلالاً أن يصعدَ فيؤذِّنَ على الكعبة، وأبو سفيان بنُ حرب، وعَّابُ بنُ أسيد، والحارثُ بنُ هِشام، وأشرافُ قريش جُلوسٌ بِفِناء الكعبة، فقال عتَّاب: لقد أكرم الله أسيداً ألاّ يكون سَمِعَ هذا، فيسمعَ منه ما يُغِيظُه، فقال الحارث: أما واللهِ لو أعلم أنه حقٌّ لاتبعته، فقال أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئاً، لو تكلمتُ، لأخبرت عني هذه الحصباءُ، فخرج عليهم النبيُّ ◌َّ. فقال لهم: ((قَدْ عَلِمْتُ الَّذِي قُلْتُم)) ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتَّب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك (٢). فصل ثم دخل رسولُ الله ◌َّ دارَ أمِّ هانىء بنت أبي طالب، فاغتسل، وصلَّى ثمانَ ركعات في بيتها، وكانت ضحى(٣)، فظنها من ظنها صلاة الضحى، وإنما هذه صلاةُ الفتح، وكان أمراءُ الإِسلام إذا فتحوا حِصناً أو بلداً، صلَّوْا عَقِيبَ الفتح هذه الصلاةَ اقتداءً برسول الله بَّر، وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكراً لله عليه، فإنها قالت: ما رأيتُه صلاها قبلَها ولا بعدَها. صلاة الفتح وأجارت أم هانىء حَمَوَيْنِ لَها، فقال لها رسول الله وَّهِ: (قَدْ أَجَرْنا مَنْ إجارة أم هانىء حموين أَجَرْتِ يَا أُمَّ هانىء))(٤). لها (١) ((طبقات ابن سعد)) ١٣٦/٢، ١٣٧، وانظر ((شرح المواهب)) ٣٤٠/٢، ٣٤١. (٢) ابن هشام ٢/ ٤١٣. (٣) متفق عليه وقد مر في الجزء الأول، فصل في هديه في صلاة الضحى، وانظر ص ١١٠ من هذا الجزء. (٤) أخرجه مالك ١٥٢/١ في قصر الصلاة: باب صلاة الضحى، والبخاري ١٩٥/٦، = ٣٦١ فصل ولما استقر الفتح، أمَّنَ رسولُ الله ◌َّةِ النَّاسَ كُلَّهُم إلا تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وُجِدُوا تحتَ أستارِ الكعبةِ، وهم عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرْح، وعِكْرِمةُ بن أبي جهل، وعبد العزى بن خَطَل، والحارثُ بنُ نُفيل بن وهب، ومَقِيس بن صُبابة، وهبَّار بن الأسود، وقينتان لابن خَطَل، كانتا تُغَنِّيَان بهجاءِ رسول الله ◌َّ وسارةُ مولاةٌ لبعض بني عبد المطلب. ابن أبى السرح فأما ابنُ أبي سَرْح فأسلم، فجاء به عثمان بن عفان، فاستأمن له رسول الله ◌َّه فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقومَ إليه بعضُ الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك، وهاجر، ثم ارتد، ورجع إلى مكة. صلىالله ـيٍ وأما عكرمةُ بنُ أبي جهل، فاستأمَنَت له امرأتُه بعد أن فر، فأمنه النبي فَقَدِمَ وأسلم وحَسُنَ إسلامه. عكرمة بن أبي جهل وأما ابنُ خطل، والحارث، ومَقِيس، وإحدى القَينتين، فقُتِلُوا، وكان مقيسٌ، قد أسلم، ثم ارتدَّ وقَتَلَ، ولَحِقَ بالمشركين، وأما هبَّار بن الأسود، فهو الذي عرض لزينبَ بنتِ رسول الله ﴿ ﴿ حين هاجرت، فنخَس بها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينَها، ففرَّ، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامُه. واستؤمن رسولُ الله ◌ََّلِسارة ولإِحدى القَينتين، فأمَّنَّهُمَا فأسلمتا. خطبة الفتح فلما كان الغدُ مِن يوم الفتح، قامَ رسولُ اللهِ وَّ في الناس خطيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ومجَّده بما هُوَ أهلُه، ثم قال: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ، فهِي حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلاَ يَحِلّ لامْرِىء يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ أنْ يَسْفِكَ فيها دَماً أَوْ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فإنْ أَحَدٌ تَرَأَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ الله ◌ِّ فقولوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإِنَّمَا ١٩٦ في الجهاد: باب أمان النساء وجوارهن، ومسلم ٤٩٨/١ (٣٣٦)، (٨٢) في = صلاة المسافرين وقصرها: باب استحباب صلاة الضحى. ٣٦٢ من أمر * بقتلهم ١ حَلَّتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهارِ، وقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بالأمْس، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائبَ)»(١) . ولما فتح اللَّهُ مكة على رسوله، وهي بلدُه، ووطنُه، ومولدُه، قال الأنصار إيثاره آلّ المدينة على مكة فيما بينهم: أترون رسولَ الله ◌َّ إذ فتحَ الله عليه أرضَه وبلدَه أن يُقيمَ بها، وهو يدعو على الصفا رافِعاً يديه؟ فلما فرغ من دُعائه، قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسولَ الله، فلم يَزَلْ بهم حتَّى أخبروه، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((مَعَاذَ الله، المحْيَا مَحياكُم، والمَمَاتُ مَمَانُكم»(٢) . وهمَّ فضالةُ بن عُمير بن الملوّح أن يقتُلَ رسولَ اللهِ لَه وهو يطوف بالبيت، منهم بقتل النبي ◌َّ فلما دنا منه، قال له رسولُ الله ◌ِّرَ: أفضَالة؟ قال: نعم فضالة يا رسولَ الله، قال: ماذا كنتَ تُحَدِّثُ به نفسَك؟ قال: لا شيء كنتُ أذكر الله، فَضَحِكَ النبيُّ ◌َه ثم قال: ((اسْتَغْفِرِ الله))، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، وکان فضالة يقول: والله ما رَفَعَ يدَه عن صدري حتى ما خَلَقَ اللهُ شيئاً أحبّ إليَّ منه، قال فَضالة: فرجعتُ إلى أهلي، فمررتُ بامرأة كنتُ أتحدث إليها، فقالت: هلمَّ إلى الحدیث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول: يأْبَى عَلَيْك اللَّهُ والإِسْلاَمُ قَالَتْ هَلُمَّ إلى الحَدِيث فَقُلْتُ لا بِالفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ لَوْقَدْرَأَيْتِ مُحَمَّداً وقَبِيلُهُ (١) أخرجه البخاري ١٧/٨ في المغازي: باب منزل النبي ◌َّل يوم الفتح، وفي العلم: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، وفي الحج: باب لا يعضد شجر الحرم، ومسلم (١٣٥٤) في الحج: باب تحريم مكة، والترمذي (٨٠٩)، والنسائي ٢٠٤/٥ و٢٠٥ و٢٠٦، وأحمد ٣١/٤، ٣٢ من حديث أبي شريح. وأخرجه مسلم (١٣٥٣)، والنسائي ٢٠٣/٥ من حديث ابن عباس، وأخرجه مسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه مسلم (١٧٨٠) في الجهاد والسير: باب فتح مكة، وأحمد ٥٣٨/٢ من حديث أبي هريرة. ٣٦٣ فرار صفوان وعكرمة لرَأَيْتِ دِينَ اللَّهِ أَضْحَى بَيِّناً والشّرْكُ يَغْشَى وَجْهَه الإِظْلامُ(١) وفَّر يومئذ صفوان بن أمية، وعكرمةُ بنُ أبي جهل، فأما صفوانُ، فاستأمن له عُمِيرُ بن وهب الجُمَحِي رسولَ الله ◌َيٌ، فأمَّنه وأعطاه عِمامته التي دخل بها مكة، فلحقه عميرٌ وهو يُريدُ أن يركب البحر فردّه، فقال: اجعلني فيه بالخيار شهرين، فقال: أنت بالخيارِ فيه أربعة أشهر(٢). إسلام زوجة عكرمة وكانت أمُ حكيم بنتُ الحارث بن هشام تحتَ عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت، واستأمنت له رسولَ الله ◌َل﴾، فأمنه فَلَحِقَتْ بِهِ بالیمن، فأمنته فردَته، وأقرهما رسولُ الله ◌َّ هو وصفوان على نكاحهما الأول(٣). ثم أمرَ رسولُ الله ◌َّ تميم بن أسيد الخُزاعي فجدد أنصاب الحرم(٤). كسر الأوثان وبث رسول الله ◌َّ سراياه إلى الأوثان التي كانت حولَ الكعبة، فكُسِّرَتْ كُلُّهَا مِنها اللات والعُزَّى، ومنَاةُ الثالثةُ الأخرى، ونادى منادِيهِ بمكة ((مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فلا يَدَغْ فِي بَيْتِهِ صَنماً إِلَّ كَسَرِه)). هدم خالد للعزى فبعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى لِخمس ليال بقينَ من شهر رمضان ليهدمها، فخرج إليها في ثلاثين فارساً مِن أصحابِهِ حتَّى انْتَهَوا إليها، فهدمها ثم رجع إلى رسولِ الله وَّمَ فأخبره، فقال: ((هَلْ رَأَيْتَ شَيْئاً؟)) قال: لا، قال: ((فِإِنَّكَ لم تَهْدِمْهَا فَارْجِعْ إليها فاهدِمْهَا)) فرجع خالد وهو متغيّظ فجرَّد سيفَه، فخرجت إليه امرأة عجوز عُريانة سوداءُ ناشرة الرأس، فجعل السَّادِنُ يصيحُ بها، فضربها خالد فجزلَها باثنتين، ورجع إلى رسول الله وَّه فأخبره، فقال: ((نَعَمْ تِلْكَ العُزَّى، وقَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ في بِلاَدِكُمْ أَبَداً) وكانت بنخلة(٥)، وكانت لِقريش وجميعٍ بني (١) ابن هشام ٢/ ٤١٧. (٢) ابن هشام ٤١٨/٢. (٣) ابن هشام ٤١٨/٢. (٤) حجارة تجعل علامات بين الحل والحرم. (٥) على يوم من مكة. ٣٦٤ كِنانة، وكانت أعظمَ أصنامِهم، وكان سدنتُها بني شيبان (١). ثم بعثَ عمرو بن العاص إلى سُواع، وهو صنم لهُذَيْل ليهدمه، قال عمرو: هدم ابن العاص اسواع فانتهيتُ إليه وعنده السادِن، فقال: ما تُريد؟ قلتُ: أمرني رسولُ اللهِ وَّ أن أَهْدِمَه، فقال: لا تَقدِرُ على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع. قلتُ: حتَّى الآن أنت عَلَى الباطِلِ، ويحك فهل يَسْمَعُ أو يُبْصِرُ؟ قال: فدنوتُ منه فكسرتُه، وأمرتُ أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم نجدْ فيه شيئاً، ثم قلتُ للسَّادِن: كيفَ رأيتَ؟ قال: أسلمتُ لله(٢). ثم بعثَ سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمُشَلِّل عند قُديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فخرج في عشرين فارساً حتى انتهى إليها وعندها سادِنٌ، فقال السَّادِنُ: ما تُريدُ؟ قلتُ: هَدْمَ مَنَاة، قال: أنتَ وذاك، فأقبل سعدٌ يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عُريانة سوداءُ، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتَضْرِبُ صدرَها، فقال لها السَّادِنُ: مناة دونك بعضَ عُصاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم، ومعه أصحابه فهدمه، وكسروه، ولم يجدوا في خزانته =(٣) شيئاً (٧). هدم سعد بن زيد الأشهلي لمناه ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة قال ابنُ سعد: ولما رجع خالد بن الوليد من هَدْم العُزَّى، ورسول الله ◌َِّ مقيمٌ بمكة، بعثه إلى بني جُذَيمة داعياً إلى الإِسلام، ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً مِن المهاجرين والأنصار وبني سُليم، فانتهى إليهم، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلَّينا وصدَّقنا بمحمد وبنينا المساجدَ في ساحتنا، وأذنًّا فيها، قال: فما بالُ السلاح عليكم؟ قالوا: إن بينَنا وبَيْنَ قومٍ من ابن سعد ١٤٥/٢، ١٤٦. (١) (٢) ابن سعد ١٤٦/٢. ابن سعد ١٤٦/٢، ١٤٧. (٣) ٣٦٥ العرب عداوةً، فخِفنا أن تكونُوا هم، وقد قيل: إنهم قالوا صبأنا، ولم يُحسِنُوا أن يقولُوا: أسلمنا، قال: فضعُوا السلاح، فوضعُوه، فقال لهم: استأسِرُوا، فاستأسَر القومُ، فأمر بعضَهم فكتف بعضاً، وفرَّقهم في أصحابه، فلما كان في السحر، نادى خالد بن الوليد: من كان معه أسيرٌ، فليضرِبْ عُنُقَه، فأما بنو سليم، فقتلُوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أسراهم، فبلغ النبي ◌ِّ. ما صنع خالِدٌ، فقال: ((اللهم إِنِّي أبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ»، وبعث علیاً يُودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم (١) . وكان بين خالدٍ وعبد الرحمن بن عوف كلامٌ وشرٌ في ذلك، فبلغ النبي ◌ََّ، فقال: ((مَهْلاَ يَا خَالدُ دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبَاً ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكْتَ غَذْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلاَ رَوْحَتَه)(٢). فصل وكان حسانُ بن ثابت رضي الله عنه قد قال في عمرة الحديبية : إنشاد حسان في عمرة الحديبية عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فالجِوَاءُ إِلى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلاَءُ(٣) (١) ((طبقات ابن سعد)) ١٤٧/٢، ١٤٨، وابن هشام ٤٢٨/٢، ٤٣١، وأخرجه البخاري ٤٥/٨، ٤٦ في المغازي: باب بعث النبي ◌ّ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة. (٢) ابن هشام ٤٣١/٢، وأخرجه مسلم (٢٥٤١) في فضائل الصحابة: باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم من حديث أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول اللّه ◌َالَ: ((لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)). (٣) الأبيات في ((ديوان حسان)) ١٧/١، ١٨، و((سيرة ابن هشام)) ٤٢١/٢، ٤٢٤، والسهيلي ٢٨٠/٢، وابن سيد الناس ١٨١/٢، وابن كثير ٥٨٧/٣، ٥٨٨، والجواء: موضع بالشام، وهو منزل الحارث بن أبي شمِر، وعذراء: على بريد من دمشق إلى الشمال الشرقي منها، وبها قتل معاوية بن أبي سفيان حجر بن عدي الكندي الصحابي وأصحابه. ٣٦٦ ديَارٌ مِنْ بَنِي الحَسْحَاسِ قَفْرٌ وكَانَتْ لاَيَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ فَدَعْ هُذَا وَلُكِن مَنْ لِطَيْفٍ الشَعْتَاءَالَّتِي قَدْتَيَّمَتْهُ كَأَنَّ خبيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ إِذَا ما الأشْرِباتُ ذُكِرْنَ يَوْماً نُوَلِّيُها المَلاَمَةَ إِن أَلَمْنَا وَنَشْرَبُهَا فَتْرُكَنَا مُلُوكاً عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا يُنَازِعْنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ تَظَلُّ جِيادُنَا مُتَمَطِّراتٍ تُعَفِّيها الرَّوَامِسُ والسَّمَاءُ(١) خِلاَلَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وشَاءُ يُؤَرِّقُنِي إِذَا ذَهَبَ العِشَاءُ فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ(٢) يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ(٣) فَهُنَّ لِطَيِّبِ الرَّحِ الفِدَاءُ إِذَا مَا كَانَ مَغْتٌ أَوْلِحَاءُ (٤) وَأُسْداً مَا يُنَهْنِهُنا اللِّقَاءُ تُثِيرُ النَّفْعَ مَوْعِدُهَاكَدَاءُ (٥) عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظَّمَاءُ (٦) تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّسَاءُ(٧) (١) الروامس: الرياح التي ترمس الآثار وتغطيها. (٢) شعثاء! هذه التي شبب بها حسان: هي ابنة سلام بن مشكم اليهودي، وقد كانت تحت حسان أيضاً امرأة اسمها شعثاء بنت كاهن الأسلمية ولدت له أم فراس، قاله السهيلي . (٣) الخبيئة: الخمر المصونة المضنون بها، وبيت رأس: حصن بالأردن سمي بذلك لأنه في رأس جبل وهي على بعد نحو أربعة أميال شمال إربد. وخبر ((كأن)) محذوف تقديره: کأن فيها خبيئة. (٤) المغث: القتال، واللحاء: السباب: يقول: فإذا كان ذلك منا حملناه على الخمر، يقال: ألام الرجل يُليم إلامة: إذا أتى ما يلام عليه. (٥) النقع: الغبار، وكداء: الثنية التي في أصلها مقبرة مكة. (٦) رواية الديوان: يُبِرِينَ الأَسِنَّة مُصْغِیاتٍ ومباراتها الأسنة: هو أن يضجع الرجل رمحه، فكأن الفرس يركض ليسبق السنان، والمصغيات: الموائل المنحرفات للطعن، والأسل: الرماح. (٧) متمطرات: خارجات من جمهور الخيل من سرعتها، وتلطمهن: تضرب النساء وجوههن لتردهن، والخُمر: جمع خمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ونقل ابن = ٣٦٧ فإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اغْتَمَرْنا وِإِلَّفَاصْبِرُوالجِلادِيَوْمِ وجِبْريلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَاً وقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْداً شهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا صدِّقُوهُ وقَالَ اللَّهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْداً لنَا فِي كُلِّيَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ فَنُحْكِمُ بِالقَوَافِي مَنْ هَجَانًا ألاَ أَبْلِغْ أَبَاسُفْيَانَ عَنِّي بِأَنَّسيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدَاً هجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ أَتَهْجُوهُوَلَسْتَلَهُبِكُفْءٍ هَجَوْتَ مُبَاركاً بَرًّا حَنِيفاً وَكَانَ الفَتْحُ وَانْكَشَفَ الغِطَاءُ يُعِزُّاللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ يَقُولُ الحَقِّإِنْ نَفَعَ البَلاَءُ فَقُلْتُمْ لاَ نَقُومُ ولا نَشَاءُ هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللَّقَاءُ سِبَابٌ أَوْقِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ (١) وَعَبْدُ الدَّارِ سادَتُهَا الإِمَاءُ وَعِنْدَ الله في ذَاكَ الجَزَاءُ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ (٢) أَمِينَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ دريد في ((الجمهرة)) أن الخيل كان يروي البيت: تُطَلِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ تظلّ جيادُنا متمطرات وينكر ((تلطمهن)) ويجعله بمعنى ينفض النساء بخمرهن ما عليهن من غبار من الطلم .