Indexed OCR Text

Pages 221-240

الدَّثِنَةِ، فابتاعه صفوانُ بنُ أمية، فقتله بأبيه .
وأما موسى بن عقبة، فذكر سبب هذه الوقعة، أن رسول الله چچ بعث هؤلاء
الرهط يتحسَّسُون له أخبار قُريش، فاعترضهم بنو لَحيان (١).
فصل
بئر معونة
وفي هذا الشهر بعينه، وهو صفر من السنة الرابعة، كانت وقعة بئر مَعُونة،
وملخّصُها أن أبا براء عامِرَ بنَ مالك المدعو ملاعبَ الأسِنَّة، قَدِمَ على
رسولِ الله ◌َّ المدينةَ، فدعاه إلى الإِسلام، فلم يُسلم، ولم يبعد، فقال: يا
رسولَ الله، لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نَجْدٍ يدعونهُم إلى دِينك، لرجوتُ أن
يُجِيبُوهم. فقال: ((إِنِي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ)) فقال أبو براء: أنا جارٌ لهم، فبعث
معه أربعينَ رجلاً في قول ابن إسحاق. وفي الصحيح: ((أنَّهم كانُوا سبعينَ)) والذي
في الصحيح: هو الصحيح. وأمَّر عليهم المنذر بن عمرو - أحد بني ساعِدة
الملقب بالمُعْنِقِ ليموت - وكانوا من خِيارِ المسلمينَ، وفُضلائهم، وساداتِهم،
وقرائِهم، فسارُوا حتى نزلوا بئرَ مَعُونة، وهي بين أرضٍ بني عامر، وحرَّة بني
سُليم، فنزلوا هناك، ثم بعثوا حَرامَ بنَ ملحان أخا أمّ سليم بكتابٍ رسول الله ◌ِلخ.
إلى عدوِّ الله عامِر بن الطفيل، فلم ينظُرْ فيه، وأمرَ رجلاً، فطعنه بالحربةِ من
خلفه، فلما أنفذها فيه، ورأى الدَّمَ، قال: ((فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ(٢). ثم استَنفَرَ
عدوُّ الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يُجِيبُوهُ لأجل جِوار أبي بَراء،
(١) انظر خبر الرجيع في ((صحيح البخاري)) ٢٩٠/٧، ٢٩٥ في المغازي: باب غزوة
الرجيع، و((مسند أحمد)» (٧٩١٥) ٣١٠/٢، وابن هشام ١٦٩/٢، ١٨٣، وابن سعد
٥٥/٢، ٥٦ والطبري ٢٩/٣، وابن سيد الناس ٤٠/٢، وابن كثير ١٢٣/٣، ١٣٤،
و ((شرح المواهب)) ٦٤/٢، ٧٤.
(٢)
أخرجه البخاري ٢٩٧/٧، ٢٩٩ في المغازي: باب غزوة الرجيع، وفي الجهاد:
باب من ينكب في سبيل الله، وباب فضل قول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذي قتلوا في
سبيل الله أمواتاً﴾، وباب العودة والمدد، ومسلم (٦٧٧) ص ١٥١١ في الإمارة: باب
ثبوت الجنة للشهيد، وأحمد ١٣٧/٣ و٢١٠ و٢٧٠ و٢٨٩.
٢٢١

فاستنفر بني سليم، فأجابته عُصَيَّهُ وَرِعْلٌ وذَكْوَانُ، فجاؤوا حتى أحاطُوا بأصحابٍ
رسول الله ◌َّة، فقاتلُوا حتى قُتِلُوا عن آخرهم إلا كعبَ بنَ زيدٍ بن النجار، فإنه
ارتُثَّ(١) بين القتلى، فعاش حتَّى قُتِلَ يومَ الخندق، وكان عمرو بن أمية الضمري،
والمنذرُ بن عقبة بن عامر في سَرْحِ المسلمينَ، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضع
الوقعة، فنزل المنذر بن محمد، فقاتلَ المشركين حتى قُتِلَ مَعَ أصحابه، وأُسِرَ
عَمرُو بن أمية الضَّمْرِي، فلما أخبر أنه من مضر، جَزَّ عامِرٌ ناصيتَه، وأعتقه عن
رقبة كانت على أمِّه، ورجع عمرُو بن أمية، فلما كان بالقَرْقَرَةِ مِن صدرِ قناة (٢) نزل
في ظِلِّ شجرة، وجاء رجلان من بني كلاب، فنزلا معه، فلما ناما، فتكَ بهما
عمرٌو، وهُو يرى أنه قد أصاب ثأراً من أصحابه، وإذا معهما عهدٌ مِنْ
رسولِ اللهَ بََّ لم يشعُرْ به، فلما قَدِمَ، أخبرَ رسولَ اللهِ وَه بما فعلَ، فقال: ((لَقَدْ
قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لأَدِيَنَّهُمَا)) (٣).
غزوة بني النضير
فكان هذا سببَ غزوة بني النضير، فإنه خرج إليهم ليعينوه في ديتهما لما بينه
وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم، وجلَس هو وأبو بكر وعمر وعلي، وطائفة من
أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا، وقالوا: مَن رجلٌ يُلقِي على محمَّدٍ هذه
الرَّحى فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جِحاش لعنه الله، ونزل جبريلُ مِن عند
رب العالمين على رسولِه يُعلمه بما هقُوا به، فنهض رسولُ الله ◌َِّمِن وقته راجعاً
إلى المدينة، ثم تجهّز، وخرج بنفسه لِحربهم، فحاصرهم سِتَّ ليال، واستعمل
على المدينة ابنَ أمُّ مكتوم، وذلك في ربيع الأول.
قال ابن حزم: وحينئذ حُرِّمَتِ الخمرُ، ونزلوا على أن لهم ما حملت إيلُهم
[تحريم الخمر]
(١) أي: رفع وبه جراح.
هي قرقرة الكدر: موضع بناحية المعدن قريب من الأرحضية، بينه وبين المدينة
(٢)
ثمانية برد، وقناة: واد يأتي من الطائف، ويصب في الأرحضية وقرقرة الكدر.
(٣) انظر ابن هشام ١٨٣/٢، ١٨٧، وابن كثير ١٣٩/٣، ١٤٤، والطبري ٣٣/٣، وابن
سيد الناس ٤٦/٢، وشرح المواهب ٧٤/٢، ٧٩.
٢٢٢

