Indexed OCR Text

Pages 181-200

فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته، وبِشرْكِهِ تعظيماً للتوحيد، وإعلاماً
بعزة مَنْ عبده المسلمون، وقوةٍ جانبه، وأنه لا يُغلب، ونحن حزبُه وجُنده،
ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابنُ أبي قُحافة؟ أفيكم
عمر؟ بل قد رُوي أنه نهاهم عن إجابته، وقال: لا تُجيبوه، لأن كَلْمَهُمْ لم
يكن بَرَدَ بَعْدُ في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعد متوقّدة، فلما قال لأصحابه:
أما هؤلاء فقد كُفيتموهم، حميَ عمر بنُ الخطاب، واشتد غضبُه وقال: كذبْت
يا عدوّ الله، فكان في هذا الإِعلام من الإذلال، والشجاعة، وعدم الجُبن،
والتعرفِ إلى العدو في تلك الحال ما يُؤذِنُهم بقوة القوم وبَسالتهم، وأنهم لم
يَهِنُوا ولم يَضْعُفُوا، وأنه وقومَه جديرون بعدم الخوفِ منهم، وقد أبقى اللَّهُ
لهم ما يسوؤهُم منهم، وكان في الإِعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنّه
وظنٌّ قومه أنهم قد أُصيبوا من المصلحة، وغيظ العدو وحِزِبِهِ، والفتِّ في
عَضُدِهِ ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحداً واحداً، فكان سؤالُه عنهم،
ونعيُهم لِقومه آخِر سهام العدو وكيده، فصبر له النبيُّ نَلّ حتى استوفی کیده،
ثم انتدب له عُمَرُ، فرد ◌ِهَام كيدِهِ عليه، وكان تركُ الجوابِ أولاً عليه
أحسن، وذكره ثانياً أحسن، وأيضاً فإن في تركِ إجابته حين سأل عنهم إهانةً
له، وتصغيراً لشأنه، فلما منَّته نفسُه موتَهم، وظنَّ أنهم قد قُتِلوا، وحصل له
بذلك من الكِبر والأشر ما حصل، كان في جوابه إهانةٌ له، وتحقيرٌ، وإذلالٌ،
ولم يكن هذا مخالفاً، لقول النبي ◌َّ: ((لا تُجِيبُوهُ)) فإنه إنما نهى عن إجابته
حين سأل: أفيكم محمّدٌ؟ أفيكم فلانٌ؟ أفيكم فلانٌ؟ ولم ينه عن إجابته حين
قال: أما هؤلاء، فقَد قُتِلُوا، وبكل حال، فلا أحسنَ من ترك إجابته أولاً،
ولا أحسنَ من إجابته ثانياً.
ثمَّ قال أبو سفيان: يَوْمٌ بِيومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، فأجابه عُمَرُ،
فقال: لاَ سَوَاء، قَتْلاَنَا في الجَنَّةِ، وَقَتْلاَكُمْ فِي النَّارِ (١).
(١) هو من تمام حديث ابن عباس وقد تقدم آنفاً.
١٨١

نصر الله رسوله يوم أحد
وقال ابن عباس: ما نُصِرَ رَسُولُ اللهَِّ فِي مَوْطِنٍ نَصْرَه يَوْمَ أُحُد،
فَأُنْكِرَ ذلِكَ عليه، فَقَالَ: بيني وبَيْنَ من يُنكِرُ كِتابُ الله، إنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذ تحُسُّونَهُم بِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، قال ابنُ عباس:
والحَسُّ: القتلُ، ولقد كان لِرسولِ اللهِ وَهُ ولأصحابه أوَّلُ النهار حَتَّى قُتِلَ مِن
أصحابِ المشركينَ سبعةٌ أو تسعةٌ(١). وذكر الحديث.
النعاس في أحد
وأنزل اللَّهُ عليهم النُّعَاسَ أمنةً مِنْهُ في غَزاةٍ بدرٍ وأُحدٍ، والنعاسُ في
الحرب وعند الخوفِ دليل على الأمنِ، وهو من الله، وفي الصَّلاة ومجالِس
الذكر والعِلم مِن الشيطان.
دفاع ملکین عنه ۴﴾﴾
وقاتلت الملائكةُ يومَ أحدٍ عن رسول اللّهِ وَّة، ففي ((الصحيحين)): عن
سعد بن أبي وقاص، قال: ((رأيتُ رَسُولِ اللهِ بَّ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلاَنِ
يُقَاتِلاَنِ عَنْهُ، عليهِمَا ثِيَابٌ بِيْضٌ كَأَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ))(٢) .
دفاع سبعة من الأنصار
عنه
وفي ((صحيح مسلم)): أنه ◌َيَّةَ، أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الأنصارِ،
وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فلما رَهِقُوهِ، قَالَ: ((مَنْ يَرُذُهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الجَنَّةَ، أو هُوَ
رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ» فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثم رَهِقُوهُ،
فقال: ((مَنْ يَرُدُّهُم عنَّا، ولهُ الجَنَّةُ، أَو هُوَ رَفِقي في الجَنَّ)) فَتَقَدّمَ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ
رسولُ اللهَِّةِ: ((مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا))(٣) وهذا يُروى على وجهين: بسكون
(١) أخرجه أحمد ٢٨٧/١، ٢٨٨ و٤٦٣ وسنده حسن، وصححه الحاكم ٢٩٦/٢،
٢٩٧.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٦/٧ في المغازي: باب قوله تعالى: (وإذ همت طائفتان)، وفي
اللباس: باب الثياب البيض، ومسلم (٢٣٠٦) في الفضائل: باب قتال جبريل
وميكائيل عن النبي صلّ يوم أحد وأحمد ١٧١/١ و١٧٧ .
(٣) أخرجه مسلم (١٧٨٩) في الجهاد: باب غزوة أُحد.
١٨٢

