Indexed OCR Text

Pages 321-340

فناولته، فرماني بسهم، فوضعه في جنبي، فنزعتُه فوضعتُه ولم أتحرك، ثم رماني
بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعتُه فوضعتُه ولم أتحرك، فقال لا مرأته: أما
والله، لقد خالطه سهامي، ولو كان ربيئةً لتحرَّك، فإذا أصبحتِ، فابتغي سَهْمَيَّ
فخُذيهما لا تمضغهما الكلاب عليَّ، قال: فأمهلناهم حتى إذا راحت روائحهم،
واحتلُبُوا وسكنوا، وذهبت عَتَمَةُ الليل، شننا عليهم الغارة، فقتلَنا مَن قتلنا،
واستقنا النَّعم، فوجهنا قافلين به، وخرج صريخُهم إلى قومهم، وخرجنا سِراعاً
حتى نمر بالحارث بن مالك وصاحِبِه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريخُ الناس،
فجاءنا ما لا قِبَلَ لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطنُ الوادي مِن قُدَيْدٍ،
أرسل الله عزَّ وجَلَّ من حيث شاء سيلاً، لا والله ما رأينا قبل ذلك مطراً، فجاء بما
لا يقدر أحد يَقْدَمُ علي، فلقد رأيتُهم وقوفاً ينظرون إلينا ما يَقْدِرُ أحد منهم أن يقدم
عليه، ونحن نَحْدوها، فذهبنا سِراعاً حتى أسندناها في المُشلَّل، ثم حدرناها
عنه، فأعجزنا القومَ بما في أيدينا (١).
وقد قيل: إن هذه السرية هي السرية التي قبلها. والله أعلم.
فصل
ثم قدم حُسيل بن نُويرة، وكان دليلَ النبي ◌َّه إلى خيبر، فقال له النبيُّ ◌َّله: سرية بشير بن سعد إلى
((ما وراءك؟)) قال: تركتُ جمعاً من يَمَن وغَطَفَان وحيَّان، وقد بعث إليهم عُيينة،
جمع يمن وغطفان وحيان
إما أن تسيروا إلينا، وإما أن نَسيرَ إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا، وهم
يُريدونك، أو بعضَ أطرافك، فدعا رسول الله ◌َّ أبا بكر وعمر، فذكر لهما
ذلك، فقالا جميعاً: ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة
(١) أخرجه ابن هشام ٦٠٩/٢، ٦١٠ عن ابن إسحاق، وعنه أحمد ٤٦٧/٣، ٤٦٨،
وذكره مختصراً أبو داود (٢٦٧٨) إلى قوله: ((فوثقناه رباطاً))، ورجاله ثقات خلا
مسلم بن عبد الله الجهني، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وذكره الهيثمي في
((المجمع)) ٢٠٢/٦، ٢٠٣، وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات، فقد صرح
ابن إسحاق بالسماع في رواية الطبراني.
٣٢١
زاد المعاد ج ٣ -م١١

رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنُوا النهار، وخرج معهم حُسيل دليلاً،
فساروا الليل وكمنوا النَّهارَ، حتى أتوا أسفلَ خيبر، حتى دَنَوْا مِن القوم، فأغاروا
على سرحهم وبلغ الخبرُ جمعهم فتفرَّقوا، فخرج بشير في أصحابه حتى أتى
محالَّهم، فيجدُها ليس بها أحد، فرجع بالنَّعم، فلما كانوا بسلاح، لَقُوا عيناً
لُعُبينة، فقتلوه، ثم لقُوا جمعَ عُيينة وعُيينة لا يشعُرُ بهم، فناوشوهم، ثم انكشفَ
جمع عُيينة، وتبعهم أصحابُ رسول الله بَِّ، فأصابُوا منهم رجلين، فَقَدِمُوا بهما
على النبي ◌َّ، فأسلما فأرسلهما(١).
وقال الحارث بن عوف لعيينة وقد لقيه منهزماً تعدُو به فرسه: قف. قال:
لا أقدِرُ خلفي الطلب، فقال له الحارث: أما آن لك أن تُبصرَ بعضَ ما أنت عليه،
وأن محمداً قد وطأ البلادَ، وأنت تُوضع في غير شيء؟ قال الحارث: فأقمتُ مِن
حين زالت الشمسُ إلى الليل وما أرى أحداً، ولا طلبوه إلا الرعبَ الذي دخله.
فصل
سریة ابن أبي حدرد
وبعث رسول الله بَّ ابن أبي حَدْرَدِ الأسلمي في سريّة، وكان مِن قصته ما
ذكر ابن إسحاق، أن رجلاً من جُشم بنِ معاوية، يقال له: قيس بن رفاعة، أو
رفاعة بن قيس، أقبل في عدد كثير حتى نزلوا بالغابة يُريد أن يجمع قيساً على
محاربة رسول الله بٍَّ، وكان ذا اسم وشَرَفٍ في جُشَمَ، قال: فدعاني
رسول الله وَّهُ ورجلين من المسلمين، فقال: ((اخرُجُوا إلى هذا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتُوا
مِنْهُ بِخَبَرٍ وعِلْمٍ)، فقدم إلينا شارِفاً عجفَاء، فَحُمِلَ عليها أحدُنا، فوالله ما قامت به
ضعفاً حتى دعمها الرجالُ من خلفها بأيديهم حتى استقلَّت وما كادت، وقال:
(تَبَلَّغُوا عَلَى هَذِهِ، فخرجنا ومعنا سِلاحُنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريباً
من الحاضر مع غروب الشمس، فكَمَنْتُ في ناحيةٍ، وأمرتُ صاحبي، فكمنا في
ناحية أخرى مِن حاضر القوم، قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرتُ وشددتُ في
(١) انظر ابن سعد ١٢٠/٢، و((شرح المواهب)) ٢٥٢/٢.
٣٢٢