غيرَ السلاح، ويرحّلُون مِن ديارهم، فترخَّل أكابِرُهم كحُيَي بن أَخْطَبَ،
وسلامٍ بنِ أبي الحُقَيْق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم
رجلانٍ فقط، يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما، وقسم
رسولُ الله ◌ِّ أموالَ بني النضير بين المهاجرينَ الأولين خاصة، لأنها كانت مما لم
يُوجِفِ المسلمون عليه بخيل ولا رِكاب، إلا أنه أعطى أبا دُجانة، وسهَل بن
حُنَيْفٍ الأنصاريين لِفقرهما (١).
نزول سورة الحشر
وفي هذه الغزوة، نزلت سورةُ الحشر، هذا الذي ذكرناه، هو الصحيح عند
أهل المغازي والسير(٢).
وزعم محمد بن شهاب الزهري، أن غزوة بني النضير كانت بعد بدرٍ بستة
أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الَّذي لا شك فيه أنها كانت بعدَ أُحد،
والتي كان بعد بدر بستة أشهر: هي غزوة بني قَيْنُقَاعِ، وقُريظة بعد الخندق، وخيبر
بعد الْحُدَيْبية، وكان له مع اليهود أربعُ غزوات، أولها: غزوة بني قينقاع بعد بدر، غزواته 2* مع اليهود
والثانية: بني النضير بعد أُحد، والثالثة: قُريظة بعد الخندقِ، والرابعة: خيبر بعد
الحُديبية.
فصل
وقنت رسول الله بََّ شَهْرَاً يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا القُرَّاء أَصْحَابَ بِثْرِ مَعُونَةً
بَعْدَ الرُّكُوعِ، ثم تَرَكَهُ لَمَّا جَاؤُ وا تَائِينَ مُسْلِمِينَ(٣).
القنوت
(١) انظر ابن هشام ١٩٠/٢، ١٩٥، وابن كثير ١٤٥/٣، ١٥٤، وشرح المواهب
٧٩/٢، ٨٦، وابن سيد الناس ٤٨/٢، وابن سعد ٢/ ٥٧ .
(٢) أخرج البخاري ٤٨٣/٨ عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟
قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً
منهم إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر، قال: قلت:
سورة الحشر؟ قال نزلت في بني النضير.
(٣) أخرجه البخاري ٤٠٧/٢، ٤٠٨ و١٦٣/١١، و٢٩٦/٧، ٢٩٧، ومسلم (٦٧٧)،
(٣٠٤) من حديث أنس بن مالك.
٢٢٣

فصل
غزوة ذات الرقاع
ثُمَّ غزا رسولُ الله ◌َِّ بنفسه غزوةَ ذاتِ الرِّقَاعِ، وهي غزوةُ نجدٍ، فخرج في
جمادى الأولى مِن السنة الرابعة، وقيل: في المحرَّم، يُريدُ مُحَارِبَ، وبني
ثعلبة بن سَعْدِ بن غَطَفَان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغِفاريَّ، وقيل:
عثمانَ بن عفان، وخرج في أربعمائة من أصحابه. وقيل: سبعمائة، فلقي جمعاً
مِن غَطَفَان، فتواقفُوا، ولم يكن بينهم قِتال، إلا أنه صلَّى بهم يومئذ صلاةَ
الخوف(١)، هكذا قال ابن إسحاق، وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ
هذه الغزاة، وصلاة الخوف بها، وتلقّاه الناسُ عنهم، وهو مُشْكِلٌ جداً، فإنه قد
صحَّ أن المشركين حَبَسُوا رسولَ اللَّهِ وََّيَوْمَ الخَنْدِقِ عَنْ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى غَابَتِ
الشَّمْسُ (٢).
متى شرعت صلاة
الخوف
وفي ((السُّنن)) و((مسند أحمد))، والشافعي رحمهما الله، أنَّهُم حَبَسُوهُ عن
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٢٠٣/٢، ٢٠٩، وابن كثير ١٦٠/٣، ١٦٨، وشرح المواهب
٨٦/٢، ٩٣ وابن سعد ٦١/٢، ٦٢، وابن سيد الناس ٥٢/٢، والبخاري ٣٢١/٧،
٣٣١ وإنما سميت هذه الغزوة ((ذات الرقاع))، لأن أقدامهم رضي الله عنهم نَقِبَتْ
(رقت جلودها وتنفطت من المشي) وكانوا يلفون عليها الخرق، فقد روى البخاري
٣٢٥/٧ عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع النبي ◌َّ في غزاة، ونحن في ستة
نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف
على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ((ذات الرقاع)) لما كنا نعصب من الخرق على
أرجلنا. وهي غزوة محارب وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار، وغزوة صلاة
الخوف لوقوعها فيها، وغزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة.
(٢) أخرجه البخاري ٣١٢/٧ في المغازي: باب غزوة الخندق، وفي الجهاد: باب
الدعاء على المشركين، ومسلم (٦٢٧) في المساجد: باب التغليظ في تفويت صلاة
العصر، وأبو داود (٤٠٩)، والنسائي ٢٣٦/١، وابن ماجه (٦٨٤)، وأحمد ٧٩/١
و٨١ و١١٣ و١٢٢ و١٢٦ و١٣٥ و١٣٧ و١٤٦ و١٥٠ و١٥٢ من حديث علي
رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (٦٢٨)، وابن ماجه (٦٨٦) وأحمد ١/ ٤٠٤ و٤٥٦
من حديث ابن مسعود.
٢٢٤

صَلاَةِ الظُّهْرِ، والعَصْرِ، والمَغْرِبِ، والعشَاء، فصلاهُنَّ جميعاً(١). وذلك قبلَ
نزولِ صلاةِ الخوفِ، والخندقُ بعدَ ذاتِ الرِّقاع سنةً خمس.
والظاهرُ أنَّ النبيَّ ◌َِّ أول صلاة صلاها للخوف بِعُسْفَان، كما قال أبو عيَّاش
الزُّرَقِي: كنَّا مع النبيِّ نَّ بِعُسْفان، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ، وَعَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ
خَالدُ بنُ الوَلِيدِ، فَقَالُوا: لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةٌ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّ لَهُمْ صَلاَةً بَعْدَ هُذِهِ
هِيَ أَحَبُ إِلَيْهِمْ مِن أَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ،
فَصَلَّى بِنَا العَصْرَ، فَفَرَقَنَا فِرْقَتْنِ ... وذكر الحديث، رواه أحمد وأهلُ السنن(٢).
وقال أبُو هُريرة: كَانَ رسولُ الله ◌ِّهِ نَازِلاً بَيْنَ ضَجْنَانَ وعُشْفَانَ مُحَاصِرَاً
للمُشْرِكِينَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لِهُؤْلاَءِ صَلاةَ هِيَ أَحَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ، أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، ثُمَّ مِلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ
يَقْسِمَ أصْحَابَه نِصْفَيْنِ .... وذكر الحديث، قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ
صحيح (٣).
ولا خِلاَفَ بينهم أن غزوةَ عُسْفَانَ كانت بعدَ الخندق، وقد صحَّ عنه أنه
صلَّى صلاة الخوفِ بِذَاتِ الرِّقاع، فعُلِمَ أنها بعد الخندقِ وبعد عُسْفَان، ويؤيِّدُ هذا
أنَّ أبا هُرَيرة، وأبا موسى الأشعري شهدا ذاتَ الرِّقاع، كما في ((الصحيحين)) عن
(١) أخرجه النسائي ١٧/٢ في الأذان: باب الأذان للفائت من الصلوات، وأحمد ٢٥/٣
و٤٩ و٦٧، والبيهقي ٤٠٢/١، والشافعي ٥٥/١، والدارمي ٣٥٨/١ من حديث أبي
سعيد الخدري، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٨٥) وغيره، وفي الباب عن
ابن مسعود عند الترمذي (١٧٩) وأحمد ٣٧٥/١ و٤٢٣، والنسائي ١٧/١ ورجاله
ثقات إلا أنه منقطع، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكنه يصلح شاهداً لحديث أبي
سعید .
(٢) أخرجه أحمد ٥٩/٤، ٦٠، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي ١٧٧/٣، ١٧٨، وإسناده
صحيح، وعسفان: قرية بين مكة والمدينة.
(٣) أخرجه أحمد ٥٢٢/٢، والترمذي (٣٠٣٨) في التفسير في سورة النساء، والنسائي
١٧٤/٣ وسنده حسن.
٢٢٥
زاد المعاد ج ٣-م٨

