Indexed OCR Text
Pages 281-300
الذين صَحِبُوا المسيحَ بأفضلَ مِن هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تَصِفُهم بضد ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها و: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فهو المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [الكهف: ١٧]. فصل في غزوة خيبر تاريخها قال موسى بن عقبة: ولما قَدِمَ رسولُ الله ◌َُّ المدينةَ مِن الحُديبية، مَكَثَ بها عشرين ليلةٍ أو قريباً منها، ثم خرج غازياً إلى خيبر، وكان الله عزَّ وجلَّ وعده إياها، وهو بالحديبية. وقال مالك: كان فتحُ خيبرَ في السنة السادسة، والجمهور: على أنها في السابعة. وقطع أبو محمد بنُ حزم: بأنها كانت في السادسةِ بلا شك، ولعل الخلافَ مبنيٌّ على أوَّلِ التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهرُ مَقدَمِه المدينة، أو مِن المحرم في أوَّلِ السنة؟ وللناس في هذا طريقانِ. فالجمهورُ على أن التاريخَ وقع مِن المحرم، وأبو محمد بن حزم: يرى أنه مِن شهر ربيع الأول حين قَدِمَ، وكان أوَّلَ من أرَّخ بالهجرة يَعْلى بن أمية باليمن، كما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح(١) وقيل: عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، سنةَ ست عشرة مِن الهجرة. وقال ابنُ إسحاق: حدثني الزّهري، عن عُروة، عن مروان بن الحكم والمِسور بنِ مَخْرَمة، أنهما حدثاه جميعاً، قالا: انصرفَ رسولُ الله ◌ََّ عامَ الحُديبية، فنزلت عليه سورةُ الفتح فيما بينَ مكة والمدينة، فأعطاه الله عزَّ وجلَّ فيها خيبرَ ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها، فَعَجَّل لَكُمْ هذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] خيبر، فقدِم رسولُ الله ◌َ﴾ المدينةَ في ذي الحجة، فأقام بها (١) أورده الحافظ في ((الفتح)) ٢٠٩/٧، وقال: أخرجه أحمد بإسناد صحيح، لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى. ٢٨١ حتى سار إلى خيبر في المحرَّم، فنزلَ رسولُ اللهِ وَّهُ بالرَّجِيعِ: وادٍ بين خيبرَ وغَطَفَان، فتخوَّف أن تمدهم غَطَفَانُ، فبات به حتَّى أصبح، فغدا إليهم (١)، انتھی . قدوم أبي هريرة واستخلف على المدينة سِباعَ بنَ عُرْفُطَةَ، وقَدِمَ أبو هريرة حينئذ المدينة، فوافى سِبَاعَ بنَ عُرُفُطة في صلاة الصُّبح، فسمِعه يقرأ في الركعة الأولى: ﴿كهيعص﴾، وفي الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفين﴾، فقال في نفسه: ويل لأبي فلان، له مِكيالان، إذا اكتال اكتالَ بالوافي، وإذا كال كال بالناقِص، فلما فرغ من صلاته، أتى سباعاً، فزوده حتى قَدِمَ على رسول الله وَّ وكلَّم المسلمينَ، فأشْركُوه وأصحابه في سُهمانهم(٢). وقال سلمةُ بنُ الأكوع: ((خرجنا مع رسولِ الله ◌َّ إلى خيبر، فسِرْنا ليلاً، فقال رجلٌ مِن القَومِ لِعامر بنِ الأكوع: ألا تُسمِعُنَا مِن هُنَيْهَاتِك، وكان عامر رجلاً شاعراً؟ فنزل يحدُو بالقوم يقول: قصة عامر بن الأكوع وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا فاغْفِرِ فِدَاءَ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينةً عَلَيْنَا وإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنا وبالصِّياحِ عَوَّلُوا عَلَيْنا فقال رسولُ اللهِ وَّهُ: (مَنْ هُذَا السّائِقُ)؟ قالوا: عامر. فقال: ((رَحِمَهُ اللَّه)): فقال رجلٌ مِن القوم: وجبت يا رسولَ الله لولا أمتعتَنَا به. قال: فأتينا خيبر، فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصةٌ شديدة، ثم إنَّ الله تعالى فتح عليهم، فلما أَمْسَوْا، أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((مَا هُذِهِ النِّيرانُ، عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُوقِدُون؟)) قالوا: على لحم. قال: ((عَلَى أَيِّ لَحْمِ؟ قالوا: على لحم حمر أنسية. (١) رجاله ثقات. (٢) أخرجه أحمد ٣٤٥/٢، ٣٤٦، وإسناده قوي. ٢٨٢ فقال رسولُ الله ◌َّمَ: ((أهْرِيقُوها واكْسِرُوها))، فقال رجل: يا رسول الله أو نُهْرِيقُها ونغسِلُها؟ فقال: ((أو ذَاكَ))، فلما تصافّ القومُ، خرج مَرْحَب يخطُر بسيفه وهو يقول : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أني مَرْحَبُ شَاكِي السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إذا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فنزل إليه عامر وهو يقول: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مَرْحَب في ترس عامر، فذهب عامر يَسْفُلُ له، وكان سيفُ عامر فيه قِصر، فرجع عليه ذُباب سيفه، فأصابَ عينَ ركبته، فمات منه، فقال سلمة للنبيِّ وَّ: زعموا أن عامراً حَبِطَ عملُه، فقال: ((كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ))، وجمع بين أصبعيه أنه لَجَاهِدٌ مُجاهِدٌ، قلَّ عربيٌّ مشى بها مِثْلَه))(١) . فصل ولما قَدَمَ رسولُ الله ◌ِّل خيبر، صلَّى بها الصُّبحَ، وركب المسلمون، فخرج أهلُ خيبر بمساحِيهم ومكاتِلهم، ولا يَشْعُرُونَ، بل خرجُوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش، قالوا: محمَّدٌ واللَّهِ، محمَّدٌ والخميسُ، ثم رجعوا هاربين إلى حصونهم، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْم، فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِين))(٢). القدوم إلى خيبر (١) أخرجه البخاري ٣٥٦/٧، ٣٥٨ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي المظالم: باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، وفي الذبائح والصيد: باب آنية المجوس والميتة، وفي الأدب: باب ما يجوز من الشعر