ناحية العسكر، فكبِّرا وشدًّا معي، فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غِرة أو نرى شيئاً،
وقد غَشِيَنَا الليلُ حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك
البلد، فأبطأ عليهم، حتى تخوَّفُوا عليه، فقام صاحبُهم رِفاعة بن قيس، فأخذ
سيفَه، فجعله في عنقه، وقال: والله لأنبَعَنَّ أثر راعينا هذا، والله لقد أصابه شرٌّ ،
فقال نفر ممن معه: والله لا تذهبُ نحنُ نكفيكَ، فقال: والله لا يذهبُ إلا أنا.
قالوا: فنحن معك، وقال: والله لا يتبعُني منكم أحد، وخرج حتی یمرَّ بي، فلما
أمكنني، نفختُه بسهم فوضعتُه في فؤاده، فوالله ما تكلم، فوثبتُ إليه فاحتززتُ
رأسه، ثم شددتُ في ناحية العسكر، وكَبَّرتُ، وشد صاحبَاي فكبّرا، فواللهِ ما
كان إلا النجاءُ ممن كان فيه: عندك عندك بكلِّ ما قدرُوا عليه من نسائهم وأبنائهم،
وما خفَّ معهم من أموالهم، واستقنا إبلاً عظيمة، وغنماً كثيرة، فجئنا بها إلى
رسول الله ◌َّة، وجئتُ برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإِبل ثلاثة عشر
بعيراً في صداقي، فجمعتُ إِلِيَّ أهلي، وكنتُ قد تزوجتُ امرأة من قومي،.
فأصدِقتها مائتي درهم، فجئتُ رسول الله ◌َّ أستعينُه على نكاحي، فقال: والله ما
عندي ما أعينك، فلبثتُ أياماً، ثم ذكر هذه السرية(١).
فصل
وبعث سرية إلى إضَم، وكان فيهم أبو قَتَادة، ومُحلِّم بن جَثَّامة في نفر من
المسلمين، فمر بهم عامِرٌ بن الأضبط الأشجعي على قَعودٍ له معه مُتَيِّعٌ له، ووطَبٌّ
مِن لَين، فسلم عليهم بتحية الإِسلام، فأمسكوا عنه، وحمل عليه مُحُلِّم بنُ جَثَّامة
فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيرَه ومُتَيِّعه، فلما قَدِمُوا على رسول الله ◌َِّ،
أخبرُوه الخبر، فنزل فيهم القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله،
فَتَبَيِّنُوا، ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا
فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَبَيِّنُوا إِنَّ الله كَانَ بِما
سرية إلى إضم وقتل
عامر بن الأضبط
الأشجعي من قبل
محلم بن جثامة بعد
سلامه عليهم بتحية
الإسلام
١
(١) انظر ابن هشام ٦٢٩/٢، ٦٣٠، وقوله: عندك عندك: كلمتان بمعنى الإغراء،
والشارف: الناقة المسنة، والعجفاء: الهزيلة.
٣٢٣

تَعْمَلُونَ خبيراً﴾ [النساء: ٩٤]، فلما قدموا، أُخْبِرَ رسولُ الله ◌ََّ بِذلكَ، فقال
رسولُ الله ◌ِيةٍ: ((أقتلتَه بعدما قال آمنتُ بالله)(١)؟
ولما كان عامُ خيبر، جاء عُيينةُ بن بدرٍ يطلُب بِدَم عامر بن الأضبط
الأشجعي وهو سيِّدُ قيس، وكان الأقرُ بنُ حابس يردُّ عن مُحَلِّم، وهو سيدُ
خِنْذِف، فقال رسول الله ◌َّ لقوم عامر: ((هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الآن مِنَّا خَمْسِينَ
بَعِيراً وخَمْسِينَ إِذا رَجَعْنَا إلى المدينة؟)) فقال عُيينةُ بنُ بدر: والله لا أدعهُ حتى
أُذيقَ نساءه من الحُرقة مثل ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتَّى رضُوا بالدية،
فجاؤوا بمُحلِّم حتى يستغفر له رسولُ الله ◌َّةِ، فلما قام بين يديه، قال: اللهم
لا تَغْفِر لمحلِّم وقالها ثلاثاً، فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه(٢).
قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. قال ابن
إسحاق: وحدثني سالم أبو النضر، قال: لم يقبلوا الديةَ حتى قام الأقرعُ بنُ
حابس، فخلا بهم، فقال: يا معشر قيس! سألكم رسولُ الله ◌ٍَّ قتيلاً ترُكُونه
لِيُصلحَ به بين النَّاس، فمنعتمُوه إياه. أفأمِنْتُم أن يغضَبَ عليكم
رسولُ الله ◌ََّ، فيغضبَ اللَّهُ عليكم لِغضبه، أو يلعَنَكُم رسولُ الله ◌َ ،
فيلعَنَكُم الله بلعنته، والله لتُسْلِمُنَّه إلى رسول الله ◌ََّ، أو لآتِيَنَّ بخمسين من
بني تميم كُلُّهم يشهدُون أن القتيل ما صلَّى قَط فلأطُلَّنَّ دمه، فلما قال ذلك:
أخذُوا الدية(٣).
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ١١/٦، وابن هشام ٦٢٦/٢، ٦٢٧ ورجاله ثقات،
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٩٩/٢، ٢٠٠، وزاد نسبته لابن سعد وابن أبي
شيبة، وابن جرير والطبراني وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبي نعيم والبيهقي في
((الدلائل)) عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٨/٧،
وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه ابن هشام ٦٢٧/٢، وأبو داود (٤٥٠٣)، وابن ماجه (٢٦٢٥)، وأحمد
١١٢/٥، ورجاله ثقات خلا زياد بن سعد بن ضميرة، فلم يوثقه غير ابن حبان.
(٣) أخرجه ابن هشام ٦٢٨/٢، ٦٢٩.
٣٢٤

فصل
في سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي
ثبت في «الصحيحين)) من حديث سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس، قال:
نزلَ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ
مِنْكُم﴾ [النساء: ٥٩]، في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسولُ الله ◌َ ◌ّ في
سَرِيٍَّ(١) .
وثبت في ((الصحيحين)) أيضاً من حديث الأعمش، عن سعيد بن عُبيدة، أمر ابن حذافة من معه
عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: استعملَ
دخول النار
رسولُ الله ◌َِّ رَجُلاً مِنَ الأنصارِ على سَرِيَّةٍ، بعثَهم وأمرهم أن يسمعُوا له
ويُطِيعُوا، قال: فأغضبُوه في شيءٍ، فقال: اجمعُوا لي حَطَبَاً، فجمعوا، فقال:
أَوْقِدُوا ناراً، فأوقَدُوا، ثم قال: ألم يَأْمُرُكُم رسولُ الله ◌ََّ أن تسمعُوا لي وتُطيعوا؟
قالُوا: بَلَى، قال: فادْخُلُوهَا، قال: فنظر بعضُهم إلى بعضٍ، وقالُوا: إنما فَرَرْنا
إلى رسولِ الله ◌ََّل مِن النَّار، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وطُفِئَتِ النَّارُ، فلما قَدِمُوا على
رسولِ الله ◌َّ ذكرُوا ذُلِكَ له، فقال: ((لَوْ دَخَلُوَها مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في
المَعْروف)»(٢). وهذا هو عبد الله بن حُذافة السَّهمي(٣) .
(١) أخرجه البخاري ١٩١/٨ في تفسير سورة النساء: باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الأمر منكم، ومسلم (١٨٣٤) في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير
معصية، وأبو داود (٢٦٢٤)، والترمذي (١٦٧٢)، والنسائي ١٥٤/٧، ١٥٥، وابن
جرير (٩٨٥٨)، وأحمد (٣١٢٤) من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري ٤٧/٨ في المغازي: باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي، وفي
الأحكام: باب السمع والطاعة للإِمام ما لم تكن معصية، وفي خبر الواحد: باب ما
جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في فاتحته ومسلم (١٨٤٠)، وأحمد ٨٢/١
و ١٢٤.
(٣) وقد صرح به في رواية أحمد ٦٧/٣، وابن ماجه (٢٨٦٣) من طريق عمر بن
الحكم بن ثوبان، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ◌َ * بعث علقمة بن مجزِّز=
٣٢٥