الفاء ونصبِ (أَصحابنا)» على المفعولية، وفتح الفاء رفع ((أصحابنا)) على
الفاعلية .
ووجه النصب: أن الأنصار لما خرجُوا للقتال واحداً بعد واحد حتى
قُتِلُوا، ولم يخرج القرشيان، قال ذلك، أي: ما أنصفت قريشٌ الأنصار.
ووجه الرفع: أن يكون المراد بالأصحاب، الذين فرُّوا عن
رسولِ اللهِ﴾ حتى أُفْرِدَ في النفر القليل، فَقُتِلُوا واحداً بعد واحد، فلم
يُنْصِفُوا رسول الله ◌ََّ ومَنْ ثبت معه.
دفاع طلحة عنه (#)
ونزع أبي عبيدة حلقة
المغفر من جبين (@)
وفي ((صحيح ابن حبان)) عن عائشة، قالت: قال أبو بكر الصِّديقُ: لمَّا
كان يومُ أُحُدٍ، انصرفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنِ النّبِيِّنَّه، فكنتُ أَوَّلَ مَنْ فَاءَ إِلى
النبِّ ◌َّ، فرأيتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلاً يُقَاتِلُ عنه ويَحْمِيهِ، قلتُ: كُنْ طَلْحَةَ فِدَاكَ
أبِي وأُمِّي، كُنْ طَلْحَةَ فِدَاكَ أبِي وَأُمِّي. فلم أَنْشَبْ، أَنْ أَدْرَكَنِي أبو عُبَيْدَة بنُ
الجرَّاحِ، وإِذَا هُوَ يشتدُّ كأنه طيرٌ حتى لحقني، فدفعنا إلى النبيِّبََّ، فإذا
طلحةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَرِيعاً، فقال النبي ◌ََّ: ((دُونَكُمْ أَخَاكُم فقد أَوْجَبَ))، وقد
رُمِيَ النبيُّ ◌ََّ في جبينه، وروي: في وَجْنَتِهِ حتَّى غَابَتْ حَلَقَةٌ مِنَ حَلَقِ المِغْفَرِ
فِي وَجْنَتِهِ، فَذَهَبْتُ لِأَنْزِعَهَا عَن النبيِّ ◌َـَ، فقال أَبُو عبيدة: نَشَدْتُك بالله يا أبا
بكر إِلاَّ تَرَكْتَني؟ قال: فَأَخَذَ أبو عبيدة السَّهْمَ بِفِيه، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَرَاهةً أَنْ
يُؤْذِيَ رَسُولَ الله ◌َِّ، ثُمَّ استلَّ السَّهْمَ بِفِيه، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّهُ أبي عبيدة، قال أبو
بكر: ثم ذَهَبْتُ لآخُذَ الآخَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نَشَدْتُكَ بِاللّهِ يا أبا بَكْرٍ، إِلا
تَرَكْتَنِي؟ قال: فَأَخَذَهُ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ حَتَّى اسْتَلَّهُ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَة
الأُخْرَى، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ))، قال: فأقبلنا
عَلى طلحة نُعالِجُه، وقد أصابته بِضعة عَشَرَ ضربة (١) .
(١) أخرجه ابن حبان (٢٢١٣) وأبو داود الطيالسي ٩٩/٢ وفي سنده إسحاق بن
يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وهو متفق على ضعفه، وصححه الحاكم
٢٦/٣، ٢٧ وتعقبه الذهبي بقوله: إسحاق متروك، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) =
١٨٣

سهم سعد
وفي ((مغازي الأموي)): أن المشرِكِينَ صَعِدُوا على الجبل، فقال
رَسُولُ اللّهِ وَِّ لِسَعْدٍ: ((اجنُبُهُمْ)) يقول: اردُدْهم. فقال: كيف أَجْنُهُمْ وَحْدِي؟
فقال: ذلك ثلاثاً، فأخذ سعدٌ سهماً مِن كِنانته، فرمى به رجلاً فقتله، قال:
ثم أخذتُ سهمي أَعْرِفُهُ، فرميتُ بِهِ آخر فقتلتُه، ثم أخذتُه أَعْرِفُه، فرميتُ به
آخر فقتلتُه، فهبطُوا مِن مَكَانِهِم، فقلتُ: هذا سهمٌ مبارك، فجعلته في
کنانتي، فکان عند سعد حتى مات، ثمّ کان عند بنیه.
غسل علي وفاطمة جرح
النبي
وفي (الصحيحين)) عن أبي حازم، أنه سئلَ عن جُرح رسولِ اللهَِّه،
فقال: ((واللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِنَّهِ، ومَنْ كَانَ
يَسْكُبُ المَاءَ، وبِمَا دُووي، كَانَتْ فَاطِمَةُ ابنتُهُ تَغْسِنُه، وعليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
يَسْكُبُ المَاءَ بِالِمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ المَاءَ لاَ يَزِيدُ الدَّمَ إلا كَثْرَةً،
أَخَذَتْ قطعة مِنْ حَصيرٍ، فَأَحْرَقَتْها، فَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (١).
نزول قوله تعالى:
﴿ ليس لك من الأمر
شيء ... ﴾
وفي ((الصحيح)): أنه كُسِرَتِ رَبَاعِيتُه، وشُجَّ في رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ
الدَّم عنه، ويقُول: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُوا وَجْهَ نبيِّهِمْ، وكَسَرُوا رَبَاعِيَّه، وهُوَ
يَدْعُوهم)) فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ
يُعَذِّبَهُم، فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨](٢) .
عدم انهزام أنس بن
النضر عندما انهزم الناس
ولمَّا انهزم الناسُ، لم ينهزِمْ أنسُ بنُ النضر. وقال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ
إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هُؤلاءٍ، يعني المُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هُؤلاءِ، يَعني
المُشْرِكِينَ، ثم تقدَّم، فَلَقِيَه سعدُ بن معاذ، فقال: أينَ يا أبا عُمَرُ؟ فَقَالَ أَنَسٌ:
١١٢/٦ ونسبه للبزار وقال: وفيه إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو متروك.
=
(١) أخرجه البخاري ٢٨٦/٧، ٢٨٧ في المغازي: باب ما أصاب النبي ◌ّ من الجراح
يوم أحد، ومسلم (١٧٩٠) في الجهاد: باب غزوة أُحد.
(٢) أخرجه البخاري ٢٨١/٧ في المغازي: باب ليس لك من الأمر شيء، ومسلم
(١٧٩١)، والترمذي (٣٠٠٥) و (٣٠٠٦)، وابن ماجه (٤٠٢٧)، وأحمد ٩٩/٣
و١٧٨ و٢٠١ و٢٠٦ و٢٥٣ و٢٨٨ من حديث أنس رضي الله عنه.
=
١٨٤

واهاً لِرِيحِ الجَنَّةِ يَا سَعْدُ، إِنِّي أجِدُهُ دُونَ أُحُد، ثُمَّ مَضَى، فَقَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى
قُتِلَ، فَمَاَ عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَانِهِ، وَبِهِ بِضْعٌ وثَمَانُونَ، مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ
بِرُمْحٍ، وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمِ(١).
وانهزم المشركون أوَّل النهارِ كما تقدَّم، فصرخ فيهم إبليسُ! أيْ
عِبَاد الله، أخزاكم اللَّهُ، فارجِعُوا مِن الهزِيمة، فاجتلدوا.
ونظر حُذيفة إلى أبِهِ، والمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ قتله، وهم يظنُّونه مِن
المُشْرِكِينَ، فقال: أيْ عِبَادَ اللَّهِ! أبي، فَلَمْ يَفْهَمُوا قولَه حتَّى قتلُوه، فَقَالَ:
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فأرادَ رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ يَدِيَهِ، فَقَالَ: قَدْ تَصَدَّقْتُ بديته عَلَى
المُسْلِمِينَ، فزادَ ذُلِكَ حُذَيْفَةَ خَيْراً عِنْدَ النبيِّ ◌ِ﴾(٢).
قتل المسلمين والد حذيفة
وهم يظنونه مشركاً
وقال زيدُ بنُ ثابت: بعثني رسُولُ اللّهِ ◌َ﴿ل يوم أُحُدٍ اطلُب سعدَ بنَ
الرَّبيعِ، فقال لي: ((إِنْ رَأَيْتَهُ فأقرئه منِّي السَّلاَمَ، وقُلْ لهُ: يقولُ لَكَ
رَسُولُ الله ◌َِّ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: فجعلتُ أطوفُ بَيْنَ القَتْلَى، فأتيتُه، وهو
بآخِرِ رَمَق، وفيه سبعونَ ضربةً، ما بين طعنةٍ برُمح، وضربةٍ بسيف، ورميةٍ
بسهم، فقلت: يا سعدُ، إِنَّ رسولَ الله ◌ََّ يقرأ عليكَ السَّلاَم، ويقول لك:
أخبرني كيف تَجِدُكَ؟ فقال: وعلى رسولِ اللهِ مَّ السلامُ، قل له: يا
رسُولَ اللهِ، أَجِدُ ريحَ الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذْرَ لكم عند الله إن
خُلِصَ إلى رَسُولِ الله ◌َّةَ، وفيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نفسُهُ من وقته(٣).
إقراؤه * السلام
لسعد بن الربيع وهو
بين القتلى
(١) أخرجه البخاري ٢٧٤/٧ في المغازي: باب غزوة أحد، ومسلم (١٩٠٣) في
الإمارة: باب ثبوت الجنة للشهيد، والترمذي (٣١٩٨) و (٣١٩٩) وأحمد ٢٠١/٣
ءِ
و ٢۵٣ من حديث أنس.
(٢) أخرجه البخاري ٢٧٩/٧ في المغازي: باب (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله
وليهما) وفي فضائل أصحاب النبي بيّ: باب ذكر حذيفة بن اليمان، وفي الأيمان
والنذور: باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، وفي الديات: باب العفو في الخطأ بعد
الموت، وباب إذا مات في الزحام أو قتل.
(٣) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٩٤/٢، ٩٥ عن ابن إسحاق حدثني محمد بن =
١٨٥