أبي موسى، أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنَّهُمْ كَانُوا يَلِفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمُ الخِرَقَ
لَمَّا نَقِبَتْ(١).
وأمَّا أبو هُرِيرَة، ففي ((المسند)) و ((السنن)) أن مروانَ بنَ الحكم سأله: هَلْ
صَلَّيْتَ مَعَ رسولِ الله ◌َِّ صلاةَ الخوفِ؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عَامَ غَزْوَةٍ
نَجْدٍ(٢).
ترجيح المصنف أن ذات
الرقاع كانت بعد خيبر
وهذا يَدُكُّ على أن غزوةَ ذاتِ الرِّقاع بعد خيبر (٣)، وأنَّ من جعلها قبل
الخندق، فقدْ وهمَ وهماً ظاهراً، ولمَّا لَمْ يَقْطَن بعضُهم لهذا، اذَّعى أن غزوةَ ذاتِ
الرقاع كانت مرَّتين، فمرةً قبلَ الخندق، ومرةً بعدها على عادتهم في تعديدِ الوقائع
إذا اختلفت ألفاظُهَا أو تاريخُهَا ولو صحَّ لهذا القائل ما ذكره، ولا يَصِحُّ، لم يمكن
أن يكونَ قد صلَّى بهم صلاةَ الخوف في المرة الأولى لما تقدم مِن قصة عُسْفَان،
وكونها بعد الخندق، ولهم أن يُجيبوا عن هذا بأن تأخيرَ يومِ الخندق جائزٌ غيرُ
منسوخ، وأن في حال المسايفة يجوزُ تأخيرُ الصلاة إلى أن يتمكَّن من فعلها،
وهذا أحدُ القولين في مذهب أحمد رحمه الله وغيره، لكن لا حِيلة لهم في قصة
عُسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق.
فالصواب تحویل غزوة ذات الرِّقاع مِن هذا الموضع إلى ما بعدَ الخندق، بل
بعدَ خيبر، وإنما ذكرناها ها هنا تقليداً لأهل المغازي والسير، ثم تبيَّن لنا وهمُهم
وبالله التوفيق .
ومما يدلُّ على أن غزوةَ ذاتِ الرِّقاع بعد الخندق، ما رواه مسلم في
(صحيحه)) عن جابر قال: أقبلْنَا مَعَ رسولِ الله ◌َِّةِ، حتّى إذا كُنّا بذات الرِّقاعِ،
قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله مح له، فجاء رجل من
(١) أخرجه البخاري ٧/ ٣٢٥، ومسلم (١٨١٦).
(٢) أخرجه أحمد ٣٢٠/٢، والنسائي ١٧٣/٣، وإسناده صحيح.
(٣) وممن ذهب إلى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر: البخاري في ((صحيحه))
٣٢٢/٧، وابن كثير في سيرته ١٦١/٣، وابن حجر في ((الفتح)).
٢٢٦

المشركين، وسيف رسول الله ◌َّ مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ فَأَخَذَ السَّيْفَ، فاخْتَرَطَهُ، فذكر
القِصَّةَ، وقال: فنُودي بالصَّلاة، فصلَّى بطائفةٍ رَكعتينٍ، ثمَّ تأخّرُوا، وصلَّى
بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى ركعتينٍ، فكانتِ لِرسولِ اللهِ وَّ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ
رَكْعَتانِ (١).
وصلاة الخوف، إنما شُرِعَتْ بعدَ الخندقِ، بل هذا يَدُلُّ على أنها بعد
عُسْفَان والله أعلم.
قصة بيع جابر جمله
酱心
وقد ذكروا أن قصَّة بَيْعٍ جَابِرٍ جَمَّلَه مِن النبيِّ ◌َّ كانت في غزوة ذَاتِ
الرقاع (٢). وقيل: في مرجعه مِن تبوك، ولكن في إخباره للنبي ◌َّر في تلك
القضية، أنَّه تزوج امرأة ثیباً تقومُ على أخواتِهِ، وتكفلُھن إشعارٌ بأنه بادر إلى ذلك
بعد مقتل أبيه، ولم يُؤْخِّرْ إلى عام تبوك، والله أعلم.
وفي مرجعهم مِن غزوةِ ذات الرِّقاع، سَبَوُا امرأةً مِن المشركين، فتذَرَ
زوجُهَا ألاّ يَرْجِعَ حتَّى يُهْرِيقَ دماً في أصحابٍ محمَّدٍ بَّةَ، فجاء ليلاً، وقد أرصدَ
رسولُ اللهِ وَّهِ رَجُلَيْنِ رَبِيئَةً لِلمسلمين مِن العدو، وهما عبَّادُ بنُ بِشر، وعمَّارُ بنُ
ياسر، فضرب عباداً، وهو قائمٌ يُصلِّي بسهمٍ، فنزعه، ولم يُبطل صلاته، حتى
رَشَقَه بثلاثة أسهم، فلم ينْصَرِفْ مِنها حَتَّى سَلَّمَ، فَأَيْقَظَ صاحِبَه فقال: سبحان
حرص الصحابة على
إتمام الصلاة
(١) أخرجه مسلم (٨٤٣) في صلاة المسافرين: باب صلاة الخوف، وأخرجه أحمد
١١١/٣ و٣٦٤ و٣٦٥ والبخاري ٣٣١/٧ في المغازي: باب غزوة ذات الرقاع،
وفي الجهاد: باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، وباب تفرق الناس
عن الإمام عند القائلة وفيه بعد قوله: فاخترطه: فقال لرسول الله قال: أتخافني؟
قال: ((لا))، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: ((الله يمنعني منك))، قال: فتهدده أصحاب
رسول الله مَّر، فأغمد السيف، وعلقه.
(٢) أخرجه ابن هشام في ((السيرة) ٢٠٦/٢، ٢٠٧ عن ابن إسحاق حدثني وهب بن
كيسان، عن جابر .... وهذا سند صحيح، وهو في ((الصحيحين)) بنحوه لكن لم
يعين الغزوة.
٢٢٧