معنى قوله ۴﴾: «لو
دخلوها ما خرجوا منها)»
فإن قيل: فلو دخلُوها دخلُوها طاعة لِلَّهِ ورسُولِه في ظنهم، فكانوا متأولين
مخطئين، فكيف يُخَلَّدُون فيها؟ قيل: لما كان إلقاءُ نفوسهم في النار معصيةً
يكونون بها قاتِلي أنفسهم، فهمُّوا بالمُبادرة إليها من غير اجتهاد منهم: هل هُوَ
طاعةٌ وقُربة، أو معصيةٌ؟ كانوا مُقْدِمِينَ على ما هو محرَّم عليهم، ولا تَسوغُ طاعةُ
ولي الأمر فيه، لأنه لا طاعةً لمخلوق في معصية الخالق، فكانت طاعةُ مَنْ أمرهم
بدخولِ النار معصيةً لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سببَ العُقوبة، لأنها نفسُ
المعصية، فلو دخلُوها، لكانُوا عُصاةً لله ورسوله، وإن كانوا مطيعين لولي الأمر،
فلم تدفع طاعتُهم لولي الأمرِ معصيتَهم لله ورسوله، لأنهم قد عَلِمُوا أن من قتل
نفسه، فهو مستحِقٌ للوعيد، والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يُقْدِمُوا
على هذا النهي طاعة لمن لا تَجِبُ طاعتُه إلا في المعروف.
فإذا كان هذا حُكْمَ مَنْ عذب نفسه طاعة لولي الأمر، فكيف من عذَّب
مسلماً لا يجوز تعذيبُه طاعة لولي الأمر.
وأيضاً فإذا كان الصحابةُ المذكورون لو دخلُوها لما خرجوا منها مع قصدِهم
طاعةَ اللّهِ ورسوله بذلك الدخولِ، فكيف بمن حمله على ما لا يجوزُ مِن الطاعة
الرغبةُ والرهبةُ الدنيوية.
وإذا كان هؤلاء لو دخلُوها، لما خرجوا منها مع كونهم قصدُوا طاعة
الأمير، وظنُّوا أن ذلك طاعةٌ لله ورسوله، فكيف بمن دخلها مِن هؤلاء المُلَبِّسين
على بعث أنا فيهم حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا، أو كنا ببعض الطريق، أذن لطائفة
=
من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي وكان من أصحاب بدر،
وكانت فيه دعابة ...... وسنده قوي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان (١٥٥٢)،
والحاكم ٦٣٠/٣، ٦٣١، وفي الحديث من الفوائد أن الحكم في حال الغضب ينفذ
منه ما لا يخالف الشرع، وأن الأمر المطلق لا يعم الأحوال، لأنه رَليّة أمرهم أن
يطيعوا الأمير، فحملوا ذلك على عموم الأحوال حتى في حال الغضب، وفي حال
الأمر بمعصية، فبين لهم ◌َّ أن الأمر بطاعته مقصور على ما كان منه في غير
معصية .
٣٢٦

إخوان الشياطين، وأوهمُوا الجُهَّالَ أن ذُلكَ ميراثٌ من إبراهيم الخليل، وأن النار
قد تصيرُ عليهم برداً وسلاماً، كما صارت على إبراهيم، وخيارُ هؤلاء ملبوسٌ عليه
يظنُّ أنه دخلها بحال رحماني، وإنما دخلها بحالٍ شيطاني، فإذا كان لا يعلم
بذلك، فهو ملبوس عليه، وإن كان يعلم به، فهو مُلِّسٌ على الناس يُوهمهم أنه مِن
أولياء الرحمن، وهو مِن أولياء الشيطان، وأكثرُهم يدخلها بحال بُهتاني وتحیُّل
إنساني، فهم في دخولها في الدنيا ثلاثةُ أصناف: ملبوسٌ عليه، وملبِّس،
ومتحيِّل، ونار الآخرة أشد عذاباً وأبقى.
٤
فصل
في عمرة القضيَّةِ
قال نافع: كانت في ذي القَعدة سنةً سبع، وقال سليمان الشَّيمي: لما رجعَ
رسولُ الله ◌ََّ من خيبر، بعث السَّرايا، وأقام بالمدينةِ حتى استهل ذو القَعدة، ثم
نادى في النَّاس بالخروج.
قال موسى بن عقبة: ثم خرجَ رسولُ الله ◌َّر من العام المقبل مِن عام
الحُديبية معتمراً في ذي القَعدة سنةَ سبع، وهو الشهر الذي صدَّه فيه المشركون عن
المسجدِ الحرام، حتى إذا بلغ يَأْجُج (١)، وضع الأداة كُلَّهَا الحَجَف والمِجَانَّ،
والنَّبل والرِّماح، ودخلوا بسلاح الراكبِ السيوفِ، وبعث رسولُ الله ◌َّ جعفر بن
أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنتِ الحارث بن حَزْنِ العامِرِيَّة، فخطبها إليه،
فجعلت أمرَها إلى العبّاس بن عبد المطلب، وكانت أختها أم الفضل تحتَه،
فزوَّجَهَا العباسُ رسولَ اللهِ وََّ، فلما قَدِمَ رسول الله ◌َّه، أمر أصحابه فقال:
(كْشِفُوا عَنِ المَنَاكِب، واسْعَوْا في الطَّوَاف))، لِيَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم
وقُوَّتَهم (٢). وكان يُكايدُهم بكُلِّ ما استطاع، فوقف أهل مكة: الرجالُ والنساءُ
(١) كيسمع وينصر ويضرب: موضع قرب مكة على ثمانية أميال منها، والحجف: ضرب
من التراس، واحدتها: حَجَفَة.
(٢) أخرج أحمد ٣٠٦/١ عن ابن عباس أن قريشاً قالت: إن محمداً وأصحابه قد وهنتهم=
٣٢٧