نزول قوله تعالى: ﴿وما
محمد إلا رسول ... ﴾
ومرَّ رجل مِن المهاجرين برجُل مِن الأنصار، وهو يَتَشَخَّطُ فِي دَمِهِ،
فقال: يا فلانُ! أشعرتَ أن محمَّداً قد قُتْلَ؟ فقال الأنصَارِيُّ: إن كان محمد
قد قُتلَ، فقد بلَّغ، فقاتِلُوا عَنْ دِينكم، فنزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (١) [آل عمران: ١٤٢].
تعبيره 4رؤيا واد
جابر بالشهادة
وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيتُ في النَّومِ قَبْلَ أُحُد، مبشِّرَ بنَ
عبدِ المنذر يقول لي: أنت قادِمٌ علينا في أيَّام، فقلتُ: وأين أنتَ؟ فقال: في
الجنة نَسْرَحُ فيها كَيْفَ نشاء. قلت له: ألم تُقْتَلْ يومَ بدرٍ؟ قال: بلى، ثم
أُخْبِيْتُ، فذكر ذُلِكَ لِرسول الله ﴿ فقال: ((هذِهِ الشَّهَادَةُ يَا أبا جَابِرِ)».
دعاؤه لخيثمة
بالشهادة
وقال خيثمة أبو سعد، وكان ابنُهُ اسْتُشْهِدَ مع رسولِ اللهِ لَ ﴿ يومَ بدر:
لَقَدْ أَخْطَأَتْنِي وَقْعَةُ بَدْرٍ، وكُنْتُ واللَّهِ عليها حَرِيصَاً، حتى سَاهَمْتُ ابني في
الخُرُوجِ، فخرجَ سهمُه، فَرُزِقَ الشَّهَادَةَ، وقد رأيتُ البَارِحَةَ ابني في النوم في
أَحْسَنِ صُورةٍ يَسْرَحُ في ثِمَارِ الجَنَّةِ وَأَنْهَارِهَا، ويقولُ: الْحَقْ بِنَا تُرَافِقْنَا في
الجَنَّةِ، فَقَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حقاً، وقد واللّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصْبَحْتُ
مُشْتَاقاً إلى مُرَافَقَتِهِ في الجَنَّةِ، وقَد كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وأحبَبْتُ لِقَاءَ
رَبِّي، فَادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ، ومُرافقة سَعْدٍ في الجنَّةِ،
فَدَعَا له رسولُ الله ◌ِيَ بِذْلِكَ، فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدَاً.
دعاء عبد الله بن جحش
لنفسه بالشهادة
وقال عبدُ الله بنُ جَحْشٍ في ذلك اليوم: اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ أَلْقِى
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار أن
رسول الله جديدة ... معضلاً، وأخرجه مالك في ((الموطأ) ٤٦٥/٢، ٤٦٦ عن
يحيى بن سعيد مرسلاً، قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعرفه مسنداً، وهو
محفوظ عند أهل السير.
(١) أورده ابن كثير ٤٠٩/١ عن ابن أبي نجيح عن أبيه، وقال: رواه الحافظ أبو بكر
البيهقي في ((دلائل النبوة)).
١٨٦

العَدُوَّ غَدَاً، فَيَقْتُلُونِي، ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، ويَجْدِعُوا أَنْفِي، وَأُذُنِي، ثُمَّ تَسْأَلُنِي:
فيمَ ذُلِكَ فَأَقُولُ فِيكَ(١).
استشهاد عمرو بن
الجموح
وَكَانَ عَمْرُو بِنُ الجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وكانَ له أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَاب،
يَغْزُونَ مَعَ رَسولِ الله ◌َِّ إِذَا غَزَا، فَلِمَّا تَوَجَّهَ إِلَى أُحُدٍ، أرادَ أن يَتَوجَّهَ مَعَهُ،
فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ الله قد جعلَ لك رخصةً، فلو تَعَدْتَ ونحنُ نَكْفِيكَ، وقد
وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الجِهَادَ. فأتى عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ رَسُولَ اللّهِ ◌َ﴾، فقال: يا
رسُول اللَّهِ! إِن بَنِيَّ هؤلاء يمنعُوني أن أخْرُجَ مَعَكَ، وواللّهِ إني لأرْجُو أن
أُسْتَشْهَد فأطأ بعَرْجَتِي هُذِهِ في الجَنَّةِ، فَقَال له رسول الله ◌َّ: ((أمَّا أَنْتَ، فَقَدْ
وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الجِهَادَ)) وَقَالَ لِبَنِهِ: ((ومَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ، لَعَلَّ الله عَزَّ وَجَلَّ
أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ(٢)، فخرجَ مَعَ رسولِ اللهِ يَّةِ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شهيداً.
وانتهى أنسُ بنُ النَّضرِ إلى عُمَرَ بنِ الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في
رِجالٍ من المهاجرين والأنصار، وقد ألقَوْا بأيديهم، فقال: ما يُجْلِسُكم؟
فَقَالُوا: قُتِلَ رسولُ اللهِ مَّةِ، فقال: فما تَصْنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا
عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِيَّ، ثمَّ استقبلَ القَوْمَ، فقاتَلَ حتَّى
أنس بن النضر وقتاله
(١) أخرجه الحاكم ١٩٩/٣، ٢٠٠ من طريق سعيد بن المسيب قال: قال عبد الله بن
جحش. وقال: صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه، ووافقه الذهبي، وله
شواهد، انظر ((الإصابة)) (٤٥٨٣).
(٢) أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) ٩٠/٢، ٩١ عن ابن إسحاق قال: حدثني أبي
إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة ... وهذا سند رجاله ثقات، فإن كان
الأشياخ من الصحابة فهو مسند، وإلا فهو مرسل، وأخرج أحمد ٢٩٩/٥ من حديث
أبي قتادة أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله مح ليه، فقال: يا
رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في
الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله مثل: ((نعم))، فقتلوا يوم أحد هو وابن
أخيه ومولى لهم، فمر رسول الله ◌ِ﴾، فقال: ((كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه
صحيحة في الجنة)) فأمر رسول الله وَ الر بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد،
وسنده حسن كما قال الحافظ في «الفتح» ١٧٣/٣.
١٨٧