وهو ضربك خبزة الملة بيدك لتنفض ما عليها من الرماد. يعني أبا سفيان بن الحارث، والأبيات قيلت في هجائه، وكان يألف النبي صل في (١) الجاهلية، فلما بعث، عاداه وهجاه، ثم أسلم عام الفتح وشهد حنيناً، والمغلغلة: الرسالة، وبرح الخفاء: انكشف الستر واتضح الأمر. ويروى الشطر الثاني من البيت: فأنت مجوَّف نَخِبٌ هواءُ يقال: رجل نخب ومنخوب ومنتخب الفؤاد، أي: ذاهب العقل، والهواء: الجبان لأنه لا قلب له، فكأنه فارغ وفي التنزيل: (وأفئدتهم هواء). (٢) قال السهيلي: وفي ظاهر اللفظ بشاعة، لأن المعروف ألا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر ... ولكن سيبويه قال في كتابه: تقول: ((مررت برجل شر منك)) إذا نقص عن أن يكون مثله، وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الأول، ونحو منه قوله عليه السلام: ((شر صفوف الرجال آخرها)) يريد نقصان حظهم عن حظ الأول. ٣٦٨ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ(١) أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ فإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وعِرْضِي لِسَانِي صَارِمٌ لاَ عَيْبَ فِيهِ فصل في الإِشارة إلى ما في الغزوة مِن الفقه واللطائف كانت صلحُ الحديبية مقدِّمةً وتوطئة بينَ يدي هذا الفتح العظيم، أَمِنَ الناسُ به، وكلَّم بعضهم بعضاً وناظره في الإِسلام، وتمكن مَن اختفى مِن المسلمين بمكة من إظهار دينه، والدعوة إليه، والمناظرةِ عليه، ودخل بسببه بشرٌ كثيرٌ في الإِسلام، ولهذا سماه الله فتحاً في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيناً﴾ [الفتح: ١]، نزلت في شأن الحُديبية، فقال عمر: يا رسول الله! أو فتحٌ هو؟ قال: ((نعم))(٢). وأعاد سبحانه وتعالى ذكر كونه فتحاً، فقال: ﴿لقد صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرؤيا بالحقِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لم تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذُلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: ٢٧] وهذا شأنه ــ سبحانه ـــ أن يُقدِّم بين يدي الأمور العظيمة مقدِّماتٍ تكونُ كالمدخل إليها، المنبهة عليها، كما قدَّم بين يدي قصة المسيح وخلقه مِن غير أب، قِصة زكريا، وخلقِ الولد له مع كونه كبيراً لا يُولد لمثله، وكما قدَّم بين يدي نسخ القِبلة قصةَ البيت وبنائه وتعظيمه، والتنويه بِهِ، وذكر بانيه، وتعظِيمِه، ومدحه، ووطأ قبل ذلك كُلُّه بذكر النسخ، وحكمته المقتضية له، وقدرته الشاملة له، وهكذا ما قدَّم بين يدي مبعث رسوله ◌َ﴿، من قصة الفيل، وبِشارات الكُهَّان به، وغير ذلك، وكذلك الرُّؤيا الصالحة لرسول الله ◌َيٍّ كانت مقدِّمةً بين يدي من شأنه سبحانه تقديم مقدمات بين يدي الأمور العظيمة تكون كالمدخل إليها المنبهة لها كقصة المسيح ونسخ القبلة وغيرهما (١) الهمزة للاستفهام الإنكاري، أي لا يستوي من هجاه منكم ومن مدحه منا، فكيف تهجوه وتجعل نفسك نظیرا له. (٢) أخرجه أبو داود (٢٧٣٦) في الجهاد: باب فيمن أسهم له سهماً. من حديث مجمع بن جارية الأنصاري، وسنده حسن. ٣٦٩ الوحي في اليقظة، وكذلك الهجرة كانت مقدمةً بين يدي الأمر بالجهاد، ومن تأمل أسرار الشرع والقدر، رأى من ذلك ما تَبْهَرُ حِكمتُه الألباب. فصل وفيها: أن أهل العهد إذا حاربُوا مَن هم في ذمة الإِمام وجواره وعهده، صارُوا حرباً له بذلك، ولم يبق بينهم وبينه عهدٌ، فله أن يُبَيِّهم في ديارهم، ولا يحتاجُ أن يُعلِمَهُمْ على سواء، وإنما يكون الإِعلامُ إذا خاف منهم الخيانةَ، فإذا تحقَّقها، صاروا نابذین لعهده. فصل انتقاض عهد الردء والمباشرين إذا رضوا بذلك وفيها: انتقاضُ عهد جميعهم بذلك، رِذْئهم ومُباشِرِيهم إذا رضُوا بذلك، وأقرُّوا عليه ولم يُنكروه، فإن الذين أعانُوا بني بكر مِن قُريش بعضُهم، لم يُقاتِلُوا كُلُّهم معهم، ومع هذا فغزاهم رسولُ الله ◌َّكلَّهم، وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعاً، ولم ينفرِدْ كلُّ واحد منهم بصُلح، إذ قد رَضُوا به وأقرُّوا عليه، فکذلك حُكم نقضهم للعهد، هذا هدئُ رسولِ اللهِ ګالذي لا شك فيه کما تری. وطردُ هذا جريانُ هذا الحكمُ على ناقضي العهد مِن أهل الذمة إذا رضي جماعتُهم به، وإن لم يُباشر كُلُّ واحد منهم ما ينقُضُ عهده، كما أجلى عُمَرُ يهود خيبر لما عدا بعضُهم على ابنه، ورَمَوْه مِن ظهر دار فَفَدَعُوا يده، بل قد قتل رسولُ الله ◌َّ جميع مقاتلة بني قريظة، ولم يسأل عن كل رجل منهم: هل نقض العهد أم لا؟ وكذلك أجلى بني النَّضير كُلَّهم، وإنما كان الذي هَمَّ بالقتلِ رجلان، وكذلك فعلَ ببني قَيْنُفَاع حتى استوهبهم منه عبدُ الله بن أبي، فهذه سيرتُه وهدیُه الذي لا شك فيه، وقد أجمع المسلمون على أن حكم الرِّدء حكمُ المباشِرِ في الجهاد، ولا يُشترط في قسمة الغنيمة، ولا في الثواب مباشرةُ كل واحدٍ واحد القتال. وهذا حكمُ قطاع الطريق، حكمُ ردئهم حكمُ مباشرهم، لأن المباشِرَ إنما ٣٧٠ باشر الإِفساد بقوة الباقين، ولولاهم ما وصل إلى ما وصل إليه، وهذا هو الصوابُ الذي لا شك فيه، وهو مذهبُ أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم. فصل وفيها: جوازُ صلح أهلِ الحرب على وضع القِتال عشرَ سنين، وهل يجوزُ فوق ذلك؟ الصواب: أنه يجوزُ للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعفٌ وعدوُّهم أقوى منهم، وفي العقد لِما زاد عن العشر مصلحةٌ للإسلام. فصل وفيها: أن الإِمام وغيرَه إذا سُئل ما لا يجوز بذلُه، أو لا يجبُ، فسكت عن بذله، لم يكن سكوتُه بذلاً له، فإن أبا سفيان سأل رسولَ الله ◌َّ تجديدَ العهد، فسكتَ رسولُ الله ◌َِّ، ولم يجبه بشيءٍ، ولم يكن بهذا السكوتِ معاهِداً له. فصل وفيها: أن رسولَ الكفار لا يُقتل، فإن أبا سفيان كان ممن جَرَى عليه حُكْمُ رسول الكفار لا يقتل انتقاض العهد، ولم یقتُله رسولُ الله چ﴾ إذ کان رسول قومه إلیه. فصل وفيها: جوازُ تبييتِ الكفار، ومُغافَضَتُهم(١) في ديارهم إذا كانت قد بلغتهم الدعوةُ، وقد كانت سرايا رسول الله مَّ يُبيِّتُون الكفَّار، ويُغيرون عليهم بإذنه بعد أن بلغتهم دعوتُه. فصل وفيها: جوازُ قتل الجاسوس وإن كان مسلماً لأن عمر رضي الله عنه سأل جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً رسولَ اللهِ ﴾ قتلَ حاطب بن أبي بَلتعةَ لما بعثَ يُخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل (١) أي: أخذهم على غرة. ٣٧١ رسولُ الله ◌َّة: لا يَحِلُّ قتله إنه مسلم، بل قال: ((ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم)) فأجاب بأن فيه مانعاً من قتله، وهو شهودُه بدراً، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مِثْلُ هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطِب، والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإِمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلحَ، استبقاه. والله أعلم. فصل وفيها: جوازُ تجريدِ المرأة كُلِّها وتكشيفها للحاجة والمصلحةِ العامة، فإن علياً والمقداد قالا للظعينة: لتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لنكْشِفَتَّك، وإذا جاز تجريدُها لحاجتها إلى ذلك حيث تدعو إليها، فتجريدُها لمصلحة الإِسلام والمسلمين أولی. جواز تجريد المرأة للمصلحة العامة فصل وفيها: أن الرجل إذا نَسَبَ المسلم إلى النفاقِ والكُفْرِ متأوّلاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفُر بذلك، بل لا يأثمُ به، بل يُثاب على نيته وقصده، وهذا بِخِلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدَّعوه. فصل وفيها: أن الكبيرةَ العظيمةَ مما دون الشرك قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفَّراً بشهوده بدراً، فإن ما اشتملت عليه لهذه الحسنةُ العظيمةُ مِن المصلحة، وتضمنتهُ مِن محبة الله لها ورضاه بها، وفرحِه بها، ومباهاتِه للملائكة بفاعلها، أعظمُ مما اشتملت عليه سيئةُ الجسِّ مِن المفسدة، وتضمَّنَتْهُ مِن بغضِ الله لها، فغلب الأقوى على الأضعفِ، فأزاله، الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية ٣٧٢ وأبطل مقتضاه، وهذه حكمةُ الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات، الموجبينِ لصحةِ القلب ومرضه، وهي نظيرُ حكمته تعالى في الصحة والمرضِ اللاحِقين للبدن، فإن الأقوى منهما يَقْهَرُ المغلوبَ، ويصير الحكمُ له حتى يذهبَ أثرُ الأضعف، فهذه حِكمتُه في خلقه وقضائه، وتلك حِكمته في شرعه وأمره. وهذا كما أنه ثابت في محو السيئاتِ بالحسنات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيَّاتِ﴾ [هود: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُم سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله ◌َّةِ: ((وأتبع السَّيَِّةَ الحَسَنَة تَمْحُها)»(١) فهو ثابت في عكسه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمِنِّ والأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ نِبَعْضٍ أَنْ تَحْبِطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُم لاَ تَشْعُرُون﴾ [الحجرات: ٢]. وقول عائشة، عن زيد بن أرقم أنه لما باع بالعينة: ((إِنَّهُ قَد أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللهَِّةٍ إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ))(٢)، وكقوله ◌َُّ في الحديث الذي رواه البخاري في ((صحيحه)): ((مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ حَبِطَ (١) حديث صحيح أخرجه الترمذي (١٩٨٨)، وأحمد ١٥٣/٥ و١٥٨ و٢٢٨ و٢٣٦، والدارمي ٣٢٣/٢ من حديث أبي ذر ومعاذ بن جبل عن رسول الله بحثّ قال: ((اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)). (٢) أخرجه الدار قطني ٣١١/٢، والبيهقي ٣٣٠/٥ عن أبي إسحاق، عن العالية أن امرأة أتت عائشة، فسألتها عن عبد باعته من زيد بن أرقم بثمانمائة نسيئة، واشترته منه بستمائة نقداً، فقالت