الله، هلاَّ أنبهتني؟ فقال: إنِّي كُنْتُ في سُورةٍ، فكرِهْتُ أن أقطَعَهَا(١).
الرد على موسى بن عقبة
وقال موسى بن عقبة في («مغازيه)): ولا يُدرى متى كانت هذه الغزوةُ قَبْلَ
بدرٍ، أو بعدَهَا، أو فيما بَيْنَ بدرٍ وأُحُد أو بعد أحد.
ولقد أبعَدَ جِدّاً إذ جوَّز أن تكون قبْلَ بدرٍ، وهذا ظاهِرُ الإِحالة،، ولا قَبْلَ
أُحُدٍ، ولا قَبْلَ الخندق كما تقدم بیانُه.
فصل
غزوة بدر الآخرة
وقد تقدّم أن أبا سُفيانَ قال عِند انصرافِهِ من أُحُد: مَوْعِدُكُم وإيانا العامُ
القابلُ ببدر، فلما كان شعبانُ، وقيل: ذو القَعدةِ مِن العامِ القابِلِ، خرجَ
رسولُ اللَّهِ مَلَه لِموعِدِهِ في ألفٍ وخمسمائة، وكانتِ الخيلُ عشرةَ أفراس، وحَمَلَ
لِواءَهُ عليّ بن أبي طالب، واستخلَفَ على المدينةِ عبدَ الله بن رواحة، فانتهى إلى
بدر، فأقام بها ثمانيةَ أيامٍ ينتظِرُ المشركين، وخرجَ أبو سفيان بالمشركين مِن مكَّةً،
وهم ألفانٍ، ومعهم خمسون فرساً، فلما انْتَهَوْا إلى مَرِّ الظَّهْرَانِ - على مَرْحَلَة مِنْ
مَكَّة - قال لهم أبو سفيان: إن العامَ عامُ جَذْبٍ، وقد رأيتُ أني أرجِعُ بكم،
فانصرَفُوا راجعين، وأخلفوا الموعِدَ، فسُمِّيت لهذه بدرَ الموعد، وتُسمى بدرَ
الثانية(٢).
فصل
في غزوة دُومَة الجندل
وهي بضم الدَّال، وأما دَومة بالفتح، فمكانٌ آخر. خرج إليها
(١) أخرجه ابن هشام ٢٠٨/٢، ٢٠٩، وأحمد ٣٤٤/٣ و٣٥٩، وأبو داود (١٩٨) في
الطهارة: باب الوضوء من الدم، والبيهقي في ((الدلائل)) من حديث جابر بن عبد الله،
وفي سنده عقيل بن جابر بن عبد الله، وثقه ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وصححه
ابن خزيمة (٣٦) وابن حبان.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٢٠٩/٢، ٢١٣، وابن كثير ١٦٩/٣، ١٧٢، وابن سعد ٥٩/٢،
٦٠، والطبري ٤١/٣، وابن سيد الناس ٥٣/٢، و((شرح المواهب)) ٩٣/٢، ٩٥.
٢٢٨

رسولُ اللَّهِ ◌َله في ربيع الأول سنة خمسٍ، وذلك أنه بلغه أن بها جمعاً كثيراً
يُريدُونَ أن يَدْنُوا مِن المدينةِ، وبينها وبينَ المدينة خَمْسَ عشرةَ ليلة، وهي مِن
دمشق على خمس ليال، فاستعمل عَلَى المَدِينةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفاري، وخرج
في ألفٍ من المسلمين، ومعه دليلٌ من بني عُذْرة، يقال له: مذكور، فلما دنّا
مِنهم، إذا هُم مُغرِّبُونَ، وإذا آثار النعم والشاءِ فهجَمَ على ماشيتهم ورُعاتهم،
فأصابَ من أصابَ، وهَرَبَ مَنْ هَرَبَ، وجاء الخبرُ أهل دُومَة الجَنْدَلِ، فتفرَّقُوا،
ونزل رسولُ اللهِّهِ بِسَاحَتِهِم، فلم يَجِدْ فيها أحداً، فأقامَ بها أياماً، وبثَّ السرايا،
وفرَّق الجيوش، فلم يصِبْ منهم أحداً، فرجَعَ رسولُ اللهِ بَّه إلى المدينة، ووادع
في تلك الغزوة عُيِينَة بْنَ حصن(١).
فصل
في غزوةِ المُرَيْسِيع (٢)
وكانت في شعبانَ سنَةً خَمس (٣)، وسيُبها: أنه لما بلغه ◌َّ أن الحارث بن
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٢١٣/٢، وابن كثير ١٧٧/٣، ١٧٨، وابن سعد ٦٢/٢، ٦٣،
و((شرح المواهب)) ٩٤/٢، ٩٥، والطبري ٤٣/٣، وابن سيد الناس ٥٤/٢ .
(٢) هو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفُرع (موضع من ناحية المدينة) مسيرة يوم، وتسمى
غزوة بني المصطلق، وهو لقب لجُذيمة بن سعد بن عمرو بطن من بني خزاعة.
(٣) رواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما، ورجحه الحاكم، وقال محمد بن إسحاق:
سنة ست، وبه جزم خليفة والطبري، ونقل البخاري ٣٣٢/٧ عن موسى بن عقبة
أنها سنة أربع، قال الحافظ: كذا ذكره البخاري وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة
خمس، فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها
الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في ((الدلائل)) وغيرهم سنة خمس، ولفظه
عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله محلية بني المصطلق وبني لحيان
في شعبان سنة خمس، ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر رضي الله
عنه أنه غزا مع النبي ◌َّيّ بني المصطلق في شعبان سنة أربع، ولم يؤذن له في
القتال، لأنه إنما أذن له فيه في الخندق كما تقدم وهي بعد شعبان، سواء قلنا: إنها
كانت سنة خمس أو أربع، وقال الحاكم في ((الإِكليل)): قول عروة وغيره أنها كانت =
٢٢٩

غزوة بني المصطلق
أبي ضِرار سيِّدَ بن المُصْطَلِقِ سار في قومه ومن قَدَرَ عليه مِن العرب، يُريدونَ
حربَ رسول الله بَّهِ، فبعث بُريْدَةَ بنَ الحُصيب الأسلمي يَعْلَمُ له ذلك فأتاهم،
ولقي الحارث بن أبي ضِرار، وكلَّمه، ورجَعَ إلى رسولِ الله ◌َّة، فأخبره خبرَهم،
فندب رسولُ اللّهِلَّه الناسَ فأسرعوا في الخروج، وخرج معهم جماعةٌ مِن
المنافقين، لم يخرُجوا في غَزاةٍ قبلَهَا، واستعمل على المدينةِ زيدَ بنَ حارِثَة،
وقيل: أبا ذر، وقيل: نُمَيْلَةَ بن عبد الله الليثي، وخرج يومَ الاثنين لليلتين خَلَتا مِن
شعبان، وبلغ الحارثَ بن أبي ضرار ومَنْ معه مسيرُ رسولِ اللهَِّةَ، وَقَتْلُهُ عِينَه
الذي كان وجَّهه لِيأْتِيَه بخبرِهِ وخبرِ المسلمين، فخافُوا خوفاً شديداً، وتفرَّق عنهم
مَنْ كان معهم مِن العرب، وانتهى رسولُ الله ◌َِّةٍ إلى المُرَيْسِيع، وهو مكانُ الماءِ،
فضرب عليه قُبَّتَه، ومعه عائشةُ وأم سلمة، فتهيؤوا لِلقتال، وصفَّ رسولُ الله ◌ِّ
أصحابَه، ورايةُ المهاجِرِينَ مع أبي بكر الصِّدِّيق، ورايةُ الأنصار مع سعد بن
عُبادة، فترامَوْ بالنَّبْلِ ساعةً، ثم أمَر رسولُ اللّهِ وََّ أصحابَه، فحملوا حملةَ رجلٍ
واحد، فكانت النُّصرةُ، وانهزم المشركون، وقُتِلَ مَنْ قُتِلَ منهم، وسَبَى
رسولُ الله ◌َّةِ النساءَ والذَّراري، والنَّعَمَ والشَّاءَ، ولم يُقْتَلْ مِنْ المسلمين إلا رجلٌ
واحد، هكذا قال عبدُ المؤمن بن خلف في ((سيرته)) وغيرُه، وهو وهم، فإنه لم
يكن بينهم قتال، وإنما أغارَ عليهم على الماء، فَسَبَى ذَرَارِيَهم، وأموالَهم، كما في
في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق، قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك
=
أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك ... فلو كان المريسيع
في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكر
سعد بن معاذ غلطاً، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على
الصحيح ... وإن كانت كما قيل سنة أربع، فهي أشد، فيظهر أن المريسيع كانت
سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال
من سنة خمس أيضاً، فيكون سعد بن معاذ موجوداً في المريسيع، ورمي بعد ذلك
بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة.
٢٣٠

