Indexed OCR Text
Pages 301-320
عليه ثلاثاً لحاجة، فردّ الله ما كان للمسلمين مِن كآبة وجَزَع على المشركين، وخرج المسلمون مِن مواضعهم حتى دخلوا على العباس، فأخبرهم الخبرَ، فأشرقت وجوهُ المسلمين (١). فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية جواز القتال في الأشهر الحرم فمنها محاربةُ الكفار ومقاتلتُهم في الأشهر الحُرُم، فإن رسولَ الله ◌َّ رجع مِن الحُديبية في ذي الحِجَّة، فمكث بها أيَّاماً، ثم سار إلى خيبرَ في المحرّم، كذلك قال الزُّهريُّ عن عُروة، عن مروان والمِسور بن مخرمة، وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة، ولكن في الاستدلال بذلك نظر، فإن خُروجَه كان في أواخر المحرم لا في أوله، وفتحُها إنما كان في صفر. وأقوى من هذا الاستدلال بيعةُ النبي ◌َّه أصحابَه عندَ الشجرة بيعة الرضوان على القتال، وألا يَفِرُّوا، وكانت في ذي القَعْدَة، ولكن لا دليلَ في ذلك، لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يُريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يُقاتل فيه ابتداء، فالجمهور: جوَّزوه، وقالوا: تحريمُ القِتَال فيه منسوخٌ، وهو مذهبُ الأئمة الأربعة، رحمهم الله . وذهب عطاء وغيرُه إلى أنه ثابتٌ غيرُ منسوخ، وكان عطاء يحلِفُ بالله: ما يَحِلُّ القِتَالُ في الشهر الحرام، ولا نَسَ تحريمَه شيءٌ . وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلالُ بحصار النبي ◌َّه للطائف، فإنه خرج إليها في أواخر شوال، فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، فبعضُها كان في ذي (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٧١)، وعنه أحمد ١٣٨/٣، وسنده صحيح، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٤/٦ وزاد نسبته إلى أبي يعلى والبزار والطبراني. ٣٠١ القعدة، فإنه فتح مكة لِعَشَرٍ بقينَ من رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرةَ يقصُرُ الصلاة(١)، فخرج إلى هَوازن وقد بقي من شوال عشرون يوماً، ففتح الله عليه هَوازِنَ، وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف، فحاصرها بضعاً وعشرين ليلة، وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القَعَدة بلا شك. وقد قيل: إنما حاصرهم بعض عشرة ليلة. قال ابنُ حزم: وهو الصحيح بلا شك، وهذا عجيب منه، فمن أين له هذا التصحيح والجزم به؟ وفي ((الصحيحين)) عن أنس بن مالك في قصة الطائف، قال: ((فحاصرناهُم أربعينَ يوماً، فاستعصوا وتمنعوا)) وذكر الحديث(٢) فهذا الحصار وقع في ذي القَعدة بلا ريب، ومع هذا فلا دليل في القصة، لأن غزو الطائف كان مِن تمام غزوة مَوازن، وهم بدؤوا رسولَ الله ◌ََّ بالقتال، ولما انهزموا، دخل ملكُهم، وهو مالكُ بنُ عوف النَّضري مع ثقيف في حِصن الطائف محاربينَ رسول الله ◌َّة، فكان غزوُهُم مِن تمام الغزوة التي شرع فيها، والله أعلم. وقال الله تعالى في (سورة المائدة) وهي من آخر القرآن نزولاً، وليس فيها منسوخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ، ولا الهَدْي ولا القَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]. ليس في سورة المائدة منسوخ وقال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فيه قُلْ : قِتَالٌ فيهِ كَبِيرٌ وصَدٌ عَنْ سَبيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فهاتان آيتان مدنيتان، بينهما في النزول نحوُ ثمانية أعوام، وليس في كتاب الله ولا سنةِ رسوله ناسخٌ لحكمهما، ولا أجمعتِ الأمةُ على نسخه، ومن استدل على نسخه بقوله تعالى: ﴿وقاتِلُوا (١) أخرجه البخاري ٤٦٢/٢ في أول أبواب التقصير و١٧/٨ في المغازي: باب مقام النبي گل# بمكة من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه مطولاً مسلم (١٠٥٩) في الزكاة: باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وأحمد ١٥٧/٣، وأخرج البخاري ٤٣/٨ في المغازي، باب غزوة الطائف، الطرف الأول من الحديث ليس فيه الجملة التي أوردها المؤلف رحمه الله. ٣٠٢ المُشْرِكِينَ كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ونحوها من العمومات، فقد استدلَّ على النسخ بما لا يدُلُّ عليه، ومن استدل عليه بأن النبي ◌َّل بعث أبا عامر في سريّةٍ إلى أوطاس في ذي القَعدة، فقد استدل بغير دليل، لأن ذلك كان مِن تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداءً منه لقتالهم في الشهر الحرام. فصل ومنها: قِسمة الغنائم، للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، وقد تقدم تقريره. ومنها: أنه يجوز لآّحادِ الجيش إذا وجد طعاماً أن يأكلَه ولا يُخمِّسَه، كما أخذ عبد الله بن المغفل جِراب الشَّخمِ الذي دُلِّي يوم خيبر، واختص به بمحضر النبي ◌ِّ(١). ومنها: أنه إذا لحق مددٌ بالجيش بعد تَقضِّي الحرب، فلا سهمَ له إلا بإذن الجيش ورضاهم، فإن النبيِّ وَّ كلَّم أصحابَه في أهل السفينة حينَ قَدِمُوا عليه بخیبر - جعفرٍ وأصحابه ۔ أن يُسهِمَ لهم، فأسهم لهم. فصل ومنها تحریمُ لحوم الحُمُرِ الإِنسیة، صح عنه تحریمُها یومَ خیبر، وصح عنه تعليلُ التحريم بأنها رِجْسٌ، وهذا مقدَّمٌ على قول من قال من الصحابة: إنما حرمها، لأنها كانت ظهرَ القوم وحَمُولَتهم، فلما قيل له: فنيَ الظهرُ وأكلت الحمر، حرّمها، وعلى قول من قال: إنما حرمها، لأنها لم تُخمس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية، وكانت تأكُلُ العَذِرَةَ، وكل هذا في ((الصحيح))(٢)، لكن قولُ رسول الله رَّةُ: ((إنها رِجْسٌ)) مقدَّم على هذا كلِّه، لأنه مِن ظنِّ الراوي، وقولِه بخلاف التعليل بكونها رجساً. تحريم لحوم الحمر الانسية (١) أخرجه البخاري ٣٦٨/٧ في المغازي: باب غزوة خيبر، ومسلم (١٧٧٢) (٧٣). (٢) انظر البخاري ٧/ ٣٧٠ و٩ / ٥٦٤، ٥٦٥ بشرح الفتح. ٣٠٣ ولا تعارضُ بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فيما أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُه إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً، أَوْ لَحْمَ خَنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ به﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإنه لم يكن قد حُرِّمَ حينَ نزول هذه الآية مِن المطاعم إلا هذه الأربعة، والتحريمُ كانَ يتجدَّدُ شيئاً فشيئاً، فتحريمُ الحُمُر بعد ذلك تحريمٌ مبتدأ لما سكت عنه النصُّ، لا أنه رافع لما أباحه القرآن، ولا مُخصِّص لعمومه، فضلاً عن أن يكون ناسخاً. والله أعلم. فصل ترجيح المصنف تحريم المتعة عام الفتح ولم تُحرَّم المتعةُ يومَ خيبر، وإنما كان تحريمُها عامَ الفتح (١) هذا هو الصوابُ، وقد ظنَّ طائفة مِن أهل العلم أنه حرمها يومَ خيبر، واحتجوا بما في ((الصحيحين)) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ((أن رسولَ الله ◌َّ نَهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر، وعَنْ أكل لحوم الحمر الإنسية» (٢). وفي ((الصحيحين)) أيضاً: أن علياً رضي الله عنه، سمع ابن عباس يُلَيِّنُ في مُتعة النساء، فقال: مهلاً يا ابنَ عباس، فإنَّ رسولَ الله وَّةِ ((نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية))، وفي لفظ للبخاري عنه، أن رسول الله مَثّل نهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. (١) وذلك فيما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٤٠٦) (٢١) من حديث الربيع بن سبرة أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله مَ ، فقال: ((يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ... )). (٢) أخرجه البخاري ٣٦٩/٧ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي النكاح: باب نهي رسول الله ◌َّة عن نكاح المتعة أخيراً، وفي الذبائح والصيد: باب لحوم الحمر الإِنسية، وفي الحيل: باب في الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة. ومسلم (١٤٠٧) في النكاح: باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه، والترمذي (١١٢١) و ((الموطأ)) ٥٤٢/٢، والنسائي ١٢٥/٦، ١٢٦، وابن ماجه (١٩٦١)، والدارمي ١٤٠/٢، وأحمد ٧٩/١. ٣٠٤ ولما رأى هؤلاء أن رسولَ الله ◌َ﴿ أباحها عامَ الفتح، ثم حرَّمها، قالوا: حُرِّمَتْ، ثُمَّ أبيحت، ثمَّ حُرِّمَتْ. قال الشافعي: لا أعلمُ شيئاً حُرِّم، ثم أبيح، ثم حُرِّمَ إلا المتعة، قالُوا: نُسِخَتْ مرتين، وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لم تُحرم إلا عامَ الفتح، وقبل ذلك كانت مباحة. قالوا: وإنما جمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين الاخبار بتحريمها، وتحريمِ الحُمُر الأهلية، لأن ابن عباس كان يُبيحهما، فروى له علي تحرِيمَهما عن النبي ◌َّ رداً عليه، وكان تحريمُ الحُمُرِ يومَ خيبر بلا شك، وقد ذكر يومَ خيبر ظرفاً لتحريم الحُمُرِ، وأطلَقَ تحريمَ المتعة، ولم يُقيده بزمن، كما جاء ذلك في ((مسند الإمام أحمد)) بإسناد صحيح، أن رسول الله رَّ﴾ ((حرَّم لحومَ الحُمُرِ الأهلية يومَ خيبر، وحرَّم مُتعة النساء)) وفي لفظ: حرم متعة النساء، وحرم لحومَ الحُمُر الأهلية يومَ خيبر، هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلاً مميزاً، فظن بعضُ الرواة أن يومَ خيبر زمنٌ للتحريمين، فقيدهما به، ثم جاء بعضُهم، فاقتصر على أحد المحرَّمين وهو تحريمُ الحمر، وقيده بالظرف، فمن ها هنا نشأ الوهم. وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابةُ يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله ◌ََّ، ولا نقله أحدٌ قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمُتعة فيها ذكرٌ البتة، لا فِعلاً ولا تحريماً، بخلاف غزاة الفتح، فإن قصةَ المتعة كانت فيها فِعلاً وتحريماً مشهورة، وهذه الطريقة أصحُّ الطريقتين. وفيها طريقة ثالثة: وهي أن رسولَ الله ◌َّ لم يُحرمها تحريماً عاماً البتة، بل حرَّمها عند الاستغناء عنها، وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة ابن عباس حتى كان يُقتي بها ويقولُ: هي كالميتة والدم ولحم الخنزير، تُباح عند الضرورة وخشيةِ العنت، فلم يفهم عنه أكثرُ الناس ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحةً مطلقةً، وشبّوا في ذلك بالأشعار، فلما رأى ابنُ عباس ذلك، رجع إلى القول بالتحريم. ٣٠٥ جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض فصل ومنها: جوازُ المساقاة والمزارعة بجُزء مما يُخرج مِن الأرض مِن ثمر أو زرع، كما عامل رسولُ الله ◌َّ أهلَ خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم يُنسخ البتة، واستمر عملُ خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا مِن باب المؤاجرة في شيء، بل مِن باب المشاركة، وهو نظيرُ المضاربة سواء، فمن أباح المضاربةَ، وحرّم ذلك، فقد فرق بین متماثلین. فصل عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض ومنها أنه دفع إليهم الأرضَ على أن يعملُوها مِن أموالهم، ولم يدفع إليهِم البِذْرَ، ولا كان يَحمِلُ إليهم البِذرَ من المدينة قطعاً، فدل على أن هديَه عدمُ اشتراط كونِ البذر مِن ربِّ الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هديَ خلفائه الراشدينَ مِن بعده، وكما أنه هو المنقولُ، فهو الموافقُ للقياس، فإن الأرضَ بمنزلة رأس المال في القِراض، والبِذر يجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموتُ في الأرض، ولا يرجعُ إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشْتُرِطَ عودُه إلى صاحبه، وهذا يُفسِدُ المزارعة، فعلم أن القياسَ الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله وَّه وخلفائه الراشدين في ذلك. والله أعلم. فصل ومنها: خَرْصُ الثمار على رؤوس النخل وقِسمتها كذلك، وأن القسمة ليست بيعاً. ومنها: الاكتفاءُ بخارِصٍ واحد، وقاسِمٍ واحد. ومنها: جواز عقدٍ، المُهادنة عقداً جائزاً للإِمام فسخُه متى شاء. ومنها: جوازُ تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، كما عَقَدَ لهم رسولُ الله ◌َّه بشرط أن لا يُغيِّبُوا ولا يَكْتُموا. ٣٠٦ ومنها: جوازُ تقريرِ أربابِ الثُّهم بالعُقوبة، وأن ذلك من الشريعة العادلة لا مِن السياسة الظالمة . ومنها: الأخذُ في الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبي معيّ لِكنانة: ((المالُ كَثِيرٌ، والعَهْدُ قَرِيبٌ))، فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبته الحروبُ والنفقة. جواز نسخ الأمر قبل فعله ومنها: أن من كان القولُ قولَه إذا قامت قرينةٌ على كذبه، لم يُلتفت إلى قوله، ونُزِّلَ منزلة الخائن. ومنها: أن أهلَ الذِّمة إذا خالفوا شيئاً مما شُرِطَ عليهم، لم يبق لهم ذِمة، وحلَّت دِماؤُهم وأموالهم، لأن رسولَ الله وَيّ عقد لهؤلاء الهُدنة، وشرط عليهم أن لا يُغيِّوا ولا يَكتُموا، فإن فعلوا حلَّتِ دِماؤهم وأموالُهم، فلما لم يفُوا بالشرط، استباحَ دماءَهم وأموالهم، وبهذا اقتدى أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب في الشروط التي اشترطها على أهل الذمة، فشرط عليهم أنهم متى خالفُوا شيئاً منها، فقد حلَّ له منهم ما يَحِلُّ مِن أهل الشِّقاق والعَداوة. إذا خالف أهل الذمة شيئاً مما شرط عليهم لم يبق لهم ذمة ومنها: جوازُ نسخ الأمر قبل فِعله، فإن النبيَّ ◌َّ أمرهم بكسرِ القُدور، ثم نسخه عنهم بالأمر بِغَسْلِهَا. جواز الأخذ في الأحكام بالقرائن ومنها: أن ما لا يُؤكل لحمُه لا يَطْهُر بالذَّكاة لا جِلدُه ولا لحمه، وأن ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم. ومنها: أن من أخذ مِن الغنيمة شيئاً قبل قسمتها لم يملكْه، وإن كان الغلول قبل القسم لا يملك دونَ حقه، وأنه إنما يملِكُه بالقسمة، ولهذا قال في صاحب الشَّملة التي وإن كان دون الحق غلها: ((إنَّها تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَاراً)(١). وقال لصاحب الشِّراك الذي غله: ((شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ))(٢). (١) صحيح وقد تقدم ص٩٧ . (٢) صحيح وقد تقدم ص ٩٧ . ....- ٣٠٧ ومنها: أن الإِمام مخيّر في أرض العَنوة بين قِسمتها وتركها، وقَسْم بعضها، وتَرْكِ بعضها . استحباب التفاؤل ومنها: جواز التفاؤُل بل استحبابُه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهورِ الإِسلام وإعلامه، كما تفاءل النبيُّ نَّه برؤية المَساحي والفؤوس والمكاتِل مع أهل خيبر، فإن ذلك فألٌّ في خرابها. جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام اذا استغنى عنهم ومنها: جواز إجلاء أهل الذِّمةِ من دار الإِسلام إذا اسْتُغنِيَ عنهم، كما قال النبي ◌َّه: (نُقِرُّكُم مَا أَقَرَّكُم اللَّهُ)) وقال لكبيرهم: (كَيْفَ بِكَ إذا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتْكَ نَحْوَ الشَّامِ يَوْماً ثُمَّ يَوْماً)، وأجلاهم عمرُ بعد موته ◌ََّ، وهذا مذهبُ محمد بن جرير الطبري، وهو قولٌ قوي يسوغُ العملُ به إذا رأى الإِمامُ فيه المصلحةَ. ولا يُقال: أهل خيبر لم تكن لهم ذِمة، بل كانُوا أهلَ هُدنة، فهذا كلام لا حاصِل تحته، فإنهم كانوا أهلَ ذِمة، قد أمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أماناً مستمراً، نعم لم تكن الجزيةُ قد شُرِعَت، ونزل فرضُها، وكانوا أهلَ ذمة بغير جزية، فلما نزل فرضُ الجزية، استُؤْنِفَ ضربُها على من يُعقد له الذمة مِن أهل الكِتاب والمجوس، فلم يكن عدمُ أخذ الجزية منهم، لكونهم ليسوا أهلَ ذِمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضُها بعد. وأما كونُ العقد غيرَ مؤيّد، فذاك لمدة إقرارهم في أرض خيبر، لا لمدة حقنٍ دمائهم، ثم يستبيحها الإِمامُ متى شاء، فلهذا قال: ((نُقِرُّكُمْ ما أقرَّكُمُ الله أَوْ مَا شِئْنا»، ولم يقل: نحقِنُ دماءكم ما شئنا، وهكذا كان عقدُ الذمة لقُريظة والنَّضير عقداً مشروطاً، بأن لا يُحاربوه، ولا يُظاهِرُوا عليه، ومتى فعلوا، فلا ذِمة لهم، وكانوا أهلَ ذِمة بلا جزية، إذ لم يكن نزلَ فرضُها إذ ذاك، واستباحَ رسولُ الله ◌َّةِ سَبْيَ نسائهم وذرارِيهم، وجعل نقضَ العهد سارياً في حق النِّساء والذرية، وجعل حُكم الساكت والمقر حُكمَ الناقِضِ والمحارب، وهذا موجبُ هديه ◌َّ في أهل الذِّمة بعد الجزية أيضاً، أن يسريَ نقضُ العهد في ٣٠٨ ذريتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقِضُون طائفةً لهم شوكة ومَنَعة، أما إذا كان الناقض واحداً مِن طائفة لم يُوافقه بقيتهم، فهذا لا يسري النقضُ إلى زوجته وأولاده، كما أن من أهدر النبيُّ ◌َّ دماءهم ممن كان يسبُّه، لَمْ يَسْبِ نساءَهم وذريتهم، فهذا هديُه في هذا، وهو الذي لا محيدَ عنه وبالله التوفيق. جواز جعل عتق الرجل أمته صداقاً لها بغير إذنها وبلا شهود ولا ولي غيره ومنها: جوازُ عِتق الرجل أمتَه، وجعل عتقها صَداقاً لها، ويجعلها زوجتَه بغير إذنها، ولا شهودٍ، ولا ولي غيره، ولا لفظٍ إنكاح ولا تزويج، كما فعل رَّ بصفيّة، ولم يقل قطّ: هذا خاصٌ بي، ولا أشار إلى ذلك، مع علمه باقتداء أمته به، ولم يقُلْ أحد من الصحابة: إن هذا لا يصْلُح لغيره، بل رَوَوا القِصة ونقلُوها إلى الأمة، ولم يمنعوهم، ولا رسولُ اللهِ لَّم من الاقتداء به في ذلك، والله سبحانه لمَّا خصَّه في النكاح بالموهوبة قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فلو كانت هذه خالصة له من دون أُمَّته، لكان هذا التخصيصُ أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تَهَبُ نفسَها للرجل لنُدرته، وقلته، أو مثله في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له، واقتداؤها به، فكيف يسكت عن منع الاقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز، هذا شبهُ المحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك، فيجب المصيرُ إلى إجماعهم وبالله التوفيق. والقياس الصحيحُ: يقتضي جوازَ ذلك، فإنه يملِكُ رقبتَها، ومنفعة وطئها، وخدمتها، فله أن يُسقِطَ حقّه مِن مِلك الرقبة، ويستبقي مِلك المنفعةِ، أو نوعاً منها، كما لو أعتق عبده، وشرط عليه أن يخدِمَه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبةَ ملكه، واستثنى نوعاً من منفعته، لم يُمنع من ذُلِكَ في عقد البيع، فكيف يُمنع منه في عقد النكاح، ولما كانت منفعةُ البُضع، لا تُستباح إلا بعقدِ نكاح أو ملك يمين، وكان إعتاقُها يُزِيلُ ملكَ اليمين عنها، كان مِن ضرورة استباحة لهذه المنفعة، جعلُها زوجة، وسيدها كان يلي ٣٠٩ نكاحها، وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يَملِكُه منها، ولما كان مِن ضرورته عقدُ النكاح ملكه، لأن بقاء ملكه المستثنى لا يَتِمُّ إلا به، فهذا محضُ القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة والله أعلم. جواز كذب الإنسان على نفسه و علی غیرہ إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه ما لم يتضمن ضرر ذلك الغير ومنها: جوازُ كذب الإِنسانِ على نفسه وعلى غيره، إذا لم يتضمَّن ضرَر ذُلك الغير إذا كان يُتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجَّاجُ بن عِلاط على المسلمين، حتى أخذَ مالَه مِن مكة مِن غير مضرّة لحقت المسلمين من ذلك الكذب، وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين من الأذى والحزن، فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلَ الفرح والسرور، وزيادةَ الإِيمان الذي حصل بالخبرِ الصَّادِق بعد هذا الكذب، فكان الكذبُ سبباً في حصول هذه المصلحة الراجحة، ونظيرُ هذا الإِمامُ والحاكمُ يوهِمُ الخصمَ خلافَ الحق لِيتوصل بذلك إلى استعلام الحقِّ، كما أوهم سليمانُ بن داود إحدى المرأتين بِشَقِّ الولد نصفين حتى توصَّل بذلك إلى معرفة عين الأم(١). ومنها: جوازُ بناء الرجل بامرأته في السفر، وركوبها معه على دابة بين الجيش. ومنها: أن مَنْ قتل غيره بسُمِّ يَقْتُلُ مثله، قُتِلَ بِهِ قِصاصاً، كما قُتِلَتِ اليهوديةُ ببشر بن البراء. ومنها: جوازُ الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وحِلُّ طعامهم. ومنها: قبولُ هديةِ الكافر. فإن قيل: فلعل المرأةَ قُتِلَتْ لنقض العهد لحِرابها بالسُّمِّ لا قِصاصاً، قيل: لو كان قتلُها لنقض العهد، لقُتلَت من حين أقرت أنها سمت الشاة، ولم يتوقف قتلُها على موت الأكل منها. الاختلاف في موجب قتل اليهودية (١) أخرجه البخاري ٣٣٣/٦، ٣٣٤ و٤٧/١٢، ومسلم (١٧٢٠) من حديث أبي هريرة. ٣١٠ فإن قيل: فهلاَّ قُتِلَتْ بنقضِ العهد؟ قيل: هذا حجةُ من قال: إن الإِمام مخيَّر في ناقض العهد، كالأسير. فإن قيل: فأنتم تُوجبون قتله حتماً كما هو منصوص أحمد، وإنما القاضي أبو يعلى ومَن تبعه قالوا: يُخير الإِمامُ فيه، قيل: إن كانت قِصةُ الشاة قبلَ الصُّلح، فلا حجةَ فيها، وإن كانت بعدَ الصلح، فقد اختُلِفَ في نقضٍ العهد بقتل المسلم على قولين، فمن لم ير النقضَ به، فظاهر، ومن رأى النقضَ به، فهل يتحتمُ قتلُهُ، أو يُخيَّر فيه، أو يفصِلُ بينَ بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتم قتلُه بسبب السبب، ويُخير فيه إذا نقضه بحرابه، ولحوقه بدار الحرب، وإن نقضه بسواهما كالقتل، والزنى بالمسلمة، والتجسُّس على المسلمين، وإطلاع العدو على عوراتهم؟ فالمنصُوصُ: تعيُّنُ القتل، وعلى هذا فهذه المرأةُ لما سمَّتِ الشاةَ، صارت بذلك محاربة، وكان قتلُها مخيراً فيه، فلما مات بعضُ المسلمين من السُّم، قُتِلَتْ حتماً إما قصاصاً، وإما لنقض العهد بقتلها المسلم، فهذا محتمل. والله أعلم. واختُلِف في فتح خيبر: هل كان عنوة، أو كان بعضُها صلحاً، وبعضُها هل فتحت خيبر عنوة أم عنوة؟ صلحاً؟ والأحكام المترتبة على ذلك فروى أبو داود من حديث أنس ((أن رسولَ اللهِ مَ ◌َّ غزا خَيْبَرَ، فأصبناها عنوة فَجُمِعَ السَّبِي)»(١) . وقال ابنُ إسحاق: سألتُ ابنَ شهاب، فأخبرني أن رسولَ الله ◌َّر افتتح خيبرَ عَنوَةً بعد القتال. وذكر أبو داود، عن ابن شهاب: بلغني أن رسول الله ◌َّ افتتح خيبرَ (١) أخرجه أبو داود (٣٠٠٩) في الإمارة: باب حكم أرض خيبر وإسناده صحيح، وأخرجه البخاري بأتم منه ٤٠٤/١، ٤٠٥ في الصلاة: باب ما يذكر في الفخذ، وفي المغازي: باب غزوة خيبر، ومسلم (١٣٦٥) في الجهاد: باب غزوة خيبر. ٣١١ عنوةً بعد القتالِ، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال))(١). قال ابنُ عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر، أنها كانت عَنوة كلّها مغلوباً عليها، بخلافِ فَدَك، فإنَّ رسولَ اللهَِّ قسم جميعَ أرضِها على الغانمين لها، المُوجِفين عليها بالخيلِ والرِّكاب، وهم أهلُ الحُديبية، ولم يختلفِ العلماءُ أن أرض خيبرَ مقسومة، وإنما اختلفوا: هل تُقسم الأرض إذا غُنِمَتِ البلادُ أو توقَف؟ فقال الكوفيون: الإِمام مخيّرٌ بين قِسمتها كما فعل رسولُ الله ◌َي﴾. بأرضٍ خيبر، ومن إيقافها كما فعل عُمَرُ بسوادِ العراق. وقال الشافعي: تُقسم الأرض كُلُّهَا كما قَسَمَ رسولُ الله ◌َّ خيبرَ، لأن الأرضَ غنيمةٌ كسائر أموال الكفار. وذهب مالك إلى إيقافها اتباعاً لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة من إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين، وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعتُ عمر يقول: (لَوْلاَ أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاس لا شَيءٍ لَهُمْ ما افْتَتَحَ المُسْلِمُونَ قَرْيَةً إِلاَّ قَسَمْتُها سُهْمَاناً كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ خَيْبَرَ سُهْمَاناً)(٢). وهذا يدل على أن أرضَ خيبر قُسِمَتْ كُلُّها سُهماناً كما قال ابنُ إسحاق. وأما من قال: إن خيبر كان بعضُها صلحاً، وبعضُها عنوة، فقد وهم وغَلِطَ، وإنما دخلت عليهم الشبهةُ بالحِصنين اللذينِ أسلمهما أهلُهُما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهلُ ذينك الحِصنين مِن الرجال والنساء والذرية (١) أخرجه أبو داود (٣٠١٨) وهو مرسل. (٢) وأخرجه البخاري ١٣/٥ في المزارعة: باب أوقاف أصحاب النبي ◌ُّ وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم، وأبو داود (٣٠٢٠)، وأحمد ٣٢/١ و٤٠ . ٣١٢ مغنومين، ظن أن ذلك لِصلح، ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية، كضربٍ من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضَهم إلا بالحصار والقتالِ، فكان حكمُ أرضهما حكمَ سائر أرضٍ خيبر كلِّها عَنوة غنيمةً مقسومةً بين أهلها. وربما شُبِّهَ على من قال: إن نصفَ خيبر صُلحٌ، ونصفها عنوة، بحديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: أن رسولَ الله ◌َّ قسم خيبرَ نصفين: نصفاً له، ونصفاً لِلمسلمين))(١). قال أبو عمر: ولو صح هذا، لكان معناه أنَّ النَّصْفَ له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه، لأنها قُسمت على ستة وثلاثين سهماً، فوقع السهمُ للنبي ◌َّ وطائفة معه في ثمانية عشر سهماً، ووقع سائرُ الناس في باقيها، وكُلُّهُم ممن شهد الحُديبية ثم خيبر، وليست الحصونُ التي أسلمها أهلُها بعد الحصار والقتال صُلحاً، ولو كانت صلحاً لملكها أهلُها كما يملك أهلُ الصُّلْح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب، هذا آخر كلام أبي عمر. قلت: ذكر مالك، عن ابن شهاب، أن خيبر كان بعضُها عَنوة، وبعضُها صلحاً، والكُتيبة أكثرُها عنوةً: وفيها صلح. قال مالك: والكُتيبة أرضُ خيبر، وهو أربعون ألف عَذق(٢). وقال مالك: عن الزهري، عن ابن المسيّب: أن رسولَ الله وَّة افتتح بعضَ خيبرَ عَنوة))(٣) . فصل ثم انصرف رسولُ اللَّهِ وَّةِ مِن خَيبر إلى وادي القُرى، وكان بها جماعةٌ من سـ أخرجه أبو داود (٣٠١٠)، وسنده قوي. (١) (٢) أخرجه أبو داود (٣٠١٧) وهو مرسل. (٣) أخرجه أبو داود (٣٠١٧). الانصراف إلى وادي القرى ٣١٣ قتل مدعم عبد النبي # وبيان أنه كان غالا اليهود، وقد انضاف إليهم جماعةٌ من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهودُ بالرمي، وهم على غير تعبئةٍ، فَقُتِلَ مِدْعَمٌ عبدُ رسول اللَّهِ مَّةِ، فقال النَّاس: هنيئاً له الجنةُ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((كَلاَّ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَها يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ لتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَاراً»، فلما سمع بذلك الناس، جاء رجل إلى النبي ◌َّرَ بِشِرَاكِ أو شِرَاكين، فقال النبيّ ◌َّ: ((شِرَاٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شراكان مِنْ نارٍ))(١). فتح وادي القرى فعبّأ رسولُ اللهِ وََّ أصحاب لِلقتال، وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعدِ بْنِ عُبادة، ورايةً إلى الحُباب بن المنذر، ورايةً إلى سَهل بن حُنيف، وراية إلى عبَّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإِسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا، أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءَهم وحسابهم على الله، فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبيرُ بن العوَّام، فقتله، ثم برز آخرُ، فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشرَ رجلاً، كلما قُتِلَ منهم رجلٌ، دعا من بقي إلى الإِسلام، وكانت الصلاة تحضُر ذلك اليومَ، فيُصلي بأصحابه، ثم يعودُ فيدعوهم إلى الإِسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أَمْسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطَوْا ما بأيديهم، وفتحها عَنوة، وغنمه اللَّهُ أموالهم، وأصابُوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً، وأقام رسول الله وَّل بوادي القُرى أربعةً أيَّام، وقسم ما أصابَ على أصحابه بوادي القُرى، وترك الأرضَ والنخل بأيدي اليهود، وعاملَهم عليها، فلما بلغ يهودَ تيماءَ ما واطأ عليه رسولُ الله ◌َّ أهلَ خيبر وفَدَك ووادي القُرى، صالحوا رسولَ الله ◌َِّ، وأقاموا بأموالهم، فلما كانَ زمنُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يُخرج أهلَ تيماء مصالحة يهود تيماء النبي (* إخراج عمر يهود خيبر وفدك من جزيرة العرب (١) أخرجه مالك ٤٥٩/٢ في الجهاد: باب ما جاء في الغلول، والبخاري ٥١٣/١١، ٥١٤ في الأيمان والنذور: باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزرع والأمتعة، و٣٧٤/٧، ٣٧٥، ومسلم (١١٥) في الأيمان: باب غلظ تحريم الغلول، وأبو داود (٢٧١١)، والنسائي ٢٤/٧ . ٣١٤ ووادي القُرى، لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القُرى إلى المدينة حِجاز، وأن ما وراء ذلك مِن الشام(١) وانصرف رسولُ الله ◌َّةِ راجعاً إلى المدينة. الرجوع إلى المدينة فلما كانَ ببعضِ الطريق، سار ليلَه حتَّى إذا كان ببعض الطريق أدركهم نوم المسلمين عن الفجر. الكَرى، عرَّس، وقال لبلال: ((اكلا لَنَا اللَّيْلَ)) [فصلَّى بلالٌ ما قُدِّر له، ونامَ رسولُ اللهِ﴿ وأصحابُه فلما تقاربَ الفجرُ استند بلال إلى راحِلته مُواجه الفجر]، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ النبيُّ ◌َ﴾، ولا بلالٌ، ولا أوَّلُهُم استيقاظاً، أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمسُ، فكان رسولُ اللّهِ ◌َ فَفَزِعَ رسولُ اللهَِّ، فقال: ((أَيْ بلالُ))؟ فقال: أخذَ بنفسي الَّذِي أخَذَ بِنَفْسِكَ، بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللَّهِ، فاقتادوا رواحِلهم شيئاً حتى خرجُوا مِن ذلك الوادي، ثم قال: ((هُذا وادٍ به شَيْطَانٌ))، فلما جاوزه، أمرهم أن ينزِلُوا وأن يتوضؤوا، ثم صلَّى سنة الفجر، ثم أمر بلالاً، فأقام الصلاة، وصلَّى بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم وقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَزْوَاحَنَا، ولَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هذا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِليها فَلْيُصَلِّها كمَا كان يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا)) ثم التفتَ رسولُ الله ◌َ .. إلى أبي بكر فقال: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ أتى بِلالاً، وهُوَ قائِمٌ يُصَلِي فَأَضْجَعَه فَلَمْ يَزَلْ يُهدِّئه كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبيُّ حَتَّى نام)) ثم دعا رسول الله بلالاً، فأخبره بمثل ما أخبر به أبا بكر (١) . وقد رُوي أن لهذه القصة كانت في مرجعهم مِن الحُديبية، ورُوي أنها كانت (١) انظر الطبري ٩١/٣، وابن كثير ٤١٢/٣، ٤١٣، وابن سيد الناس ١٤٣/٢، و ((شرح المواهب)) ٢٤٧/٢، ٢٤٩. (٢) هذا الحديث ملفق من رواية أبي هريرة المسندة، ومن رواية زيد بن أسلم المرسلة، فحديث أبي هريرة أخرجه مالك ١٣/١، ١٤، ومسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٣٥) و(٤٣٦)، والترمذي (٣١٦٢)، والنسائي ٢٩٥/١، ٢٩٨، وابن ماجه (٦٩٧)، وحديث زيد بن أسلم أخرجه مالك ١٤/١، ١٥، قال ابن عبد البر: مرسل باتفاق رواة ((الموطأ)). الاختلاف في زمن هذه القصة في