عائشة رضي الله عنها: ((بئس ما اشتريت وبئس ما ابتعت أبلغي إلا أن يتوب)) ورجاله ثقات، والعالية، زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله روى عنها زوجها وابنها وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في ((الثقات)) وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك وابن حنبل، والحسن بن صالح، ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) أن صاحب ((التنقيح)) جود إسناده. ٣٧٣ عَمَلُهُ)) (١)، إلى غير ذلك من النصوص والآثار الدالة على تدافُع الحسناتِ والسيئات، وإبطالِ بعضها بعضاً، وذهابٍ أثر القوي منها بما دونَه، وعلى هذا مبنى الموازنة والإحباط. وبالجملة فقوة الإِحسان ومرضُ العصيان متصاولان ومتحارِبان، ولهذا المرض مع هذه القوة حالة تزايد وترام إلى الهلاك، وحالةُ انحطاط وتناقص، وهي خيرُ حالات المريض، وحالةُ وقوف وتقابل إلى أن يقهرَ أحدُهما الآخر، وإذا دخل وقتُ البُحران (٢) وهو ساعة المناجزة، فحظُّ القلب أحدُ الخطتين: إما السلامةُ وإما العطبُ، وهذا البُحران يكونُ وقتَ فعلِ الواجبات التي تُوجِبُ رضى الربِّ تعالى ومغفرته، أو تُوجِبُ سُخْطَه وعقوبَتَه، وفي الدعاء النبوي: ((أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ)(٣)، وقال عن طلحة يومئذ: ((أَوْجَبَ طَلْحَةُ))(٤) ورفع إلى النبيِّ مََّ رجلٌ وقالوا: يا رسولَ الله إنه قد أوجب، فقال: ((أَعْتِقُوا عَنْهُ))(٥). وفي الحديث الصحيح: (أَتَدْرُونَ مَا المُوجِبَتَان؟)) قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم. قال: ((مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّار))(٦) ، (١) أخرجه البخاري ٢٦/٢ في مواقيت الصلاة: باب من ترك العصر من حديث بريدة بن الحصيب . (٢) قال في ((اللسان)): والأطباء يسمون التغير الذي يحدث للعليل دفعة واحدة في الأمراض الحادة بُحراناً. أخرجه الترمذي (٤٧٩١)، وابن ماجه (١٣٨٤) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، (٣) وفي سنده فائد بن عبد الرحمن وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٢٥/١ من حديث ابن مسعود وصححه، ووافقه الذهبي. أخرجه أحمد ١٦٥/١، والترمذي (٣٧٣٩) وسنده قوي، وصححه ابن حبان (٤) (٢٢١٢)، والحاكم ٣٧٤/٣ ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حديث حسن. (٥) أخرجه أبو داود (٣٩٦٤) في العتق: باب في ثواب العتق، وفي سنده الغريف بن الديلمي لم يوثقه غير ابن حبان، وقوله: ((أوجب)) يعني: النار بالقتل. (٦) أخرجه مسلم (٩٣) في الإيمان: باب من لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة من حديث جابر بن عبد الله. ٣٧٤ يريد أن التوحيد والشِّرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السمِّ القاتِل قطعاً، والترياق المنجي قطعاً. وكما أن البدن قد تَعْرِضُ له أسبابٌ رديئة لازمة تُوهِنُ قوَّته وتُضعِفُها، فلا ينتفعُ معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تُحيلُها تلك المواد الفاسدة إلى طبعها وقوَّتها، فلا يزدادُ بها إلا مرضاً، وقد تقومُ به موادٌ صالحة وأسبابٌ موافقة تُوجِبُ قوَّتَه، وتُمَكِّنُه مِن الصحة وأسبابها، فلا تكادُ تضرُّه الأسبابُ الفاسِدةُ، بل تُحيلها تلك الموادُّ الفاضلة إلى طبعها، فهكذا موادُّ صحة القلبِ وفساده. قوة إيمان حاطب في شهود بدر محت ما صنع فتأمل قوة إيمانِ حاطب التي حملته على شهودٍ بدر، وبذلِه نفسَه مع رسولِ اللهَ بَّ، وإيثارِهِ الله ورسولَه على قومه وعشيرتِه وقرابته وهم بين ظهراني العدُوِّ، وفي بلدهم، ولم يَثْنِ ذُلكَ عِنَانَ عزمِه، ولا فَلَّ مِن حَدِّ إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربُه عندهم، فلما جاء مرضُ الجسِّ، برزت إليه هذه القوةُ، وكان البُحرانُ صالحاً فاندفع المرض، وقام المريض، كأن لم يكن به قَلبَةٌ ولما رأى الطبيبُ قوةَ إيمانه قد استعلت على مرض جَسِّه وقهرته، قال لمن أراد فصده: لا يحتاجُ هذا العارض إلى فصاد، ((ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) وعكس هذا ذو الخُويصِرَة التميمي وأضرابه مِن الخوارج الذين بلغ اجتهادُهم في الصلاةِ والصِّيَامِ والقراءة إلى حد يَحْقِرُ أحدُ الصحابة عملَه معه كيف قال فيهم: ((لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لِأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عادٍ»، وقال: ((اقْتُلُوهُم فإنَّ في قَتْلِهِمْ أَجْرَاً عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ)). وقال: ((شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ)) (١) فلم ينتفِعُوا بتلك الأعمال العظيمةِ مع تلك المواد الفاسدة المهلكةِ واستحالت فاسدةً. (١) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد و (١٠٦٧) من حديث أبي ذر، وأحمد ٢٥٣/٥ و٢٥٦، والترمذي (٣٠٠٣) من حديث أبي أمامة، وسنده حسن. ٣٧٥ وتأمَّل في حال إبليس لما كانت المادةُ المهلكة كامنة في نفسه، لم ينتفعْ معها بما سلف مِن طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هُوَ أولى به، وكذلك الذي آتاه اللَّهُ آيَاتِهِ، فانسلخَ مِنها، فأتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، فكان مِن الغاوين وأضرابُه