((الصحيح)): أغارَ رسولُ الله ◌َيِّ على بَني المُصْطَلِقِ، وهُمْ غَارُونَ، وذكر
الحديث ... ))(١).
وكان مِن جُملة السبي جُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارث سَيِّدِ القومِ، وقعت في سَهْمِ
ثابتِ بنِ قيس، فكاتبها، فأدَّى عنها رسُولُ الله ◌ِحَثَةِ، وتزوَّجَها، فأعتقَ المسلمون
بسبب هذا التزويج مائة أهلٍ بيتٍ من بني المُصْطَلَقِ قد أسلمُوا، وقالُوا: أصهارُ
رَسُولِ اللهِ يَّةُ(٢).
زواجه 43 من جويرية
بنت الحارث
قال ابنُ سعد: وفي هذه الغزوةِ سقط عِقْدٌ لعائِشَة، فاحتبسُوا على طَلَبِهِ، فقد عائشة العقد وما تلاه
فنزلت آيةُ التيمم .
من أمور
وذكر الطبراني في ((معجمه)) من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن
عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: ((ولمَّا كانَ مِن أَمْرِ عِقْدي
ما كان، قال أهلُ الإِفِك ما قالُوا، فخرجتُ مع النبي ◌َّ فِي غَزاةٍ أُخرى، فسقطَ
أيضاً عِقدي حتَّى حَبَسَ التماسُه الناس، ولقيتُ مِن أبي بكر ما شاء اللَّهُ، وقال
لي: يا بُنَّةُ في كُلِّ سفرٍ تكونين عَناءً وبلاءً، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله
الرُّخصةَ في التَّهُّمِ (٣). وهذا يدل على أن قِصة العقد التي نزل التيممُ لأجلها بعد
(١) أخرجه البخاري ١٢٣/٥ في العتق: باب من ملك من العرب رقيقاً، فوهب وباع،
ومسلم (١٧٣٠) في الجهاد: باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة
الإسلام وأبو داود (٢٦٣٣)، وأحمد ٣١/٢ ٣٢ و٥١ من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٢٩٤/٢، ٢٩٥ عن ابن إسحاق، ومن طريقه أحمد
٢٧٧/٦ حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة عن عائشة ... وفيه أن عائشة
قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها. وإسناده صحيح، وانظر
خبر هذه الغزوة في ابن هشام ٢٨٩/٢، ٢٩٦، وابن كثير ٢٩٧/٣، ٣٠٣ وابن سعد
٦٣/٢، ٦٥، والطبري ٦٣/٣، وابن سيد الناس ٩١/٢، و((شرح المواهب))
٩٥/٢٠، ١٠٢، والبخاري ٢٣٢/٧، ٢٣٣.
(٣) في سنده محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كما قال الحافظ في ((الفتح))
٣٦٨/١، وأخرجه البخاري ٣٦٥/١، ٣٦٨ و٢٠٥/٨، ومسلم (٣٠٦) عن عائشة
قالت: خرجنا مع رسول الله مجلة في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات =
٢٣١

هذه الغزوة، وهو الظاهرُ، ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد
والتماسه، فالتبسَ على بعضِهم إحدى القِصتين بالأخرى، ونحن نشير إلى قصة
الافك .
ء
حادثة الإفك
وذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خَرَجَ بها رسولُ الله پآر معه في
هذه الغزوةِ بقُرعة أصابَتْهَا، وكانَت تِلكَ عادته مع نسائه، فلما رجعُوا مِن الغزوة،
نزلُوا في بعض المنازل، فخرجَتْ عائشةُ لِحاجتها، ثمَّ رجعت، ففقَدَتْ عِقْداً
لأختها كانت أعارتها إياه، فرجَعَتْ تلتمسُه في الموضع الذي فَقَدَتْهُ فيه، فجاء
النَّفَرُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ هَوْدَجَها، فظنُّوها فيه، فحملوا الهودجَ، ولا يُنكرون
خِفته، لأنها رضيَ الله عنها كانت فَتِيَّةَ السِّن، لم يغشها اللَّحْمُ الذي كان يُثْقِلُهَا،
وأيضاً، فإن النفرَ لما تساعدوا على حمل الهودج، لم يُنكِرُوا خِفَّته، ولو كان الذي
حمله واحداً أو اثنين، لم يَخْفَ عليهما الحالُ، فرجعت عائشةُ إلى منازلهم، وقد
أصابتِ العِقد، فإذا ليس بها داعٍ ولا مُجيب، فقعدت في المنزل، وظنَّت أنهم
سيفقدونها، فيرجِعُون في طلبها، واللَّهُ غالِبٌ على أمرِهِ، يُدبِّرُ الأمرَ فَوقَ عرشه
كما يشاءُ، فغلبتها عيناها، فنامَتْ، فلم تستيقظْ إلا بِقَوْلِ صَفْوانَ بنِ المُعَطِّل: إنَّا
لِلَّهِ وإِنَّا إليه رَاجِعُونَ، زوجةُ رسول اللَّهِ بِّهِ. وكان صفوان قد عرَّسَ في أُخريات
الجيش، لأنه كان كثيرَ النوم، كما جاء عنه في ((صحيح أبي حاتم)) وفي ((السنن)):
الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله وير على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا
على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ويس ير واضع رأسه على فخذي
قد نام، فقال: حبست رسول الله ◌َّ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء،
قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في
خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صل على فخذي، فقام
رسول الله مَ لٍ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير:
ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فإذا العقد
تحته. وقولها: ((في بعض أسفاره)) قال ابن عبد البر في: ((التمهيد)) يقال: إنه كان
في غزاة بني المصطلق، وجزم بذلك في ((الاستذكار)) وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن
حبان، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٧٢، ٢٧٣ بنحوه، وسنده صحيح.
٢٣٢