مرجعهم مِن غزوة تبوك، وقد روى قِصَّة النوم عن صلاةِ الصبح عِمرانُ بن حُصين، ولم يُوقِّت مدتَها (١)، ولا ذكر في أي غزوة كانت، وكذلك رواها أبو قتادة كلاهما في قصة طويلة محفوظة (٢). وروى مالك، عن زيد بن أسلم، أن ذلك كان بطريق مكة، وهذا مرسل (٣) . وقد روى شعبة، عن جامع بن شداد، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، قال: أقبلنا مع رسولِ الله مح= زمن الحُديبية، فقال النبي ◌ِّ: ((مَنْ يَكْلَؤنا؟)) فقال بلال: أنا، فذكر القصة (٤). لكن قد اضطربت الرواةُ في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، عن جامع: إن الحارس فيها كان ابنَ مسعود، وقال غُنْدَرٌ عنه: إن الحارس كان بلالاً، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمِرُ بنُ سليمان: عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيرُه عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحُديبية، فدل على وهم وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة مِن ذلك، وبالله التوفيق. فصل فى فقه هذه القصة فيها: أن من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتُها حينَ يستيقظ أو يذكرُها. (١) أخرجه البخاري ٦/ ٤٢٥، ٤٢٦ في الأنبياء: باب علامات النبوة في الإِسلام، ومسلم (٦٨٢) في المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، وأبو داود (٤٤٣). (٢) أخرجه البخاري ٥٤/٢ في المواقيت: باب الأذان بعد ذهاب الوقت، ومسلم (٦٨١) في المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، وأبو داود (٤٣٧) و (٤٣٨). (٣) ((الموطأ)) ١٤/١، ١٥. أخرجه أحمد ٣٨٦/١ و٤٦٤، وأبو داود (٤٤٧) ورجاله ثقات. (٤) ٣١٦ وفيها: أن السنن الرواتبَ تُقضى، كما تُقضى الفرائض، وقد قضى السنن الرواتب تقضى رسولُ الله ◌َّةِ سُنَّةَ الفجر معها، وقضى سُنَّةَ الظهر وحدها، وكان هديُهُ مَِّ قضاءَ السنن الرواتب مع الفرائض. وفيها: أن الفائتة يُؤذّن لها ويُقام، فإن في بعض طرق هذه القصة، أنه أمر الفائتة يؤذن لها ويقام بلالاً، فنادى بالصلاة، وفي بعضها فأمر بلالاً، فأذن وأقام، ذكره أبو داود. وفيها: قضاء الفائتة جماعة. وفيها: قضاؤها على الفور لقوله: ((فليصلها إذا ذكرها))، وإنما أخرها عن مكان مُعرَّسِهم قليلاً، لكونه مكاناً فيه شيطان، فارتحل منه إلى مكان خيرٍ منه، وذلك لا يُقوِّت المبادرة إلى القضاء، فإنهم في شغل الصلاة وشأنها . القضاء على الفور وفيها: تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان، كالحمام، والحُشَ اجتناب الصلاة في أمكنة بطريق الأولى، فإن هذه منازِلُه التي يأوي إليها ويسكُنها، فإذا كان النبيُّ ◌َِّ، ترك الشيطان المبادرةَ إلى الصلاة في ذلك الوادي، وقال: إن به شيطاناً، فما الظن بمأوى الشيطان وبيته . فصل ولما رجع رسولُ الله ◌َّ إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى الأنصار منائِحَهم رد المهاجرين منائح التي كانوا منحُوهم إياها مِن النخيل حين صار لهم بخيبر مالٌ ونخيلٌ، فكانت أم الأنصار سُليم - وهي أم أنس بن مالك - أعطت رسولَ الله ◌َّ ◌ِذَاقاً، فأعطاهن أمَّ أيمن مولاته، وهي أم أسامة بن زيد، فرد رسولُ الله مَّ على أُم سليم عِذاقها، وأعطى أُم أيمن مكانهن من حائطه مكانَ كل عَذق عشرة))(١) . فصل وأقام رسولُ الله ◌ِّ في المدينة بعد مقدَمه مِن خيبر إلى شوال، وبعث في السرايا بين مقدمه من خيبر إلى شوال (١) أخرجه البخاري ١٧٩/٥، ١٨٠ في الهبة: باب فضل المنيحة، ومسلم (١٧٧١) في الجهاد: باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم. ٣١٧ خلال ذلك السرايا . سرية الصديق إلى بني فزارة فمنها: ((سريةُ أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى نجدٍ قِبَلَ بني فَزارة، ومعه سلمةُ بنُ الأكوع، فوقع في سهمه جاريةٌ حسناء، فاستوهبها مِنه رسولُ الله ◌ِّهِ، وفادى بها أسرى من المسلمين كانوا بمكة» (١) . سرية عمر نحو هوازن ومنها: سریةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثلاثین راكباً نحو هوازن، فجاءهم الخبر، فهربوا وجاؤوا محالهم، فلم يَلْقَ منهم أحداً، فانصرف راجعاً إلى المدينة، فقال له الدليل: هل لك في جمع من خَتْعَم جاؤوا سائرين، وقد أجدبت بلادُهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسولُ الله ◌َّ بهم، ولم يَعْرِضْ لهمُ(٢) . سرية ابن رواحة إلى يسير بن وزام اليهودي ومنها: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكباً، فيهم عبد الله بن أنيس إلى يسير بن رِزَام اليهودي، فإنه بلغ رسول الله ( أنه يجمع غَطفان لِيغزوه بهم، فأتوه بخيبر فقالوا: أرسلنا إليك رسولُ الله: ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا - حتى تَبِعَهم في ثلاثين رجلاً مع كُلِّ رجل منهم رديفٌ من المسلمين، فلما بلغوا قَرقرة نِيار - وهي من خيبر على ستة أميال ـ ندم يسير، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له عبد الله بن أنيس، فزجر بعيره، ثم اقتحم عن البعير يسوقُ القوم حتى إذا استمكن مِن يسير، ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفي يده مِخرش