قُتِلَ(١) .
طعنه ## أبي بن خلف
بحربة
وأقبل أبيُّ بنُ خَلَفٍ عَدُوُّ اللَّهِ، وهو مُقَنَّعٌ في الحديد، يقول: لا نجوتُ
إنْ نجا محمَّد، وكان حَلَفَ بمكة أن يقتُل رسولَ اللَّهِ ◌ِّ، فاستقبله
مصْعَبُ بنُ عُمَيٍْ، فَقُتِلَ مُصْعَبٌ، وأبصَرَ رَسُولُ اللهِِّ تَرْقُوَةَ أُبيِّ بنِ خَلَفٍ مِنْ
فُرْجِةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْعِ والبَيْضَةِ، فطعنَه بِحَرْيَتِهِ، فوقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فاحتمله
أصحابُه، وهو يخُور خُوارَ الثَّورِ، فقالُوا: ما أَجزعَكَ؟ إنما هو خَدْشٌ، فذَكر
لهم قول النبي ◌َّ﴾ ((بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى)) فمات برابغ(٢).
رؤية ابن عمر أُبي بن
خلف
قال ابن عمر: ((إني لأسيرُ ببطنِ رَابغ بعد هُويٍّ من الليل، إذا نارٌ تأجَّجُ
لي، فيممتُها، وإذا رجل يخرج منها في سِلْسِلَة يجتذبُها يصيحُ العطش، وإذا
رجلٌ يقول: لا تَسْقِهِ هُذا قتيلُ رسولِ اللهِّ، هذا أُبِيُّ بنُ خلف))(٣).
صرف الله نظر
عبد الله بن شهاب
الزهري عن النبي
وقال نافعُ بنُ جبير: سمعتُ رجلاً من المهاجرين يقولُ: شَهِدْتُ أُحُداً،
فنظرتُ إلى النَّبل يأتي من كُلِّ ناحيةٍ، ورسولُ الله ◌َيِّ وسَطَها، كُلُّ ذُلِكَ
يُصرفُ عنه، ولقد رأيتُ عبدَ اللهِ بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دُلُوني على
محمد، لا نجوتُ إن نَجا، ورسولُ الله ◌ِّ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزهُ،
فعاتبه في ذلك صَفوان، فقال: والله ما رأيتُهُ، أَحْلِفُ باللّهِ، إنه مِنَّا ممنوعٌ،
فخرجنا أربعةً، فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلُص إلى ذُلك.
ولما مصَّ مالك أبو أبي سَعِيدِ الخُذْريّ جرحَ رسولِ اللَّهِ وَلِّ حتى أنقاهُ،
قال له: ((مُجَّهُ)) قال: والله لا أَمُتُّهُ أبداً ثم أدبر. فقال النبي ◌ََّ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ
يَنْظُرَ إِلى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هذا»(٤).
مصّ مالك والد أبي سعيد
الخدري جرح النبي #
(١) أخرجه ابن هشام ٨٣/٢ عن ابن إسحاق حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو
بني عدي بن النجار ... وقد تقدم ص١٧٧ - ١٧٨ .
(٢) تقدم تخريجه ص١٧٨ .
ذكره ابن كثير في («تفسيره)) ٤١٦/١ عن الواقدي وهو ضعيف جداً.
(٣)
(٤) ذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٧٦٣٧) ونسبه إلى سعيد بن منصور عن ابن =
١٨٨

قالَ الزُّهري، وعاصم بن عمر، ومحمد بن يحيى بن حبان وغيرُهم: يوم أحد يوم تمحيص
كان يومُ أحد يومَ بلاء وتَمحِيص، اختبر اللَّهُ عزَّ وجلَّ به المؤمنين، وأظهر به
المنافقين ممن كان يُظْهِرُ الإِسلام بلسانِهِ، وهو مُستخفٍ بالكُفر، فَأَكْرَمَ اللَّهُ
فيه من أراد كرامَته بالشهادةِ من أهل ولايته، فكان مما نزل من القرآن في يوم
أحد ستون آية من آلِ عمران، أولها: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تْبَوِّىُ المُؤْمِنِينَ
مَقَاعِدَ لِلْقِنَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى آخر القصة.
فصل
فيما اشتملت عليه هذه الغزاة
من الأحكام والفقه
منها: أن الجهادَ يلزمُ بالشُّروع فيه، حتى إن مَنْ لَبِسَ لأمَتَه وَشَرَعَ في الجهاد يلزم بالشروع فيه
أَسْبَابِهِ، وتَأَهَّبَ لِلخُروج، ليس له أن يَرْجِعَ عن الخروج حتى يُقاتِلَ عدوَّه.
ومنها: أنه لا يَجِبُ على المسلمين إذا طَرَقَهُمْ عدوُهم في ديارهم الخروجُ
إليه، بل يجوزُ لهم أن يلزمُوا دِيارهم، ويُقاتلوهم فيها إذا كانَ ذلك أنصرَ لهم على
عدوِّهم، كما أشار به رسولُ الله ◌َّ عليهم يومَ أحد.
ومنها: جوازُ سُلُوكِ الإِمام بالعسكرِ في بعضٍ أملاك رعيَّته إذا صادفَ ذلك
طريقه، وإن لم يرضَ المالكُ.
ومنها: أنه لا يأذنُ لِمِن لا يُطيق القِتَالَ من الصبيان غيرِ البالغين، بل يردُّهم
إذا خرجوا، كما ردّ رسولُ الله ◌ِ﴾ ابنَ عمر ومن معه.
ومنها: جوازُ الغزوِ بالنساء، والاستعانةُ بِهِنَّ في الجهاد.
ومنها: جوازُ الانغماس في العدو، كما انغمس أنسُ بنُ النضر وغيرُه.
ومنها: أن الإِمَامَ إذا أصابته جِراحة صلّى بهم قاعداً، وصلوا وراءه قعوداً،
=
وهب، عن عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن مالكاً ... وهو
منقطع .
١٨٩

كما فَعَلَ رَسُولُ اللهِيَّ في هذِهِ الغزوة، واستمرت على ذلك سنته إلى حين
وفاته(١) .
جواز دعاء الرجل أن يقتل
في سبيل الله
ومنها: جوازُ دعاءِ الرجل أن يُقتَلَ في سَبيل الله، وتمنيه ذلك، وليس هذا
من تمني الموت المنهي عنه، كما قال عبد الله بن جحش: اللهم لقُّني من
المشركين رجلاً عظيماً كفره، شديداً حَردُه، فأقاتله، فيقتلني فيك، ويسلبني، ثم
يجدَع أنفي وأذني، فإذا لقيتُكَ، فقلت: يا عبدَ اللهِ بن جحش، فيم جُدِعْت؟
قلت: فیك یا رَبِّ.
ومنها: أن المسلِمَ إذا قتل نفسه، فهو من أهل النار، لقوله في: في قُزْمَانَ
الذي أبلى يومَ أُحُدٍ بلاءً شديداً، فلما اشتذَت بِهِ الجِراحُ، نَحَرَ نفسه، فقال ◌ِّ:
(هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)(٢).
المنتحر من أهل النار
(١) وهو مذهب أسيد بن حضير، وجابر بن عبد الله، وقيس بن فهد، وأبي هريرة، وبه
قال الأوزاعي وأحمد وحماد بن زيد، وإسحاق وابن المنذر، وقال مالك في إحدى
روايتيه: لا تصح صلاة القادر على القيام خلف القاعد، وهو قول محمد بن الحسن،
وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يصلون خلفه قياماً. انظر ((المغني))
٢٢٠/٢، ٢٢١ لابن قدامة، و((المحلى)) ٥٩/٣ و ((نيل الأوطار)) ١٥٩/٣.
(٢) أخرجه ابن هشام ٨٨/٢ عن ابن إسحاق قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال:
كان فينا رجل أُتي (غريب) لا يدري ممن هو يقال له قزمان، وكان رسول الله ◌ِ﴾
يقول إذا ذكر له: ((إنه لمن أهل النار))، قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً،
فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل
إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم
يا قزمان، فأبشر، قال: بماذا أبشر؟ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا
ذلك ما قاتلت، قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته، فقتل به
نفسه، ورجاله ثقات، لكنه مرسل، وروى البخاري ٣٦١/٧ في المغازي: باب
غزوة خيبر و٤٣٦/١١ في القدر باب: العمل بالخواتيم، ومسلم (١١٢) من حديث
سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله مج لدارس التقى هو والمشركون
فاقتتلوا، فلما مال رسول الله مجلة إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي
أصحاب رسول اللهِ مّ رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما =
١٩٠
1

ومنها: أن السُّنَّةَ في الشهيدِ أنه لا يُغَسَّل، ولا يُصلَّى عليه(١)، ولا يُكَفَّنَ في
لا يغسل الشهيد ولا يكفن
ولا يصلى عليه
أجزأ منا أحدٌ كما أجزا فلان، فقال رسول الله بَه: ((أما إنه من أهل النار))، فقال
=
رجل من القوم: أنا صاحبه أبداً، قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع
أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه
بالأرض وذبابَهُ بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى
رسول الله ، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي
ذكرت آنفاً أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في
طلبه حتى جرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض،
وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه، فقتل نفسه، فقال رسول الله جل عند ذلك: ((أن
الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل
ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)).
وقد رواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده)) من حديث سهل بن سعد بنحو مما
هنا وأوله أنه قيل لرسول الله صل يوم أحد ما رأينا مثل ما أبلى فلان، لقد فر الناس
وما فَرَّ ..
وفيه سعيد بن عبد الرحمن القاضي وهو إن خرج له مسلم قال الحافظ في
((التقريب)): صدوق له أوهام، ومع ذلك فقد قال الهيثمي في ((المجمع)) ١١٦/٦
ورجاله رجال الصحيح. وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري ١٢٥/٦ في
الجهاد: باب إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، و٤٣٦/١١، ومسلم (١١١)
قال: شهدنا مع رسول الله مهلة خيبر، فقال رسول الله سله لرجل ممن معه ممن يدعي
أمر بلالاً أن ينادي في
الإسلام: هذا من أهل النار ... وفيه أن رسول الله ◌َالة.
الناس: ((إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل
الفاجر)).
(١) فيه أنه قد ثبت في غير ما حديث عنه مَّ أنه صلى على شهداء أحد وغيرهم، فقد
أخرج النسائي ٦٠/٤ والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٩١/١ والبيهقي ٤/ ١٥،
١٦ من حديث شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ◌َّ، فامن به
واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة
خيبر غنم رسول الله ◌َّ فيها شيئاً، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم لهم،
وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء، دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسمه لك
رسول الله مَدٍ، فأخذه، فجاء به إلى النبي ◌َلّ، فقال: ما هذا؟ قال: ((قسمته لك)) قال:
ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى ها هنا وأشار إلى حلقه بسهم =
١٩١

غير ثيابه، بل يُدفَن فيها بدمه وكُلومه، إلا أن يُسْلَبَها، فيكفنَ في غيرها.
ومنها: أنه إذا كان جُنباً، غُسِّلَ كما غسَّلَتِ الملائكةُ حنظلةَ بن أبي
عامر(١).
يدفن الشهداء في
مصارعهم
ومنها: أن السنة في الشهداء أن يُدفنوا في مصَارِعهم، ولا يُنقلوا إلى مكان
آخر، فإن قوماً من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة، فنادى منادي رسولِ اللهِ مَّ
بالأمرِ بَرَدِّ القتلى إلى مصارعهم، قال جابر: بينا أنا في النَّظَّارَةِ، إذ جاءت عمَّتي
بأبي وخالي عَادَلَتْهُمَا على ناضِح، فدخَلَتْ بهما المدينة، لنَدْفِنَهُمَا في مقابرنا،
فأموت، فأدخل الجنة، فقال: ((إن تصدق الله يصدقك))، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا في قتال
=
العدو، فأتي به النبي ◌ّة يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي ◌َّ: («أهو هو؟))
قالوا: نعم، قال: ((صدق الله، فصدقه)) ثم كفنه النبي ◌َّ في جبة النبي ◌ِيّة، ثم قدمه
فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: ((اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك،
فقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك)) وسنده صحيح، وصححه الحاكم ٣/ ٥٩٥، ٥٩٦،
وأقره الذهبي.
وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٢٩٠ من حديث عبد الله بن الزبير أن
رسول الله # أتي يوم أحد بحمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات، ثم
أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم، وعليه معهم)) وسنده جيد، وله شاهد عند أحمد
١/ ٤٦٣ من حديث ابن مسعود، وسنده قوي، وآخر من حديث ابن عباس عند الدار قطني
ص ٤٧٤، والحاكم ١٩٨/٣، وابن ماجه (١٥١٣) وانظر ((نصب الراية)) ٣٠٩/٢،
٣١٤. وأخرج أبو داود (٣١٣٧) والدار قطني ص ٤٧٤ والحاكم ٣٦٥/١ من حديث
أنس بن مالك أن النبي ◌َّة مر بحمزة وقد مثل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره
يعني شهداء أُحد، وسنده حسن - ومراده والله أعلم - أنه لم يصل على غيره استقلالاً،
فلا ينافي الصلاة على غيره مقروناً به كما تقدم في حديث عبد الله بن الزبير.
ففي هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء لا على سبيل الإيجاب، لأن كثيراً
من الصحابة استشهد في غزوة بدر وغيرها، ولم ينقل أن النبي ◌ّ صلى عليهم، ولو فعل
لنقل عنه، وقد جنح المؤلف رحمه الله في ((تهذيب السنن)) ٢٩٥/٤ إليه فقال: والصواب
في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم، وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرین،
وهذا إحدى الروايات عن الإِمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه.
(١) انظر ما تقدم ص١٧٩ .
١٩٢

