Indexed OCR Text
Pages 141-160
على الجزية، وحقن له دمه))(١). وصالح أهلَ نجران مِن النصارى على ألفي حُلَّةٍ. النّصْفُ في صفر، والبقيةُ صلحه ﴿ مع أهل نجران في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعاريَّة ثلاثين دِرعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين مِن كُلِّ صِنف من أصناف السلاح، يغزُون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم إن كان باليمن كَيْدٌ أو غَدْرَةٌ، على ألا تُهدم لهم بِيعة، ولا يُخرج لهم قَسِّ، ولا يُفتنوا عن دينهم ما لم يُحْدِثُوا حَدَثاً أَو يَأْكُلُوا الرِّبا))(٢). وفي هذا دليل على انتقاض عهد الذمة بإحداث الحدث، وأكلِ الرِّبا إذا كان مشروطاً عليهم. ولما وجه معاذاً إلى اليمن، ((أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمِ دِيناراً أَوْ قِيمَتَهُ مِنَ المَعَافِرِيِّ، وهي ثيابٌ تكون باليمن))(٣) . وفي هذا دليل على أن الجزية غيرُ مقدرة الجنس، ولا القدرِ، بل يجوز أن تكونَ ثياباً وذهباً وحُللاً، وتزيدُ وتنقُصُ بحسب حاجة المسلمين، واحتمال من تؤخذ منه، وحاله في الميسرة، وما عنده من المال. الجزية تقدر بحسب حاجة المسلمين (١) انظر ((السيرة)) ٥٢٦/٢ لابن هشام، وفيها: قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله 3* فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله مَ: ((أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا)) وإسناده صحيح. وأخرجه مسلم ١٩١٧/٤ في فضائل سعد بن معاذ عن أنس أن أكيدر دُومة الجندل أهدى لرسول الله يَّرَ حلَّة، فعجب الناس منها، فقال: ((والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا)). (٢) أخرجه أبو داود (٣٠٤١) في الخراج: باب في أخذ الجزية من حديث ابن عباس، وفي سنده ضعف. (٣) أخرجه أحمد ٢٣٠/٥ و٢٣٣ و٢٤٧، وأبو داود (٣٠٣٨) و (٣٠٣٩)، والترمذي (٦٢٣)، وابن ماجه (١٨٠٣)، والنسائي ٢٥/٥، ٢٦ ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان (٧٩٤)، والحاكم ٣٩٨/١، وأقره الذهبي، وفي الباب عن عروة بن الزبير عند أبي عبيد في ((الأموال)) ص ٢٧. ١٤١ تؤخذ الجزية من العرب والعجم بغير اعتبار لابائهم ولم يفرِّق رسول الله رَّه، ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسولُ الله ◌َّه من نصارى العرب، وأخذها مِن مجوس هجر، وكانوا عرباً، فإن العرب أمةٌ ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة منهم تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عربُ البحرين مجوساً لمجاورتها فارِسَ، وتنوخَ، وبُهْرَة، وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت قبائلُ من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسولُ الله ◌َّة أحكامَ الجِزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلُوا في دينِ أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده، ومن أين يعرِفُونَ ذلك، وكيف ينضبط وما الذي دلَّ عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي، أن من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإِسلام، فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْراءَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وفي قوله لمعاذ: ((خُذْ مِنْ كُلِّ حالم ديناراً) دليل على أنها لا تُؤخذ من صبي ولا امرأة. فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في ((مصنفه» وأبو عبيد في ((الأموال)) أن النبي ◌َ ◌ّ أَمَرَ معاذ بن جبل: أن يأخذ مِن اليمن الجزية مِن كل حالم أو حالمة، زاد أبو عبيد: عبداً أو أمةٌ، ديناراً أو قيمته من المعافري)) (١) فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة، والحر والرقيق؟ قيل: (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) عن معمر عن الأعمش عن شقيق بن سلمة، عن مسروق بن الأجدع، وقال عبد الرزاق: كان معمر يقول: هذا غلط قوله ((حالمة)) ليس على النساء شيء معمر القائل، وقال أبو عبيد في ((الأموال)) ص ٣٧: فنرى - والله أعلم - أن المحفوظ المثبت من ذلك هو الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه، لأنه الأمر الذي عليه المسلمون، وبه كتب عمر إلى أمراء الأجناد .. وكتاب عمر أورده أبو عبيد (٩٣) عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن أسلم مولى عمر كتب إلى أمراء الأجناد: أن يقاتلوا في سبيل