من شوحط (٣) ، فضرب به وجه عبد الله فشجَّه مأمومَة، فانكفأ كُلُّ رجل من المسلمين على رديفه، فقتله غيرَ رجل مِن اليهود أعجزهم شداً، ولم يُصَبْ مِن المسلمين أحدٌ، وقدموا على رسول الله ، فبصق في شجة (١) أخرجه مسلم (١٧٥٥) في الجهاد: باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى، وأحمد ٤٦/٤، وأبو داود (٢٦٩٧). (٢) انظر ((شرح المواهب)) ٢٤٩/٢. المخرش والمخراش: عصاً معوجة الرأس كالصولجان، والشوحط: ضرب من شجر (٣) الجبال تتخذ منه القسي. ١٨ ٣ عبد الله بن أنيس، فلم تَقِحْ، ولم تُؤذه حتى مات(١). ومنها: سريةُ بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مُرَّة بفدك في ثلاثين رجلاً، سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك فخرج إليهم، فلقي رِعاء الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعم، ورجع إلى المدينة، فأدركه الطلبُ عند الليل، فباتُوا يرمونهم بالنبل حتى فني نَيْلُ بشير وأصحابه، فولّى منهم مَنْ ولَّى، وأصيب منهم مَنْ أُصيب، وقاتل بشير قتالاً شديداً، ورجع القومُ بنعمهم وشائهم، وتحامل بشيرٌ حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برئت جراحه، فرجع إلى المدينة، ثم بعث رسولُ الله ◌َّ سرية إلى الحُرَقَةِ(٢) من سرية أسامة إلى الحرقة جُهينة، وفيهم أسامةُ بن زيد، فلما دنا منهم، بعث الأميرُ الطلائع، فلما رجعوا من جهينة بخبرهم، أقبل حتى إذا دنا منهم ليلاً، وقد احتلبوا وهدؤوا، قام فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريكَ له، وأن تُطيعوني، ولا تعصوني، ولا تُخالفوا أمري، فإنه لا رأي لمن لا يُطاع، ثم رتبهم وقال: يا فلان! أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يُفارِقْ كلٌّ منكما صاحِبَه وزميله، وإياكم أن يَرْجِع أحد منكم، فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا كبَّرتُ، فكبِّروا، وجردوا السيوف، ثم كَبَّروا، وحملوا حملة واحدة، وأحاطُوا بالقوم، وأخذتهم سيوفُ الله، فهم يضعونها منهم حيث شاؤوا، وشعارهم: أَمِتْ أَمِتْ. وخرج أسامة في أثر رجل منهم يقال له مِرداسُ بن نَهِيك، فلما دنا منه، وَلَحَمَهُ بالسيف، قال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم استاقوا الشَّاءَ والنَّعم والذُّرِّيَّة، وكانت سُهمانُهم عشرة أبعرة لكل رجُل أو عِدْلَها من النَّعم، فلما قَدِمُوا على رسول الله وَّةٍ، أُخبر بما صنع أسامة، فكَبُر ذلك عليه، وقال: أَقْتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إنَّما قالها متعوذاً، قال ((فَهَلاَّ شققت عَنْ قَلْبِهِ)) ثم قال: ((مَنْ لَكَ بلا إله إلا الله يَوْمَ القِيَامَةِ))، فما زال يُكرر ذلك عليه حتى تمنَّى أن يكون أسلمَ قتل أسامة رجلاً قال: لا إله إلا الله عندما لحمه بالسيف (١) انظر ابن سعد ٩٢/٢، و((شرح المواهب)) ١٧٠/٢، ١٧٧، وابن كثير ٤١٨/٣، ٤١٩. (٢) بضم الحاء وفتح الراء نسبة إلى الحرقة وهو جهيش بن عامر من جهينة، سمي الحرقة، لأنه أحرق قوماً بالقتل فبالغ في ذلك. ٣١٩ يومئذ(١) وقال: يا رسولَ الله! أُعطي الله عهداً ألاّ أقتُل رجلاً يقول: لا إله إلاَّ الله، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((بعدي)) فقال أسامة: بعدك. فصل وبعث رسول الله ◌َ ◌ّ غالب بن عبد الله الكَلَبي إلى بني المُلَوَّح بالكَدِيد، وأمره أن يُغير عليهم. سرية غالب الكلبي إلى بني الملوح قال ابن إسحاق: فحدثني يعقوبُ بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهني، عن جندب بن مَكيث الجُهني، قال: كنتُ في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بِقَدِيد لَقِينَا به الحارث بن مالك بن البَرْضَاء الليثي، فأخذناه، فقال: إنما جئتُ لأسلم، فقال له غالب بن عبد الله: إن كنتَ إنما جئتَ لِتسلم، فلا يضرُّك رِباطُ يوم وليلة، وإن كنتَ على غير ذلك، استوثقنا مِنك، فأوثقه رِباطاً وخلّف عليه رُويجلا أسود، وقال له: امكث معه حتى نمر عليك، فإذا عَازَّك، فاحتزَّ رأسه، فمضينا حتى أتينا بطن الكَدِيد، فنزلناه عشيةً بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه، فَعَمَدْتُ إلى تل يُطلعني على الحاضر، فانبطحتُ عليه، وذلك قبلَ غروب الشمس، فخرج رجل منهم، فنظر فرآني منبطِحاً على التل، فقال لامرأته: إني لأرى سَواداً على هذا التلِّ ما رأيتُه في أوَّلِ النهار، فانظري لا تكونُ الكِلابُ اجترَّت بعضَ أوعيتك، فنظرتْ، فقالت: لا والله لا أفقد شيئاً. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، (١) أخرجه البخاري ٣٩٨/٧ في المغازي: باب بعث النبي لة أسامة بن زيد إلى الحرقات، وفي الديات: باب قول الله تعالى: (ومن أحياها)، ومسلم (٩٦) في الإيمان: باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، وأبو داود (٢٦٤٣)، وأحمد ٢٠٧/٥ عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله مح طه إلى الحرقة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ◌َّ قال: (( يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!)» قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. ٣٢٠