والرجز، وفي الدعوات: باب قول الله تعالى: (وصلِّ عليهم) وفي الديات: باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له، ومسلم (١٨٠٢) في الجهاد: باب غزوة خيبر، و(١٨٠٧): باب غزوة ذي قرد. (٢) أخرجه البخاري ٣٥٩/٧ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي صلاة الخوف: باب = ٢٨٣ ولما دنا النبيُّ ◌َلٍ وأَشرف عليها، قال: ((قفوا)) فوقف الجيشُ، فقال: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضينَ السَّبْعِ ومَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، فإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هُذِهِ القَرْيَةِ وخَيْرَ أَهْلِها وَخَيْرَ مَا فِيهَا، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هذِهِ القَرْيَةِ وَشَرِّ أَهْلِهَا وشَرِّ مَا فيها، أقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ)(١) . إعطاء الراية لعلي ولما كانَت ليلة الدخول، قال: ((لأعْطِيَنَّ هُذِهِ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ))، فبات الناسُ يدوكون أيُّهم يُعطاها، فلما أصبح الناسُ، غَدَوْا على رسولِ الله ◌َّ كُلُّهم يَرْجُو أن يُعطاها، فقال: ((أَيْنَ عَلِيُّ بنُ أبي طالب؟)) فقالوا: يا رسُولَ الله! هو يَشتكي عينيه، قال: ((فأرْسِلُوا إِلَيْهِ»، فأتي به، فبصق رسولُ اللَّهِ بَلَه في عينيه، ودعا لهُ، فَبَرَأَ حتَّى كأنْ لم يَكُنْ به وَجَعٌ، فأعطاهُ الرايَةَ، فقال: يا رسولَ الله! أُقاتِلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِم، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإِسْلامِ، وأَخْبِرْهُم بِمَا التكبير والغلس بالصبح، وفي الجهاد: باب دعاء النبي إلى الإسلام والنبوة، وباب التكبير عند الحرب، ومسلم (١٣٦٥) ١٤٢٦/٣ في الجهاد: باب غزوة خيبر، ومالك ٤٦٨/٢، والترمذي (١٥٥٠)، والنسائي ٢٧٢/١، وأحمد ١٠٢/٣ و١٦١ و١٦٤ و١٦٨ و٢٠٦ و٢٤٦ و٢٦٣ وهذا الحديث أصل في جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن، والاقتباس، نص عليه ابن عبد البر وابن رشيق كلاهما في ((شرح الموطأ)» وهما مالكيان، والنووي في شرح مسلم كلهم في شرح هذا الحديث، وكذا صرح بجوازه القاضي عياض والباقلاني من المالكية، والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تدل على الجواز. (١) أخرجه ابن هشام ٣٢٩/٢ عن ابن إسحاق حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه، عن أبي معتب بن عمرو، والرجل المبهم سماه البيهقي في روايته ((صالح بن كيسان)) فيما ذكره ابن كثير في (البداية)) ١٨٣/٤، لكن الراوي عنه - وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع - ضعيف، لكن يشهد له ما أخرجه الحاكم ٤٤٦/١ و١٠١/٢، والهيثمي ٢٥٢/٥، وابن السني (٥٢٥) من حديث صهيب رضي الله عنه قال: إن النبي ◌َّي لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: ((اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ... )) وآخر من حديث أبي لبابة بن المنذر قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٤/١٠: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وإسناده حسن. ٢٨٤ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّالله فيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)(١) . فخرج مَرْحَبٌ وهو يقول: أَنَا الَّذي سَمَّتْني أُمِّي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ من قتل مرحب اليهودي؟ إِذا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فبرز إلیه عليٌّ وهو يقول: أَنَا الَّذِي سَمَّتْني أُمِّي حَيْدَرَهُ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَهْ أُوْفيهمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ فضرب مَرْحَباً، ففلَق هامتَه، وكان الفتح (٢) . ولما دنا علي رضيَ الله عنه من خُصونهم، اطلع يهوديٌّ مِن رأس الحصن، فقال: مَنْ أنت؟ فقال: أنا عليُّ بنُ أبي طالب. فقال اليهودي: علوتُم وما أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى. هكذا في ((صحيح مسلم)) أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قتل مَرْحَبًا(٣) . (١) أخرجه البخاري ٧/ ٣٦٥، ومسلم (١٨٠٧)، وأحمد ٥٢/٤ من حديث سلمة بن الأكوع، وأخرجه البخاري ٣٦٦/٧ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي الجهاد: باب دعاء النبي ◌َّ إلى الإسلام والنبوة، وباب فضل من أسلم على يديه رجل، وفي فضائل أصحاب النبي : باب مناقب علي بن أبي طالب، ومسلم (٢٤٠٦) في فضائل الصحابة: باب من فضائل علي رضي الله عنه، وأحمد ٣٣٣/٥ من حديث سهل بن سعد، وأخرجه مسلم (٢٤٠٤)، والترمذي (٢٧٢٦)، وأحمد ١٨٥/١ من حديث سعد بن أبي وقاص. (٢) أخرجه مسلم (١٨٠٦) من حديث سلمة بن الأكوع، ومعنى ((أوفيهم بالصاع كيل السندرة)) أقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً، والسندرة: مكيال واسع. (٣) وقال الحاكم في ((المستدرك)) ٤٣٧/٣: إن الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة أن قاتل مرحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ٢٨٥ وقال موسى بن عُقبة: عن الزهري وأبي الأسود، عن عروة. ويونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل، أحد بني حارثة، عن جابر بن عبد الله، أن محمّد بن مسلمة هو الذي قتله، قال جابر في حديثه: خرج مَرْحبُ اليهوديُّ مِن حصن خيبر قد جمع سِلاحه، وهو يرتجزُ ويقول: من يُبارِزُ؟ فقال رسول الله وَّة: ((مَنْ لِهذا؟)) فقال محمَّدُ بنُ مسلمة: أنا له يا رسولَ الله، أنا والله المَوْتُورُ الثائرُ، قتلوا أخي بالأمس، يعني محمودَ بن مسلمة، وكان قُتِل بخيبر، فقال: ((قُمْ إِلَيْهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ))، فلما دنا أحدُهما مِن صاحبه، دخلَتْ بينهما شجرةٌ، فجعل كُلُّ واحد منهما يلوذُ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كُلُّ واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجلُ القائم، ما فيها فَنَن، ثُمَّ حملَ على محمد فضربه، فاتقاه بالدَّرقة، فوقع سيفُه فيها، فعضَّتْ به، فَأَمْسَكَتْهُ، وضربه محمَّدُ بن مسلمة فقتله(١)، وكذلك قال سلمة بن سلاَّمة، ومجمع بن حارثة: إن محمد بن مسلمة قتل مرحباً. قال الواقدي: وقيل: إن محمَّد بن مسلمة ضرب ساقي مَرْحب فقطعهما، فقال مرحب: أجهز عليَّ يا محمد، فقال محمد: ذُقِ الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه، ومرَّ به علي رضي الله عنه، فضرب عُنقه، وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله وَّ فِي سَلَبِهِ، فقال محمَّدُ بن مسلمة: يا رسولَ الله! ما قطعتُ رجليه ثم تركتُه إلا لِيذوقَ الموتَ، وكنت قادراً أن أُجْهِزَ عليه، فقال علي رضي الله عنه: صَدَقَ، ضربتُ عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسولُ الله ◌ِيم محمَّد بن مسلمة سيفَه ورمحه، ومِغفره وبَيْضَتَه، وكان عند آلِ محمد بن مسلمة سیفُه فيه کتاب لا يُدری ما فيه، حتى قرأه یهودي، فإذا فيه : هذا سَيْفُ مَرْحَبْ مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ (١) أخرجه ابن هشام ٣٣٣/٢، ٣٣٤ عن ابن إسحاق، وأحمد ٣٨٥/٣، والحاكم ٤٣٦/٣، وإسناده صحيح. ٢٨٦ ثم خرج [بعد مرحب أخوه] ياسر، فبرز إليه الزبير، فقالت صفيَّةُ أمه: يا قتل الزبير أخا مرحب رسولَ الله! يقتلُ ابني؟ قال: ((بَلْ ابنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ الله))، فقتله الزبير. حصار حصن القموص وفيه النهى عن أكل الحمر الأهلية قال موسى بن عقبة: ثم دخل اليهودُ حِصناً لهم منيعاً يقال له: القَمُوص، فحاصرهم رسولُ الله ◌ِّه قريباً مِن عشرينَ ليلة، وكانت أرضاً وَخْمَةَ شَدِيدَةَ الحرِّ، فجُهِدَ المسلمون جَهْدَاً شديداً، فذبحوا الحُمُرَ فنهاهم رسول الله بَّ عن أكلها، وجاء عبد أسود حبشي من أهل خيبر، كان في غنم لسيده، فلما رأى أهلَ خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم ما تُريدون؟ قالوا: نُقاتل هذا الذي يزعم أنه نبيٌّ، فوقع في قصة العبد الذي أسلم ثم نفسه ذكر النبي ◌َّر، فأقبل بغنمه إلى رسول الله مَّر، فقال: ماذا تقول وما تدعو إليه؟ قال: ((أَدْعُو إلى الإِسْلامِ، وأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله، وأَنِّي رَسُولُ الله، وأنْ لا تَعْبُدَ إِلاَّ الله)). قال العبدُ: فما لي إن شهدتُ وآمنتُ بالله عز وجل؟ قال: ((لَكَ الجَنَّةُ إِنْ مِتَّ على ذُلِكَ))، فأسلم، ثم قال: يا نبيَّ الله! إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال له رسول الله بَ﴿: ((أَخْرِجْها مِنْ عِنْدِكَ وارْمِها بالحَصْباءِ، فإنَّ الله سَيُؤْدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ))، ففعل، فرجعت الغنم إلى سيِّدها، فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسولُ الله ◌ََّ في الناس، فَوَعَظهم، وحضَّهم على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهودُ، قُتِلَ فيمن قُتِلَ العبدُ الأسود، فاحتمله المسلمون إلى معسكرهم، فأدخل في الفُسْطَاطِ، فزعموا أن رسول الله ◌َّ اطلع في الفُسطاط، ثم أقبل على أصحابه وقال: ((لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ هُذَا العَبْدَ، وسَاقَهُ إلى خَيْرٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الحُور العين، وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ سَجْدَةً قَطُ)). استشهد ولم يصل سجدة قط قال حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أنس، أتى رسولَ الله وََّ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله! إني رجل أسودُ اللون، قبيحُ الوجه، مُنْتِنُ الرِّيح، لا مالَ لي، فإن قاتلتُ هُؤلاء حتى أُقْتَلَ، أأدخلُ الجنة؟ قال: نعم، فتقدم، فقاتلَ حتَّى قُتِلَ، فأتى عليه النبيُّ نَّه وهو مقتول، فقال: ((لَقَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَكَثَّرَ مَالَكَ))، ثم قال: (لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الحُورِ العينِ يَنْزِعَان جُبَّتَهُ عَنْهُ، يدْخُلانِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وجُبَّته)). قصة استشهاد رجل ٢٨٧ قصة أعرابي استشهد فتح قلعة الزبير الصلح مع من كان في حصن ابن أبي الحقيق ثم نكثهم العهد بتغييب مسك حيي بن أخطب وقال شدادُ بنُ الهاد: جاء رجل من الأعرابِ إلى النبيِّ، فَآمَنَ به واتَّبعه، فقَالَ: أُهاجِرُ معكَ، فأوصى به بعضَ أصحابه، فلما كانت غزوةُ خيبر، غَنِمَ رسولُ الله ◌ِّ شيئاً، فقسمه، وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسمه له، وكان يَرعى ظهرَهم، فلما جاء، دفعُوهُ إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللهِ﴾، فأخذهُ، فجاء به إلى النّبيِّ بَه، فقال: ما هذا يا رسول اللَّهِ؟ قال: ((قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ))، قال: ما على هذا اتبعتُك، ولكن اتبعتُك على أن أُرمى ها هنا، وأشار إلى حَلْقِه بسهم، فأموتَ فأدخل الجنة، فقال: ((إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ)) ثم نهض إلى قتال العدو، فَأَتِي به إلى النبي ◌َّ وهو مقتول، فقال: («أهو هو؟)) قالوا: نعم. قال: ((صَدَقَ الله فَصَدَقَهُ، فكفَّنه النبيُّ ◌ََّ فِي جبته، ثم قدَّمه، فصلَّى عليه، وكان مِن دعائه له: ((اللَّهُمَّ هُذا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهاجِراً في سَبِيلِكَ، قُتِلَ شَهِيداً، وأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ)(١) . قال الواقدي: وتحوَّلت اليهود إلى قلعة الزبير: حصنٍ منيع في رأس قُلّةٍ، فأقام رسولُ اللَّهِ مَّه ثلاثةَ أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له عزال فقال: يا أبا القاسم! إنك لو أقمتَ شهراً ما بَالوا، إن لهم شراباً وعُيوناً، تحتَ الأرض، يخرجُون بالليل، فيشربُون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم، فيمتنعُون منك، فإن قطعْت مشربَهم عليهم أصحَرُوا لك، فسار رسول اللّهِ بَيّ إلى مائهم، فقطعه عليهم، فلما قطع عليهم، خرجوا، فقاتلُوا أشد القتال، وقُتِلَ مِن المسلمين نَفَرٌ، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول اللَّهِ ◌ََّ، ثم تحوَّل رسولُ اللهِحَّ إلى أهلِ الكُتَيْبَةِ والوَطِيح والسُّلالِم حصنِ ابن أبي الحُقيق، فتحصَّن أهلُه أشد التحصن، وجاءهم كُل فَلِّ كان انهزم مِن النَّطاة والشِّق، فإن خيبر كَانت جانبين: الأول: الشَّق والنَّطاة، وهو الذي افتتحه أولاً والجانب الثاني: الكُتيبة والوطيح والسُّلالم، فجعلوا لا يخرجُون مِن حُصونهم حتى همَّ رسولُ الله ◌َّ أن ينصبَ (١) أخرجه النسائي ٦٠/٤، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٩١/١، والحاكم ٥٩٥/٣ و٥٩٦، والبيهقي ١٥/٤، ١٦، وإسناده صحيح. ٢٨٨ عليهم المَنجنيق، فلما أيقنُوا بالهَلَكَةِ، وقد حصرهم رسولُ الله ◌ِّ أربعةَ عشر يوماً، سألُوا رسولَ الله ◌َّةِ الصُّلْحَ، وأرسل ابنُ أبي الحُقيق إلى رسولِ اللّهِ وَّ: أَنْزِلُ فَأَكَلِّمك؟ فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((نعم))، فنزل ابنُ أبي الحقيق، فصالَحَ رسول الله ◌َّ على حقن دِماء مَنْ في حُصونهم من المقاتلة وتركِ الذُّرِّيَّة لهم، ويخرجُون من خيبر وأرضِها بذراريهم، ويُخلُّون بين رسول الله ◌َّه وبينَ ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء، والكُراع والحلقة إلا ثوباً على ظهرِ إنسان، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ الله وَذَِّةُ رَسُولِهِ إِنْ كَتَمْتُموني شَيْئاً))، فصالحوه على ذلك. قال حمادُ بن سلمة: أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسولَ الله ◌َّ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلبَ على الزرعِ والنخل والأرض، فصالحُوه على أن يُجلوا منها، ولهم ما حملت ركابُهم ولِرسول الله ◌َّ﴿ الصفراءُ والبيضاءُ، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يُغَيُِّوا شيئاً، فإن فعلُوا فلا ذِمَّةَ لهم ولا عهد، فغيَُّوا مَسْكاً فيه مال وحُلي لحُبي بن أَخْطَب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجليت النضيرُ، فقال رسول الله وَ لٌٍ لِعم حُيي بن أخطب: ((ما فَعَلَ مَسْكُ حُيي الذي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِير؟)). قال: أذهبته النفقاتُ والحروب فقال: ((العَهْدُ قَرِيبٌ، والمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ))، فدفعه رسولُ الله ◌َّهِ إِلى الزُّبير، فمسه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال: ((قَدْ رأيْتُ حُبَيّاً، يَطُوفُ في خربة ها هنا، فذهبوا، فطافوا، فوجدوا المَسْكَ في الخربة، فقتل رسول الله بَّه ابني أبي الحُقيق، وأحدُهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالَهم بالنَّكْثِ الذي نَكَثُوا، وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد! دعنا نكونُ في هذه الأرض نُصلِحُها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله وَ لٍ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغُون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم زاد المعاد ج ٣-م١٠ ٢٨٩ الشطرَ مِن كل زَرعِ وكل ثمرٍ ما بدا لرسول الله مسلم أن يقرهم(١). وكان عبد الله بن رواحة يخرصُه عليهم كما تقدم. ولم يقتل رسول الله يَّر بعد الصلح إلا ابني أبي الحُقيق للنكث الذي نكثوا، فإنهم شرطوا إن غيبوا، أو كتموا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله، فغيبوا، فقال لهم: أين المال الذي خرجتم به من المدينة حين أجليناكم؟ قالوا: ذهب، فحلفوا على ذلك، فاعترف ابنُ عمِّ كِنانة عليهما بالمال حين دفعه رسولُ الله ◌َّةٍ إلى الزُّبير يُعذبه، فدفع رسول الله بَلهَ كِنانة إلى محمد بن مسلمة فقتله ويقال: إن كنانة هو كان قتل أخاه محمود بن مسلمة. زواجه # بصفية وسبى رسولُ الله ◌َّ صفيةَ بنت حُيي بن أخطَب، وابنة عمتها، وكانت صفيّة تحت كِنانة بن أبي الحُقيق، وكانت عروساً حديثةَ عهد بالدخول، فأمر بلالاً أن يذهب بها إلى رحله، فمر بها بلال وسطَ القتلى، فكره ذلكَ رسولُ الله ◌َِّ، وقال: ((أَذَهَبَتِ الرَّحْمَةُ مِنْكَ يا بلاَلُ))(٢). وعرض عليها رسول الله مج لّ الإِسلام، فأسلمت، فاصطفاها لنفسه، وأعتقها، وجعل عِثْقَهَا صَدَاقَها(٣)، وبنى بها في الطريق، وأولم عليها، ورأى بوجهها خُضرةً، فقال: ((ما هذا؟)) قالت: يا رسولَ اللَّهِ! أرأيتُ قبل قدومك علينا، كأن القَمرَ زال من مكانه، فسقط في حَجري، ولا واللهِ ما أذكرُ مِن شأنك شيئاً، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي، وقال: تمنين هذا المَلِكَ الذي بالمدينة (٤) (١) أخرجه أبو داود (٣٠٠٦) في الخراج والإمارة: باب ما جاء في حكم أرض خيبر، والبيهقي ١٣٧/٩، وإسناده صحيح، وأورده ابن كثير في ((السيرة)) ٣٧٧/٣ عن البيهقي في ((دلائل النبوة)). (٢) أورده ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه حدثني والدي إسحاق بن يسار قال: لما افتتح رسول الله الغموص ... (٣) أخرجه البخاري ٧/ ٣٦٠ و٣٦٧ و٣٦٨ و١١٠/٩ و١١١، ومسلم ١٠٤٣/٢ (١٣٦٥) (٨٤)، (٨٥) من حديث أنس. (٤) أورده الهيثمي في المجمع ٢٥١/٩ من حديث ابن عمر بنحوه وقال: روا= ٢٩٠ وشك الصحابة: هل اتخذها سُرِّيَّة أو زوجة؟ فقالوا: انظروا إن حجبها، فهي إحدى نسائه، وإلا فهي مما ملكتْ يمينُه، فلما رَكِب، جعل ثَوبه الذي ارتدى به على ظهرها ووجهها، ثم شدَّ طرفه تحته، فتأخَّرُوا عنه في المسير، وعَلِمُوا أنها إحدى نسائه، ولما قدم لِيحملها على الرحل أجلَّته أن تضع قدمها على فخده، فوضعت ركبتها على فخذه ثم ركبت(١). ولما بنى بها، بات أبو أيوب ليلَته قائماً قريباً من قُبته، آخذاً بقائم السيف حتى أصبح، فلما رأى رسولَ الله ◌َّ، كبَّرَ أبو أيوب حين رآه قد خرج، فسأله رسولُ اللهِ: ما لك يا أبا أيوب؟ فقال له: أَرِقْتُ ليلتي هذِهِ يا رسولَ اللهِ لما دخلتَ بهذه المرأة، ذكرتُ أنك قتلتَ أباها وأخاها، وزوجَها وعامةَ عشيرتها، فخِفْتُ أن تغتالك، فضحِكَ رسولُ الله. وقال له معروفاً(٢) . فصل وقسم رسولُ الله ـ: خيبرَ على ستة وثلاثين سهماً، جمع كُلُّ سهم مائةَ قسم خبير على المسلمين سهم، فكانت ثلاثةَ آلافٍ وستَّمائة سَهْم، فكان لِرسولِ الله. وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله. سهمٌ كسهمِ أحدِ المسلمين، وعَزَلَ النَّصفَ الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم لنوائبه وما ينزلُ به من أمور المسلمين(٣)، قال البيهقي: وهذا لأن خيبر فُتَحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً، وشطرُهَا صُلحاً، هل فتحت خمدر صاحً أو فقسم ما فتح عَنوةً بين أهلِ الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحاً لِنوائبه وما عبرة؟ يحتاجُ إليه من أمور المسلمين. الطبراني ورجاله رجال الصحيح. أخرجه البخاري ٣٦٨/٧، ٣٦٩، ومسلم ١٠٤٦/٢ من حديث أنس بن مالك. (١) (٢) أخرجه ابن هشام ٣٣٩/٢، ٣٤٠ عن ابن إسحاق بغير سند. أخرجه أبو داود (٣٠١٠) و (٣٠١٢) في الخراج: باب ما جاء في حكم أرض (٣) خیبر، وسنده حسن. قلت: وهذا بناء منه على أصل الشافعي رحمه الله، أنه يجب قسم الأرض المفتتحةِ عنوة كما تُقسم سائرُ المغانم، فلما لم يجده قسم النصفَ مِن خيبر، قال: إنه فتح صلحاً. ومن تأمّل السيرَ والمغازيَ حقَّ التأمل، تبيَّن له أن خيبر إنما فُتحت عَنوة، وأن رسولَ الله ◌َّ استولى على أرضها كُلُّهَا بالسيفِ عنوة، ولو فتح شيء منها صُلحاً، لَم يُجلهم رسولُ الله ◌ََّ منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها، قالوا: نحن أعلمُ بالأرض منكم، دعونا نكون فيها، ونعمُرُها لكم بشطرِ ما يخرُج منها، وهذا صريح جداً في أنها إنما فُتِحَتْ عنوة، وقد حصل بينَ اليهود والمسلمين بها مِن الحراب والمبارزة والقتل مِن الفريقين ما هو معلوم، ولكن لما أُلْجِئُوا إلى حِصنهم، نزلوا على الصلح الذي بذلوه، أن لِرسولِ اللهِ صَلِّ الصفراء والبيضاء، والحَلْقَةَ والسلاح، ولهم رِقابُهم وذُريتُهم، ويجلوا من الأرض، فهذا كان الصلح، ولم يقع بينهم صلح أن شيئاً من أرض خيبر لليهود، ولا جرى ذلك البتة، ولو كان كذلك، لم يَقُلْ: نُقِرُّكُم ما شئنا، فكيف يُقِرُّهم في أرضهم ما شاء؟ ولما كان عمرُ أجلاهم كُلَّهم مِن الأرضِ، ولم يُصالحهم أيضاً على أن الأرضَ للمسلمين، وعليها خراجٌ يؤخذ منهم، هذا لم يقع، فإنه لم يضرب على خيبر خراجاً البتة. ترجيح المصنف فتحها عنوة وبيان حكم الأرض المفتوحة عنوة فالصواب الذي لا شكَّ فيه: أنها فتحت عَنوة، والإِمام مخير في أرض العَنوة بين قَسْمها ووقفها، أو قَسْمِ بعضها ووقفِ البعض، وقد فعل رسولُ الله ◌ِئام الأنواع الثلاثة، فقسم قُريظة والنضير، ولم يَقْسِمْ مكة، وقسم شَطْرَ خيبر، وترك شطرها، وقد تقدم تقریرُ کون مکة فتحت عنوة بما لا مدفع له . وإنما قُسِمَتْ على ألف وثمانمائة سهم، لأنها كانت طُعمة مِن الله لأهل الحُديبية من شهد منهم، ومن غاب، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمانٍ، فَقُسِمَتْ على ألف وثمانمائة سهم، ولم يغب عن خيبر من أهل الحُديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسولُ الله ◌َّ كسهم مَنْ حضرها. لم يغب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر ٢٩٢ وقسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهماً، وكانُوا ألفاً وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، هذا هو الصحیحُ الذي لا ريب فيه. الاختلاف في أسهم الراجل والفارس وروى عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أعطى الفارس سهمين والراجِلَ سهماً(١). قال الشافعي رحمه الله: كأنه سمع نافعاً يقول: للفرس سهمين، وللراجل سهماً، فقال: للفارس، وليس يَشُكُ أحد مِن أهل العلم في تقدُّم عُبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وقد أنبأنا الثقة(٢) من أصحابنا، عن إسحاق الأزرق الواسطي، عن عبيد الله بن عُمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسولَ الله ◌ِ ل ضرب للفرس بسهمين، وللفارس بسهم (٣) . ثم روى من حديث أبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله يَّ أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، وهو في ((الصحيحين)) (٤) وكذلك رواه الثوري، وأبو أسامة عن عُبيد الله. قال الشافعي رحمه الله: وروى مجمع بن جارية أن النبيَّ ◌َّ قسم سهامَ خيبر