والصبيانُ، ينظرون إلى رسول الله وَّه وأصحابه وهم يطوفون بالبيت،
وعبدُ الله بن رواحة بين يدي رسول الله ◌َّ يرتجز متوشِّحاً بالسيف يقول:
قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمُنُ في تَنْزِيلِهِ
خَلُوا بَني الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
يَارَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
في صُحُفٍ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ
اليَوْمَ نَضْرِبُّكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
إِنِّي رَأَيْتُ الحَقَّفِي قُبُولِهِ
وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ (١)
ضَرْباًيُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وتغيَّب رجال من المشركين كراهية أن ينظُرُوا إلى رسولِ اللهِ بَّهَ حَنَقاً
وغيظاً، فأقامَ رسولُ اللهِ بَّهَ بمكة ثلاثاً، فلما أصبحَ مِن اليوم الرابع، أتاه
سُهَيْلُ بنُ عمروٍ، وحُويطِبُ بنُ عبد العُزَّى، ورسولُ اللهِ وَّن في مجلس الأنصارِ
يتحدَّث مع سعدِ بن عُبادة، فصاح حُويطب نناشدُك الله والعقد لما خَرِجْتَ مِنْ
أرضِنَا، فقد مضت الثلاثُ، فقال سعد بن عُبادة: كذبتَ لا أُمَّ لك، ليست بأرضِكَ
ولا أرضٍ آبائك، واللَّهِ لا نخرُج، ثم نادى رسولُ اللهِ وَّ حُويطِباً أو سُهيلاً،
فقال: ((إِنِّي قَدْ نَكَحْتُ مِنْكُمْ امْرَأَةً فما يَضُرُّكُمْ أَنْ أَمْكُثَ حَتَّى أَدْخُلَ بِهَا، ونَضَعَ
الطعام، فَتَأْكُل، وَتَأْكُلُونَ مَعَنا»، فقالوا: نُنَاشِدُك الله والعقد إلا خرجتَ عنا، فأمر
رسولُ اللهَ وَّرَ أبا رافع، فأذَّنَ بالرحيل، وركِبَ رسول الله وَّ حتى نزلَ بطنَ
سَرِف، فأقام بها، وخلّف أبا رافع لِيحمِلَ ميمونَةً إليه حين يُمسي، فأقام حتى
قَدِمَتْ ميمونةُ ومَنْ معها، وقد لَقُوا أذى وعَناءً مِن سُفهاءِ المشركين وصِبيانهم،
حمى يثرب، فلما قدم رسول الله رَّ لعامه الذي اعتمر فيه، قال لأصحابه: ((ارملوا
=
بالبيت ثلاثاً ليرى المشركون قوتكم)) فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتهم. وإسناده
صحيح، وانظر البخاري ٣٧٦/٣ و٣٩٢/٧، ومسلم (١٢٦٦).
(١) أخرجه ابن هشام ٣٧١/٢، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر مرسلاً،
ورواه عبد الرزاق من وجهين صحيحين عن أنس كما قال الحافظ في ((الفتح))
٠٠٠٣٨٤/٧
٣٢٨

فبنى بها بِسَرِف (١)، ثم أدلجَ وسار حتَّى قَدِمَ المدينة، وقدَّر اللَّهُ أن يكون قبر بناؤه،َ ◌ّ بميدونة
بسرف
میمونَةَ بِسَرِفَ حیث بنی بها .
فصل
وأمَّا قولُ ابنِ عباس: ((إن رسولَ اللهِ﴿ تزوَّجَ مَيْمُونَةَ، وهُوَ مُحْرِمٌ، وبَنَى بيان خطأ من قال: تزوج
النبي مجر ميمونة وهو
بِهَا وهُوَ حَلالٌ)(٢) فمما استُدركَ عليهِ، وعُذَّ من وهمه، قال سعيدُ بنُ المسيِّب:
محرم
ووهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تَزَوَّجها رسولُ اللهَلَ إلا بعد ما حلَّ ذكره
البخاري(٣).
وقال يزيدُ بن الأصم عن ميمونة: ((تزوَّجني رسولُ اللهٍِّ ونَحْنُ حَلاَلانِ
بِسَرِفَ)) رواه مسلم(٤) .
وقال أبو رافع: «تزوَّجَ رسولُ اللهِلَ مَيمونةَ، وهُوَ حلالٌ، وبَنَى بها وهُوَ
حلال، وكُنْتُ الرَّسُولَ بينهما)) صحَّ ذلك عنه (٥) .
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: هذا عبدُ الله بن عباس يزعُمُ أن رسولُ الله ◌َلِّ نكح
(١) انظر ابن هشام ٣٧٢/٢، وابن سعد ١٢٠/٢، ١٢٣ و((شرح المواهب)) ٢٥٣/٢،
٢٦٣.
(٢) أخرجه البخاري ٣٩٢/٧ في المغازي: باب عمرة القضاء، وفي الحج: باب تزويج
المحرم، وفي النكاح: باب نكاح المحرم، ومسلم (١٤١٠) في النكاح: باب تحريم
نكاح المحرم، وأبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤٢)، والنسائي ١٩١/٥.
أثر سعيد بن المسيب ليس في البخاري، وإنما هو عند أبي داود (١٨٤٥) والبيهقي.
(٣)
(٤)
أخرجه مسلم (١٤١١) وأبو داود (١٨٤٣) وابن ماجه (١٩٦٤)، وأحمد ٣٣٣/٦،
٣٣٥.
أخرجه أحمد ٣٩٣/٦، والترمذي (٨٤١) من حديث حماد بن زيد عن مطر الوراق
(٥)
عن ربيعة عن سليمان بن يسار عن أبي رافع، وقال: هذا حديث حسن، ولا نعلم
أحداً أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق، ومطر الوراق لا يحتج بحديثه، وقد
رواه مالك وهو أضبط منه عن سليمان بن يسار مرسلاً، على أن أبا عمر بن عبد البر
أعله بالانقطاع بين سليمان بن يسار وأبي رافع.
٣٢٩

ميمونَة، وهو مُحْرمٍ، وإنما قَدِم رسولُ الله ◌َِّ مَّةَ، وكان الحِلُّ والنكاحُ جميعاً،
فشُبِّه ذلك على الناس.
وقد قيل: إنه تزوّجها قبل أن يُحرم، وفي هذا نظر إلا أن يكونَ وَّل في
العقد عليها قبل إحرامه، وأظنُّ الشافعيَّ ذكر ذلك قولاً، فالأقوال ثلاثة.
أحدها: أنه تزوَّجها بعد حلِّه من العُمرة، وهو قولُ ميمونة نفسها، وقولُ
السفير بينها وبين رسول الله وَّ وهو أبو رافع، وقولُ سعيد بن المسيِّب، وجمهورِ
أهل النقل.
والثاني: أنه تزوَّجها وهو مُحرِم، وهو قولُ ابن عباس (١)، وأهلِ الكوفة
وجماعة.
والثالث: أنه تزوَّجها قبل أن يُحرم.
وقد حُمِلَ قولُ ابنِ عباس أنه تزوجها، وهو مُحْرٌ على أنه تزوجها في
الشهر الحرام، لا في حال الإِحرام، قالوا: ويُقال: أحرم الرجلُ: إذا عقد
الإِحرام، وأحرم: إذا دخل في الشهر الحرام، وإن كان حلالاً بدليل قول الشاعر:
قَتْلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِماً وَرِعاً فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولاً
وإنما قتلُوه في المدينة حلالاً في الشهر الحرام (٢).
وقد روى مسلم في «صحيحه)) من حديث عُثمانَ بنِ عفَّان رضي الله عنه،
قال: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقول: ((لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ، وَلاَ يَخْطُبُ))(٣).
ولو قُدِّرَ تعارضُ القولِ والفِعل ها هنا، لوجب تقديمُ القولِ، لأن الفِعلَ موافق
(١) انظر ((الفتح)) ١٤٣/٩، فقد جاء فيه: أن حديث ابن عباس جاء مثله صحيحاً عن
عائشة وأبي هريرة ..
(٢) وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان، فجزم به في ((صحيحه)).
(٣) أخرجه مسلم (١٤٠٩)، والترمذي (٨٤٠)، وأبو داود (١٨٤١)، والنسائي ٢٩٢/٥،
وابن ماجه (١٩٦٦).
٣٣٠

