Indexed OCR Text
Pages 261-280
كلمه أخذَ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شُعبة عِند رأس النبيِّ مَ﴿، ومعه السيفُ، وعليه المِغفرُ، فكلما أهوى عُروةُ إلى لحية النبيِّ ◌َِّ، ضرب يَده بِنَعْلِ السيفِ، وقال: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحية رسول الله بِّ، فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبة. فقال: أيْ غُدَرُ، أو لستُ أسعى في غَدرتك؟ وكان المغيرةُ صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال النبيُّ ◌ٍَّ: ((أمَّ الإِسْلاَمُ فأقْبَلُ، وأمَّا المالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شيءٍ)). ثم إن عروة جعلَ يَرْمُق أصحابَ رسول الله ◌َّرَ بعينيه، فواللَّهِ مَا تَنَخَّمَ النبيُّ ◌ََّ نُخامة إلا وقعت في كفِّ رَجُلٍ منهم، فَدَلَكَ بها جِلدَه ووجهَه، وإذا أمرهم، ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ، كادوا يقتِلُون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظرَ تعظيماً له، فرجع عروةُ إلى أصحابه، فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدتُ على الملوكِ، على كسرى، وقيصَر، والنجاشيِّ، والله ما رأيتُ ملكاً يُعظمه أصحابُه ما يُعظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمداً، والله إن تنخَّم نُخامة إلا وقَعَتْ في كفِّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ، كادوا يقتِلُون على وضوئه، وإذا تكلّم، خفضُوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظرَ تعظيماً له، وقد عرض عليكم خُطَّةَ رُشد، فاقبلُوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِهِ، فقالوا: اثْتِهِ، فما أشرفَ على النبيِّيلَله وأصحابه. قال رسولُ اللهِ ﴾: ((لهذا فُلانٌ))، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْنَ، فابعثُوها له، فبعثوها له، واستقبله القومُ يُلَبُّونَ، فلما رأى ذلك قال: ((سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهُؤْلاَءِ أن يُصَدُّوا عَنِ البَيتِ))، فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيتُ البُدن قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام مِكْرَزُ بنُ حَفص، فقال: دعوني اته. فقالوا: ائتِه، فلما أشرف عليهم، قال النبيُّ ◌َّ: ((هذا مِكْرَزُ بن خَفْصٍ، وهو رجل فاجر)) فجعل يُكَلِّم رسول الله ◌َ ◌ٍّ، فبينا هُوَ يكلمه، إذ جاء سُهيلُ بنُ عمرو، فقال النبي ◌َِّ: ((قَدْ سُهِّلَ لَكُمْ من أَمْرِكُم))، فقال: هاتِ، اكتُب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا الكاتب، فقال: ((اكتُب بسمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحيمِ)). فقال إرسال مكرز إليه * ٢٦١ سهيل: أما الرحمنُ، فوالله ما ندري ما هُو، ولكن اكتب: باسمِكَ اللهم كما كنتَ تكتبُ، فقال المسلمون: واللَّهِ لا نكتُبها إلا بسمِ اللَّهِ الرَّحمن الرحيم، فقال النّبِيُّ وََّ: ((اكْتُبْ باسْمِكَ اللَّهُمَّ)، ثم قال: اكْتُبْ هذا ما قَاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رسُولُ الله))، فقال سُهيل: فواللهِ لو كنَّا نعلمُ أنك رسولُ الله، ما صددناكَ عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله فقال النبي ◌َّ: ((إِنِّي رَسُولُ الله وإِنْ كَذَّبْتُمُوني، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ) فَقال النبيُّ ◌َّه: على أنْ تخلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنِ البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ) فقال سهيل: والله لا تتحدَّثُ العربُ أنا أُخِذْنَا ضَغْطَةٌ، ولكن ذُلك مِن العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: على أن لا يأتِيكَ مِنَّا رجل وإن كان على دِينك إلا رددتَه إلينا، فقال المسلمون: سُبْحَانَ اللَّهِ، كيف يُردُّ إلى المشركين، وقد جاء مسلماً، بينا هُم كذلك، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده قَدْ خَرَح من أسفل مكة حتى رَمَى بنفسه بين ظُهُورِ المُسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمدُ أول ما أقاضيكَ عليه أن ترُدَّهُ إلي، فقال النبي ◌َّهُ: ((إنا لم نقضِ الكتابَ بعد فقال: فواللَّهِ إذاً لا أُصالحك على شيء أبداً، فقال النبي ◌َّ: ((فَأَجِزْهُ لي)) قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: ((بلى فافعل)) قال: ما أنا بفاعل. قال مِكرز: بلى قد أجزناه. فقال أبو جندل: يا معشرَ المسلمين أُرَدُّ إلى المشركين، وقد جِئتُ مسلماً، ألا ترون ما لقيتُ وكان قد عُذِّبَ في الله عذاباً شديداً، قال عُمَرُ بنُ الخطاب: والله ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذ، فأتيتُ النبي ◌َّه فقلت يا رسولَ الله: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلتُ: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال: بلى. فقلتُ: علامَ نُعطي الدَّنيَّةَ في ديننا إذاً، ونَرْجِعَ ولما يَحْكُمُ اللَّهُ بيننا وبينَ أعدائنا؟ فقال: ((إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ» قلتُ: أو لستَ كنتَ تُحدثنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: (َلَىُ، أَفَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟)) قلتُ: لا. قال: ((فَإِنَّكَ آتَيْهِ ومُطَوّفٌ به)). قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلتُ له كما قلتُ لِرسول الله وَّهِ، وردَّ عليَّ أبو بكر كما ردَّ عليّ رسول الله وَّه سواء، وزاد: فاستَمْسِك بِغُرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فواللهِ إنَّه لَعَلى رد أبي جندل إلى المشركين ٢٦٢ الحَقِّ. قال عُمر: فعملت لذلك أعمالاً (١). النحر فلمَّا فرغ مِن قضية الكتاب، قال رسولُ الله ◌َّهَ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا، ثم احْلِقُوا)) فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رجلٌ واحد حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يقُمْ مِنهم أحد، قام فدخل على أُمّ سلمة، فذكر لها مَا لَقِيَ مِنَ الناس، فقالت أم سلمة: يا رسُولَ الله: أَتُحِبُّ ذلك؟ اخرُجْ ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتدعو حَالِقِك فيحلقَكَ، فقام، فخرج، فلم يُكَلِّمْ أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه، ودعا حَالِقِه فحلقه، فلما رأى الناسُ ذُلك، قامُوا فنحروا، وجعل بعضُهم يَحْلِقُ بعضاً، حتى كادَ بعضُهم يقتُلُ بعضاً غماً، ثم جاءه نِسوةٌ مُؤمناتٌ، فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾، حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلَّق عُمَرُ يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوَّج إحداهُمَا معاوية، والأخرى صفوان بن أمية، ثِمِ رجعٍ إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَّكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح: ١، ٣]، فقال عمر: أو فتحٌ هُوَ يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال الصحابةُ: هنيئاً لكَ يا رَسُولَ الله، فما لَنَا؟ فأنزل الله عز وجل : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمنين﴾ [الفتح: ٤]. ولما رجع إلى المَدِينةِ، جاءه أبو بصير رجل من قريش مسلماً، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرَّجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُلَيْفَةِ، فنزلوا يأكلون مِن تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّهِ إنِّي لأرى سيفَكَ هذا جيداً، فاستلَّه الآخرُ، فقال: أَجَلْ والله إنه لجيد، لقد جربتُ به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى قصة أبي بصير (١) أي: أعمالاً صالحة ليكفر عنه ما حضر من التوقف في الامتثال ابتداءً، وفي رواية ابن إسحاق: وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئد مخافة كلامي الذي تكلمت به. ٢٦٣ برد، وفر الآخرُ يعدو حتى بلغ المدينة، فدخل المسجدَ، فقال رسولُ اللهِّ حين رآهُ: ((لَقَدْ رَأىَ هُذا ذُعْرَا))، فلما انتهى إلى النبي ◌ََّ، قال: قُتِلَ واللَّهِ صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبيِّ اللَّهِ، قد واللَّهِ أوفى الله ذِمَّتك، قد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم، فقال النبيُّ ◌َّل: ((وَيْلُ (١) أمِهِ مِسْعَر حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ))، فلما سمعَ ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البَحرِ، وينفلِتُ منهم أبو جندل بنُ سهيل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرُجُ مِن قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عِصابة، فوالله لا يسمعُونَ بعيرٍ لقُريش خرجت إلى الشام إلا اعترضُوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبيِّ وَلَّ تُنَاشِدُهُ الله والرحم لمَا أرسل إليهم، فمن أتاه منهم، فهو آمن، فأنزل الله عز وجل: ﴿وهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمُ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَةِ﴾ [الفتح: ٢٤]، وكانت حميتُهم أنهم لم يُقِرُّوا أنه نبي الله، ولم يُقروا بِسْمِ الله الرحمن الرحيم، وحالُوا بينهم وبين البيت(٢). فور بئر الحديبية بالماء ببركته في# قلتُ: في ((الصحيح)): أن النبي ◌َ ◌َّ «توضأ، ومجَّ في بئر الحديبية من فمه، فجاشتْ بالماءِ)) كذلك قال البراء بنُ عازب، وسلمةُ بنُ الأكوع في لصحیحین)»(٣). (١) بضم اللام ووصل الهمزة، وكسر الميم المشددة: وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم لأن الويل: الهلاك، فهو كقولهم: لأمه الويل، قال بديع الزمان في رسالة له: والعرب تطلق: ((تربت يمينه)) في الأمر إذا أهم، ويقولون: ويل أمه، ولا يقصدون الذم، وقوله ((مسعر)) بالنصب على التمييز، وأصله: من مسعر حرب أي: يسعرها، قال الخطابي: كأنه يصفه بالإقدام في الحرب، والتسعير لنارها، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((محش)) وهو بمعنى المسعر وقوله: ((لو كان له أحد)) أي: ينصره ويعضده ويناصره. (٢) أخرجه البخاري ٢٤١/٥، ٢٦٠ في الشروط: باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وأبو داود (٢٧٦٥)، وأحمد ٣٢٣/٤ و٣٢٦ و ٣٢٨ و٣٣١. (٣) أخرجه البخاري ٣٤٠/٧، ومسلم (١٨٠٧)، وأحمد ٤٨/٤ من حديث سلمة بن الأكوع. ٢٦٤ وقال عروة: عن مروان بن الحكم، والمسور بن مَخْرَمَة، أنه غرز فيها سهماً مِن كنانته، وهو في ((الصحيحين)) أيضاً (١). وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: توضأ في الدَّلْوِ، ومضمض فاه، ثم مَجَّ فيه، وأمر أن يُصَبَّ في البئر، ونزع سهماً من كِنانته، وألقاه في البتر، ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلُوا يغترِفُونَ بأيديهم منها، وهم جلوس على شقِّها، فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه والله أعلم. فور الماء من بين أصابعه له وفي (صحيح البخاري)): عن جابر، قال: عَطِشَ الناسُ يومَ الحُديبية، ورسولُ اللهٌَِّ بين يديه رَكْوَة يتوضأ منها، إذ جَهَشَ الناسُ نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ! ما عندنا ماء نشرب، ولا ما نتوضأ إلا ما بينَ يديكَ، فوضع يده في الرَّكوة، فجعل الماءُ يفورُ من بين أصابعه أمثال العيون، فشربوا، وتوضؤوا، وكانوا خمسَ عشرة مائة(٢)، ولهذِهِ غيرُ قصة البئر. وفي هذه الغزوة أصابهم ليلة مطر، فلما صلى النبي ◌َّرِ الصُّبحَ، قال: (أَتَدْرُونَ مَاذا قالَ رَبَّكُم اللَّيْلَةِ؟)) قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلم. قال: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ، فَذْلِكَ مُؤْمِنٌ بي، كَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كِذَا وكَذَا، فَذَلِكَ كافرٌ بي مُؤْمِنٌ بالكوكب))(٣). هطول المطر (١) أخرجه البخاري ٢٤٥/٥، وأحمد ٣٢٩/٤ وليس هو في مسلم. (٢) أخرجه البخاري ٣٤١/٧ في المغازي: باب غزوة الحديبية، وأحمد ٣٢٩/٣ و٣٥٣ و٣٦٣. وقوله: جهش الناس نحوه، أي: أسرعوا لأخذ الماء. (٣) أخرجه البخاري ٣٣٨/٧ في المغازي: باب غزوة الحديبية، وفي صفة الصلاة: باب يستقبل الإِمام الناس إذا سلم، وفي الاستسقاء: باب قول الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾، وأخرجه مسلم (٧١) في الإِيمان: باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، = ٢٦٥ فصل ما جرى عليه الصلح . وجرى الصلحُ بين المسلمين وأهلِ مكة على وضع الحربِ عشرَ سنين، وأن يأمنَ الناسُ بعضهم من بعض، وأن يَرجعَ عنهم عامَهُ ذُلك، حتى إذا كان العامُ المقبل، قَدِمَها، وخَلَوْا بينَه وبين مَّة، فأقام بها ثلاثاً، وأن لا يدخُلَهَا إلا بسلاح الراكب، والسيوف في القرب، وأنَّ من أتانا مِن أصحابكَ لم نرده عليك، ومن أتاكَ من أصحابنا رددَته علينا، وأنَّ بيننا وبينَكَ عَيْبَةً مكفوفةً(١)، وأنه لا إسْلاَلَ ولا إِغْلاَلَ، فقالوا: يا رسولَ الله! نُعطيهم هذا؟ فقال: مَنْ أتاهم منا فأبعَدَهُ الله، ومن أتانا مِنهم فرددناه إليهم، جَعَلَ اللَّهُ له فرجاً ومخرجاً(٢). وفي قِصة الحُديبية، أنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - فِديةَ الأذى لمن حلق رأسَه بالصيام، أو الصَّدقة، أو التُّسك في شأن كعب بن عُجرة. فدية الأذى لمن حلق رأسه وفيها دعا رسولُ الله ◌ٍَّ للمُحَلِّقِينَ بِالمَغْفِرَة ثلاثاً، ولِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وفيها نحرُوا البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ . وفيها أهدى رسولُ الله ◌ََّ في جملة هَذْيِهِ جملاً كان لأبي جهلٍ كان في أنفه بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ليغيظ بِهِ المشرکین. وفيها أُنزِلَتْ سورةُ الفتح، ودخلت خُزاعة في عَقْدِ رسولِ اللَّهِ بَّه وعهده، ودخلَتْ بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن من شاء أن يدخل = ومالك ١/ ١٩٢، وأبو داود (٣٩٠٦)، والنسائي ١٦٥/٣، وأحمد ١١٧/٤. (١) العيبة - ها هنا -: مثل، والمعنى: أن بيننا صدوراً سليمة في المحافظة على العهد الذي عقدناه بيننا، وقد يشبه صدر الإنسان الذي هو مستودع سرّه وموضع مكنون أمره بالعيبة التي يودعها حر متاعه ومصون ثيابه، وقوله: ((لا إسلال ولا إغلال)) فإن الإسلال من السلة وهي السرقة، والاغلال: الخيانة، يقول: إن بعضنا يأمن بعضاً في نفسه وماله، فلا يتعرض لدمه ولا لماله سرّاً ولا جهراً، ولا يخونه في شيء من ذلك. (٢) أخرجه أحمد ٣٢٥/٤، وأبو داود (٢٧٦٦) من حديث ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ورجاله ثقات. ٢٦٦ في عقده رَّ دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل. ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمناتٌ، مِنهن أمُّ كُلُوم بنتُ عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلُهَا يسألونها رسولَ الله ◌َّه بالشرطِ الذي كانَ بينهم، فلم يَرْجِعُها إليهم، ونهاهُ الله عزَّ وجلَّ عن ذلك، فقيل: هذا نسخ للشرط في النساء. وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن، وهو عزيزٌ جداً. وقيل: لم يقع الشرطُ إلا على الرجال خاصة، وأراد المشركون أن يُعَمِّمُوهُ في الصنفين، فأبى الله ذلك. عدم رده 105 أم كلثوم بنت عقبة إلى المشركين فصل في بعض ما في قصة الحُديبية مِن الفوائِدِ الفِقهية فمنها: اعتمارُ النبي ◌َِّ في أشهر الحجِّ، فإنه خرج إليها في ذي القعدة. ومنها: أن الإِحِرامَ بالعُمرة من الميقات أفضلُ، كما أن الإِحِرامَ بالحجِّ كذلك، فإنه أحرم بهما مِن ذي الحُليفة، وبينها وبينَ المدينة ميلٌ أو نحوُه، وأما حديث ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمَرَةٍ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَّرَ)) وفي لفظ: ((كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ)) (١)، فحديث لا يثبت، وقد اضطرب فيه إسناداً ومتناً اضطراباً شديداً. الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل ومنها: أن سوقَ الهدي مسنونٌ في العُمرة المفرَدَة، كما هو مسنون في القِران . ومنها: أن إِشْعَارَ الهدي سنة لا مُثَلَةٌ منهي عنها. (١) أخرجه أبو داود (١٧٤١) في المناسك: باب المواقيت، وابن ماجه (٣٠٠١) و (٣٠٠٢) وابن حبان (١٠٢١) وفي سنده مجهولان، وممن كره تقديم الإِحرام على الميقات: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومالك، وروي أن عمر بن الخطاب أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وكره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، انظر البخاري ٣٣٢/٣ بشرح ((الفتح)). ٢٦٧ استحباب مغايظة أعداء الله ومنها: استحبابُ مُغايظة أعداءِ اللَّهِ، فإن النبيَّ ◌َ﴿ أهدى في جُملة هديه جملاً لأبي جهل في أَنْفِهِ بُرَةٌ مِن فضةٍ يَغيظُ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة النبي ◌َّهَ وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّزَاعَ لَيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال عزَّ وجل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ ولا نَصَبٌّ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله ولا يَطَؤونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ ولا يَنَالُون مِنْ عَدُوِ نَيْلا إِلَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحُ إِنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ومنها: أن أميرَ الجيشِ ينبغي له أن يبعثَ العُيونَ أمامه نحوَ العدو. الاستعانة بالمشرك ... ومنها: أن الاستعانَةَ بالمُشرِكِ المأمونِ في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة، لأن عينه الخزاعيَّ كَانَ كافراً إذ ذاك، وفيه مِن المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوّ، وأخذه أخبارهم. استحباب الشورى ومنها: استحبابُ مشورةِ الإِمام رعيَّته وجيشه، استخراجاً لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمناً لِعَتْبِهِم، وتعرفاً لمصلحةٍ يختصُّ بعلمها بعضُهم دونَ بعض، وامتثالاً لأمر الربِّ في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد مَدَحَ سبحانه وتعالى عباده بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ومنها: جواز سبي ذراري المشركينَ إذا انفردُوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال. رد الكلام الباطل ولو نسب إلى غير المكلف ومنها: ردُّ الكلامِ الباطلِ ولو نسب إلى غير مُكَلَّفٍ، فإنهم لما قالوا: خلأتِ القَصْوَاءُ، يعني حَرَنَتْ وألخَّتْ، فَلَمْ تَسِرْ، والخِلاء في الإِبل بكسر الخاء والمدِّ، نظير الحِران في الخيل، فلما نسبُوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقِهَا وطبعها، ردَّهُ عليهم، وقال: ((ما خَلَأَّتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق))، ثم أخبر وَّعن سبب بروكها، وأن الذي حَبَسَ الفيلَ عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده. ٢٦٨ ومنها: أن تسميةَ ما يُلابسه الرجلُ مِن مراكبه ونحوها سنة. ومنها: جوازُ الحَلِف، بل استحبابُه على الخبر الديني الذي يريد تأکیده، وقد حُفِظَ عن النبي ◌ََّ الحلف في أكثر من ثَمَانِين موضعاً، وأمره الله تعالى بالحَلِفِ على تصدِيقِ ما أخبر به في ثلاثة مواضِعَ: في (سورة يونس)، و (سبأ)، و (التغابن)(١). استحباب الحلف على الخبر الديني الذي يراد تأكيده ومنها: أن المُشْرِكِين، وأهلَ البدَع والفجور، والبُغَاة والظَّلَمة، إذا طَلَبُوا أمراً يُعَظِّمُونَ فيه حُرمةً مِن حُرُماتِ الله تعالى، أجيبوا إليه وأُعطوه، وأُعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيُعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبَغيهم، ويُمنعون مما سوى ذلك، فكُلُّ من التمس المعاونةَ على محبوب لِلَّهِ تعالى مُرْضٍ له، أجيبَ إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتَّب على إعانته على ذلك المحبوبِ مبغوضٌ لله أعظمُ منه، وهذا مِن أدقِّ المواضع وأصعبِهَا، وأشقِّهَا على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتَّى عَمِلَ له أعمالاً بعده، والصِّدِّيقُ تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبُه فيه على قلبِ رسولِ اللهِ وََّ، وأجاب عُمَرَ عما سأل عنه من ذلك بعين جوابٍ رسول الله ◌َّ، وذلك يدل على أن الصِّدِّيق رضي الله عنه أفضلُ الصحابة وأكملُهم، وأعرفُهم بالله تعالى ورسوله ◌َّة، وأعلمُهم بدينه، وأقومُهم بمحابّه، وأشدُّهم موافقةً له، ولذلك لم يسأل عمر عما عَرَضَ له إلا رسولَ اللهِّهِ وصدِيقَه خاصة دونَ سائر أصحابه . إذا طلب المشركون وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله أعينوا عليه (١) أما الآية الأولى من سورة يونس (٥٣) فهي قوله تعالى: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾ وأما الثانية من سورة سبأ الآية (٣) فهي قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ... ﴾ وأما الثالثة من سورة التغابن (٧) فهي: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤُن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾ ٢٦٩ ومنها: أن النبي ◌َّهُ عَدَلَ ذاتَ اليمين إلى الحُديبية. قال الشافعي: بعضُهَا مِن الحِل، وبعضُها مِن الحَرَم. مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخص بها المسجد وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبي ◌َ ﴿ كان يُصلِّي في الحرم، وهو مضطرب في الحِل(١)، وفي هذا كالدّلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخصُّ بها المسجد الذي هو مكانُ الطواف، وأن قوله: ((صَلاَةٌ في المَسْجِدِ الحَرَامِ أفْضَلُ مِنْ مِائة صَلاةٍ في مَسْجِدي» (٢) كقوله تعالى: ﴿فلا يَقْرِبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان الإِسراء من بيت أم هانىء. ومنها: أن من نزل قريباً مِن مكة، فإنَّهُ ينبغي له أن ينزل في الحِلِّ، ويصلي في الحَرم، وكذلك كان ابنُ عمر يصنعُ. ومنها: جوازُ ابتداءِ الإِمام بطلب صلح العَدُوِّ إذا رأى المصلحةَ للمسلمين فيه، ولا يَتوقَّفُ ذُلكَ على أن يكون ابتداءُ الطلب منهم. سنية القيام بالسيف على رأس القائد عند قدوم رسل العدو وفي قِيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله مثّل بالسيف، ولم يكن عادته أن يُقام على رأسه، وهو قاعد، سنةٌ يُقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العزِّ والفخر، وتعظيم الإِمام، وطاعته، ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمَّه النبي ◌ِّه بقوله: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامَاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِن النَّارِ))(٣)، كما أن الفخرَ والخُيَلاء في الحرب (١) أخرجه أحمد ٣٢٦/٤ من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ورجاله ثقات. (٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة. أخرجه أبو داود (٥٢٢٩) في الأدب: باب في قيام الرجل