على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارسَ سهمين، والراجل سهماً(٥). (١) أخرجه الدار قطني ص ٤٧٠ وسنده ضعيف. (٢) قال أبو العباس الأصم في روايته لمسند الشافعي: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كان الشافعي رضي الله عنه إذا كان قال: أخبرني مَن لا أتهم، يريد به إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة يريد به يحيى بن حسان. (٣) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) ١١٢/٢ . (٤) أخرجه البخاري ٧/ ٣٧١ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي الجهاد: باب سهام الفرس، ومسلم (١٧٦٢) في الجهاد: باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، ومالك ٤٥٦/٢، وأبو داود (٢٧٣٣)، والترمذي (١٥٥٤)، وأحمد ٢/٢ و ٦٢ و٧٢ و٨٠ من حديث ابن عمر. (٥) أخرجه أبو داود (٢٧٣٦) و (٣٦١٥) والدار قطني ص ٤٦٩، والحاكم ١٣١/٢، وفي= ٢٩٣ قال الشافعي رحمه الله: ومجمع بن يعقوب، یعني راوي هذا الحدیث، عن أبيه، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية، شيخ لا يعرف، فأخذنا في ذلك بحدیث عُبيد الله، ولم نر له مثله خبراً يُعارضه، ولا يجوز رُ خبر إلا بخبر مثله. قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان، قد خُولِفَ فيه، ففي رواية جابر، وأهلِ المغازي: أنّهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وهم أهلُ الحُديبية، وفي رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، وبشیر بن يسار، وأهلِ المغازي: أن الخیل کانت مائتي فرس، وکان للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، ولکل راجل سهم . وقال أبو داود: حديثُ أبي معاوية أصحُّ، والعملُ عليه، وأرى الوهم في حدیث مجمع أنه قال ثلاثمائة فارس، وإنما کانوا مائتي فارس. وقد روى أبو داود أيضاً من حديث أبي عمرة، عن أبيه، قال: ((أتينا رَسُولَ الله ◌َّ أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهماً، وأعطى الفرس سهمين)) (١). وهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وهو المسعودي، وفيه ضعف. وقد رُوي الحديثُ عنه على وجهٍ آخر، فقال: أتينا رسول اللهِنَّ﴾ ثلاثة نَفَرٍ، معَنا فرس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، ذكره أبو داود أيضاً(٢) . فصل وفي هذه الغزوة، قدم عليه:َ﴾( ابن عمه جعفرُ بنُ أبي طالب وأصحابه، قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين سنده يعقوب بن مجمع، لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الشافعي: شيخ لا يعرف، وضعفه الحافظ في ((الفتح) ٥١/٦. (١) أخرجه أبو داود (٢٧٣٤) في الجهاد: باب في سُهمان الخيل، وأحمد ١٣٨/٤. أخرجه أبو داود (٢٧٣٥) وفي سنده مجهول. (٢) ٢٩٤ 1 ومعهم الأشعريون، عبدُ الله بنُ قيس أبو موسى، وأصحابُه، وكان فيمن قَدِمَ معهم أسماءُ بنت عميس. قال أبو موسى: بلغنا مَخْرَجُ النبي ◌ِ﴾ ونحن بالیمن، فخرجنا مُهاجرين أنا وأخوان لي، أنا أصغرُهما، أحدُهما أبو رُهْم، والآخر أبو بُردة، في بضع وخمسين رجلاً من قومي، فركبنا سفينةً، فألقتنا سفينتُنَا إلى النجاشيِّ بالحبشة، فوافَقْنَا جَعْفَرَ بنَ أبي طالب وأصحابَه عنده، فقال جعفر : إنَّ رسولَ الله ◌َّ بعثنا، وأَمَرَنَا بالإِقامة، فأقيمُوا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافَقْنَا رَسُولَ اللهِ لَ حِينَ افتَتَحَ خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحدٍ غابَ عن فتح خيبر شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا لأصحابٍ سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم، وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة، قال: ودخَلَتْ أسماءُ بِنتُ عميس على حفصة، فدخل عليها عمر، فقال: مَنْ هُذِهِ؟ قالت: أسماءُ. فقال عُمَرُ: سبقناكم بالهجرة، نحن أحقُّ برسول الله ◌َِّ مِنكم، فَغَضِبَتْ، وقالت: يا عُمَرُ! كلا والله، لقد كنتم مع رسول الله بَّه يُطعِمُ جائعكم، ويَعِظُ جاهِلَكُم، وكنا في أرض البُعداء البُغضاء، وذلك في الله، وفي رسوله، وايمُ الله، لا أطعَمُ طَعَاماً، ولا أشربُ شراباً حتى أذكر ما قلتَ لِرسول الله وَّةَ، ونحن كنا نُؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله وَّةَ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيدُ على ذلك، فلما جاء النبيُّ ◌َّة، قالت: يا رسول الله! إن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله ◌َّ: ما قلتِ له؟ قالت: قلت له: كذا وكذا. فقال: ((لَيْسَ بِأَحَقَّ بي مِنْكُم، ولَهُ ولأَصْحابه هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَان))، وكان أبو موسى وأصحابُ السفينة يأتون أسماء أرسالاً يسألونها عن هذا الحديث، ما مِن الدنيا شيء، هم به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم رسولُ اللهِلَ))(١). (١) أخرجه البخاري ٣٧١/٧، ٣٧٢ في المغازي: باب غزوة خيبر، وفي الجهاد: باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، وفي فضائل أصحاب النبي محصّ: باب هجرة الحبشة، ومسلم (٢٥٠٢) و (٢٥٠٣) في فضائل الصحابة: باب من فضائل جعفر بن أبي طالب، وأبو داود (٢٧٤٥)، والترمذي (١٥٥٩). ٢٩٥ ولما قَدِمَ جعفرٌ على النبيِّ بََّ، تلقاه وقبّل جبهته، وقال: ((والله ما أدري بأَيَّهما أَفْرَحُ، بِفَتْحٍ خَيْرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَر؟))