للبراءة الأصلية، والقولُ ناقل عنها، فيكون رافعاً لحكم البراءة الأصلية، وهذا
موافق لقاعدة الأحكام، ولو قُدِّمَ الفِعْلُ، لكان رافعاً لموجب القول، والقولُ رافع
لموجب البراءة الأصلية، فيلزمُ تغييرُ الحكم مرتين، وهو خلاف قاعدة الأحكام،
والله أعلم.
فصل
ولما أراد النبيُّ ◌َّ الخروجَ مِن مكة، تبعتهم ابنةُ حمزةَ تُنادِي: يا عَمُّ یَا
عَمُّ، فتناولها عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنهُ، فأخذ بيدها، وقال لِفاطمة:
دونكِ ابنةَ عمِّكِ، فحملتها، فاختصم فيها عليٍّ وزيدٌ وجعفرٌ، فقال علي: أنا
أخذتُها، وهي ابنةُ عمي، وقال جعفرٌ: ابنةُ عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: ابنةُ
أخي، فقضى بها رسولُ الله ◌ََّ لِخالتها: وقال: ((الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمّ»، وقال
العلي: ((أَنْتَ مِنِّي وأَنَا مِنْكَ))، وقال لجعفر: ((أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقي))، وقال
الزيد: ((أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلاَنَا))، متفق على صحته (١) .
اختلاف على وزيد
وجعفر في حضانة بنت
حمزة
وفي هذه القصة مِن الفقه: أن الخالةَ مقدَّمة في الحَضانة على سائر الأقارِبِ
بعد الأبوين.
الفقه المستنبط من هذه
القصة الخالة مقدمة في
الحضانة
وأن تزوّج الحاضِنَة بقريب من الطفل لا يسقط حضانتها. نص أحمد
رحمه الله تعالى في رواية عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها في الجارية
خاصة، واحتج بِقصة بنتِ حمزة هذه، ولما كان ابنُ العم ليس مَحْرَماً لم يُفرِّق بينه
وبين الأجنبي في ذلك، وقال: تزوجُ الحاضنة لا يسقط حضانتها للجارية، وقال
الحسن البصري: لا يكون تزوّجها مسقطاً لحضانتها بحال ذكراً كان الولد أو
أنثى. وقد اختلف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال.
تزوج الحاضنة بقريب
من الطفل لا يسقط
حضانتها
الاختلاف في سقوط
الحضانة بالنكاح
(١) أخرجه البخاري ٧/ ٣٨٥، ٣٩٠ في المغازي: باب كم اعتمر النبي ◌َّة، وباب لبس
السلاح للمحرم، وفي الصلح: باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان، وفي
الجهاد: باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم، وأخرجه أبو داود (٢٢٧٨).
٣٣١

أحدها: تسقط به ذكراً كان أو أنثى، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي
حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه.
والثاني: لا تسقط بحال، وهو قول الحسن، وابن حزم.
والثالث: إن كان الطفل بنتاً، لم تسقط الحضانةُ، وإن كان ذكراً سقطت،
ولهذه رواية عن أحمد رحمه الله تعالى، وقال في رواية مهنا: إذا تزوجتِ الأُّ
وابنُها صغير، أخذ منها، قيل له: والجارية مِثْلُ الصبيّ؟ قال: لا، الجاريةُ تكون
معها إلى سبع سنين، وحكى ابنُ أبي موسى روايةً أخرى عنه: أنها أحقُّ بالبنت
وإن تزوجت إلى أن تبلغ .
والرابع: أنها إذا تزوَّجت بنسيب مِن الطفل، لم تسقط حضانتُها، وإن
تزوَّجت بأجنبي، سقطت، ثم اختلف أصحابُ هذا القول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكفي كونُه نسيباً فقط، مَحْرَماً كان أو غيرَ محرم، وهذا ظاهرُ
كلام أصحاب أحمد وإطلاقهم.
الثاني: أنه يُشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قولُ الحنفية.
الثالث: أنه يُشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة، بأن يكون جداً
للطفل، وهذا قولُ بعض أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي.
الاختلاف في تقديم
الخالة على العمة
وفي القصة حُجة لمن قدَّم الخالة على العمة، وقرابةَ الأم على قرابة الأب،
فإنه قضى بها لخالتها، وقد كانت صفيَّةُ عمَّتها موجودةً إذ ذاك، وهذا قولُ
الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروایتین عنه.
حجة من قدم العمة على
الخالة
وعنه رواية ثانية: أن العمة مقدّمة على الخالة - وهي اختيارُ شيخنا -
وكذلك نساءُ الأب يُقدَّمن على نساء الأم، لأن الولايةَ على الطفل في الأصل
للأب، وإنما قُدِّمَتْ عليه الأمُّ لمصلحة الطفل وكمال تربيته، وشفقتها وحنوها،
والإِناثُ أقومُ بذلك من الرجال، فإذا صار الأمر إلى النساء فقط، أو الرجال فقط،
كانت قرابةُ الأب أولى من قرابة الأُم، كما يكون الأبُ أولى مِن كل ذكر سواه،
وهذا قوي جداً.
٣٣٢

ويجاب عن تقديم خالة ابنة حمزة على عمتها بأن العمة لم تطلُبِ
الحضانة، والحضانة حق لها يقضى لها به بطلبه، بخلاف الخالة، فإن جعفراً
كان نائباً عنها في طلب الحضانة، ولهذا قضى بها النبيُّ بَّ لها في غيبتها.
وأيضاً فكما أن لِقرابة الطفل أن يمنع الحاضنة مِن حضانة الطفل إذا
تزوجت، فللزوج أن يمنعها مِن أخذه وتفرغها له، فإذا رضيَ الزوج بأخذه
حيث لا تسقطُ حضانتُها لِقرابته، أو لكون الطفل أنثى على رواية، مُكِّنَتْ من
أخذه وإن لم يرض، فالحق له، والزوج ها هنا قد رضيَ وخاصم في القصة،
وصفية لم يكن منها طلب.
وأيضاً فابنُ العم له حضانةُ الجارية التي لا تُشتهى في أحد الوجهين،
بل وإن كانت تُشتهى، فله حضانتُها أيضاً، وتُسلَّم إلى امرأةٍ ثقة يختارها هو،
أو إلى محرمه، وهذا هو المختارُ لأنه قريبٌ من عصباتها، وهو أولى من
الأجانب والحاكم، وهذه إن كانت طفلة فلا إشكال، وإن كانت ممن يُشتهى،
فقد سُلِّمتْ إلى خالتها، فهي وزوجها من أهل الحضانة، والله أعلم.
وقول زيد: ابنة أخي، يُريد الإخاء الذي عقده رسولُ اللهِ زَّ بينه وبين
حمزةً لما واخى بينَ المهاجرين، فإنه واخى بين أصحابه مرتين، فواخى بين
المهاجرين بعضهم مع بعض قبلَ الهجرة على الحقِّ والمواساة، وآخى بين أبي
بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف،
وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن
عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين
سعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله. والمرة الثانية: آخى بين المهاجرين
والأنصار في دار أنس بن مالك بعد مقدمه المدينة.
معنى قول زيد: ابنة أخي
وبيان أنه ◌َ* واخى بين
المهاجرين قبل الهجرة
مرة وبينهم وبين
الأنصار في المرة الثانية
فصل
واختُلِفَ في تسمية لهذه العمرة بعُمرة القضاء، هل هو لكونها قضاءً للعمرة
التي صُدُّوا عنها، أو من المقاضاة؟ على قولين تقدما، قال الواقدي: حدثني
الاختلاف في تسميتها
بعمرة القضاء هل من
القضاء أو من المقاضاة؟
٣٣٣

عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكن هذه العُمرة قضاء، ولكن
كان شرطاً على المسلمين أن يعتمِرُوا في الشَّهر الذي حاصرهم فيه المشركون.
اختلاف الفقهاء فيما
يترتب على من أحصر عن
العمرة وبيان حججهم
واختلف الفقهاءُ في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أن من أحصر عن العمرة يلزمه الهدي والقضاء، وهذا إحدى
الروایات عن أحمد، بل أشهرُها عنه.
والثاني: لا قضاء عليه، وعليه الهدي، وهو قول الشافعي، ومالك في
ظاهر مذهبه، ورواية أبي طالب عن أحمد.
والثالث: يلزمه القضاء، ولا هدي عليه، وهو قول أبي حنيفة.
والرابع: لا قضاء عليه، ولا هدي، وهو إحدى الروايات عن أحمد.
فمن أوجب عليه القضاء والهديَ، احتج بأن النبي بَّر وأصحابه نحرُوا
الهديَ حين صُدُّوا عن البيت، ثم قَضَوْا مِن قابل، قالوا: والعمرة تلزم بالشروع
فيها، ولا يسقط الوجوبُ إلا بفعلها، ونحر الهدي لأجل التحلل قبل تمامها،
وقالوا: وظاهِرُ الآيَةُ يُوجب الهدي، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الهَدْي﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومن لم يُوجبهما قالوا: لم يأمرُ النبيُّ وَلّ الذين أحصروا معه بالقضاء ولا
أحداً منهم، ولا وقف الحِلُّ على نحرهم الهديّ، بل أمرهم أن يَحْلِقُوا رؤوسهم،
وأمر من كان معه هدي أن ينحر هديه. ومن أوجب الهديَ دون القضاء احتج
بقوله: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ .
ومن أوجب القضاء دون الهدي، احتج بأن العمرة تلزم بالشروع، فإذا
أُخْصِرَ، جاز له تأخيرُها لعذر الإِحصار، فإذا زال الحصر، أتى بها بالوجوب
السابق، ولا يُوجب تخلل التحلل بين الإِحرام بها أولاً، وبين فعلها في وقت
الإمكان شيئاً، وظاهر القرآن يردُّ هذا القول، ويُوجب الهديَ دون القضاء، لأنه
جعل الهديّ هو جميعَ ما على المُحْصَرِ، فدل على أنه يُكتفى به منه. والله أعلم.
٣٣٤

فصل
وفي نحره وٍَّ لما أُحصر بالحديبية، دليلٌ على أن المحصَرَ ينحر هديَه وقتَ الاختلاف في وأت النحر
للمحصر
حصره، وهذا لا خلاف فيه إذا كان محرماً بعُمرة، وإن كان مفرداً أو قارناً، ففيه
قولان :
أحدهما: أن الأمر كذلك، وهو الصحيح لأنه أحد النسكين، فجاز الحل
منه، ونحرُ هديه وقت حصره، كالعمرة، لأن العُمرة لا تفوتُ، وجميعُ الزمان
وقتٌّ لها، فإذا جاز الحِلُّ منها ونحرُ هديها مِن غير خشية فواتها، فالحجُّ الذي
يُخشى فواته أولى، وقد قال أحمد في رواية حنبل: إنه لا يَحلُّ، ولا ينحرُ الهدي
إلى يوم النحر، ووجه هذا أن للهدي محلَّ زمانٍ ومحلَّ مكانٍ، فإذا عجز عن محل
المكان لم يسقُطْ عنه محلُّ الزمان لتمكنه من الإتيان بالواجب في محله الزماني،
وعلى هذا القول لا يجوزُ له التحللُ قبلَ يوم النحر، لقوله: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ
حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْي مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فصل
وفي نحره مَّهَ وحِلُّه، دليلٌ على أن المحصَر بالعُمرة يتحلل، وهذا قولُ
الجمهور. وقد رُوي عن مالك رحمه الله، أن المعتمر لا يتحلل، لأنه لا يخاف
الفوت، وهذا تبعُدُ صحته عن مالك رحمه الله، لأن الآية إنما نزلت في الحُديبية،
وكان النبيُّ ◌َّه وأصحابُهُ كُلُّهم مُحرِمِينَ بِعُمرة، وحلُّوا كُلُّهم، وهذا مما لا يَشُكُّ
فيه أحد مِن أهل العلم.
هل يتحلل المحصر
بعمرة
فصل
وفي ذبحه وََّ بالحُديبية وهي مِن الحل بالاتفاق، دليلٌ على أن المحصرَ هل ينحر المحصر هديه
ينحر هديه حيث أُحْصِرَ مِن حِل أو حَرَم، وهذا قولُ الجمهور وأحمد، ومالك،
حيث أحصر من حل أو
حرم؟
والشافعي. وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى، أنه ليس له نحرُ هديه إلا في
الحرم، فيبعثُه إلى الحرم، ويُواطىء رجلاً على أن ينحرَه في وقت يتحلل فيه،
٣٣٥