وجاء رجل يُنادي: ألا إنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَيَأْمُرُكُم أن تَرْجِعُوا بِالقَتْلَى، فَتَدْفِنُوهَا في
مَصَارِعِها حَيْثُ قُتِلَتْ. قال: فرجعنَا بِهِمَا، فدفنَّهما في القتلى حيثُ قُتِلا، فبينا
أنا في خلافةِ معاويةَ بنِ أبي سُفيان، إذ جاءني رجلٌ، فقال: يا جابرً! واللَّهِ لقد
أثار أَبَاكَ عُمَّالُ معاويَةٍ فبدا، فخَرجَ طائفة منه، قال: فأتيتُه، فوجدتُه على النحو
الذي تركتُه لم يَتَغيَّرْ منهُ شيء. قال: فواريتُه، فصارت سُنَّة في الشهداء أن يُدْفَنُوا
في مصارعهم(١).
ومنها: جوازُ دفن الرجلينِ أو الثلاثة في القبر الواحد، فإنَّ رسولَ اللهَِّ
كانَ يَدْفِنُ الرجلين والثلاثة في القبر، ويقول: ((أيُّهم أكْثَرُ أخذاً لِلقُرآنِ، فإذا
أشارُوا إِلَى رَجُلٍ، قَدَّمه في اللحد))(٢).
يجوز دفن الثلاثة في
القبر الواحد
ودفن عبدَ الله بنَ عمرو بن حرام، وعمرو بنَ الجموح في قبر واحد، لِمَا
كان بينهُمَا مِن المحبة فقال: ((ادْفِنُوا هُذَيْنِ المُتَحَابَيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ واحد)) (٣)،
(١) أخرجه أحمد في ((المسند» ٣٠٨/٣ و٣٩٨ من حديث جابر وسنده صحيح، وأخرجه
مختصراً النسائي ٧٩/٤، وابن ماجه (١٥١٦) وأبو داود (٣١٦٥)، والترمذي (١٧١٧)
وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (١٩٦).
(٢) أخرجه البخاري ٢٨٦/٧ في المغازي: باب من قتل من المسلمين يوم أُحد، وفي
الجنائز: باب الصلاة على الشهداء، وباب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وباب من
لم ير غسل الشهداء، وباب من يقدم في اللحد، وباب اللحد والشق في القبر، وأخرجه
الترمذي (١٠٣٦) وأبو داود (٣١٣٨)، والنسائي ٦٢/٤، وابن ماجه (١٥١٤) من حديث
جابر .
ويفهم من الحديث أن جواز دفن أكثر من ميت في قبر واحد مقيد بحال الضرورة كما
في «المغني)) ٥٦٣/٢ بخلاف ما يوهمه كلام المؤلف رحمه الله، وقد قال الشافعي في
((الأم)) ٢٤٥/١: ويدفن في موضع الضرورة من الضيق والعجلة الميتان والثلاثة في
القبر، ويكون الذي في القبلة منهم أفضلهم وأحسنهم، ولا أحب أن تدفن المرأة مع
الرجل على حال وإن كانت ضرورة ولا سبيل إلى غيرها كان الرجل أمامها، وهي خلفه،
ويجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجز من تراب.
(٣) أخرجه ابن هشام ٩٨/٢ عن ابن إسحاق قال: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن أشياخ
من بني سلمة أن رسول الله وَّ قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى: ((انظروا إلى عمرو بن =
١٩٣
زاد المعاد ج٣-م٧

حفر قبر والدجابر بعد
ست وأربعين سنة
ثمَّ حُفِرَ عنهما بعد زمنٍ طويل، ويدُ عبدِ الله بن عمرو بن حرام على جرحه كما
وضعها حين جُرِحَ، فَأَمِيطَتْ يدُه عن جرحه، فانبعثَ الدَّمُ، فَرُدَّت إلى مكانَها،
فسکن الدم.
وقال جابر: رأيتُ أبي في حُفرته حين حُفِرَ عليه، كأنَّه نائم، وما تغيَّر مِن
حاله قليلٌ ولا كثير. وقيل له: أفرأيتَ أكفانَه؟ فقال: إنما دُفن في نمرة خُمِّرَ
وجْهُه، وعلى رِجليه الحَرْمَلُ(١)، فوجدنا النَّمِرَةَ كما هي، والحرملَ على رجليه
عَلى هَيْئَتِهِ، وبين ذلك ست وأربعون سنة(٢).
هل دفن الشهداء في
ثيابهم على الوجوب؟
وقد اختلف الفقهاء في أمر النبيِّ پ أن يُدفن شهداءُ أحد في ثيابهم، هل
هو على وجه الاستحبابِ والأولويَّة، أو على وجه الوجوب؟ على قولين: الثاني:
أظهرهما وهو المعروفُ عن أبي حنيفة، والأول: هو المعروف عن أصحاب
الشافعي وأحمد، فإن قيل: فقد روى يعقوبُ بن شيبة وغيرُه بإسناد جيد، أن
الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا، فاجعلوهما في
قبر واحد)) وأخرج أحمد ٢٩٩/٥ بسند حسن كما قال الحافظ في ((الفتح)) ١٧٣/٣ عن
أبي قتادة ... أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صَية، فقال: يا رسول الله أرأيت إن
قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة، وكانت رجله
عرجاء، فقال رسول الله ◌ِلٍ: ((نعم))، فقتلوا يوم أُحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر
عليه رسول الله مَّر، فقال: ((كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة)) فأمر
رسول الله ◌ِّ بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد، وقوله: هو وابن أخيه، قال ابن
عبد البر في ((التمهيد)) ليس هو ابن أخيه، وإنما هو ابن عمه، وهو كما قال، فلعله كان
أسن منه. وأخرجه أحمد ٤١٣/٥ من حديث جابر قال: ((فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر
واحد)) وسنده صحيح والمراد به عمرو بن الجموح، كما هو مصرح به في الرواية
السابقة، وسماه عمه تعظيماً له.
(١) قال في «اللسان»: هو نبت ورقه کورق الخلاف ونَوْرہ کنور الياسمين.
(٢)
أخرجه ابن سعد ٥٦٢/٣، ٥٦٣ من حديث الأوزاعي عن الزهري، عن جابر ...
ورجاله ثقات وسنده صحيح، وأخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٤٧٠ من حديث
عبد الرحمن بن صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو ... ، وذكره
ابن إسحاق في ((المغازي)) فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار ....
١٩٤