فلما رآها عَرفها، وكانَ يَرأها قبلَ نزولِ الحِجَابِ، فاسترجع، وأناخَ راحِلَته،
فقرَّبها إليهَا، فركِبَتْهَا، وما كلَّمَها كلمةً واحدة، ولم تَسْمَعْ منه إلا استرجاعَه، ثم
سار بها يَقُودُهَا حتَّى قَدِمَ بها، وقد نزل الجيشُ في نحرِ الظهيرة، فلما رأى ذلك
الناسُ، تكلّم كُلٌّ منهم بِشاكِلته، وما يَلِيقُ به، ووجد الخبيثُ عدوُّ اللَّهِ ابنُ أُبي
متنفَّساً، فتنفَّس مِن كَرْبِ النفاق والحسدِ الذي بين ضُلوعه، فجعل يَستحكي
الإِفِكَ، ويَستوشِيه، ويُشِيعه، ويُذِيعه، ويَجمعُه، ويُفرِّقه، وكان أصحابُهُ يتقرَّبُونَ
به إليه، فلما قَدِمُوا المدينةَ، أفاضَ أهلُ الإِفِكِ في الحديثِ، ورسولُ اللَّهِ ◌ِّيَّ
ساكِتٌ لا يتكلّم، ثم استشار أصحابَه في فراقها، فأشار عليه عليٍّ رضي الله عنه أن
يُقارِقَهَا، ويأخُذَ غيرها تلويحاً لا تصريحاً، وأشار عليه أسامةُ وغيرُه بإمساكِها،
وألا يلتفِتَ إلى كلام الأعداء، فعلي لما رأى أن ما قِيل مشكوكٌ فيه، أشار بترك
الشَّكِّ والرِّيبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ الله ◌ََّ من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه مِن
كلام الناس، فأشار بحسم الداء، وأسامة لما عَلِمَ حُبَّ رسولِ اللهِ وَلّ لها
ولأبيها، وعلم مِن ◌ِفتها وبراءتها، وحَصانتها ودِيانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظمُ
منه، وعرفَ مِن كرامةِ رَسُول اللَّهِ بََّ على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعِه عنه، أنه لا
يجعلُ ربةَ بيته وحبيبته من النساء، وبنتَ صِدِّيقه بالمنزلة التي أنزلها بِهِ أربابُ
الإِفِك، وأن رسولَ الله ◌َّ أكرمُ على ربه، وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأة
بغيَاً، وعلم أنَّ الصِّدِّيقةَ حبيبةَ رسول اللهِّ أكرمُ على ربها مِن أَن يَبْتَلِيهَا
بالفَاحِشَةِ، وهي تحتَ رسوله، ومَنْ قَوِيَتْ معرفته الله ومعرفته لرسوله وقدره
عندَ اللّهِ في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره مِن سادات الصحابة، لما سمعوا
ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾(١) [النور: ١٦].
(١) خبر الإفك بطوله أخرجه البخاري ١٩٨/٥، ٢٠١، و٣٣٣/٧، ٣٣٥ في المغازي
باب حديث الإفك، و٣٤٣/٨، ٣٦٧ في تفسير سورة النور: باب لولا إذ سمعتموه
ظن المؤمنون والمؤمنات ... وقد توسع الحافظ في شرحه هنا، وأخرجه مسلم
(٢٧٧٠) في التوبة: باب حديث الإفك، والترمذي (٣١٧٩)، وانظر ابن هشام
٢٩٧/٢، ٣٠٧، وابن كثير ٣٠٤/٣، ٣١١، وأحمد ١٩٤/٦، ١٩٦.
٢٣٣
استشارته # أصحابه
في فراقها

وتأمل ما في تسبيحهم للَّهِ، وتنزيههم له في هذا المقامِ مِن المعرفةِ به،
وتنزيهه عما لا يليقُ به، أن يجعلِ لِرسوله وخليلِه وأكرمِ الخلق عليه امرأةٌ خبيثةً
بغيّاً، فمن ظنَّ به سُبحانه لهذا الظَّنَّ، فقد ظَنَّ به ظنَّ السوءِ، وعرف أهلُ المعرفة
باللّهِ ورسوله أن المرأة الخبيثةَ لا تليقُ إلا بمثلها، كما قال تعالى: ﴿الخَبِيثات
لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، فقطعوا قطعاً لا يشُكُّونَ فيهِ أن هذا بُهتان عظيم، وفِريةٌ
ظاهرة.
الحكم من توقفه {* في
أمرها
فإن قيل: فما بالُ رسولِ اللهِ وَّ توقَّفَ في أمرها، وسألَ عنها، وبحَثَ،
واستشارَ، وهو أعرفُ بالله، وبمنزلتِهِ عِندهُ، وبما يليقُ به، وهَلاَّ قال: سُبْحَانَكَ
لهذا بُهْتَان عظيم، كما قاله فضلاءُ الصحابة؟
الامتحان له #
حبس الوحي لتمحيص
القضية وازدياد
حاجته خلاله
فالجوابُ أن هذا مِن تمامِ الحِكَمِ البَاهِرَةِ التي جعل اللَّهُ هذِهِ القِصةَ سبباً
لها، وامتحاناً وابتلاءً لرسولِه ◌َّ، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه
القصة أقواماً، ويضعَ بها آخرينَ، ويزيدَ الله الذين اهتدَوْا هُدىّ وإيماناً، ولا يزيدُ
الظالمين إلا خَساراً، واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله ◌َّة
الوحيُّ شهراً في شأنها، لا يُوحى إليه في ذلك شيء لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها
وقضَاها، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِقُونَ إيماناً وثباتاً على
العدل والصدق، وحُسْنِ الظنِّ باللَّهِ ورسولِه، وأهلِ بيتِهِ، والصِّدِّيقينَ مِن عباده،
ويزدادَ المنافقون إفكاً ونفاقاً، ويُظْهِرَ لِرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبوديةُ
المرادة مِن الصِّدِّيقةِ وأبويها، وتتمَ نعمةُ اللَّه عليهم، ولِتشتد الفاقةُ والرغبةُ مِنها
ومِن أبويها، والافتقارُ إلى اللّهِ والذلُّ له، وحُسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع
رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ مِن حصول النُّصرةِ والفرج على يد أحد من
الخلق، ولهذا وفّت هذا المَقام حقَّه، لما قال لها أبواها: قُومي إليه، وقد أنزلَ
اللَّهُ عليه براءتَها، فقالت: واللَّهِ لا أَقُومُ إِلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ، هُو الَّذِي أَنْزَلَ
بَرَاءَتِي .
وأيضاً فكان مِن حكمةِ حَبْسٍ الوحي شهراً، أن القضية مُحِّصَتْ
ے
٢٣٤

وتمخَّضتْ، واستشرفَت قلوبُ المؤمنين أعظَم استشرافٍ إلى ما يُوحيه اللَّهُ إلى
رسوله فيها، وتطلَّعت إلى ذلك غايةَ التطلُّع، فوافى الوحيُّ أحوجَ ما كان إليه
رسولُ الله ◌ِِّ، وأهلُ بيته، والصِّدِّيقُ وأهلُه، وأصحابُه والمؤمنون، فورد عليهم
ورودَ الغيثِ على الأرضِ أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقع وأَلَطَفَه،
وسُرُوا به أتمَّ الشُّرورِ، وحصل لهم به غايةُ الهناء، فلو أطلع اللَّهُ رسولَه على
حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلة، وأنزل الوحيَ على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكمُ
وأضعافُها بل أضعافُ أضعافها.
إظهار الله منزلته ﴾
وأهل بيته عنده
وأيضاً فإن الله سُبحانه أحبَّ أن يُظْهِرَ منزلَةَ رسوله وأهل بيته عنده،
وكرامتهم عليه، وأن يُخرِجَ رسولَه عن هذه القضية، ويتولَّى هو بنفسه الدفاعَ
والمنافحة عنه، والردّ على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا یکون له فيه عمل، ولا
يُنسب إليه، بل يكونُ هو وحدَه المتوليَ لذلك، الثائرَ لرسوله وأهل بيته.
ثبوت براءة عائشة
الصديقة
وأيضاً فإن رسولَ اللّهِ بِّ كان هو المقصودَ بالأذى، والتي رُمِيَتْ زوجتُه،
فلم يكن يليقُ به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظنَّ المقاربَ للعلم ببراءتها،
ولم يظنَّ بها سُوءاً قطُّ، وحاشاه، وحاشاها، ولذلك لما استعذر مِن أهل الإِفِك،
قال: ((مَنْ يَعْذِرُني(١) فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ في أَهْلِي، واللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلى أَهْلي إِلاَّ
خَيْراً، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّ خَيْراً، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ
مَعي))، فكان عنده مِنَ القرائن التي تشهدُ ببراءة الصِّدِّيقة أكثر مما عند المؤمنين،
ولكن لِكمال صبره وثباته، ورِفقه، وحُسنٍ ظنه بربه، وثقته به، وفّى مقامَ الصبر
والثبات، وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحيُّ بما أقرَّ عينَه، وسرَّ قلبَه،
وعظّمَ قدره، وظهر لأمته احتفالُ ربه به، واعتناؤه بشأنه.
ولما جاء الوحيُّ ببراءتها، أمرَ رسولُ الله ◌ِّ بمن صرَّح بالإِفِك، فَحُدُّوا
ثمانين ثمانين، ولم يُحد الخبيثُ عبد الله بن أبي، مع أنه رأسُ أهل الإفك، فقيل:
حدّ القذف والسبب في
عدم حد ابن أبي
(١) أي: من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه فلا يلومني.
٢٣٥