(١). ضعف قصة حجلان جعفر إعظاماً له ێے وبطلان جعلها مستنداً للرقص وأما ما رُوي في هذه القصة، أن جعفراً لما نظر إلى النبيِّ ◌َّةِ، حجَل يعني: مشى على رِجل واحدةٍ إعظاماً لرسول اللهِ وَّة، وجعله أشباهُ الدِّباب الرَّقَّاصُون أصلاً لهم في الرقص، فقال البيهقي وقد رواه مِن طريق الثوري عن أبي الزبير، عن جابر: وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف. قلت: ولو صح، لم يكن في هذا حُجة على جواز التشتُّه بالدّباب، والتكسر، والتخَنُّث في المشي المنافي لهدي رسول الله تَّر، فإن هذا لعله كان مِن عادة الحبشة تعظيماً لِكبرائها، كضرب الجُوك عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرة، ثم تركها لِسنة الإِسلام، فأين هذا من القفز والتكسر، والتثنى والتخنَّث وبالله التوفيق. عدم إعانة بني فزارة أهل خيبر اتفاقا معه قال# قال موسى بن عقبة: كانت بنو فَزارة ممن قدم على أهلٍ خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسولُ الله ◌َّ ألا يُعينوهم، وأن يخرجوا عنهم، ولكم من خيبر كذا وكذا، فأبَوْا عليه، فلما فتح الله عليه خيبر، أتاهُ من كان ثَمَّ من بني فزارة، فقالوا: وعدك الذي وعدتنا، فقال: لكم ذو الرُّقيبة جبل من جبال خيبر، فقالوا: إذاً نُقاتلك. فقال: مَوْعِدُكم كذا، فلما سَمِعُوا ذُلك مِن رسول الله ◌َّة، خرجوا هاربين . قصة عيينة بن حصن وقال الواقدي: قال أبو شُییم المزني - وكان قد أسلم فحسن إسلامه ــ: لما نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن، رجع بنا عُيينة، فلما كان دون خيبر، عرَّسنا من الليل، ففزِعنا. فقال عيينة: أبشروا، إني أرى الليلة في النوم أنني أعطيت ذا الرُّقيبة جبلاً بخيبر قد والله أخذتُ برقبة محمد، فلما قدمنا خيبر، قدم عُيينة، فوجد رسولَ الله وَيُّه قد فتح خيبر. فقال: يا محمد! أعطني ما غنمتَ من ٠ (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) و((الصغير)) ص ٧، ٨ وسنده ضعيف. - ٢٩٦ خُلفائي، فإني انصرفتُ عنك، وقد فرغنا لك، فقال رسول الله ◌َّةٍ: ((كَذَبْتَ ولُكِنَّ الصِّيَاحَ الَّذِي سَمِعْتَ نَفَّرَكَ إلى أهْلِكَ)). قال: أجزني: يا محمد؟ قال: (لك ذو الرقيبة)). قال: وما ذو الرقيبة؟ قال: ((الجبلُ الذي رأيتَ في النوم أنك أخذته)). فانصرف عُيينة، فلما رجع إلى أهله، جاءه الحارث بن عوف، فقال: ألم أقل لك: إنك تُوضِع في غير شيء، والله لَيَظْهَرَنَّ محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يُخبروننا بهذا، أشهد لسمِعْتُ أبا رافع سلام بن أبي الحُقيق يقول: إنا نحسدُ محمداً على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو نبي مرسل، ويهود لا تُطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان، واحد بيثرب وآخر بخيبر، قال الحارث: قلت لسلام: يملِكُ الأرض جميعاً؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت على موسى، وما أُحِبُّ أن تعلم يهودُ بقولي فيه. فصل وفي هذه الغزاةِ، سُمَّ رسولُ الله ◌ِلَةٍ، أهدت له زينبُ بنتُ الحارث اليهوديةُ امرأةُ سلام بن مِشْكَم شاةً مشويَّةً قد سمَّتها، وسألت: أيُّ اللحم أحبُ إليه؟ فقالوا: الذِّراعُ، فأكثرت من السُّمِّ في الذراع، فلما انتهش من ذِراعها، أخبره الذِّراعُ بأنه مسموم، فلفظ الأكلة، ثم قال: ((اجْمَعُوا لي مَنْ ها هنا من اليَهُودِ))، فجمعوا له، فقالَ لهم: ((إنِّي سَائِلُكُمْ عَن شَيءٍ، فَهَلْ أنتمْ صَادِقِيَّ فيه؟)) قالوا: نَعَمْ، يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ◌َّة: ((مَنْ أَبُوكُم؟)) قالوا: أبونا فلان. قال: (كَذَبْتُمْ أَبُوكُمْ فُلان)). قالوا: صدقتَ وبَرِرْتَ، قال: ((هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شيءٍ إِنْ سَأَلْتُّكُمْ عَنْهُ؟)) قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذَبْنَاكَ، عرفتَ كذبنا كما عرفتَه في أبينا! فقال رسول الله ◌َّةِ: ((مَنْ أَهْلُ النَّار؟)) فقالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تَخْلُفُوننا فيها. فقال لهم رسولُ الله ◌َّةَ: ((اخْسَؤُوا فيها، فَوَالله لاَ نَخْلُفُكُم فيها أَبَدا)، ثم قال: ((هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَن شَيءٍ إن سأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟)) قالوا: نعم. قال: ((أَجَعَلْتُمْ فِي هُذِهِ الشَّاةِ سُمّاً؟)) قالوا: نعم. قال: ((فَمَا حَمَلَكُم على ذلكَ؟)) قالوا: قصة سم يهودية النبي # ٢٩٧ قتل اليهودية لما مات بشر بن البراء أردنا إن كنت كاذباً نستريحُ منك، وإن كنت نبيّاً لم يضرَّك(١). وجيء بالمرأة إلى رسول الله بَّه، فقالت: أردتُ قتلَكَ. فقال: ((ما كان الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ))، قالوا: ألا نقتُلها؟ قال: لا، وَلم يتعرض لها، ولم يُعاقبها(٢)، واحتجم على الكاهِلِ، وأمرَ من أكل منها فاحتجم، فماتَ بعضُهم، واختلف في قتل المرأة، فقال الزهري: أسلمت، فتركها ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عنه، ثم قال معمر: والناسُ تقول: قتلها النبيُّ أَيّد. قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، قال: حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، أن رسولَ الله ◌َّ أهدت له يهوديةٌ بخيبرَ شاةً مَصْلِيَّةً وذكر القصة، وقال: فمات بشرُ بن البراء بن مَعرور، فأرسل إلى اليهودية: ما حملك على الذي صنعتِ؟ قال جابر: فأمر بها رسولُ اللهِ وََّ فَقُتِلَتْ(٣) . قلت: كلاهما مرسل، ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة متصلاً، ((أنه قتلها لما مات بشر بن البراء))(٤). وقد وُفِّقَ بين الروايتين، بأنه لم يقتُلُها أولاً، فلما مات بشر، قتلها. وقد اختلف: هل أكل النبيُّ نَّه منها أو لم يأكل؟ وأكثرُ الروايات، أنه أكل منها، وبقي بعد ذلك ثلاثَ سنين حتى قال في وجعه الذي مات فيه: ((مَا زِلْتُ أَجِدُ مِن الأُكْلَةِ الَّتي أَكَلْتُ مِن الشَّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَهَذَا أوانُ انْقِطَاعِ الأبْهَرِ مِنِّي))(٥). (١) أخرجه البخاري ٢٠٩/١٠، ٢١٠ في الطب: باب ما يذكر في سم النبي ◌َّ، وفي الجهاد: باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم، وفي المغازي: باب الشاة التي سمت النبي لة، وأبو داود (٤٥٠٩) والدارمي ٣/١، ٤، وأحمد ٤٥١/٢ من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه البخاري ١٦٩/٥، ومسلم (٢١٩٠) من حديث أنس بن مالك. (٣) أخرجه أبو داود (٤٥١١) في الديات: باب فيمن سقى رجلاً سماً. (٤) هذه الرواية الموصولة سندها حسن، أخرجها الحاكم والبيهقي في السنن وما بعده من التوفيق بين الروايتين له. (٥) أخرجه البخاري ٩٩/٨ في المغازي: باب مرض النبي ◌َّر ووفاته تعليقاً: وقال = ٢٩٨ قال الزهري: فتوفي رسول الله يل شهيداً. التراهن بين قريش فيمن ينتصر في خيبر قال موسى بن عقبة وغيره: وكان بينَ قريش حين سمعوا بخروج رسول الله ◌َّ﴾ إلى خيبرَ تَرَاهُنٌ عظيم، وتبايع، فمنهم من يقول: يظهر محمدٌ وأصحابُه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهودُ خيبر، وكان الحجّاج بن عِلاط السُّلَمي قد أسلم وشَهِدَ فتح خيبر، وكانت تحتَهُ أمُّ شيبة أختُ بني عبد الدار بن قُصي، وكان الحجاجُ مُكثِراً مِن المال، كانت له معادِن بأرضٍ بني سُليم، فلما ظهر النبيُّ ◌ََّ على خيبر، قال الحجاج بن عِلاط: إن لي ذهباً عِند امرأتي، وإن تعلم هي وأهلُها بإسلامي، فلا مال لي، فَأْذَنْ لي، فلأسرع السَّيرَ وأسْبقِ الخبر، ولأخبِرَنَّ أخباراً إذا قدمت أدرأُ بها عن مالي ونفسي، فَأَذِنَ له رسولُ اللهِ بَّةِ، فَلما قَدِمَ مكة، قال لامرأته: أخفي علي واجمعي ما كان لي عندك مِن مال، فإني أريد أن أشتريَ مِن غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استُبِيحُوا، وأُصيبت أموالُهم، وإن محمداً قد أُسِرَ، وتفرَّق عنه أصحابُه، وإن اليهودَ قد أقسموا: لَتَبْعَثَنَّ به إلى مكة ثم لتقتُلَنَّه بقتلاهم بالمدينة، وفشا ذلك بمكة، واشتد على المسلمين، وبلغ منهم، وأظهر المشركون الفرحَ والسرورَ، فبلغ العباسَ عَّ رسول الله وََّ زَجَلَةُ النَّاس وجَلَبَتَهم وإظهارُهم السُّرور، فأراد أن يقوم ويخرج، فانخزل ظهرُه، فلم يقدر على القيام، فدعا ابناً له يقال له: قُثَمُ، وكان يُشبه رسولَ الله ◌ِّهِ، فجعل العباس يرتَجِزُ، ويرفع صوته لئلا يشمتَ به أعداءُ الله: شَبِيهُ ذِي الأَنْفِ الأَشْمْ حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثم برَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ نَبِيُّ ربِيٍّ ذي النِّعَمْ يونس، عن الزهري، قال عروة، قالت عائشة ... قال الحافظ: ووصله البزار والحاكم والإسماعيلي من طريق عنبسة بن خالد، عن يونس بهذا الإسناد، وقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري مرسلاً، وله شاهدان مرسلان أيضاً، أخرجهما إبراهيم الحربي في ((غریب الحدیث) له ... ٢٩٩ وحشر إلى باب داره رجالٌ كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المظهرُ للفرح، والسرور، ومنهم الشامِتُ المغري، ومنهم مَنْ به مثلُ الموت من الحُزْن والبلاء، فلما سمع المسلمون رجزَ العباس وتجلُّدَه، طابت نفوسُهم، وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم، ثم أرسلَ العباسُ غلاماً له إلى الحجاج، وقال له: اخلُ به، وقل له: ويلَك ما جئتَ به، وما تقول، فالذي وعَد الله خيرٌ مما جئتَ به؟ فلما كلَّمه الغلامُ قال له: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فَلْيَخْلُ بي في بعض بيوته حتى آتَيَه، فإن الخبرَ على ما يَسُرُّه، فلما بلغ العبدُ باب الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباسُ فرحاً كأنه لم يُصبه بلاءٌ قطُّ، حتى جاءه وقبّل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج، فأعتقه، ثم قال: أخبرني. قال: يقولُ لك الحجاج: أُخْلُ بِهِ في بعضٍ بيوتِك حتى يأتيكَ ظهراً، فلما جاءه الحجاج، وخلا به، أخذ عليه لتكتمَنَّ خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئتُ وقد افتتح رسولُ الله ◌َّ خيبر، وغنم أموالهم، وجرت فيها سهامُ الله، وإنَّ رسولَ الله ◌َّه قد اصطفى صفيَّةَ بنت حُيي لنفسه، وأعرسَ بها، ولكن جئتُ المالي، أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنتُ رسول الله ◌َّ أن أقول، فَأَذِنَ لي، أن أقول ما شئت فأخْفِ عليَّ ثلاثاً، ثم اذكرْ ما شئت. قال: فجمعت له امرأتُه متاعه، ثم انشمر راجعاً، فلما كان بعدَ ثلاث، أتى العباسُ امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجُكِ؟ قالت: ذهب، وقالت: لاَ يَحْزُنْك اللَّهُ يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك. فقال: أجل، لا يَحْزُنُني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أُحِبُّ، فتح الله على رسوله خيبرَ، وجرت فيها سهامُ الله، واصطفى رسولُ الله ◌ِّ صفيّة لنفسه، فإن كان لكِ في زوجك حاجة، فالحقي به.، قالت: أظنُّك والله صادقاً. قال: فإني واللهِ صادق، والأمرُ على ما أقول لك. قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبركِ بما أخبركِ، ثم ذهب حتَّى أتى مجالسَ قريش، فلما رأوه، قالوا: هذا والله التجلُّدُ يا أبا الفضل، ولا يصيبك إلا خير. قال: أجل لم يُصبني إلاّ خيرٌ، والحمد لله، أخبرني الحجّاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكثُمَ ٣٠٠