وأشكالُه، فالمعوَّلُ على السرائر والمقاصد والنِّيَاتِ والهِمم، فهي الإِكسير الذي يَقْلِبُ نحاسَ الأعمال ذهباً، أو يُرُدُّها خَبَثاً، وبالله التوفيق. ومن له لُبِّ وعقل، يعلم قَدْرَ هُذِهِ المسألة وشِدَّةَ حاجته إليها، وانتفاعه بها، ويطَّلِعُ منها على باب عظيم مِن أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته في خلقه، وأمره، وثوابِهِ، وعِقابه، وأحكامِ الموازنة، وإيصالِ اللذة والألم إلى الروح والبدن في المعاش والمعاد، وتفاوتِ المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائمٌ على كُلِّ نفس بما كسبت. فصل وفي هذه القصة جوازُ مباغتة المعَاهَدين إذا نقضُوا العهد، والإغارةُ عليهم، وألا يُعلمهم بمسيره إليهم، وأما ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد، فلا يجوزُ ذلك حتى يَنْبِذَ إليهم على سواء. جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد فصل وفيها: جواز بل استحباب كثرة المسلمين وقوتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل العدوِّ إذا جاؤوا إلى الإِمام كما يفعل ملوك الإِسلام، كما أمر النبي ◌َّيّ بإيقاد النيران ليلة الدخول إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل، وهو ما تضايق منه حتى عرضت عليه عساكر الإِسلام، وعصابة التوحيد وجند الله، وعرضت عليه خاصِكية(١) رسول الله ◌َليل وهم في السلاح منهم إلا الحدق، ثم أرسله، فأخبر قريشاً بما رأى . استحباب كثرة المسلمين لرسل العدو إذا جاؤوا إلى الإمام (١) هم الجند الخاص بحراسة الأمير. ٣٧٦ فصل جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله والمسلمون، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أنه لا يدخلها من أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، واختُلِفَ فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخولُ لحاجة متكررة، كالحشَّاشِ والحطَّاب، على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يجوزُ دخولُها إلا بإحرام، وهذا مذهب ابنِ عباس رضي الله هل يجوز مكة بغير إحرام عنه، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه. لمن لم يرد الحج و العمر ة؟ والثاني: أنه كالحشَّاش والحطَّاب، فيدخُلها بغير إحرام، وهذا القولُ الآخر للشافعي، ورواية عن أحمد. والثالث: أنه إن كان داخِلَ المواقيت، جاز دخولُه بغير إحرام، وإن كان خارجَ المواقيت، لم يدخُلْ إلا بإحرام، وهذا مذهب أبي حنيفة وهديُ رسول الله ﴾ معلومٌ في المجاهد، ومريدِ النُّسك، وأما مَنْ عداهما فلا واجبَ إلا ما أوجبه اللَّهُ ورسولُه، أو أجمعت عليه الأمةُ. فصل وفيها البيانُ الصريح بأن مكة فُتِحَتْ عَنْوةً كما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم، ولا يُعرف في ذلك خلاف إلاّ عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضحُ شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولما استهجن أبو حامد الغزالي القول بأنها فُتِحَتْ صلحاً، حكى قول الشافعي أنها فُتِحَتْ عَنوة في ((وسيطه))، وقال: هذا مذهبه . فتحت مكة عنوة والخلاف في قسم الغنائم قال أصحاب الصلح: لو فتحت عَنوة، لقسمها رسولُ الله ◌َّة بين الغانمين كما قسم خبير، وكما قسم سائر الغنائم مِن المنقولات، فكان يُخمسها ويَقْسِمُها، قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم، فأمنهم، كان هذا عقد صلح معهم، قالوا: ولو فُتِحَتْ عَنوة، لملك الغانمون رِباعها ودورها، وكانوا أحقَّ بها ٣٧٧ من أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيثُ لم يحكم رسولُ الله ◌َّ فيها بهذا الحُكم، بل لم يَرُدَّ على المهاجرين دُورَهُم التي أُخْرِجُوا منها، وهي بأيدي الذين أخرجوهم، وأقرَّهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، والانتفاع بها، وهذا مناف لأحكام فتوح العَنوة، وقد صرح بإضافة الدور إلى أهلها، فقال: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ، فَهُوَ آمِنٌ » . قال أرباب العَنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيَّد بدخول كُلِّ واحد داره، وإغلاقِه بابه، وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يُقاتِلْهم خالد بن الوليد حتى قتل منهم جماعة، ولم ينكر عليه، ولَمَا قَتَلَ مَقيسَ بن صُبابة وعبدَ الله بن خَطَلٍ ومن ذُكِرَ معهما، فإن عقد الصلح لو كان قد وقع، لاستثني فيه هؤلاء قطعاً، ولنقل هذا وهذا، ولو فُتِحَتْ صُلحاً، لم يُقاتِلْهم، وقد قال: ((فإنْ أَحَدٌ تَرخّصَ بقتال رَسُولِ اللهِ يَّةِ، فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ))، ومعلوم أن هذا الإذن المختصَّ برسول الله بََّ، إنما هو الإِذن في القتال لا في الصلح، فإن الاذن في الصلح عام. وأيضاً فلو كان فتحُها صلحاً، لم يقل: إن الله قد أحلها له ساعةً من نهار، فإنها إذا فُتِحَت صُلحاً كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصُّلْح عن الحرمة، وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حراماً، وأنها بعد انقضاء ساعة الحرب عادت إلى حُرمتها الأولى. وأيضاً فإنها لو فُتِحَتْ صُلحاً لم يعبىءْ جيشه: خيالتَهم ورجالتَهم مَيمنةً ومَيسرة، ومعهم السِّلاح، وقال لأبي هريرة: ((اهتِفْ لي بالأنصَارِ))، فهتفَ بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسولِ الله ◌ِّ، فقال: ((أَتَرْونَ إلى أَوْبَاشِ قُرَيْش وأُتْبَاعِهِمْ))، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: ((احْصُدُوهُمْ حَصْدَاً حَتَّى توافُونِي عَلَى الصَّفَا»، حتى قال أبو سفيان: يا رسولَ الله: أبيحت خضراءُ قريش، لا قريشَ بعد اليوم. فقال رسول الله مَ ﴿: ((مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَهُوَ آمِنٌ)). وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإن کان قد تقدم صلح۔۔ وگلاً - فإنه ينتقِضُ بدون هذا. ٣٧٨ وأيضاً فكيف يكون صلحاً، وإنما فتحت بإيجاف الخيلِ والرِّكاب، ولم يَحبِس اللَّهُ خيل رسوله ورِكابه عنها، كما حبسها يومَ صُلح الحُدَيبية، فإن ذَلكَ اليومَ كان يومَ الصلح حقاً، فإن القَصواء لما بركت به، قالوا: خَلاَّتِ القَصْوَاءُ، قال: ((ما خلأت وما ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ»، ثم قال: ((واللَّهِ لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةً مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمُوهَا)). وكذلك جرى عقدُ الصلح بالكتاب والشهود، ومحضرٍ ملاٍ من المسلمين والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثلُ هذا الصلح في يومٍ الفتح، ولا يُكتب ولا يُشهد عليه، ولا يحضُرُه أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط فيه، هذا مِن الممتنع البِّينِ امتناعه، وتأمل قوله: ((إن اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَّةَ الفيلَ، وسلط عليها رسولَه والمؤمنين))، كيف يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم مِن قهر الفيل الذي كان يدخلُها عليهم عَنوة، فحبسه عنهم، وسلَّط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها عنوة بعد القهر، وسلطان العنوة، وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجَلَّ قدراً، وأعظمَ خطراً، وأظهرَ آيةً، وأتمَّ نُصرةً، وأعلى كلمةً من أن يدخلهم تحت رِقِّ الصلح، واقتراحِ العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العَنوة وعِزَّها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله، وأعزَّ به دینه، وجعله آیةً للعالمين. قالوا: وأما قولكم: إنها لو فُتِحَت عنوة، لقُسِمت بين الغانمين، فهذا مبنيٌّ على أن الأرض داخلةٌ في الغنائم التي قسمها اللَّهُ سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها، وجمهورُ الصحابة والأئمةِ بعدهم على خِلافِ ذلك، وأن الأرضَ ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتُها، وهذه كانت سيرةَ الخُلفَاءِ الراشدين، فإن بلالاً وأصحابَه لما طلبوا مِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسِمَ بينهم الأرض التي افتتحوها عَنوة وهي الشامُ وما حولها، وقالوا له: خُذ خُمسها واقسِمْهَا، فقال عمر: هذا غيرُ المال، ولكن أحبسه فيئاً يجري عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال، وأصحابه رضي الله عنهم: اقسمها بينَنَا، فقال عمر: ٣٧٩ (اللهمَّ اكْفِي بلالاً وذَوِيِهِ))، فما حال الحولُ ومنهم عين تَطْرِفُ، ثم وافق سائِرُ الصحابة - رضي الله عنهم - عمر - رضي الله عنه ــ على ذلك، وكذلك جرى في فتوح مِصرَ والعِراق، وأرضٍ فارس، وسائرِ البلاد التي فُتحتْ عَنوة لم يَقْسِمْ منها الخلفاءُ الراشدون قريةً واحدة. ولا يَصحُّ أن يُقال: إنه استطابَ نفوسَهم، ووقفها برضاهم، فإنَّهم قد نازعُوهُ في ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلالٍ وأصحابه - رضي الله عنهم - وكان الذي رآه وفعله عينَ الصواب ومحضَ التوفيق، إذ لو قُسِمَتْ، لتوارثها ورثةُ أولئك وأقاربهم، فكانت القريةُ والبلدُ تصير إلى امرأة واحدة، أو صبيٍّ صغير، والمقاتلة لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظمُ الفسادِ وأكبرُه، وهذا هو الذي خاف عمرُ رضي الله عنه منه، فوفَّقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفاً على المقاتلةِ تجري عليهم فيئاً حتى يغزوَ منها آخِرُ المسلمين، وظهرت بركةُ رأيه ويُمنه على الإسلام وأهله، ووافقه جمهور الأئمة. واختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإِمام أحمد وأكثرُ نصوصه، على أن الإِمام مخيّر فيها تخييرَ مصلحة لا تخييرَ شهوة، فإن كان الأصلحُ للمسلمين قسمتَها، قسمها، وإن كان الأصلحُ أن يَقِفَها على جماعتهم، وقفها، وإن كان الأصلحُ قِسمة البعضِ ووقفَ البعض، فعلَه، فإن رسول الله فعل الأقسام الثلاثة، فإنه قَسَمَ أرض قُريظة والنَّضير، وترك قِسمة مكة، وقسمَ بعضَ خيبر، وترك بعضَها لما يَنُوبُهُ مِن مصالح المسلمين . وعن أحمد روايةٌ ثانية: أنها تصير وقفاً بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن يُنشىء الإِمام وقفها، وهي مذهب مالك. وعنه رواية ثالثة: أنه يقسِمُها بين الغانمين، كما يَقْسِمُ بينهم المنقولَ، إلا أن يتركوا حقوقَهم منها، وهي مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: الإِمام مخيّر بين القسمة، وبين أن يُقِرَّ أربابَها فيها بالخراج، وبين أن يُجليَهم عنها وينفذ إليها قوماً آخرين يضِربُ عليهم الخراجَ. ٣٨٠