لأن الحدودَ تخفيفٌ عن أهلها وكفارة، والخبيثُ ليس أهلاً لذلك، وقد وَعَدَهُ الله
بالعذابِ العظيمِ في الآخرةِ، فيكفيهِ ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوشي
الحديثَ ويجمعُه ويحكيه، ويُخرجه في قوالب من لا يُنسب إليه، وقيل: الحدُّ لا
يثبتُ إلا بالإِقِرار، أو بيِّنة، وهو لم يُقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما
كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدُوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
وقيل: حدُّ القذف حقُّ الآدمي، لا يُستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حقٍّ
الله، فلا بُدَّمِن مطالبة المقذوف، وعائشة لم تُطالب به ابنَ أبي.
وقيل: بل ترك خدَّه لمصلحة هي أعظمُ من إقامته، كما ترك قتله مع ظهورِ
نفاقه، وتكلمِه بما يُوجب قتله مراراً، وهي تأليفُ قومه، وعدمُ تنفيرهم عن
الإِسلام، فإنه كان مطاعاً فيهم، رئيساً عليهم، فلم تُؤمن إثارةُ الفتنة في حدِّه،
ولعله تُرِكَ لهذِهِ الوجوهِ كُلِّهَا .
فجلد مِسْطَحَ بنَ أثاثة، وحسانَ بن ثابت، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، وهؤلاء مِن
المؤمنين الصَّادقين تطهيراً لهم وتكفيراً، وترك عبد الله ابن أبي إذاً، فليس هو من
أهل ذاك.
من حُدّ في حادثة الإفك
فصل
قوة إيمان عائشة
ومن تأمُّل قولَ الصِّدِّيقةِ وقد نزلت براءتُهَا، فقال لها أبواها: قُومي إلى
رسولِ الله ◌ِ بَ﴿، فقالت: ((والله لا أقومُ إِلَيْهِ، ولا أَحْمَدُ إلاّ الله))، علم معرفتها،
وقوةً إيمانها، وتوليتها النعمة لربِّها، وإفرادَه بالحمد في ذلك المَقام، وتجريدها
التوحيد، وقوةَ جأشها، وإِدلالَها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يُوجب قيامَها
في مقام الراغب في الصُّلح، الطالب له، وثقتها بمحبة رسولِ اللهِ وَّ لها قالت ما
قالت، إدلالاً للحبيب على خبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسنُ
مقامات الإِدلال، فوضعتُه موضِعَه، ولِلَّهِ ما كان أحبَّها إليه حين قالت: لا أحمد
إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتي، ولله ذلك الثباتُ والرزانةُ منها، وهو أحبُ
شيء إليها، ولا صبرَ لها عنه، وقد تنكَّر قلبُ حبيبها لها شهراً، ثم صادفَتِ الرِّضى
٢٣٦

منه والإِقبال، فلم تُبادِرْ إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له،
وهذا غايةُ الثبات والقوة.
فصل
وفي هذه القضية أنَّ النبيَّ ◌َّ لما قال: «مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ في
أَهْلِي؟)) قام سعدُ بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا أعذِرُكَ مِنْهُ يا
رسولَ اللَّهِ، وقد أشكلَ هذا على كثيرٍ من أهلِ العلم، فَإِنَّ سعد بن معاذ لا يختلِفُ
أحدٌ من أهل العلم، أنه تُوفي عقيبَ حُكمه في بني قريظة عقيبَ الخندق، وذلك
سنةَ خمس على الصحيح، وحديث الإِفِك لا شك أنه في غزوة بني المُصْطَلِقِ
هذه، وهي غزوةُ المُريسيع، والجمهُورُ عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ست،
فاختلفت طرقُ الناس في الجوابِ عن هذا الإشكال، فقال موسى بن عقبة: غزوة
المُريسيع كانت سنةَ أربعٍ قبلَ الخندق، حكاه عنه البخاري. وقال الواقدي: كانت
سنة خمس. قال: وكانت قريظة والخندق بعدها. وقال القاضي إسماعيل بن
إسحاق: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق، وعلى هذا،
فلا إشكال، ولكن الناس على خلافه. وفي حديث الإفك، ما يدل على خلاف
ذلك أيضاً، لأن عائشة قالت: إن القضية، كانت بعدما أُنزل الحجاب (١)، وآيةٌ
الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزينبُ إذ ذاك كانت تحتَه، فإنه وَّ
سألها عن عائشة، فقالت: ((أَحمي سَمْعِي وَبَصَرِي)» قالت عائِشَةُ: وهي التي كانت
تُساميني مِن أزواج النبي ◌ِّ.
الاختلاف فيمن جاب
طلبه # بعذره في رجل
بلغه أذاه في أهل بيته
وكذا في متى كانت غزوة
بني المصطلق
نزول الحجاب
وقد ذكر أربابُ التواريخ أن تزويجه بزينب كان في ذي القَعدة سنة خمس،
وعلى هذا فلا يصح قولُ موسى بن عقبة. وقال محمد بن إسحاق: إن غزوة بني
المُصْطِلِق كانت في سنة ست بعد الخندق، وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٣٣/٧: والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند
جماعة، وأما قول الواقدي: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس، فمردود،
وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث.
٢٣٧
٠٠

عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، فذكر الحديث.
فقال: فقام أسيدُ بن الحضير، فقال: أنا أعذِرُكَ منه، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة،
ولم يذكر سعد بن معاذ. قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيحُ الذي لا شك
فيه، وذكر سعد بن معاذ وهم، لأنَّ سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا
شك، وكانت في آخِرِ ذي القَعدةِ مِن السنة الرابعة، وغزوة بني المصطلق في
شعبان من السنة السادسة بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقاولة
بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المُصطَّلِقِ بأزيدَ من خمسين
ليلة(١).
قلت: الصحيح: أن الخندق كان في سنة خمس كما سيأتي.
مسروق سمع من أم
رومان وماتت بعد
النبي ◌َل9
فصل
ومما وقع في حديث الإفك، أن في بعض طُرق البخاري، عن أبي وائل عن
مسروق، قال: سألتُ أمَّ رُومان عن حديثِ الإِفِك، فحدَّثتني(٢). قال غيرُ واحد:
وهذا غلط ظاهر، فإن أمَّ رُومان ماتت على عهدِ رسولِ الله ◌َّةِ، ونزل
رسولُ الله ◌َِّ فِي قبرها، وقال: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلىَ امْرَأَةٍ مِنَ الحُورِ العينِ،
فَلْيَنْظُرْ إلى هذه)(٣) قالوا: ولو كان مسروقٌ قَدِمَ المدينةَ في حياتها وسألها، للقي
رسولِ الله ◌ٍَّ وسمع منه، ومسروق إنما قَدِمَ المدينة بعد موتِ رسولِ الله آل} .
قالوا: وقد روى مسروق، عن أمِّ رومان حديثاً غير هذا، فأرسلَ الروايةَ عنها،
فظنَّ بعضُ الرواة، أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع، قالوا: ولعل
مسروقاً قال: سئلت أم رومانَ فتصحَّفت على بعضهم: سألت، لأن من الناس من
(١) ((جوامع السيرة)) ص ٢٠٦، وانظر ((فتح الباري)) ٣٦٠/٨.
أخرجها البخاري ٢٩٩/٦ في الأنبياء: باب قوله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته
(٢)
آيات للسائلين﴾
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٧٧/٨ والبخاري في ((تاريخه)) وابن مندة وأبو نعيم من طريق
حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن محمد ....
٢٣٨

يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يَرُدُّ الرواية
الصحيحة التي أدخلها البخاري في ((صحيحه)) وقد قال إبراهيم الحربي وغيره: إن
مسروقاً سألها، وله خمسَ عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأُّ رومان
أقدمُ مَنْ حدَّثَ عنه، قالوا: وأما حديثُ موتها في حياة رسول الله رَّة، ونزوله في
قبرها، فحديثٌ لا يَصِحُّ، وفيه علتان تمنعان صِحته، إحداهما: رواية علي بن
زيد بن جدعان له، وهو ضعيفُ الحديث لا يحتجُّ بحديثه، والثانية: أنه رواه عن
القاسم بن محمد، عن النبي ◌َّه، والقاسم لم يُدرك زمنَ رسول الله نَّه، فكيف
يقدم هذا على حديثٍ إسناده كالشمس يرويه البخاري في ((صحيحه)) ويقول فيه
مسروق: سألتُ أمَّ رومان، فحدثتني، وهذا يرد أن يكون اللفظ: سئلت. وقد
قال أبو نعيم في كتاب ((معرفة الصحابة)): قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد
رسول الله ێ﴾، وهو وهم.
فصـل
ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه: أن علياً قال للنبي قليلا لما هل الجارية الشاهدة على
استشاره: سلِ الجَارِيَةَ تصدُقَكَ، فدعا بَرِيرَة، فسألها، فَقَالَتْ: ما عَلِمْتُ عليها إلا
عائشة هي بريرة؟
ما يَعْلَمُ الصائِعُ على التِّْرِ، أو كما قالت، وقد استُشْكِلَ هذا، فإن بريرةَ إنما كاتبت
وعَتَقَتْ بعد هذا بمدَّةٍ طويلة، وكان العباسُ عُّ رسول الله ◌َّةَ إذ ذاك في المدينة،
والعباسُ إنما قَدِمَ المدينةَ بعد الفتح، ولهذا قال له النبيُّ ◌َّهَ، وقد شَفِعَ إلى بَريرة:
أن تُراجعَ زوجَها، فأبت أن تُراجِعه: ((يا عبَّاسُ! ألا تَعْجَبُ مِنْ بغض بَرِيرَةَ مُغِيئاً
وحُبِّهِ لَهَا))(١) .
ففي قصة الإفك، لم تكن بريرةُ عند عائشة، وهذا الذي ذكروه، إن كان
لازِماً فيكون الوهمُ مِن تسميته الجارية بريرة، ولم يَقُل له علي: سَلْ بريرَة، وإنما
(١) أخرجه البخاري ٣٥٩/٩ في الطلاق: باب شفاعة النبي ◌َّ في زوج بريرة، وأبو
داود (٢٢٣)، والدارمي ١٧٠/٢، والنسائي ٢٤٥/٨ و٢٤٦، وابن ماجه (٢٠٧٥)
من حديث ابن عباس.
٢٣٩

قال: فسل الجارية تصدُقك، فظن بعضُ الرواة أنها بريرة، فسماها بذلك، وإن لم
يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح، ولم ييأس منها، زال
الإشكال(١)، والله أعلم.
فصل
قول ابن أبي: (لئن رجعنا
إلى المدينة ليخرجن
الأعز منها الأذل)
وفي مرجعهم مِن هذه الغزوة، قال رأسُ المنافقين ابنُ أبي: لئن رجعنا إلى
المدينةِ، ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ، فبلَّغها زِيدُ بن أرقم رسولَ الله ◌ََّ، وجاء ابنُ
أبي يعتذِرُ ويحلِفُ ما قال، فَسَكَتَ عنْهُ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فأنزل الله تصديقَ زَيْدٍ في
سُورة المنافقين، فأخذ النبيُّ ◌َّهُ بِأُذنه، فقال: أَبْشِرْ فَقَدْ صَدَقَكَ اللَّهُ، ثمَّ قَالَ:
هذا الَّذِي وفى لِلّهِ بأذنه، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله! مُرْ عَبَّادَ بْنَ بشر، فَلْيَضْرِبْ
عُنُقَه، فقال: ((فَكَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَه))(٢) .
فصل
في غزوة الخندق
وكانت في سنةِ خمسٍ من الهجرةِ في شوال على أصحِّ القولين، إذ لا
خِلافَ أن أُحُداً كانت في شوال سنةَ ثلاثٍ، وواعدَ المشرِكُون رسولَ الله ◌َّ فِي
العام المُقبلِ، وهو سنةُ أربع، ثم أخلفُوه لأجل جَدْبٍ تلك السنةِ، فرجعُوا، فلما
كانت سنة خمس، جاؤوا لِحربه، هذا قولُ أهلِ السِّيَّرِ والمغازي.
(١) وقد أجاب غيره بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة، وهي في رق مواليها قبل وقوع
قصتها في المكاتبة .
(٢) أخرجه البخاري ٤٩٤/٨ في فاتحة سورة المنافقين، وباب قوله: سواء عليهم
أستغفرت لهم .. وباب اتخذوا أيمانهم جنة، وباب (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع
على قلوبهم) وباب (إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم)، ومسلم (٢٧٧٢) في أول صفات
المنافقين، والترمذي (٣٣٠٩) و (٣٣١٠) وأحمد ٣٦٩/٤ و٣٧٣ من حديث زيد بن
أرقم، وأخرجه من حديث جابر: البخاري ٣٩٨/٦ و٤٩٩/٨، ومسلم (٢٥٨٤)،
والترمذي (٣٣١٢)، وأحمد ٣٩٣/٣ وانظر ((تفسير ابن كثير)) ٣٦٩/٤، ٣٧١.
٢٤٠