Indexed OCR Text
Pages 341-360
المدينة عشرةُ أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان. قال ابن سعد: بلغ رسولَ الله ◌َ أن جمعاً مِن قُضاعة قد تجمّعُوا يُرِيدُونَ أن يدنُوا إلى أطراف المدينة، فدعا رسولُ الله بَّ عمرو بن العاص، فعقد له لواءً أبيض، وجعل معه رايةً سوداءَ، وبعثه في ثلاثمائة مِن سَراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرساً، وأمره أن يستعينَ بمن مرّ به من بَلِيٍّ، وعُذْرَة، وبَلْقَينِ، فسار الليل، وكَمَن النهار، فلما قَرُبَ مِن القوم، بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافِعُ بن مَكِيثِ الجُهَني إلى رسولِ الله وَّ يستمدُّه، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين، وعقد له لِواء، وبعث له سَراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر، وعمرُ، وأمره أن يلحقَ بعمرو، وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فلما لحق به، أراد أبو عبيدةَ أن يَؤُمَّ الناسَ، فقال عمرو: إنما قَدِمْتَ عليَّ مدداً وأنا الأميرُ، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو يُصلِّ بالناس، وسار حتى وطىء بلاد قضاعة، فدوَّخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم. ولقي في آخرِ ذلك جمعاً، فحمل عليهم المسلمون فهربُوا في البلاد، وتفرَّقُوا، وبعثَ عوفَ بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله ﴿فأخبره بقُفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم (١). وذكر ابنُ إسحاق نزولَهم على ماء لِجُذام يقال له: السلسل، قال: وبذلك سميت ذات السلاسل. قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عامر قال: بعثَ رسولُ الله ◌ٌَّ جيشَ ذاتِ السَّلاسلِ، فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرينَ، واستعمل عَمْرو بنَ العاص على الأعراب، وقال لهما: (تَطَاوَعا)) قال: وكانوا أُمِرُوا أن يُغيرُوا على بكر، فانطلق عمرو، وأغار على قُضاعة لأن بكراً أخوالُه، قال: فانطلق المغيرةُ بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إنَّ رسول الله ب استعملك علينا، وإن ابن فلان قد اتبع أمر القوم، فليس لك (١) ((طبقات ابن سعد)) ٢/ ١٣١. ٣٤١ معه أمرٌ، فقال أبو عبيدة: إنَّ رسولَ اللهِ لهِ أمرنا أن نَتَطَاوَعَ، فأنا أُطيع رسولَ الله ◌ِلٍ وإن عصاه عمرو (١). فصل قصة تيمم ابن العاص من الجنابة وفي هذه الغزوة احتلم أميرُ الجيش عمرُو بن العاص، وكانت ليلةً باردة، فخاف على نفسه من الماء، فتيمَّمَ وصلَّى بأصحابه الصُّبح، فذكرُوا ذلك للنبي ◌َّهِ، فقال: ((يا عمرو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟)). فأخبره بالذي منعه مِن الاغتسال، وقال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُم رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩]، فضَحِكَ رسولُ الله ◌َّةٍ ولم يَقُلْ شيئاً(٢) وقد احتجَّ بهذه القِصَّةِ مَنْ قال: إِنَّ التيممَ لا يرفعُ الحدث، لأن النبيَّ ◌َ﴾. سماهُ جُنُباً بعد تيممه، وأجابَ من نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة : أحدها: أن الصحابة لما شَكَوْه قالوا: صلَّى بنا الصبحَ، وهو جنب، فسأله النبيُّ ◌َ عن ذلك وقال: ((صَلَّيْتَ بِأَصحابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟))، استفهاماً واستعلاماً، فلما أخبره بعُذره، وأنه تيمَّم للحاجة، أقره على ذلك. الثاني: أن الرواية اختلفت عنه، فرُوي عنه فيها أنه غسل مغابِنه وتوضَّأ وضوءه للصلاةِ، ثم صلَّى بهم، ولم يذكر التيممَ، وكأن هذه الرواية أقوى مِن رواية التيمم، قال عبد الحق وقد ذكرها وذكر روايةَ التيمم قبلها، ثم قال: وهذا أوصلُ من الأول، لأنه عن عبد الرحمن بن جُبير المصري، عن أبي القيس مولی (١) أخرجه أحمد ١٩٦/١، وفيه انقطاع، لأن عامراً وهو الشعبي لم يدرك عمراً، فأولى أن لم يدرك أبا عبيدة. (٢) أخرجه أبو داود (٣٣٤) في الطهارة: باب إذا خاف الجنب البرد يتيمم، والبيهقي ٢٢٥/١ وسنده قوي، وعلقه البخاري في ((صحيحه)) ٣٨٥/١، وقواه الحافظ، وصححه ابن حبان (٢٠٢)، والحاكم ١٧٧/١، ووافقه الذهبي، وحسنه المنذري، قال الحافظ: وفي الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين، وجواز الاجتهاد في زمن النبي ◌ِ﴾ . ٣٤٢ عمرو، عن عمرو (١). والأولى التي فيها التيمُم، من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، لم يذكر بينهما أبا قيس. الثالث: أن النبيَّ مَّ أراد أن يستعلِمَ فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: ((صَلَّيْتَ بأصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌّ؟))، فلما أخبره أنه تيمَّم للحاجة علم فقهه، فلم يُنكر عليه، ويدل عليه أن ما فعله عمرو من التيمم - والله أعلم - خشيةً الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمم في هذه الحال جائزة غيرُ منكر على فاعلها، فعلم أنه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله أعلم. فصل في سرية الخَبَطَ وكان أميرها أبا عبيدة بن الجراح، وكانت في رجَب سنة ثمانٍ فيما أنبأنا به الحافظ أبو الفتح محمد بن سيِّد الناس في كتاب ((عيون الأثر)» له، وهو عندي وهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قالوا: بعث رسولُ اللهَ وََّ أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمرُ بن الخطاب إلى حيٍّ مِن جُهينة بالقِبْلِيَّة مما يلي ساحِلَ البحر، وبينها وبين المدينة خمسُ ليال، فأصابهم في الطَّرِيق جوٌ شديد، فأكلوا الخَبَطَ، وألقى إليهم البحرُ حوتاً عظيماً، فأكلوا منه، ثمَّ انصرفوا، ولم يلقَوْا كَيْدَاً، وفي هذا نظر، فإن في ((الصحيحين)) من حديث جابر قال: ((بعثنا رسول الله ◌َّ في ثلاثمائة راكب، أميرُنا أبو عبيدة بن الجراح نَرْصُدُ عِيراً لقريش، فأصابنا جوٌ شديد حتى أكلنا الخَبَطَ، فسمي جيشَ الخَبَطِ، فنحر رجلٌ ثلاث جزائر، ثمَّ نحر ثلاث جزائر، ثمَّ نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عُبيدة نهاه، فألقى إلينا البحرُ دابَّةً يقال لها: العنبرُ، فأكلنا منها نصفَ شهر، وادهنا مِن وَدَكها حتى (١) أخرجها أبو داود (٣٣٥) وإسنادها صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٧٨) من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ولم يذكر التيمم. ٣٤٣ ثابتْ إلينا أجسامُنا، وصلُحت، وأخذ أبو عُبيدة ضِلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطولِ رجُلٍ في الجيش، وأطولِ جملٍ، فَحُمِلَ عليه ومر تحتَه، وتزودنا مِن لحمه وَشَائقَ، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسولَ اللهِ لَ، فذكرنا له ذُلِكَ، فقال: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا؟))، فأرسلنا إلى رسولِ اللَّهِ بِ﴾ منه فأكل)»(١) . ترجيح المصنف أنها قبل عمرة الحديبية وليست سنة ثمان قلتُ: وهذا السياقُ يدل على أن هذه الغزوةَ كانت قبل الهُدنة، وقبلَ عُمرةٍ الحُديبية، فإنه مِن حين صالح أهلَ مكة بالحُديبية لم يكن يرصُدُ لهم عِيراً، بل كان زمنَ أمنٍ وهُدنة إلى حين الفتح، ويبعُدُ أن تكون سرية الخَبَطِ على هذا الوجه مرتين: مرة قبل الصُّلح، ومرَّة بعده، والله أعلم. فصل في فقه هذه القصة لم يحفظ عنه # أنه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فیه ولا بعث فیه سریة ففيها جوازُ القِتال في الشَّهرِ الحَرامِ إن كان ذِكْرُ التاريخ فيها برجب محفوظاً، والظاهر - والله أعلم - أنه وهم غيرُ محفوظ، إذ لم يُحفظ عن النبي صل أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار فيه، ولا بعثَ فيه سريّةٌ، وقد عيَّرَ المشركون المسلمين بقتالهم(٢) في أوَّل رجب في قصة العلاء بن الحضرمي، فقالُوا: استحل محمَّدٌ الشهرَ الحرامَ، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فيه قُلْ قِتَالٌ فيه كبيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، ولم يثبت نسخُ هذا بنص (١) أخرجه البخاري ٦٣/٨، ٦٤ في المغازي: باب غزوة سِيف البحر، وفي الشركة: باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، وفي الجهاد: باب حمل الزاد على الرقاب، وفي الذبائح والصيد: باب قول الله تعالى: (أحل لكم صيد البحر) وأخرجه مسلم (١٩٣٥) في الصيد: باب إباحة ميتات البحر، وأبو داود (٣٨٤٠)، والنسائي ٢٠٧/٧، ٢٠٨، وأحمد ٣٠٩/٣، ٣١١ من حديث جابر، والخَبَطُ: ورق السلم، والودك: الشحم، والوشائق: قال أبو عبيد: هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج ويحمل في الأسفار، والوشيقة: الواحدة منه. (٢) وكذا في الأصل، والصواب: آخر. ٣٤٤ يجبُ المصيرُ إليه، ولا أجمعتِ الأمةُ على نسخه، وقد استُدِلَّ على تحريم القِتال في الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥]، ولا حُجة في هذا، لأن الأشهر الحرم ها هنا هي أشهر التسيير الأربعة التي سيَّر الله فيها المشركين في الأرض يأمنُون فيها، وكان أولها يومَ الحج الأكبر عاشرَ ذي الحِجَّة، وآخِرُها عاشِر ربيع الآخر، هذا هو الصحيحُ في الآية لوجوه عديدةٍ، ليس هذا موضَعَها. وفيها: جوازُ أكل ورق الشجر عند المخمَصَةِ، وكذلك عُشْبُ الأرض. وفيها: جواز نهي الإِمام وأميرِ الجيش للغُزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجُوا إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهرهم عِند لقاء عدُوِّهم، ويجب عليهم الطاعةُ إذا نهاهم. وفيها: جوازُ أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ جواز الكل ميتة البحر عَلَيْكُمْ المَيْنَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقد قال تعالى: ﴿أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقد صح عن أبي بكر الصِّدِّيق، وعبدِ الله بن عباس، وجماعةٍ مِن الصحابة، أن صيدَ البحر ما صِيد منه، وطعامَه ما مات فيه (١)، وفي السنن: عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ودَمَانٍ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالسَّمَكُ والجَرادُ، وَأَمَا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحَالُ))(٢)، حديث حسن. وهذا الموقوف في حكم المرفوع، لأن قولَ الصحابي أُحِلَّ لنا كذا، وحُرِّمَ (١) انظر ((فتح الباري)) ٥٢٩/٩، والطبري (٢٦٨٧)، (٢٦٩٧)، والبيهقي ٢٥٤/٩. (٢) أخرجه الشافعي ٤٢٥/٢، وأحمد ٩٧/٢، وابن ماجه (٣٣١٤) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، وعبد الرحمن ضعيف، وأخرجه الدارقطني ص ٥٣٩، ٥٤٠ من طريق علي بن مسلم، عن عبد الرحمن، ومن طريق مطرف عن عبد الله، عن أبيهما زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعاً، وأخرجه البيهقي ٢٥٤/١ من طريق ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفاً، ثم قال: وهذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، وله حكم الرفع كما قال المصنف رحمه الله. ٣٤٥ علينا ينصَرِفُ إلى إحلال النبيِّ مَّ وتحريمه. فإن قيل: فالصحابةُ في هذه الواقعة كانوا مضطرين، ولهذا لما همّوا بأكلها قالُوا: إنها ميتة، وقالوا: نحنُ رسلُ رسولِ الله ◌ِِّ ونحنُ مضطرون، فأكلُوا، وهذا دليلٌ على أنهم لو كانوا مستغنين عنها، لما أكلُوا منها. قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين، ولكن هيأ الله لهم مِن الرزق أطيبَه وأحلَّه، وقد قال النبي وَلّه لهم بعد أن قَدِمُوا: ((هَلْ بَقِيَ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيءٍ؟)) قالوا: نعم، فأكل منه النبي ◌ِ﴾، وقال: ((إِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ لَكُم))، ولو كان هذا رِزق مضطر لم يأكل منه رسولُ الله ◌َّ في حال الاختيار، ثم لو كان أكلهم منها للضرورة، فكيف ساغَ لهم أن يدَّهِنُوا من وَدَكَها ويُنجِّسوا به ثيابهم وأبدانَهم، وأيضاً فكثير من الفقهاء لا يُجَوِّز الشبعَ مِن الميتة، إنما يجوزون منها سدَّ الرمق، والسَّرِيّة أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمِنُوا، وتزوَّدوا منها. فإن قيل: إنما يتم لكم الاستدلالُ بهذه القصة إذا كانت تلك الدابّة قد ماتت في البحر، ثم ألقاها ميتةً، ومن المعلوم، أنه كما يُحتَمَلُ ذلك يُحتمل أن يكون البحرُ قد جَزَرَ عنها، وهيَ حية، فماتت بمُفارقة الماء، وذلك ذکاتُها وذکاةُ حيوان البحر، ولا سبيل إلى دفع هذا الاحتمال، كيف وفي بعض طرق الحديث ((فَجَزَرَ البَحْرُ عَنْ حُوتٍ كالظَّرِبِ)) قيل: هذا الاحتمالُ مع بُعده جِداً، فإنه يكاد يكون خرقاً للعادة، فإن مثلَ هذه الدابة إذا كانت حية إنما تكون في لَُّةِ البحر وثَجِهِ دون ساحِلِهِ، وما رقَّ منه ودنا من البر، وأيضاً فإنه لا يكفي ذُلك في الحل، لأنه إذا شك في السبب الذي مات به الحيوان، هل هو سبب مبيح له أو غير مبيح؟ لم يَحِلَّ الحيوانُ، كما قال النبي ◌ََّ في الصيد يرمى بالسهم، ثم يُوجد في الماء: ((وإنْ وَجَدْتَه غَرِيقاً في المَاءِ، فلا تأكلُهُ فإِنَّكَ لا تَذْرِي الماءُ قَتَلَه أَوْ سهمك)» فلو كان الحيوانُ البحريُّ حراماً إذا مات في البحر، لم يُبَحْ. وهذا مما لا يعلم فيه خلاف بين الأئمة. وأيضاً فلو لم تكن هذه النصوصُ مع المبيحين، لكان القياسُ الصحیحُ ٣٤٦ معهم، فإن الميتة إنما حُرِّمَتْ لاحتقان الرُّطوباتِ والفضلاتِ والدم الخبيث فيها، والذكاةُ لما كانت تُزيل ذلك الدم والفضلات، كانت سببَ الحِلِّ، وإلا فالموتُ لا يقتضي التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصُلُ بغيرها، وإذا لم يكن في الحيوان دم وفضلاتٌ تُزيلها الذكاة، لم يَحْرُمْ بالموت، ولم يُشترط لحله ذكاة كالجراد، ولهذا لا ينجَسُ بالموت ما لا نفس له سائلة، كالذُّباب والنَّحلة، ونحوهما، والسمكُ من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقِن بموته، لم يَحِلَّ لموته بغير ذكاة، ولم يكن فرق بينَ موته في الماء وموتِه خارجَه، إذ من المعلوم أن موتَه في البر لا يُذْهِبُ تلك الفضلات التي تُحرِّمُه عند المحرمين إذا مات في البحر، ولو لم يكن في المسألة نصوص، لكان هذا القياسُ كافياً والله أعلم. فصل وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي ◌َّ، وإقراره على جواز الاجتهاد فى الوقائع ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد، وعدم تمكنهم مِن مراجعة في حياته النص، وقد اجتهد أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما بينَ يدي رسولِ الله ◌َّ في عدةٍ مِن الوقائع، وأقرَّهُما على ذلك، لكن في قضايا جزئية معينة، لا في أحكام عامة وشرائع كلية، فإن هذا لمن يَقَعْ منْ أحدٍ من الصحابة في حضوره بَّ البتة. فصل في الفتح الأعظم الذي أعزَّ اللَّهُ به دينه، ورسولَه، وجنده، وحزبه الأمین، واستنقذ به بلده وبيتَه الذي جعله هُدىً للعالمين مِن أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتحُ الذي استبشر به أهلُ السماءِ، وضربت أطنابُ عِزَّه على مَنَاكِبِ الجوزاء، ودخل الناسُ به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجهُ الأرضِ ضِياءً وابتهاجاً، خرج له رسولُ الله ◌ِّرَ بكتائِبِ الإِسلام، وجنودُ الرحمن سنةَ ثمانٍ لعشر مَضَيْنَ مِن رمضان، واستعمل على المدينة أبا رُهْمٍ كُلثوم بن حُصين الغِفاري. وقال ابن سعد: بل استعمل عبدَ الله بْنَ أُمِّ مكتوم. ٣٤٧ سببه هو إعانة قريش بني بكر على خزاعة الداخلة في عهده الخ وكان السبب الذي جرَّ إليه، وحدا إليه فيما ذكر إمامُ أهل السير والمغازي والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار، أن بني بكر بن عبد مناة ابن كِنانة عَدَتْ على خُزاعة، وهُمْ على ماءٍ يُقال له: الوتير: فبيُّوهم وقتلُوا منهم، وكان الذي هاج ذُلك أن رجلاً من بني الحضرمي يقال له: مالكُ بن عبَّاد خرج تاجراً، فلما توسَّط أرضَ خُزاعة، عَدَوْا عليه فقتلُوه، وأخذُوا مالَه، فعدت بنُو بكر على رجل من بني خُزاعة فقتلُوه، فعدت خُزاعة على بني الأسود، وهم سَلْمى وكُلثوم وذُؤَيْب، فقتلوهُم بِعَرَفَة عند أنصاب الحَرَمِ(١)، هذا كُلُّهُ قَبْلَ المبعث، فلما بُعِثَ رسولُ الله ◌ِ﴾. وجاء الإِسلام، حجز بينهم، وتشاغلَ الناسُ بشأنه، فلما كان صُلْحُ الحُديبية بينَ رسول الله ◌ِ﴾ وبينَ قريش، وقع الشرطُ: أنه من أحبّ أن يدخل في عَقد رسول الله ◌َ﴿ وعهدِهِ، فَعَلَ، ومن أحبَّ أن يدخلُ في عَقد قريش وعَهدهم، فعل، فدخلت بنو بكر في عَقد قُريش وعهدهم، ودخلت خُزاعة في عَقد رسل الله عَ لخام وعهده، فلما استمرَّت الهُدنة، اغتنمها بنو بكر من خُزاعة، وأرادوا أن يُصيبُوا منهم الثأرَ القديم، فخرج نوفلُ بنُ معاوية الدِّيلي في جماعة مِن بني بكر، فبيَّت خُزاعة وهم على الوَتير، فأصابُوا منهم رِجالاً، وتناوشُوا واقتتلوا، وأعانت قُريش بني بكر بالسِّلاح، وقاتلَ معهم مِن قريش من قاتل مستخفياً ليلاً، ذكر ابن سعد منهم: صفوان بن أمية، وحُويطب بن عبد العزى، ومِكْرز بن حفص، حتى حازوا خُزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل! إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله لَهُ اليوم، يا بني بكر أصيبُوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرِقُون في الحرم أفلا تُصيبُونَ ثأركُم فيه؟! فلما دَخَلَتْ خُزاعة مكة، لجؤوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخُزاعي ودار مولى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو بن سالم الخُزاعي حتى قَدِمَ على رسولِ الله ◌ِ المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال : خروج عمرو الخزاعي لطلب النصرة منه يا ربِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا حِلْفَ أَبينَا وَأَبِيهِ الأَتَّلَدا (١) حجارة تجعل علامات بين الحل والحرَم. ٣٤٨ قَدْ كُنْتُمُ وُلْداً وَكُنَّا وَالِدا فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْراً أَبَدا فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْتَجَرَّدَا إِنْ سِيمَ خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا إِنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدا وَجَعَلُوا لي في كَدَاءِ رَصَدَا وَهُمْ أَذَّلُ وأَقَلُّ عَدَدَا ثُمَّتِ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدا وادْعُ عِبَادَ الله يَأْتُوا مَدَدَا أَنْيَضَ مِثْلَ البَدْرِ يَسْمُو صُعُدَا في فَيْلَقِ كَالبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا هُمْ بَُّونا بِالوَتِيرِ هُجَّدَا وَقَتَلُونَارُكَّعَاً وَسُجَّدَاً يقول: قُتِلْنا وقَدْ أَسْلَمْنَا، فقال رسولُ الله ◌ِ: «نُصِرْتَ يَا عَمْرو بنَ سالم) (١)، ثم عرضَتْ سحابةٌ لرسول الله ◌َّةٍ فقال: ((إِنَّ هذه السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بني كَعْبٍ))، ثم خرج بُديل بنُ ورقاء في نفرٍ من خُزاعة، حتى قَدِمُوا على رسول الله صَّةِ، فأخبروه بما أُصيب منهم، وبمُظَاهَرَةٍ قريش بني بكر عليهم، ثم رجعُوا إلى مكة، فقال رسول الله ص ◌َ للناس: ((كأَنَّكُم بِأَبِي سُفْيانَ، وَقَدْ جَاءَ لِيَشُدَّ العَقْدَ وَيَزِيدَ في المُذَّة)). ومضى بُديل بنُ ورقاء في أصحابه حتى لَقُوا أبا سفيان بن حرب بعسفان وقد بعثته قريش إلى رسول الله مَّةٍ لِيَشُدَّ العقدَ، ويزيدَ في المدة، وقد رَهِبُوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُديلَ بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بُديل؟ فظنَّ أنه أتى النبي ◌َّ فقال: سِرتُ في خُزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما جئتَ محمداً؟ قال: لا، فلما راح بُديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة، لقد علفَ بها النوى، فأتى مَبْرَكَ راحِلته، فأخذ من بعرها، ففتَّه، فرأى فيها النوى، فقال: أحلِفُ بالله لقد جاء بُديل محمداً. (١) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٣٩٤/٢، ٣٩٥ عن ابن إسحاق بلا سند، ووصله الطبراني في ((الصغير)) ص ٢٢٢ من حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها بإسناد ضعيف . ٣٤٩ خروج أبي سفيان إلى المدينة ليثبت العقد ورجوعه بالخيبة ثم خرج أبو سفيان حتى قَدِمَ المدينة، فدخل على ابنِهِ أُمّ حبيبة، فلما ذهب لِيجلس على فِراش رسول الله ◌َثٌ، طَوَتْهُ عنه، فقال: يا بُنية ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فِراشُ رسول الله وَ لّ وأنت مُشرك نَجَسٌ، فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ◌ََّ، فَكلَّمه، فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، ثم ذهبَ إلى أبي بكر، فكلَّمه أن يُكَلِّمَ لَهُ رسول الله وَّ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بنَ الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفعُ لكم إلى رسولِ الله ◌ِّ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمةُ، وحسنٌ غلامٌ يَدِبُّ بين يديهما، فقال: يا علي إنك أمسُّ القومِ بي رحماً، وإني قد جئتُ في حاجة، فلا أرْجِعَنَّ كما جئتُ خائباً، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحكَ يا أبا سُفيان، والله لقد عزم رسولُ الله ◌ِ ◌ّ على أمر ما نستطيعُ أن نُكَلِّمَه فيه، فالتفتَ إلى فاطمة فقال: ((هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي ابْنَك هذا، فيجير بينَ الناس، فيكون سيدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغُ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول الله وَلَ، قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمورَ قد اشتدت علي، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك، ولكنك سيِّدُ بني كنانة، فقم فَأَجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً، قال: لا واللهِ ما أظنه، ولكنِّي ما أجد لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس! إني قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته، فوالله ما ردَّ عليَّ شيئاً، ثم جئتُ ابن أبي قُحافة، فلم أجد فيه خيراً، ثم جئتُ عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدُو، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم، قد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري، هل يغني عني شيئاً، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلتُ، فقالُوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلَك ٣٥٠ والله إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. وأمر رسولُ الله ◌َّ الناس بالجَهَازِ، وأمر أهله أن يُجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها، وهي تُحَرِّكُ بعضَ جهاز رسول الله ◌ِخَّرَ، فقال: أي بنية، أمركن رسول الله يَّل بتجهيزه؟ قالت: نعم، فتجهز، قال: فأين تَرَيْنَهُ يُريد، قالت: لا والله ما أدري. تجهيز الجيش ثم إن رسول الله مَّ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، فأمرهم بالجد والتجهيز، وقال: ((اللَّهُمَّ خُذِ العُيُونَ والأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَها في بِلاَدِهَا)) فتجهز الناسُ(١) . فكتب حاطبُ بن أبي بَلْتَعَة إلى قُريش كتاباً يخبرهم بمسيرٍ رسول الله ◌َيّة إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلاً على أن تُبلغه قريشاً، فجعلته في قُرون في رأسها، ثم خرجَتْ به، وأتى رسول الله بم ليار الخبرُ مِن السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والزُبير. وغير ابن إسحاق يقول: بعث علياً والمقداد والزبير، فقال: انطلقا حتَّى تأتيا رَوْضَة خاخ، فإنَّ بها ظعينة معها كِتاب إلى قُريش، فانطلقا تَعَادى بهما خَيْلُهما، حتى وجدا المرأةَ بذلك المكانِ، فاستنزلاها، وقالا: معكِ كتابٌ؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتشا رَحْلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي - رضي الله عنه -: أَحلِفُ بالله ما كذبَ رسولُ اللَّهِ بِّهَ ولا كذبنا، والله لَتُخْرِجَنَّ الِكِتَابَ أو لنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجدَّ منه، قالت: أَعْرِضُ، فأعرض، فحلَّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسولَ الله مَ ﴿، فإذا فيه: مِن حاطب بن أبي بَلتعة إلى قريش يخبرهم بمسيرِ رسول الله بَّه إليهم، فدعا رسول الله وَله حاطباً، فقال: ما هذا يا حَاطِبُ؟ فقال: لا تَعْجَل عليَّ يا رسولَ الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددتُ، ولا بدَّلْتُ، ولكني كُنْتُ امرءاً ملصقاً كتابة حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بمسيرة # إليهم وإخبار الوحي له * بذلك (١) ابن هشام ٣٨٩/٢، ٣٩٨، وعن ابن إسحاق بلا سند. ٣٥١ في قريش لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس لي فيهم قرابة، يحمونهم، وكان مَنْ معكَ لهم قراباتٌ يحمونهم، فأحببتُ إذا فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، فقال عُمَرُ بنُ الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقَهُ، فإنه قد خانَ الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول الله ◌َّ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وما يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللهَ قَدِ الطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمِلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) فَذَرَفَتْ عَيْنا عمر وقال: الله ورسوله أعلم (١). ثم مضى رسولُ الله ◌َّ وهُوَ صائم، والناسُ صِيامٌ، حتى إذا كانوا بالكُدَيد - وهو الذي تسميه النَّاسُ اليومَ قُدَيْداً - أفطرَ وأفطرَ الناسُ معه (٢). ثم مضى حتى نزلَ مرّ الظَّهْرانِ، وهو بطن مَرٍّ، ومعه عشرةُ آلاف، وعمَّى الله الأخبارَ عن قريش، فهم على وَجَلٍ وارتقاب، وكان أبو سفيان يخرج يتحسَّسُ الأخبار، فخرج هو وحكيمُ بنُ حِزام، وبُدَيْلُ بنُ ورقاء لقاه ﴿ العباس وأبا يتحسَّسُونَ الأخبار، وكان العبَّاسُ قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلماً مهاجِراً، فلقي رسولَ اللهِ رَّ بِالجُحْفَةِ، وقيل: فوق ذلك، وكان ممِن لقيه في الطريق ابنُ عمه أبو سفيان بن الحارث، وعبدُ الله بنُ أبي أمية لقياه بالأبواء، وهما ابنُ عمه وابنُ عمته، فأعرض عنهما لِما كان يلقاه مِنهما مِن شِدَّةِ الأذى والهَجْوِ، فقالت له أُمُّ سلمة لا يَكُن ابنُ عمِّكَ وابنُ عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان فيما حكاه أبو عمر: ائتِ رسول الله وٌَّ مِنْ قِبَل وجهه، فقل له ما قال إخوةُ يوسف ليوسف: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وإِنْ سفيان بن الحارث ابن عمه وعبد الله ابن أبي أمية ابن عمته (١) أخرجه ابن هشام ٣٩٨/٢، ٣٩٩ بلا سند وأخرجه البخاري ٧/ ٢٣٧ في المغازي: باب فضل من شهد بدراً، و٤٨٦/٨ في التفسير: باب سورة الممتحنة، ومسلم (٢٤٩٤) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أهل بدر، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٢) وأحمد ٨٠/١ من حديث علي رضي الله عنه. (٢) أخرجه البخاري ٢/٨، ٣، ومسلم (١١١٣) من حديث ابن عباس. ٣٥٢ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١]. فإنه لا يرضى أن يكون أحدٌ أحسنَ منه قولاً، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله مَله: ﴿لاَ تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فأنشده أبو سفيان أبياتاً منها: لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّتِ خَيْلَ مُحَمَّد لَعَمْرُك إِنِّي حينَ أَحْمِلُ رايةً فَهُذَا أواني حِينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي لِكَالمُذْلِجِالحَيْرَانِ أَظْلَمَلَيْلُه عَلى الله مَنْ طَرَّدْت كُلَّ مُطَرَّدٍ هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلَّنِي فضرب رسول الله بَّ﴾ صدرَه وقال: ((أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ))(١) وحسن إسلامه بعد ذلك. ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صل﴿ منذ أسلم حياءً منه، وكان رسول الله نَُّ يُحبه، وشهد له بالجنة(٢)، وقال: ((أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفاً مِنْ حَمْزَة))، ولما حضرته الوفاةُ، قال: لا تَبْكُوا عليَّ، فوالله ما نطقت بخطيئة منذ أسلمتُ. فلما نزل رسولُ الله ◌ََّ مرَّ الظهران، نزله عشاء، فأمر الجيشَ، فأوقدوا إيقاد النيران بمر الظهران النيران، فأُوقِدَت عشرةُ آلاف نار، وجعل رسولُ الله:َـ ◌َ على الحَرَس عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه، وركب العباسُ بغلة رسول الله ◌َّة البيضاء، وخرج يلتمِسُ لعله يجد بعضَ الحطَّابة، أو أحداً يخبر قريشاً ليخرجوا يستأمنون رسولَ الله ◌ٍَّ قبل أن يدخلَها عَنْوَةً، قال: والله إني لأسير عليها إذ سمعتُ كلامَ لقى العباس أبا سفيان وركوبه معه إليه (* أبي سفيان، وبُديل بن ورقاء وهُما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيتُ كالليلة (١) أخرجه الحاكم ٤٣/٣، ٤٤ من حديث ابن عباس، وسنده جيد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٢) أخرج أبو أحمد الحاكم فيما ذكره الحافظ في ((الإصابة)) (٥٣٧) من حديث حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال رسول الله: #له((أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة)) ورجاله ثقات، لكنه مرسل. ٣٥٣ زاد المعاد ج ٣-م١٢ نيراناً قطُّ ولا عسكراً، قال: يقولُ بديل: لهذه واللَّهِ خزاعة حَمَشَتْهَا الحَرْبُ، فيقول أبو سفيان: خُزاعة أقلُّ وأذلُّ من أن تكون هذه نيرانَها وعسكرَها، قال: فعرفتُ صوته، فقلت: أبا حنظلة! فعرف صوتي، فقال: أبا الفضل؟ قلتُ: نعم، قال: مالك فِداك أبي وأمي؟ قال: قلتُ: هذا رسول الله صَّ في الناس واصباحَ قُريش واللَّهِ قال: فما الحيلةُ فِداك أبي وأمي؟ قلت: والله لئن ظَفِرَ بك لَيَضْربَنَّ عُنقَكَ، فاركب في عجزِ هذه البغلة حتى آتيَ بكَ رسولَ الله ◌ٍِّ، فأستأمنه لك، فرکب خلفي ورجع صَاحِبًاه، قال: فجئتُ به، فكلما مررتُ به على نار من نيران المسلمين، قالوا: ((مَنْ هُذَا؟)) فإذا رأَوْا بغلةَ رسول الله صَّةٍ وأنا عليها، قالوا: عُّ رسول الله بٍَّ على بغلته، حتى مررتُ بنارٍ عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على عَجزِ الدابة، قال: أبو سفيان عَدُوُّ الله، الحمد اللَّهِ الذي أمْكَنَ مِنْكَ بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحوَ رسول الله صَرِ، وركضتُ البغلة، فَسَبَقَتْ، فاقتحمتُ عن البغلة، فدخلتُ على رسول الله ◌ِيةٍ، ودخل عليه عُمَرُ، فقال: يا رسولَ الله! هذا أبو سفيان، فدعني أَضْرِبْ عنقه، قال: قلتُ: يا رسول الله مَلٍ إني قد أجرته، ثم جلستُ إلى رسول الله چ ، فأخذتُ برأسه، فقلتُ: والله لا يُناجيه الليلةَ أحد دوني، فلما أكثر عُمَرُ في شأنه، قلتُ: مهلاً يا عمر، فوالله لو كان مِن رجال بني عدي بْنِ كعب ما قُلْتَ مِثْلَ هذا، قال: مهلاً يا عبَّاسُ، ((فواللَّهِ لإِسْلامُكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِ الخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، ومَا بي إلا أنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلاَمَكَ كَانَ أحبَّ إلى رسول الله ◌َّ من إسلام الخطّاب، فقال رسول الله صَّةٍ: ((اذْهَبْ بِهِ يا عبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ، فإذا أَضْبحْتَ فَأتني به، فذهبت فلما أصبحتُ، غدوتُ به إلى رسول الله چ، فلما رآه رسولُ الله ◌ِ﴾ قال: ((وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لاَ إِلّه إِلَّ الله؟)) قال: بأبي أنتَ وأمي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلَك، لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إِلهٌ غيرُه، لقد أغنى شيئاً بعد، قال: ويحَكَ يا أبا سفيان، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ الله؟)) قال: بأبي أنتَ وأمي، ما أحلمكَ وأكرمَكَ وأوصلكَ، أما هذه، ٣٥٤ فإن في النفس حتى الآن منها شيئاً، فقال له العباس: ويحكَ أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل أن تُضْرَبَ عنقُك، فأسلم وشَهِدَ شهادةَ الحق، فقال العباسُ: يا رسولَ الله! إن أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: ((نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفيان، فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَه، فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامِ، فَهُوَ آمن)). وأمر العباس أن يَحِسَ أبا سفيان بمضيقِ الوادي عند خَطْمِ الجبلِ حتى تَمُرَّ به جنودُ الله، فيراها، ففعل، فمرَّتِ القبائلُ على راياتها، كلما مرَّتْ به قبيلةٌ قال: يا عباسُ، مَنْ هُذه؟ فأقول: سُليم، قال: فيقول: ما لي ولِسُليم، ثم تمرُّ به القبيلة، فيقول: يا عباسُ! مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نَفَدَتِ القبائلُ، ما تَمُزُّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرتُه بهم قال: ما لي ولبني فلان حتى مرَّ به رسولُ الله ◌ِّهَ في كتييتِه الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق مِن الحديد قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلتُ: هذا رسولُ الله ◌َّه في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة، ثم قال: واللَّهِ يا أبا الفضل! لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابن أخيك اليَوْمَ عظيماً، قال: قلتُ يا أبا سفيان: إنها النُّوة، قال: فنعم إذاً، قال: قلتُ: النَّجاء إلى قومك. وكانت رايةُ الأنصار مع سعد بن عُبادة، فلما مرَّ بأبي سفيان، قال له: اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليومَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ، اليَوْمَ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشاً. فلما حاذى رسولُ الله ◌َّ أبا سفيان، قال: يا رسولَ الله، ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال، فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: یا رسولَ الله! ما نأمن أن يكون له في قُريش صولة، فقال رسول الله ◌َّهُ: ((بَلِ الْيَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فيهِ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللَّهُ فيه قُرَيْشاً)(١). ثم أرسل رسول الله رَّه (١) البخاري ٦/٨، ٧ من حديث هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً، وانظر ((شرح المواهب)) ٣٠٥/٢، ٣٠٦. ٣٥٥ إلى سعد، فنزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرُجْ عن سعد إذ صار إلى ابنه، قال أبو عمر: ورُوي أن النبي ـٍ لما نزع منه الراية، دَفَعَها إلى الزبير. رجوع أبي سفيان إلى قريش ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قريشاً، صرخ بأعلى صوته: يا معشرَ قریش، هذا محمد قد جاءکم فیما لا قبل لکم به، فمن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، فقامت إليه هندُ بنتُ عتبة، فأخذت بشَاربه، فقالت: اقتُلوا الحَميت(١) الدسم، الأحْمش السّاقين، قُبِّح مِن طَلِيعَةِ قوم، قال: ويلكم لا تغرَّنَّكُم لهذه مِن أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لکم به، من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن، قالوا: قاتلك الله، وما تُغني عنا دارُك، قال: ومن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن، فتفرق الناسُ إلى دخوله ﴿﴿ مكة دورهم وإلى المسجد، وسار رسولُ الله ◌ٍَّ، فدخل مكة من أعلاها، وضُرِبَتْ له هنالك قُبة، وأمر رسول الله صَّةٍ خالدَ بنَ الوليد أن يدخلها من أسفلها، وكان على المُجَنِّبةِ اليُمنى، وفيها أسلم، وسُليم، وغِفار، ومُزينة، وجُهينة، وقبائل مِن قبائل العرب، وكان أبو عُبيدة على الرجالة والحُسَّرِ، وهم الذين لا سلاح معهم، مقاتلة المسلمين بعض وقال لخالد ومن معه: إن عرضَ لكم أحدٌ من قُريش، فاحصدوهم حصداً حتى سفهاء قريش تُوافوني على الصفا، فما عرض لهم أحد إلا أنامُوه، وتجمَّع سفهاء قريش وأخِفَّاؤُها مع عِكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَةِ لِيقاتِلُوا المسلمين، وكان حِمَاسُ بنُ قيس بن خالد أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحاً قبل دخول رسول الله ◌َّةٍ، فقالت له امرأتُه: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما يقومُ لِمحمد وأصحابِهِ شيء، قال: إني واللَّهِ لأرجو أَنْ اُخدِمَك بعضھم، ثم قال: إِنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمَالي عِلَّه هُذَا سِلاَحٌ كَامِلٌ وَأَلَّةْ (١) الحميت: زق السمن، تثير أبا سفيان استعظاما لقوله حيث واجهها بذلك. ٣٥٦ وذُوغِرارَيْنِ سَرِيعُ السَّلْهِ(١) ثم شهد الخَنْدَمَةَ مع صفوان وعكرمة وسهيل بن عمرو، فلما لَقِيَهُم المسلمون ناوشوهم شيئاً من قتال، فقتل كُرز بن جابر الفهري، وخُنيس بن خالد بن ربيعة من المسلمين، وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذًا عنه، فسلكا طريقاً غيرَ طريقه، فقتلا جميعاً، وأصيبَ مِن المشركين نحو اثني عشر رجلاً، ثم انهزموا، وانهزم حِماس صاحبُ السلاح حتى دخل بيته، فقال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي، فقالت: وأين ما كنت تقول؟ فقال: إِذْ فَرَّ صَفْوانُ وَفَرَّ عِكْرٍمَه إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الخَنْدَمه يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وجُمْجُمَه وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيوفِ المُسْلِمَه لَهُمْ نَهِيتٌ حَوْلَنَا وَهَمْهَهَةْ ضَرْباً فلا نَسْمَعُ إِلَ غَمْغَمَه لَمْتَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَذْنَى كَلِمَةْ وقال أبو هريرة: أقبل رسولُ الله ◌َ ، فدخل مكة، فبعث الزبيرَ على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبةِ الأخرى، وبعث أبا عبيدة بنَ الجراح على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي ورسولُ الله بَّ في كتيبته، قال: وقد وبَّشْت قريش أوباشاً لها، فقالوا: نُقَدِّم هؤلاء، فإن كان لِقريش شيء كنا معهم، وإن أُصيبُوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله وَ له: يا أبا هريرة؟ فقلتُ: لبيك رسولَ الله وسعدَيك، فقال: ((اهْتِفْ لي بالأنصارِ، ولا يَأْتِينِي إِلاَّ أَنْصارِي)»، فهتف بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله بَّه فقال: ((أَتَرَوْنَ إِلى أَوْباشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِم)) ثمّ قال بيديه إحداهما على الأخرى: ((احْصُدُوهُمْ حَصْداً حتَّى توافُونِي بالصَّفَا)) فانطلقنا، فما يشاءُ أحد منا أن يقتُلَ منهم إلا شاء، وما أحد منهم وجَّه إلينا شيئاً (٢). (١) الآلة: الحربة لها سنان طويل، وذو غرارين: سيف ذو حدين. (٢) أخرجه مسلم (١٧٨٠) في الجهاد: باب فتح مكةٍ، وأحمد ٥٣٨/٢، وأبو داود (٣٠٢٤). ٣٥٧ ورُكِزَتْ رايةُ رسول الله ◌ِ ﴿ يالحَجُونِ عند مسجد الفَتْحِ. دخول المسجد ثم نهض رسولُ الله ◌َّةٍ والمهاجرون والأنصار بينَ يديه، وخلفَه وحولَه، حتى دخل المسجِدَ، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيتِ، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطْعَنُها بالقوس ويقول: ﴿جَاءَ الحقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ البَاطِلُ وَمَا يُعيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، والأصنامُ تتسَاقَطُ على وجوهها (١). وكان طوافُه على راحلته، ولم يكن محرماً يومئذٍ، فاقتصر على الطَّوافِ، فلما أكملُه، دعا عثمان بنَ طلحة، فأخذ منه مفتاحَ الكعبة، فأمر بها فَفُتحت، فدخلها فرأى فيها الصُّوَرَ، ورأى فيها صورةً إبراهيم وإسماعيل يستقسمانِ بالأزْلاَمِ، فقال: ((قَاتَلَهُم اللَّهُ، واللّهِ إن اسْتَقْسما بِها قطُّ» (٢). دخوله # الكعبة ورأى في الكعبة حمامة من عِيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصُّوَرِ فُمُحيت. ثم أغلق عليه البابَ، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدارَ الذي يُقابل البابَ، حتى إذا كانَ بينَه وبينَه قدرُ ثلاثةِ أَذْرُعٍ، وقف وصلَّى هناك، ثم دار في البيت، وكبَّر في نواحيه، ووخَّد الله، ثم فتح البابَ، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنَعُ، فأخذَ بعضَادتي الباب، وهم تحتَه، فقال: ((لا إله إلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ (١) أخرجه البخاري ١٤/٨ في المغازي: باب أين ركز النبي وتي الراية يوم الفتح، وفي المظالم: باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، وفي تفسير سورة الإسراء: باب وقل جاء الحق وزهق الباطل، ومسلم (١٧٨١) في الجهاد: باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، والترمذي (٣١٣٧)، وابن حبان (١٧٠٢). (٢) أخرج القسم الأول ابن هشام ٤١١/٢، ٤١٢، عن ابن إسحاق من حديث صفية بنت شيبة، وسنده قوي، وأخرج البخاري بقيته ١٤/٨ في المغازي: باب أين ركز النبي ـ الراية يوم الفتح، وفي الحج: باب من كبر في نواحي الكعبة، وفي الأنبياء: باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) من حديث ابن عباس. ٣٥٨ ٤ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ألا كُلُّ مَأْتُرَةٍ أَوْ مَال أَوْ دَم، فَهُو تَحْتَ قَدَمَي هاتين إلاَّ سِدَانة البيْت وسقَايَةَ الحَاجِّ، ألا وَقَتْلُ الخَطَأَ شِبْهُ العَمْدِ السَّوطُ والعَصا، ففيهِ الدِّيةُ مُغَلَّظَةً مائة مِنَ الإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِها أَوْلاَدُها، يَا مَعْشَرَ قُرَيْش إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجَاهِلِيَّةِ وتَعظُّمَها بالآباء، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ))، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عليم خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]، ثم قال: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْش مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بكم؟» قالوا: خيراً أخ كريم وابنُ أخ كريم، قال: ((فِإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ اليَوْمَ، اذْهَبُوا فأنْتُمُ الطُّلُقَاءُ)) (١) . (١) أخرجه ابن هشام ٤١٢/٢ عن ابن إسحاق حدثني بعض أهل العلم، وأخرج أحمد (٦٥٣٣) و (٦٥٥٢)، وأبو داود (٤٥٤٧)، وابن ماجه (٢٦٢٧) من حديث ابن عمرو أن رسول الله وَّيّة خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثاً، ثم قال: ((لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت، ثم قال: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل، منها أربعون في بطونها أولادها)) وصححه ابن حبان (١٥٢٦)، وابن القطان. وفي الباب عن ابن عمر عند الشافعي ٢٦٣/٢، وأبي داود (٤٥٤٩)، والنسائي ٤٢/٨، وابن ماجه (٢٦٢٨)، والدارقطني ص ٣٣٣، وأحمد (٤٥٨٣) و (٤٩٢٦) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وحديثه حسن في الشواهد، وأخرج ابن أبي حاتم فيما ذكره ابن كثير ٢١٧/٤ من حديث ابن عمر قال: طاف رسول الله وَّة يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخاً في المسجد حتى نزل # على أيدي الرجال، فخرج إلى بطن المسيل فأنيخت، ثم إن رسول الله بَّ خطبهم على راحلته، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: ((يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عُبَيَّة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل برّ تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾، ثم قال بَير: ((أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)) وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو = ٣٥٩ إبقاء مفتاح الكعبة في آل عثمان بن طلحة ثم جلس في المسجد، فقام إليه عليٍّ رضي الله عنه، ومفتاحُ الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله! اجمَعْ لنا الحِجَابَة مع السِّقَاية صلَّى الله عليك، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَة))(١)؟ فدعي له، فقال له: ((هَاكَ مِفْتَاحَكَ يا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرِّ وَوَفَاء))(٢). وذكر ابن سعد في ((الطبقات)) عن عثمان بن طلحة، قال: كنا نفتحُ الكعبةَ في الجاهلية يومَ الاثنين، والخميس، فأقبلَ رسولُ الله ◌َّة يوماً يُريد أن يدخُلَ الكعبة مع الناس، فأغلظتُ له، ونِلتُ منه، فحلمَ عني، ثم قال: ((یا عثمانُ لعلَّك سترى هذا المِفتاح يوماً بيدي أضعُه حيثُ شِئْتُ، فقلتُ: لقد هلكت قريشٌ يومئذ وذلَّت، فقال: بل عَمَرَتْ وعزَّتْ يومئذ، ودخل الكعبة، فوقعت كلمتُه مني موقِعاً ظننتُ يومئذ أن الأمرَ سيصيرُ إلى ما قال، فلما كان يومُ الفتح، قال: يا عثمان ائتني بالمفتاح، فأتيتُه به، فأخذه منِّي، ثم دفعه إليَّ وقال: خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنْكُمْ إِلاَّ ظَالِمٌّ، يا عُثمانُ إِنَّ الله اسْتَأْمَنَكُم عَلَى بَيّته، فَكُلُوا مِمَّا يَصِلُ إِلَيْكُم مِنْ هُذا البَيْتِ بالمَعْرُوف))، قال: فلما ولَّيتُ، ناداني، فرجَعْتُ إليه فقال: ((أَلَمْ يَكُنِ الَّذِي قُلْتُ لَكَ؟)) قال: فذكرتُ قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وهذا الحديث رواه عنه، لكن يشهد له = حديث أبي هريرة بنحوه عند أحمد ٤٦١/٢، وأبي داود (٥١١٦) وهو حسن. (١) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت إليه الحجابة في نسله. أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة، فكان من لواء المشركين يوم أُحُد، وقتل يومئذ كافراً. (٢) ابن هشام ٢/ ٤١٢. ٣٦٠