وهذا يُروى عن ابن مسعود رضي الله عنه، وجماعة من التابعين، وهو قول أبي
حنيفة .
وهذا إن صح عنهم فينبغي حملُه على الحصر الخاص، وهو أن يتعرَّضَ
ظالِمٌ لجماعة أو لواحد، وأما الحصرُ العام، فالسنة الثابتة عن رسول الله ◌َ لٍ تدلُّ
على خلافه، والحُديبية من الحل باتفاق الناس، وقد قال الشافعي: بعضُها من
الحل، وبعضُها من الحرم، قلت: ومراده أن أطرافها من الحرم وإلا فهي من
الحل باتفاقهم.
وقد اختلف أصحابُ أحمد رحمه الله في المحصر إذا قدر على أطراف
الحرم، هل يلزمه أن ینحر فيه؟ فیه وجهان لهم.
والصحيحُ: أنه لا يلزمُه، لأن النبي ◌َِّ نحرَ هديه في موضعه مع قدرته على
أطراف الحرم، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه أن الهديَ كان محبوساً عن بلوغ مَحلِّه،
ونصبَ الهدي بوقوع فعل الصَّدِّ عليه، أي: صدُّوكم عن المسجد الحرام، وصدُّوا
الهدي عن بلوغ محله، ومعلوم أن صَدَّهم وصدّ الهدي استمر ذلك العام ولم
يزل، فلم يَصِلُوا فيه إلى محل إحرامهم، ولم يَصِلِ الهديُ إلى محل نحره، والله
أعلم.
فصل
في غزوة مؤتة
وهي بأدنى البلقاءِ من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى سنةَ ثمان،
وكان سببُها أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّ بعث الحارث بن عميرِ الأَزْدِي أحدَ بني لِهْب بكتابه
إلى الشام إلى ملك الروم أو بُصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني،
فأوثقه رِباطاً، ثم قدّمه فضرب عنقه، ولم يُقْتَل لِرسول الله ◌َ﴾َ رسولٌ غيره،
فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوثَ، واستعمل عليهم زيد بن
حارثة، وقال: ((إنْ أُصيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أبي طالب عَلَى النَّاس، فإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ،
٣٣٦

فَعَبْدُ الله بْنُ رَواحة(١) .
فتجهز الناس وهُم ثلاثةُ آلاف، فلما حضر خروجُهم، وذَّع الناسُ أمراءَ
رسول الله ◌ٍَّ، وسلَّمُوا عليهم، فبكى عبدُ الله بن رواحة، فقالوا: ما يُبكيك؟
فقال: أما والله ما بي حُبُّ الدنيا ولا صَبابَةٌ بكم، ولكني سمعتُ رسولَ الله ◌َل
يقرأ آيةً مِن كتاب الله يذكرُ فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُها كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَاً
مَقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصَّدَرِ بَعْدَ الوُرُودِ؟ فقال
المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفعَ عنكم، وردّكم إلينا صالِحِين، فقال
عبد الله بن رواحة:
وَضَرْبَةَ ذَاتَ فَرْغِ تَقْذِف الزَّبدَا
لِكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمُنَ مَغْفِرَةً
بِحَرْبَةٍتُنْفِذُ الأَخْشَاءَ والكَبِدا
أَوْ طَعْنَةً بَيَدِي حَرَّان مُجْهِزَةً
يَا أَرْشَدَ اللهِ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَد(٢)
حَتَّى يُقَالَ إِذا مَرُّوا على جَدَثي
ثم مَضَوْا حتى نزلوا مَعَان، فبلغ الناسَ أن هِرَقْل بالبلقاء في مائة ألفٍ مِن
الروم، وانضمَّ إليهم من لَخم، وجُذام، وبَلْقَيْن وبَهْرَاء، وبَلي، مائةُ ألف، فلما
بلغ ذلك المسلمين، أقامُوا على مَعان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتُبُ إلى
رسول الله ◌ٍَّ، فَنُخبِرُه بعدد عدونا، فإما أن يُمِدَّنا بالرجال، وإما أن يأمُرَنَا بأمره،
فنمضي له، فشجع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، فقال: يا قوم: والله إنَّ الذي
تكرهون للتي خرجتُم تطلُبون: الشهادة، وما نُقاتِلُ الناسَ بعدد ولا قُوَّة ولا كثرة،
ما نُقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله، فانطلِقُوا، فإنما هي إحدى
الحُسنيين، إما ظَفَرٌ وإما شَهَادَةٌ.
فمضى الناسُ حتىَّ إذا كانوا بتُخُوم البَلقاء، لقيتهم الجموعُ بقرية يقال لها:
(١) أخرجه البخاري ٣٩٣/٧ عن ابن عمر، وأحمد ٢٩١/٥ و٣٠٠ و٣٠١ عن أبي
قتادة .
(٢) ابن هشام ٣٧٣/٢، ٣٧٤ عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة
مرسلاً، وذات فرغ: أي: واسعة يسيل دمها، والزبد: رغوة الدم.
٣٣٧

مَشَارف، فدنا العدوُّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبَّى
المسلمون، ثم اقتتلوا والرايةُ في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يُقاتل بها حتى شَاطَ
في رماح القوم وخرَّ صرِيعاً، وأخذها جعفرٌ، فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتالُ،
اقتحم عن فرسه، فعقرَها، ثم قاتَل حتَّى قُتِلَ، فكان جعفر أوَّل من عَقَرَ فرسَه في
الإِسلام عند القتال، فقُطِعَتْ يمينُه، فأخذ الرايةَ بيساره. فَقُطِعَتْ يسارهُ، فاحتضن
الراية حتى قُتِلَ وله ثلاث وثلاثون سنة، ثم أخذها عبدُ الله بن رواحةً، وتقدّم بها
وهو على فرسه، فجعل يستنزِلُ نفسه ويتردد بعض التردد، ثم نزل، فأتاه ابنُ عم
له، بعَرق من لحم فقال: شُدّ بها صُلْبَك، فإنك قد لقيتَ في أَيَّامِكَ هُذِهِ ما لقيت،
فأخذها مِن يده، فانتهس منها نهسة، ثم سمع الخَطْمَةَ في ناحية الناس، فقال:
وأنت في الدنيا، ثم ألقاه مِن يده، ثم أخذ سيفه وتقدَّم، فقاتل حتَّى قُتِلَ، ثم أخذ
الراية ثابتُ بن أَقْرَم أخو بني عَجلان، فقال: يا معشرَ المسلمين! اصطلحُوا على
رجل منكم، قالوا: أنتَ، قال: ما أنا بفاعلٍ، فاصطلح الناسُ على خالد بن
الوليد، فلما أخذ الرايةَ، دافع القومَ، وحاش بهم، ثم انحاز بالمسلمين،
وانصرف بالناس.
وقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين. والذي في ((صحيح
البخاري))، أن الهزيمة كانت على الروم(١).
من المنتصر؟
والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أن كل فئة انحازت عن الأخرى (٢).
وأطلع الله سبحانه على ذلك رسولَه مِن يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه،
وقال: ((لَقَدْ رِفِعُوا إليَّ في الجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَرَأَيْتُ في
إطلاع الله رسوله
بخبر أصحابه
إخباره # عن دخول
الأمراء الثلاثة الجنة
(١) أخرجه البخاري ٧/ ٣٩٤ في المغازي: باب غزوة مؤتة.
(٢) انظر ابن هشام ٣٧٣/٢، ٣٨٩، وابن سعد ١٢٨/٢، والطبري ١٠٧/٣، وابن سيد
الناس ١٥٣/٢، وابن كثير ٤٥٥/٣، ٤٩٣، و((شرح المواهب)) ٢٦٧/٢، ٢٧٧،
و («مجمع الزوائد» ١٥٦/٦، ١٦٠.
٣٣٨