للرجل، وأحمد ٩١/٤، (٣) والترمذي (٢٧٥٦) في الأدب: باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل من حديث معاوية، وإسناده صحيح. ٢٧٠ ليسا من هذا النوع المذموم في غيره، وفي بعث البُدْنِ في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار. وفي قول النبي ◌َِّ للمغيرة: ((أَمَّا الإِسْلاَمُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّ المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شيء))، دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا يملكُ، بل يرد عليه، فإن المغيرةَ كان قد صحبهم على الأمان، ثم غدر بهم، وأخذ أموالهم، فلم يتعرَّض النبي ◌َلِّ لأموالهم، ولا ذبَّ عنها، ولا ضمنها لهم، لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة . مال الشرك المعاهد معصوم وفي قول الصِّدِّيق لعروة: امصُصْ بَظْرَ اللَّتِ، دليلٌ على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي ◌ٍَّ أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: اعضُضْ أيْرَ أبيك، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال. جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة ومنها: احتمالُ قِلَّةِ أدبِ رسولِ الكُفار، وجهلِه وجفوته، ولا يقابل على احتمال قلة أدب رسول ذلك لما فيه من المصلحة العامة، ولم يُقابل النبيُّ ◌َّه عُروةَ على أخذِه بلحيته الكفار وقتَ خطابه، وإن كانت تلك عادَة العرب، لكن الوقارَ والتعظيمَ خلافُ ذلك. وكذلك لم يُقابل رسولُ اللهِ وَّ رَسولي مسيلمةَ حين قالا: نشهدُ أنه رسول الله وقال: ((لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُفْتَلُ لَقَتَلْتُكُما))(١). ومنها: طهارة الُّخَامَةِ، سواءٌ كانت من رأسٍ أو صدر. ومنها: طهارةُ الماءِ المستعمل. ومنها: استحبابُ التفاؤُلِ، وأنَّهُ ليس مِن الطَِّرَةِ المَكْرُوهَةَ، لقوله لما جاء سهيل: (سَهُلَ أَمْرُكُمْ)). (١) أخرجه أحمد ٤٨٧/٤، ٤٨٨، وأبو داود (٢٧٦١) في الجهاد: باب في الرسل من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ١٤٣/٢ ، ووافقه الذهبي، وله شاهد عند أبي داود (٢٧٦٢) من حديث ابن مسعود. ٢٧١ يغني في المشهود عليه إذا عرف باسمه واسم أبيه عن ذكر الجد ومنها: أن المشهودَ عليه إذا عُرِفَ باسمه واسم أبيه، أغنى ذلك عن ذِكر الجَدِّ، لأن النبيِّ ◌َّ لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِعَ مِن سهيل بذكر اسمه واسم أبيه خاصة، واشتراطُ ذِكر الجد لا أصل له، ولما اشترى العَدَّاءُ بْنُ خالد منه ◌ََّ الغلامَ فكتب له: «هذا مَا اشْتَرَى العَدَّاءُ بْنُ خَالِد بن هَوْذَةَ»(١) فذكر جده، فهو زيادةُ بيان تَدُلُّ على أنه جائز لا بأس به، ولا تَدُلُّ على اشتراطه، ولما لم يكُنْ في الشهرة بحيث يُكتفى باسمه واسم أبيه ذكر جده، فيُشترط ذِكْرُ الجد عند الاشتراك في الاسم واسم الأب، وعند عدم الاشتراك، اكتُفي بذكر الاسم واسمِ الأب والله أعلم. ومنها: أن مصالحةَ المشركين ببعض ما فيه ضَيْمٌ على المُسلمينَ جائزةٌ للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتينِ باحتمالِ أدناهما . ومنها: أن من حَلَفَ على فِعْل شيء، أو نَذَره، أو وَعَدَ غيرَه به ولم يُعيِّن وقتاً، لا بلفظه، ولا بنيته، لم يكن على الفور، بل على التراخي. ومنها: أن الحلاقَ نُسُكٌ، وأنه أفضلُ من التقصير، وأنه نُسُكٌ في العُمرةِ، كما هو نُسُكِّ في الحجِّ، وأنه نُسُكٌ في عُمرة المحصور، كما هو نسك في عُمرة غيره . ومنها: أن المُحْصَرَ ينحرُ هديَه حيث أُخْصِرَ من الحِلِّ أو الحَرَم، وأنه لا يجب عليه أن يُواعِدَ من ينحرُهُ في الحرم إذا لم يَصِل إليه، وأنه لا يتحلل حتى لا يجب على المحصر القضاء (١) أخرجه الترمذي (١٢١٦) في البيوع: باب ما جاء في كتابة الشروط، وابن ماجه (٢٢٥١) في التجارات: باب شراء الرقيق عن عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتاباً كتبه لي رسول الله ﴾؟ قال: قلت: بلى، فأخرج لي كتاباً: ((هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله وَثله اشترى منه عبداً أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خِبِثَة بيعَ المسلم للمسلم» وسنده قوي. والغائلة: أن يكون مسروقاً، وأراد بالخبثة: الحرام. ٢٧٢ يصل إلى محله، بدليل قوله تعالى: ﴿والهدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. ومنها: أن الموضِعَ الذي نحر فيه الهدي، كان من الحِلِّ لا من الحرم، لأن الحَرَمَ كُلُّه محلُّ الهدي. ومنها: أن المُحْصَرَ لا يجب عليه القضاءُ، لأنه ◌َّ أمرَهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، والعُمْرَةُ من العام القابل لم تكن واجبةً، ولا قضاءً عن عُمرة الإِحصار، فإنهم كانُوا في عمرة الإِحصار ألفاً وأربعمائة، وكانوا في عُمرة القضيةِ دُون ذلك، وإنما سُمِّيت عُمرةَ القضية والقضاء، لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأُضيفت العُمرة إلى مصدر فعله. ومنها: أن الأمر المطلقَ على الفور وإلا لم يَغْضَبْ لِتأخيرهم الامتثال الأمر مطلق على الفور عن وقت الأمر، وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنَّهُم كانوا يَرْجُون النسخ، فأخَّروا متأوِّلين لذلك، وهذا الاعتذارُ أولى أن يُعتذر عنه، وهو باطل، فإنه ◌َّ لو فَهِمَ منهم ذلك، لم يشتَدَّ غضبُه لتأخير أمره، ويقول: ((مَالي لا أَغْضَبُ، وأَنَا آمُرُ بالأَمْرِ فلا أَتَبعُ»، وإنما كان تأخيرُهم مِن السعي المغفور لا المشكور، وقد رضيَ الله عنهم، وغفر لهم، وأوجب لهم الجنة. ومنها: أن الأصل مشارَكةُ أُمَّتِهِ له في الأحكام، إلا ما خصَّه الدليلُ، ولذلك قالت أُ سلمة: ((اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحداً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هدیك))، وعلمت أن الناس سيتابعونه. الأصل مشاركة أمته له * في الأحكام إلا ما خصه الدليل فإن قيل: فكيف فعلوا ذلك اقتداء بفعله، ولم يمتثِلُوه حين أمرهم به؟ قيل: هذا هو السببُ الذي لأجله ظنَّ من ظنَّ أنهم أخروا الامتثال طمعاً في النسخ، فلما فعلَ النبيُّ ◌ََّ ذلك، عَلِمُوا حينئذ أنه حكم مُسْتَقِرٌّ غيرُ منسوخ، وقد تقدم فسادُ هذا الظن، ولكن لما تغيَّظَ عليهم، وخرج ولم يُكلمهم، وأراهُم أنه بادر إلى امتثال ما أمر به، وأنه لم يُؤخر كتأخيرهم، وأن اتباعهم له وطاعتهم تُوجِبُ اقتداءهم به، بادرُوا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثالِ أمره. ٢٧٣ ومنها: جوازُ صُلح الكُفَّارِ على ردِّ من جاء منهم إلى المسلمين، وألا يُرد مَنْ ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء، فلا يجوزُ اشتراطُ رَدِّهن إلى الكفار، وهذا موضعُ النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيلَ إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب. خروج البضع من ملك الزوج متقوم ومنها: أن خُروجَ البُضع من ملك الزوج متقوَّم، ولذلك أوجبَ الله سبحانه ردَّ المهر على من هاجرت امرأتُه، وحِيل بينَه وبينها، وعلى من ارتدت امرأتُه مِن المسلمين إذا استحق الكفارُ عليهم ردَّ مهورٍ من هاجر إليهم مِن أزواجهم، وأخبر أن ذُلك حُكمُه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شيءٌ، وفي إيجابِهِ ردَّ ما أعطى الأزواجُ من ذلك دليلٌ على تقوُّمه بالمسمَّى، لا بمهر المثل. ومنها: أن ردّ من جاء من الكفار إلى الإِمام لا يتناول من خروج منهم مسلماً إلى غيرِ بلدِ الإِمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإِمام، لا يجبُ عليه ردُّه بدون الطلب، فإن النبي وَ له لم يُردَّ أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاؤوا في طلبه، مكَّنهم من أخذه ولم يكرهْهُ على الرجوع. ومنها أن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكّنُوا منه فقتل أحداً منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإِمام، بل يكون حكمه في ذلك حُكمَ قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإِمام عليهم، فإن أبا بصيرٍ قتل أحد الرجلين المعاهَدَيْنِ بذي الحُلَيْفَةِ، وهي مِن حُكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه، وفُصِلَ عن يد الإِمام وحكمه. ومنها: أن المعاهَدِينَ إذا عاهدوا الإِمام، فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم، وغَنِمَتْ أموالهم، ولم يَتَحَيَّزُوا إلى الإِمام، لم يجب على الإِمام دفعُهم عنهم، ومنعُهم منهم، وسواءٌ دخلوا في عَقدِ الإِمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهدُ الذي كان بين النبيِّ لَ ﴿ وبين المشركين، لم يكن عهداً ٢٧٤ بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعضٍ ملوكِ المسلمين وبعضِ أهل الذِّمةِ من النصارى وغيرِهم عهد، جاز لملك آخر مِن ملوك المسلمين أن يَغْزُوَهُم، ويغنَمَ أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخُ الإِسلام في نصارى مَلَطْيَة وسبيهم، مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين. فصل في الإِشارة إلى بعضٍ الحِكم التي تضمَّنتها هذه الهدنة وهي أكبرُ وأجَلُّ مِن أن يُحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابَها، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده. مقدمة للفتح فمنها: أنها كانت مُقَدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله بِهِ رسولَه وجندَه، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، فكانت هذه الهُدنة باباً له، ومفتاحاً، ومؤذِناً بين يديه، وهذه عادةُ الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدراً وشرعاً، أن يُوطِّءَ لها بين يديها مقدمات وتوطئات، تُؤْذِنُ بها، وتدُلُّ عليها. ومنها: أن هذه الهُدنة كانت من أعظم الفُتوح، فإن الناسَ أمِنَ بعضُهم هي من أعظم الفتوح بعضاً، واختلطَ المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القُرآن، وناظرُوهم على الإِسلام جهرةً آمنين، وظهر من كان مختفياً بالإِسلام، ودخل فيه في مُدة الهُدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحاً مبيناً. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيماً، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحُديبية. وحقيقة الأمر: أن الفتح - في اللغة ــ فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً مُغلقاً حتى فتحه الله، وكان مِن أسباب فتحه صدُّ رسولِ الله ◌ٍَّ وأصحابِهِ عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيماً وهَضماً للمسلمين، وفي الباطن عزَّا وفتحاً ونصراً، وكان رسولُ الله ◌َله ينظر إلى ما وراءَهُ مِن الفتح العظيم، والعزِّ، والنصرِ من وراء ستر رقيق، وكان يُعطي المشركين كلَّ ٢٧٥ ما سألوه مِن الشروط، التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو رَّ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]. مَحْبُونِهَا سَبَيَاً مَا مِثْلُه سَبَبُ وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إِلى فكان يَدْخُلُ على تلك الشروط دخولَ واثق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقِبَة له، وأن تلك الشروطَ واحتمالها هو عينُ النصرة، وهو مِن أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبُوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلُّوا مِن حيث طلبوا العز، وقُهِرُوا من حيثُ أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله ◌َّةٍ وعساكِرُ الإِسلام من حيث انكسروا لله، واحتملُوا الضَّيْم