صفيَّةَ أرسلت إلى النبي ◌ََّ ثوبَيْنِ لِيكفِّن فيهما حمزة، فكفَّنه في أحدهما، وكفَّن
في الآخر رجلاً آخر (١). قيل: حمزةُ، كان الكفارُ قد سلبوه، ومثّلُوا به، وبقَرُوا
عن بَطِنِهِ، واستخرجوا كَبدَه، فَلِذْلِكَ كُفِّنَ في كَفَنٍ آخر. وهذا القولُ في الضعف
نظيرُ قول من قال: يُغسَّلُ الشهِيدُ، وسنةُ رسول الله ◌َّ أَوْلَى بالاتباع.
ومنها: أن شهيدَ المعركة لا يُصلَّى عليه، لأن رسول الله ◌َّه لم يُصَلِّ
على شُهَدَاء أحد، ولم يعرف عنه أنه صلَّى على أحد ممن استشهد معه في
مغازيه، وكذلك خلفاؤه الراشِدُون، ونوابُهم مِن بعدهم.
شهيد المعركة لا يصلى
علیه
فإن قيل: فقد ثبت في «الصحيحين)) من حديث عُقبة بنِ عامر، أن
النبيَّ رَّةُ خرج يوماً، فصلَّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميت، ثم انصرف
إلى المنبر (٢).
وقال ابنُ عباس: ((صلَّى رسولُ اللَّهِ بَ لَّ على قتلى أُحُد)) (٣).
قيل: أما صلاتُه عليهم، فكانت بعد ثمانِ سنين مِن قتلهم قُرْبَ موته،
كالمودِّع لهم، ويُشبِهُ هذا خروجُه إلى البقيع قبل موته، يستغفِرُ لهم كالمودّع
الأحياء والأموات، فهذه كانت توديعاً منه لهم، لا أنها سنةُ الصلاة على
الميت، ولو كان ذلك كذلك، لم يُؤخِّرها ثمان سنين، لا سيما عند مَنْ
(١) أخرجه أحمد ١٦٥/١، وسنده حسن، وأخرجه البيهقي ٣/ ٤٠١ من طريق آخر وسنده
قوي من حديث الزبير بن العوام، ويعقوب بن شيبة حافظ إمام علامة من كبار علماء
الحديث له ((المسند الكبير)) قال الذهبي: ما صنف مسند أحسن منه، ولكنه ما أتمه، كتب
عن أصحاب يحيى بن معين وطبقتهم وسمع من علي بن عاصم، ويزيد بن هارون،
وروح بن عبادة وغيرهم. توفي سنة ٢٦٢ هـ. ((تذكرة الحفاظ)» ٥٧٧ .
(٢) أخرجه البخاري ٢٦٩/٧ في المغازي: باب غزوة أحد، وفي الجنائز: باب الصلاة
على الشهيد، ومسلم (٢٢٩٦) في الفضائل: باب إثبات حوض نبينا وَّل وصفاته،
وأبو داود (٣٢٢٣) و (٣٢٢٤)، والنسائي ٦١/٤ و٦٢، وأحمد ١٤٩/٤ و١٥٣
و ١٥٤.
(٣) تقدم تخريجه ص١٩٢ .
١٩٥

يقول: لا يُصلَّى على القبر، أو يصلَّى عليه إلى شهر.
ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرض أو عرج، يجوز
له الخروجُ إليه، وإن لم يجب عليه، كما خرج عمرُو بن الجموح، وهو
أعرج.
ومنها: أن المسلمين إذا قَتَلُوا واحداً منهم في الجهاد يظنُّونه كافراً،
فعلى الإِمام ديتُهُ مِن بيتِ المالِ، لأن رسولَ اللّهِ ﴾. أراد أن يَدِيَ اليمانَ أبا
حُذيفة، فامتنع حُذَيفَةُ من أخذ الدية، وتصدَّقَ بها على المسلمين.
من قتل في الجهاد
مظنوناً كفره فعلى بيت
المال ديته
فصل
في ذكر بعضٍ الحكم والغايات المحمودة
التي كانت في وقعة أحد
وقد أشار اللَّهُ - سبحانه وتعالى - إلى أمهاتِها وأصولها في سورة (آل
عمران) حيث افتتح القصة بقوله: ﴿وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تَبَوِّىءُ المُؤمِنِينَ مَقَاعِدَ
لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، إلى تمام ستين آية .
تعريفهم سوء عاقبة
المعصية
فمنها: تعريفُهم سوءَ عاقبة المعصية، والفَشَل، والتنازُعِ، وأن الذي
أصابَهم إنما هو بِشُؤمِ ذُلِكَ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُم اللَّهُ وَعْدَه إذ
تحسُّونَهُم بإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُم وتَنَازَعْتُمْ في الأمر، وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أراكُمْ مَا
تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُم مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُم
وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
فلما ذاقُوا عاقبةَ معصيتِهم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانُوا بعد ذلك
أشدَّ حذراً ويقظة، وتحرّزاً مِن أسبابِ الخذلان.
﴿وتلك الأيام نداولها بين
الناس﴾
ومنها: أن حِكمة الله وسلَّته في رُسله، وأتباعِهم، جرت بأن يُدَالوا مَرَّةً،
ويُدَالَ عليهم أخرى، لكن تكونُ لهم العاقبةُ، فإنهم لو انتصرُوا دائماً، دخلَ معهم
المؤمنون وغيرُهم، ولم يتميَّز الصَّادِقُ مِن غيره، ولو انتُصِرَ عليهم دائماً، لم
١٩٦

يحصل المقصودُ من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بينَ الأمرين
ليتميز من يتبعُهم ويُطيعُهم للحق، وما جاؤوا به ممن يتبعُهم على الظهور والغلبة
خاصة .
ومنها: أن هذا مِن أعلام الرسل، كما قال هِرَقْلُ لأبي سفيان: هَلْ
قَاتَلْتُمُوهُ؟ قال: نعم. قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَه؟ قَالَ: سِجَال، يُدالُ علينا
المرة، ونُدالُ عليه الأخرى. قال: كذْلِك الرُّسُلِ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةِ(١).
الرسل تبتلى ثم تكون
لهم العاقبة
ومنها: أن يتميَّز المؤمنُ الصَّادِقُ مِن المنافقِ الكاذبِ، فإنَّ المسلمين لما تميّز المؤمن الصادق من
أظهرهم الله على أعدائهم يومَ بدر، وطار لهم الصِّيتُ، دخل معهم في الإِسلام
المنافق الكاذب
ظاهراً مَنْ ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حِكمةُ الله عز وجل أن سَبَّبَ لعباده مِحْنةً
ميَّزَت بين المؤمن والمنافق، فَأَطْلَعَ المنافقون رؤُوسَهم في هذه الغزوة، وتكلَّموا
بما كانوا يكتُمونه، وظهرت مُخَبَّتُهم، وعاد تلويحُهم تصريحاً، وانقسم الناسُ
إلى كافر، ومؤمن، ومنافق، انقساماً ظاهراً، وعَرَفَ المؤمنون أن لهم عدواً في
نفس دُورهم، وهم معهم لا يُفارقونهم، فاستعدُّوا لهم، وتحرَّزوا منهم. قال الله
تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتَّى يميّزَ الخَبِيثَ مِنَ
الطَّيِّبِ، ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاء﴾
[آل عمران: ١٧٩]. أي: ما كان اللَّهُ لیذركم على ما أنتم عليه من التباس
المؤمنين بالمنافقين، حتى يميزَ أهلَ الإِيمانِ مِن أهل النفاق، كما ميَّزهم بالمحنة
يومَ أحد، وما كان الله لِيطلعكم على الغيب الذي يَمِيزُ به بينَ هؤلاء وهؤلاء، فإنهم
متميِّزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يُريد أن يميزهم تمييزاً مشهوداً، فيقع
معلومهُ الذي هو غيبٌ شهادةً. وقوله: (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء)
استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب، سوى الرسل، فإنه يُطلعهم على ما
يشاء مِن غيبه، كما قال: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيِْهِ أحداً إِلاَّ مَنْ ارْتَضى مِنْ
رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] فحظكم أنتم وسعادتُكم في الإِيمان بالغيبِ الذي يُطْلِعُ عليه
(١) أخرجه البخاري ٧٩/٦ و٣٠/١، ٤١ من حديث أبي سفيان.
١٩٧

رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم، فلكم أعظمُ الأجر والكرامة .
استخراج عبودية
أوليائه في السراء
والضراء
ومنها: استخراجُ عبوديةِ أوليائه وحزبِه في السَّراء والضَّراء، وفيما يُحبُّون
وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتُوا على الطاعة
والعبودية فيما يُحبون وما يكرهون، فهم عبيدُه حقاً، وليسوا كمن يعبد الله على
حرف واحد مِن السَّراء والنعمة والعافية.
حكمة تبدل الأحوال
ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائماً، وأظفرهم بعدوِّهم في كُلِّ موطن،
وجعل لهم التَّمْكِينَ والقهرَ لأعدائهم أبداً، لطغتْ نفوسُهم، وشمخت وارتفعت،
فلو بسط لهم النصرَ والظفرَ، لكانُّوا في الحال التي يكونون فيها لو بَسَطَ لهم
الرِّزْقَ، فلا يُصْلِحُ عِباده إلا السَّراءُ والضَّراءُ، والشدةُ والرخاءُ، والقبضُ والبسطُ،
فهو المدبِّرُ لأمر عباده کما یلیقُ بحكمته، إنه بهم خبير بصير .
الخضوع لجبروته تعالى
ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغَلَبَةِ، والكَسْرَةِ، والهزيمة، ذلُوا وانكسَروا،
وخضعُوا، فاستوجبوا منه العِزَّ والنَّصْرَ، فإن خِلعة النصر إنما تكونُ مع ولاية الذُّلِّ
والانكسارِ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِنَّةَ﴾ [آل عمران:
١٢٣]. وقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ [التوبة:
٢٥]، فهو - سبحانه - إذا أراد أن يُعِزَّ عبدَه، ويجبُرَه، وينصُرَه، كسره أوَّلاً،
ویکونُ جبرُه له، ونصره على مقدار ذُلِّه وانكساره.
ومنها: أنه سبحانه هيَّأ لِعباده المؤمنين منازِلَ في دارِ كرامته، لم تبلُغْها
أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاءِ والمحنةِ، فقيَّض لهم الأسبابَ التي
تُوصِلُهُم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من
جملة أسباب وصولهم إليها .
رفع منازلهم
تحريضهم على الجد في
العبودية لله
ومنها: أن النفوسَ تكتسِبُ من العافية الدائمة والنصر والغنى طغياناً ورُكوناً
إلى العاجلة، وذلك مرض يَعُوقُها عن جِدِّها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا
أراد بها ربُّها ومالِكُهَا وراحِمُهَا كرامته، فيَّض لها من الابتلاء والامتحانِ ما يكون
دواء لذلك المرض العائق عن السيرِ الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة
١٩٨

بمنزلة الطبيب يسقي العليلَ الدواءَ الكريه، ويقطع منه العروقَ المؤلمةَ لاستخراج
الأدواء منه، ولو تركه، لَغَلَبَتْهُ الأدواءُ حتى يكون فيها هلاكه.
الشهادة
ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه
والمقرَّبون من عباده، وليس بعد درجة الصُّدِّيقيّة إلا الشهادةُ، وهو سبحانه يُحب
أن يتّخِذَ مِن عباده شهداء، تُراقُ دماؤهم في محبته ومرضاته، ويُؤْثِرونَ رضاه
ومحابَّه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية
إليها من تسليط العدو.
ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يُهْلِك أعداءه ويمحقَهم، قيَّض لهم إهلاك الأعداء بعد ازدياد
الأسبابَ التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقَهم، ومن أعظمها بعد کفرهم بغيُهم،
بغيهم
وطغيانُهم، ومبالغتُهم في أذى أوليائه، ومحاربتُهم، وقتالُهم، والتسلطُ عليهم،
فيتمخَّصُ بذلك أولياؤُه مِن ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه مِن أسباب
محقِهم وهلاكِهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿ولا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا بسط الآيات ﴿ولا تهنوا
وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرَحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ
ولا تحزنوا ... ﴾
الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ، ولِيُمَخِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩،
١٤٠]، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء
عزائمهم وهِممهم، وبينَ حُسنِ التسلية، وذكر الحِكمِ الباهِرَة التي اقتضت إدالة
الكفار عليهم فقال: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:
١٤٠]، فقد استويتُم في القرحِ والألَمِ، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال:
﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنهم يألمونَ كَمَّا تَأْلَمُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُون﴾
[النساء: ١٠٤]، فما بالكم تَهِنُونَ وتضعُفُون عند القرحِ والألم، فقد أصابهم ذلك
في سبيلِ الشيطان، وأنتم أصِبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
﴿وتلك الأيام نداولها بين
الناس﴾
ثم أخبرَ أنه يُدَاوِلُ أيامَ هُذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عَرَضٌ حاضِر،
١٩٩

يقسمها دُوَلاً بين أوليائه وأعدائِه بخلاف الآخِرةِ، فإن عزَّها ونصرَها ورجاءَها
خالصٌ للذين آمنُوا.
﴿وليعلم الله الذين
أمنوا﴾
ثم ذكر حِكمة أخرى، وهي أن يتميَّزَ المؤمنون من المنافقين، فيعلمُهم عِلْمَ
رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومِين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتَّب عليه
ثوابٌ ولا عقاب، وإنمَّا يترتب الثوابُ والعقابُ على المعلوم إذا صار مشاهداً
واقعاً في الحس.
حب الله للشهداء
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذُه سبحانه منهم شهداء، فإنه يُحبُّ
الشهداء من عباده، وقد أعدَّ لهم أعلى المنازل وأفضلَها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا
بدَّ أن يُثِيلَهم درجة الشهادة. وقوله: ﴿واللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾ [آل عمران:
١٣٩]، تنبيه لطيفُ الموقع جداً على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخَذَلُوا عن
نبيه يومَ أُحد، فلم يشهدوه، ولم يَتَّخِذْ منهم شهداء، لأنه لم يُحبهم، فأركَسَهم
وردَّهُم لِيَحْرِمَهُم ما خص به المؤمنين في ذُلِك اليوم، وما أعطاهُ من استُشهِدَ
منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءَهُ وحِزبه.
﴿وليمحص الله الذين
امنواء
ثم ذكر حِكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا،
وهو تنقيتُهم وتخليصُهم من الذنوب، ومن آفاتِ النفوس، وأيضاً فإنه خلَّصهم
ومخَّصهم من المنافقين، فَتَميَّزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من
نفوسهم، وتمحیص ممن کان یُظهِرُ أنه منهم، وهو عدوُّهم.
﴿ويمحق الكافرين﴾
﴿أم حسبتم أن تدخلوا
الجنة ولما ... ﴾
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي محقُ الكافرين بطغيانهم، وبغيهم، وعُدوانهم،
ثم أنكر عليهم حُسبانَهم، وظنَّهُم أن يدخُلوا الجنَّة بدون الجهاد في سبيله،
والصبرِ على أذى أعدائه، وإن هذا ممتنع بحيث يُنْكَرُ على من ظنه وحَسِبَه. فقال:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
[آل عمران: ١٤٢]، أي: ولما يَقَعْ ذُلِكَ منكم، فيعلمه، فإنه لو وقع، لعلمه،
فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم،
فإن الله لا يجزي العبدَ على مجرد علمه فيه دون أن يقعَ معلومُه، ثم وبَّخهم على
٢٠٠