سَرِيرِ عَبْدِ الله بْنِ رواحة ازْوِرَاراً عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ»، فقلت: ((عَمَّ هذا؟)) فقيل
لي: مَضَيا، وَتَرَدَّدَ عَبْدُ الله بَعْضَ التَّرَدُّدِ ثُمَّ مَضَى (١) .
وذكر عبدُ الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن المسيب، قال
رسول الله ◌َلّ : ((مُثِّلَ لي جَعْفَرٌ وَزِيدٌ وابْنُ رَوَاحَةَ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرٍّ، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ
عَلَى سَرِيرٍ، فَرَأَيْتُ زَيْداً وابْنَ رَواحَة في أَعْنَاقهما صُدُود، ورَأَيْتُ جَعْفَرَاً مُسْتَقِيمَاً
لَيْسَ فِيهِ صُدُودٌ قال: فَسَأَلْتُ أَوْ قِيلَ لي: إِنَّهما حِينَ غَشِيَهُمَا المَوْتُ أَعْرَضَا أَو
كَأَنَّهُمَا صَدَّا بِوُجُوهِهما، وأمَّا جَعْفَرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ)(٢) .
وقال رسول الله ◌َّ في جعفر: ((إِنَّ الله أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ يَطيرُ بِهِمَا في
الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ))(٣) .
قال أبو عمر: وروینا عن ابن عمر أنه قال: ((وجدنا ما بین صدرٍ جعفر
ومنكبيه وما أقبلَ منه، تسعين جِراحةً ما بين ضربةٍ بالسيف وطعنة بالرمح)).
جراحات جعفر
وقال موسى بن عقبة: قدم يعلى بن منية على رسول الله ◌َلل بخبر أهل إخباره ◌َ لّ رسول مؤتة
مُؤتة، فقال له رسولُ اللهِ﴿: ((إِنْ شِئْتَ فَأَخْبِرْني، وإِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ))، قال:
عما حدث فيها
أخبرني يا رسولَ الله فأخبره ◌َ﴿ خبرَهُم كُلَّهُ، ووصفَهُم له، فقال: والَّذِي بعثَكَ
بالحقِّ، ما تركتَ من حديثهم حرفاً واحداً لم تذكُرْه، وإن أمرهم لكما ذكرتَ،
فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((إنَّ اللَّهَ رَفَعَ لِي الأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مُعْتَرَكَهُمْ)).
واستُشهدَ يومئذ: جعفرٌ، وزيدُ بن حارثة، وعبدُ الله بن رواحة،
شهداء مؤتة
(١) أخرجه ابن هشام ٢/ ٣٨٠ عن ابن إسحاق بلاغاً.
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٥٦٢) وهو على إرساله ضعيف لضعف ابن
(٢)
جدعان.
(٣) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٢/٩، ٢٧٣ من حديث ابن عباس، وقال: رواه
الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن، وفي الباب عن أبي اليسر عند الطبراني، كما في
((المجمع)) ١٦٠/٦ وفي سنده ثابت بن دينار وهو ضعيف، وفي ((الصحيح)) عن ابن
عمر أنه كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي
الجناحین.
٣٣٩

ومسعود بن الأوس، ووهبُ بن سعد بن أبي سَرْح، وعبَّادُ بن قيس، وحارثةُ بن
النعمان، وسُراقة بن عمرو بن عطية، وأبو كُليب، وجابر ابنا عمرو بن زيد،
وعامر، وعمرو ابنا سعيد بن الحارث وغيرهم.
إنشاد ابن رواحة
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن زيد بن أرقم
قال: كنتُ يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مُردفي على
حقیبة رحله، فوالله إنه لیسیرُ لیلةً إذ سمعتُه وهو يُنشد:
مَسِيرَةَ أَرْبَعِ بَعْدَ الحِسَاءِ
إِذا أَذْنِيْتِي وَحَمَلْتِ رَحْلي
وَلاَ أَرْجِعْ إلى أَهْلِي وَرَائي
فَشَأْنَكِ فانْعَمِي وخَلاَكِ ذَمّ
بِأَرْضِ الشَّامِ مُسْتَنْهَى الشَّواءِ (١)
وَجَاءَ المُسْلِمُونَ وَغَادَرُوني
فصل
وهم في الترمذي بإنشاد
ابن رواحة يوم الفتح
وقد وقع في الترمذي وغيره أن رسولَ اللهِ وَّ دخل مكّة يومَ الفتح
وعبد الله بن رواحة بین یدیه ینشد .
خَلُوا بَنِي الكفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... الأبيات (٢).
وهذا وهم، فإن ابنَ رواحة قتل في هذه الغزوة، وهي قبل الفتح بأربعة أشهر،
وإنما كان يُنْشَدُ بين يديه شعر ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل.
فصل
في غزوة ذات السلاسل
وهي وراء وادي القُرى بضم السين الأولى وفتحها لغتان، وبينها وبينَ
(١) ابن هشام ٣٧٦/٢، ٣٧٧، وقوله: بعد الحساء، الحساء جمع حسي: وهو ماء يغور
في الرمل حتى يجد صخراً، فإذا بحث عنه وجد، يريد مكانه في الحساء وقوله
((مستنهى)) قال السهيلي: مستفعل من النهاية، أي: حيث انتهى مثواه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٥١) في الأدب: باب ما جاء في إنشاد الشعر، والنسائي
٢٠٢/٥ في الحج: باب إنشاد الشعر في الحرم و٢١٢/٥ من حديث أنس بن مالك.
٣٤٠