له وفيهِ، فدار الذَّورُ، وانعكس الأمرُ، وانقلب العزُّ بالباطل ذُلاً بحقٍ، وانقلبت الكَسرة لله عزاً بالله، وظهرت حِكمة الله وآياتُه، وتصديقُ وعده، ونصرةُ رسوله على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها التي لا اقتراح للعقول وراءها. زيادة الإيمان والإذعان ومنها: ما سيَّه سبحانه للمؤمنين من زيادة الإِيمان والإذعانِ، والانقيادِ على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله، وتصديقٍ موعودِهِ، وانتظارِ ما وُعِدُوا به، وشهودِ مِنَّة الله ونِعْمتِهِ عليهم بالسَّكِينةِ التي أنزلها في قُلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزَعْزَعُ لها الجبالُ، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبُهم، وقويت به نُفوسُهم، وازدادوا به إيماناً. بسط لمعنى قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ... ﴾ (٢ - ٣) ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لِرسوله وللمؤمنين سبباً لما ذكره مِن المغفرة لرسوله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ولاِتمام نِعمتِه عليه، ولهدايته الصِّراط المستقيم، ونصره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به مع ما فيهِ من الضيم، وإعطاءٍ ما سألوه، كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابُه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جَزَاءً وغاية، وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه تعالی، وفتحه. ﴿هو الذي أنزل السكينة ... ﴾ (٤) وتأمل كيف وصفَ - سبحانه - النصرَ بأنه عزيزٌ في هذا الموطن، ثم ذكر ٢٧٦ إنزالَ السكينة في قلوبِ المؤمنين في هذا الموطنِ الذي اضطربت فيهِ القلوبُ، وقَلِقَتْ أشدَّ القلق، فهي أحوجُ ما كانت إلى السكينةِ، فازدادوا بها إيماناً إلى إيمانهم، ثم ذكر سُبحانه بيعتَهم لِرسوله، وأكَّدها بكونها بيعةً له سبحانه، وأن يَده تعالى كانت فوقَ أيديهم إذ كانت يدُ رسول الله ◌َ ◌ّ﴾ كذلك، وهو رسولُه ونِيُّه، فالعقدُ معه عقدٌ مع مُرْسِلِهِ، وبيعته بيعته، فمن بايعه، فكأنما بايع الله، ويدُ الله فوقَ يده، وإذا كان الحجرُ الأسودُ يمينَ الله في الأرض(١)، فمن صافحه وقبّله، فكأنما صافح الله، وقبّل يمينه، فيدُ رسول الله وَّ أولى بهذا مِن الحجر الأسود، ثم أخبر أن ناكِثَ لهذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوَفِّي بها أجراً عظيماً فَكُلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإِسلام وحقوقه، فناكِث ومُوفٍ. ﴿ إن الذين يبايعوك ... ﴾ (١٠) ثم ذكرَ حالَ من تخلَّفَ عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظَّنِّ بالله: أنَّهُ يخذُل رسولَه وأولياءَه، وجندَه، ويُظْفِرُ بهم عدوَّهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك مِن جهلهم بالله وأسمائِهِ وصِفاتِه، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هُوَ أهل أن يُعامِلَه به رُّه ومولاه. ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ... ﴾ (١٢) ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله، وأنه ﴿نقد رضي الله ... ﴾ (١٨ - ٢٠) (١) كان الأولى بالمؤلف رحمه الله ألا يشين كتابه بهذه الجملة المنتزعة من الحديث الموضوع الذي أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٣٢٨/٦ وغيره من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا أبو معشر المدائني عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ◌َ ثير: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده))، وإسحاق بن بشر الكاهلي كذبه أبو بكر بن أبي شيبة، وموسى بن هارون وأبو زرعة وابن عدي، وله طريق آخر عند ابن عساكر ٢/٩٠/١٥ لا يزيده إلا وهناً، لأن فيه أبا علي الأهوازي وهو متهم بالوضع، ومن ثم قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقال أبو بكر بن العربي: هذا حديث باطل، فلا يلتفت إليه، وأخرجه ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) موقوفا على ابن عباس، وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك. ٢٧٧ ٠ سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ مِن الصِّدق والوفاء، وكمال الانقياد، والطاعة، وإيثار الله ورسولِهِ على ما سواهُ، فأنزل الله السكينةَ والطُّمَأْنِينة، والرِّضى في قلوبهم، وأثابهم على الرِّضى بحُكمه، والصبرِ لأمره فتحاً قريباً، ومغانِمَ كثيرة يأخذونها، وكان أوَّلُ الفتح والمغانم فتحَ خَيْبَرَ، ومغانمها، ثم استمرت الفتوحُ والمغانمُ إلى انقضاء الدهر. معنى ﴿ .. فعجل لكم هذه﴾ (٢٠) ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾ (٢٠) ووعدهم سبحانه مغانِمَ كثيرة يأخذونها، وأخبرهم أنه عجل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان. أحدهما: أنه الصلحُ الذي جرى بينهم وبين عدوهم، والثاني: أنها فتحُ خيبر وغنائمُها، ثم قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسَ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠]، فقيل: أيدي أهلِ مكة أن يقاتلوهم، وقيل: أيدي اليهود حين هُّوا بأن يغتالُوا مَنْ بالمدينة بعد خروج رسول الله بَّر بمن معه من الصحابة منها. وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسَد وغطفان. والصحيح تناول الآية للجميع . ﴿ولتكون آية للمؤمنين﴾ (٢٠) ﴿ويهديكم صراطاً مستقيماً﴾ (٢٠) ﴿وأخرى لم تقدروا عليها ... ﴾ (٢١) وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: هذه الفعلة التي فعلها بكم، وهي كفتُّ أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإِنَّهُم حينئذٍ كان أهل مكة ومن حولها، وأهلُ خيبر ومَنْ حولها، وأسدٌ وغَطَفَان، وجمهورُ قبائل العرب أعداءً لهم، وهم بينَهم كالشَّامَةِ، فلم يَصِلُوا إليهم بسوء، فمِن آياتِ الله سبحانه كفُّ أيدي أعدائهم عنهم، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم، وشدةِ عداوتهم، وتولي حراستهم، وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آية لعباده المؤمنين، وعلامة على ما بعدها من الفتوح، فإن الله سبحانه وعدهم مغانم كثيرة، وفتوحاً عظيمة، فعجَّل لهم فتحَ خيبر، وجعلها آية لما بعدها، وجزاءاً لِصبرهم ورضاهم يومَ الحديبية وشكراناً، ولهذا خصَّ بها بغنائمها مَنْ شهد الحديبية. ثم قال: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾، فجمع لهم إلى النصرِ والظَّفَرِ والغنائم الهداية، فجعلهم مهديِّين منصُورين غانمين، ثم وعدهم مغانِمَ كثيرة وفُتوحاً أخرى، لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكَّةُ وقيل: هي فارس والروم، ٢٧٨ وقيل: الفتوحُ التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها . ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءَه، لولَّى الكفارُ الأدبارَ غيرَ منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلَهم، ولا تبديلَ لسنته. ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا ... ﴾ (٢٢ - ٢٣) فإن قيل: فقد قاتلُوهم يوم أحد، وانتصروا عليهم، ولم يولُوا الأدبار؟ قيل: هذا وعد معلّق بشرطٍ مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرط يومَ أحد بِفَشَلِهم المنافي للصبر، وتنازعهم، وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرفهم عن عدوهم، ولم يحصُّل الوعدُ لانتفاء شرطه . ﴿وهو الذي كف .. ﴾ (٢٤ - ٢٥) ثم ذكر - سبحانه - أنه هو الذي كفَّ أيدي بعضِهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لما لَه في ذلك من الحِكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجالٌ ونساء قد آمنوا، وهم يكتُمون إيمانَهم، لم يعلمْ بهم المسلمون، فلو سلَّطكم عليهم، لأصبتم أولئك بمعرَّة الجيش، وكان يُصيبكم منهم معرَّةُ العُدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به، وذكر سبحانه حصول المعرَّةِ بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم، لأنها موجبُ المعرة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميَّزوا منهم لعذب أعداءه عذاباً أليماً في الدنيا، إما بالقتلِ والأسر، وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب لوجود لهؤلاء المؤمنين بَيْنَ أظهرهم، كما كان يدفعُ عنهم عذابَ الاستئصال، ورسولُه بين أظهرهم. ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ... ﴾ (٢٦) ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفارُ في قلوبهم مِن حَمِية الجاهليةِ التي مصدرها الجهلُ والظُّلم، التي لأجلها صدُّوا رسولَه وعِبادَه عن بيته، ولم يُقِرُّوا بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يُقِرُوا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه، وتيقنهم صحةَ رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا الجَعْلَ إليهم وإن كان بقضائه وقدره، كما يُضاف إليهم سائرُ أفعالهم التي هي بقُدرتهم وإرادتهم. ﴿ ... فأنزل الله سكينته ... ﴾ (٢٦) ثم أخبر - سُبحانه - أنه أنزل في قلبٍ رسوله وأوليائه مِن السكينة ما هو ٢٧٩ مقابل لما في قلوب أعدائه مِن حَمِيَّة الجاهلية، فكانت السكينةُ حظَّ رسوله وحِزبه، وحميةُ الجاهلية حظّ المشركين وجندهم، ثم ألزم عِبادَه المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنس يَعُمُّ كُلَّ كلمةٍ يُتقى الله بها، وأعلى نوعِها كلمةُ الإِخلاص، وقد فُسِّرَتْ ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمةُ التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمَها الله أولياءَهُ وحزبه، وإنما حَرّمَها أعداءَهُ صيانة لها عن غير كفئها، وألزمها من هو أحقُّ بها وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يُضيعها بوضعها في غير أهلها، وهو العلیم بمحالِ تخصيصه ومواضعه. ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا ... ﴾ (٢٧) ثم أخبر سبحانه، أنه صدَقَ رسُولَه رؤياه في دخولهم المسجدَ آمنين، وأنه سيكون ولا بُدَّ، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه عَلِمَ مِن مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتُم استعجالَ ذلك، والربُّ تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلمُوه، فقدَّم بين يدي ذلك فتحاً قريباً، توطئة له وتمهيداً. ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ... ﴾ (٢٨) ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدِّينِ كُلِّه، فقد تكفَّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهلٍ الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم، وبِشارة لهم وتثبيتٌ، وأن يكونوا على ثقة مِن هذا الوعد الذي لا بُدَّ أن ينجزه، فلا تظنُّوا أن ما وقع من الإِغِماض والقهرِ يومَ الحُديبية نصرة لعدوه، ولا تخلياً عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحقِّ، ووعده أن يُظهِزَه على كل دينِ سواه. ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ... ﴾ (٢٩) ثم ذكر ــ سبحانه ـــ رسولَه وحزبَه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتِهم في التوراة والإنجيل فكان في هذا أعظمُ البراهين على صدق من جاء بالتوراة والإنجيل، والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلِّبون طالبُو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هدیَهم وسيرتهم، وعدلهم وعلمهم، ورحمتَهم وزهدَهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما ٢٨٠ .