الله، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم ولا يقتلوا النساء ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه الموسى، وكتب إلى أمراء الأجناد: أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى. وإسناده صحيح. ١٤٢ هذا لا يصح وصله، وهو منقطع، وهذه الزيادة مختلف فيها، لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم هذا الحديث، فاقتصروا على قوله: أمره ((أن يأخذ من حالم ديناراً)) ولم يذكروا هذه الزيادة، وأكثر من أخذ منهم النبيُّ ◌َّ الجزية العرب من النصارى واليهود، والمجوس، ولم يكشف عن أحد منهم متی دخل في دينه، وکان یعتبرهم بأدیانھم لا بآبائهم. فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين، من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل أوَّل ما أوحى إليه ربُّه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه ﴿يا أيُّهَا المُدَثِّرْ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] فنبأه بقوله: (اقرأ)، وأرسله بـ (يا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) ثم أمره أن يُنذِرَ عشيرتَه الأقربِينَ، ثم أنذر قومَه، ثم أنذَر مَنْ حَوْلَهُم مِن العرب، ثم أنذر العربَ قاطبة، ثم أنذر العالَمِينَ، فأقام بِضْعَ عشرة سنة بعد نبوته يُنْذِرُ بالدعوة بغير قتال ولا جِزية، ويؤمر بالكفِّ والصبرِ والصَّفح. ثم أُذِنَ له في الهجرة، وأُذِنَ له في القتال، ثم أمره أن يُقاتِلَ من قاتله، ويَكُفَّ عمن اعتزله ولم يُقاتله، ثم أمره بِقتالِ المشركين حتى يكونَ الدِّينُ كُلُّه له، ثم كان الكفارُ معه بعد الأمرِ بالجهاد ثلاثة أقسام: أهلُ صُلح وهُدنة، وأهلُ حرب، وأهلُ ذمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يُوفي لهم به ما استقامُوا على العهد، فإن خاف منهم خيانة، نبذَ إليهم عهدهم، ولم يُقاتِلْهم حتى يُعْلِمَهم بِنَقْضِ العهد، وأُمِرَ أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت (سورة براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يُقاتلَ عدوَّه مِن أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزيةَ، أو يدخلوا في الإِسلام، وأمره فيها بجِهَادِ الكُفَّارِ والمنافقين ١٤٣ L والغِلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيفِ والسنانِ، والمنافقين بالحُجَّةِ واللسان. الفرق بين أشهر التسيير الحرم وبين الأشهر الحرم وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عُهودهم إليهم، وجعلَ أهلَ العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسماً أمره بقتالهم، وهُم الذين نقضُوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسماً لهم عهد مُؤقَّت لم ينقضُوه، ولم يُظاهِروا عليه، فأمره أن يُتِمَّ لهم عهدَهم إلى مدتهم. وقسماً لم يكن لهم عهد ولم يُحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يُؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم، وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسيحُوا فِي الأرْض أَرْبَعَةَ أَشْهُر﴾ [التوبة: ٢]، وهي الحُرُمُ المذكورة في قوله: ﴿فإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المشرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. فالحرم ها هنا: هي أشهر التسيير(١)، أولها يومُ الأذان وهو اليومُ العاشر من ذي الحِجة، وهو يومُ الحجِّ الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخِرُها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُوَاتِ والأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] فإن تلك واحِد فرد، وثلاثة سرد: رجبٌ، وذُو القَعدة، وذو الحِجة، والمحَرَّمُ. ولم يسير المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يُمكن، لأنها غيرُ متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم - (١) قال ابن كثير ٣٣٥/٢ في تفسير هذه الآية: اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ها هنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: (منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) ... قاله أبو جعفر الباقر، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك، وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) ثم قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم، وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم، فاقتلوهم، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر. ١٤٤ أمره بعد انسلاخها أن يُقاتلهم، فقتل الناقض لعهده، وأجَّل مَنْ لا عهد له، أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يُتُمَّ للموفي بعهده عهدَه إلى مدته، فأسلم هؤلاء كُلُّهم، ولم يُقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضَرَبَ على أهل الذمة الجِزية . فاستقر أمرُ الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربينَ له، وأهلِ عهد، وأهلِ ذمةٍ، ثم آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإِسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه، فصارِ أهلُ الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمِن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب. وأما سيرته في المنافقين، فإنه أُمِرَ أن يَقبل مِنهم علانيتَهم، ويَكِلَ سرائِرَهم إلى الله، وأن يُجاهِدَهم بالعِلم والحُجَّة، وأمره أن يُعرِضَ عنهم، ويُغلِظَ عليهم، وأن يَبْلُغَ بالقولِ البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يُصلِّيَ عليهم، وأن يقومَ على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، فهذه سيرتُه في أعدائه مِن الكفار والمنافقين. فصل وأما سيرتُه في أوليائه وحِزبه، فأمرهُ أنْ يَصْبِرَ نفسَه مع الذين يدعون ربَّهم سيرته ◌َّ في أوليائه بالغداةِ والعشي يريدون وجهه، وألا تعدُوَ عيناه عنهم، وأمره أن يعفوَ عنهم، وحزبه ويستغفِرَ لهم، ويُشَاوِرَهم في الأمر، وأن يُصلِّي عليهم. وأمره بهجر من عصاهُ، وتخلَّف عنه، حتى يتوبَ، ويُراجِعَ طاعته، كما هجر الثلاثة الذين خُلِّفُوا. وأمره أن يُقيمَ الحدودَ على من أتى موجباتِها منهم، وأن يكونُوا عنده في ذلك سواء شَريفُهم ودنئُهم. وأمره في دفع عدوِّه مِن شياطينِ الإِنس، بأن يدفع بالتي هي أحسن، فيُقابل إساءة من أساء إليه بالإِحسان، وجهله بالحِلم، وظلمَه بالعفو، وقطيعتَه بالصلة، وأخبره أنه إن فعل ذلك، عاد عدوُّه كأنه ولي حميم. وأمره في دفعه عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة باللهِ منهم، وجمع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع مِن القرآن: في (سورة الأعراف) و (المؤمنين) ١٤٥ معنى ﴿خذ العفو وأمر بالعرف ... ﴾ و (سورة حم فصلت) فقال في سورة الأعراف: ﴿خُذِ العَفْوَ وَأمُرُ بالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلين، وإما يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌّ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩، ٢٠٠]. فأمره باتقاء شر الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شر الشيطان بالاستعاذة منه، وجمع له في هذه الآيةِ مكارم الأخلاق والشيم كلها، فإن وليّ الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بدَّ له مِن حقٍّ عليهم يلزمهم القيامُ به، وأمرٍ يأمرُهم به، ولا بُدَّ مِن تفريط وعُدوان يقع منهم في حقه، فأُمِرَ بأن يأخذ من الحق الذي عليهم ما طوَّعَتْ به أنفسُهم وسمحت به، وسَهُلَ عليهم، ولم يشُقَّ، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضررٌ ولا مشقة، وأمر أن يأمرهم بالعرف، وهو المعروف الذي تَعرفُه العقولُ السليمة، والفِطَرُ المستقيمة، وتُقُر بحسنه ونفعه، وإذا أمر به يأمر بالمعروف أيضاً لا بالعنف والغلظة. وأمره أن يُقابِلَ جهلَ الجاهلين منهم بالإعراض عنه، دون أن يُقابلَه بمثله، فبذلك يكتفي شرهم. وقال تعالى في سورة المؤمنين: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ، رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القَوْمِ الظَّالِمِينَ، وإِنَّا على أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ، ادْفَعْ بالتي هي أَحْسَنُ السَّيَّةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُّوْنَ، وَقُلْ رَبَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرون﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٧]. وقال تعالى في سورة حم فصلت: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيَِّةُ ادْفَعْ بالتي هَي أَحْسَنُ فِإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّ الذينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَفَّاهَا إِلَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ، وإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العليمُ﴾ [فصلت: ٣٤]، فهذه سيرته مع أهل الأرض إنسهم، وجنهم، مُؤمنهم، وكافرهم. فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار وكان أوَّل لواء عقده رسول الله لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مُهَاجَرِه، وكان لواءً أبيضَ، وكان حامِله أبو سرية حمزة إلى سيف البحر ١٤٦ مَرْتَد كَثَّاز بن الحُصين الغَنَوي حليف حمزة، وبعثه في ثلاثين رَجُلاً مِن المهاجرين خاصّة، يعترِضُ عِيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبُو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل. فبلغوا سِيْقَ البحرِ من ناحية العِيصِ، فالتَّقَوْا واصطفُوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجُهني، وكان حليفاً للفريقين جميعاً، بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حَجَزَ بينهم ولم يقتِلوا (١). فصل سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب ثم بعث عُبَيْدَة بنَ الحارث بن المطلب في سرية إلى بَطَنِ رَابغ في شوال على رأسٍ ثمانية أشهر من الهجرة، وعقد له لواءً أبيضَ، وحمله مِسْطَحُ بن أُثَاثَة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكانوا في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، فلقي أبا سفيان بنَ حرب، وهو في مائتين على بَطن رابغ، على عشرة أميالٍ من الجُحْفَةِ، وكان بينهم الرميُّ، ولم يَسُلُوا السيوف، ولم يصطفوا للقتال، وإنما كانت مناوشة، وكان سعدُ بن أبي وقاص فيهم، وهو أوَّلُ من رمى بسهم في سبيل الله، ثم انصرف الفريقانِ على حاميتهم. قال ابن إسحاق: وكان على القوم عِكرمة بنُ أبي جهل، وقدم سرية عبيدة على سرية حمزة (٢). سعد هو أول من رمى بسهم في سبيل الله فصل ثم بعثَ سعد بن أبي وقاصٍ إلى الخرَّارِ في ذي القَعدة على رأس تسعة سرية سعد إلى بطن رابغ أشهر، وعقد له لواءً أبيضَ، وحمله المقدادُ بنُ عمرو، وكانوا عشرين راكباً يعترِضُونَ عيراً لقريش، وعَهِدَ أن لا يُجاوِزَ الخَرَّار، فخرجوا على أقدامهم، فكانوا يكمنُون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى صبَّحوا المكان صَبِيحةَ خمس، فوجدوا العِير قد مرَّت بالأمس (٣). (١) انظر ابن هشام ٥٩٥/١، وابن سعد ٦/٢، والطبري ٢٥٩/٢، ٢٦٠، وابن سيد الناس ٢٢٤/١، وابن كثير ٢٣٨/٢، و((شرح المواهب اللدنية)) ٣٩٠/١. (٢) انظر ابن هشام ٥٩٥/١، ٥٩٦، وابن سعد ٧/٢، وابن كثير ٣٣٨/٢، ٣٣٩. (٣) انظر ابن هشام ٦٠٠/١، وابن سعد ٧/٢، وابن سيد الناس ٢٢٥/١، والخرار من = ١٤٧ غزوة الأبواء وهي أول غزوة غزاها بنفسه اد فصل ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء، ويقال لها: وَذَّان، وهي أولُ غزوة غزاها بنفسه، وكانت في صَفَر على رأس اثني عشر شهراً مِن مُهَاجَرِهِ، وحمل لواءه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين خاصة يعترِض عِيراً لقريش، فلم يلق كيداً، وفي هذه الغزوة وادع مخشيَّ بن عمرو الضَّمْرِي وكان سيِّدَ بني ضَمْرة في زمانه على ألا يغزو بني ضَمْرَة، ولا يغزوه، ولا أن يُكثِّروا عليه جمعاً، ولا يُعِينُوا عليه عدواً، وكتب بينه وبينهم كتاباً، وكانت غيبتُه خمسَ عشرة ليلة (١). فصل غزوة بُواط ثم غزا رسولُ اللهِ وَّهَ بُوَاطَ في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثةَ عشرَ شهراً مِن مُهَاجَرِهِ، وحمل لواءَه سعدُ بنُ أبي وقاص، وكان أبيضَ، واستخلف على المدينة سعدَ بن معاذ، وخرج في مائتين مِن أصحابه يعترِض عيراً لقُريش، فيها أميةُ بنُ خلف الجُمحي، ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بُواطاً، وهما جبلان فرعان، أصلهما واحد من جبالِ جُهينة، مما يلي طريقَ = أودية المدينة، وقيل: إنه ابار عن يسار المحجة قريب من خم. (١) الأبواء: قرية من عمل الفرع بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلاً، وانظر ابن هشام ٥٩١/١، وابن سعد ٨/٢، والطبري ٢٥٩/٢، وابن سيد الناس ٢٢٤/١، وابن كثير ٣٥٢/٢، و((شرح المواهب)) ٣٩٢/١، قال البخاري في ((صحيحه)) ٢١٧/٧، قال ابن إسحاق: أول ما غزا رسول الله بَّه الأبواء ثم بواط، ثم العشيرة. وأخرج البخاري ٢١٨/٧ عن زيد بن أرقم قيل له: كم غزا النبي ◌ٍَّ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: العشير أو العشيرة، فذكرت لقتادة، فقال: العشيرة، وفي ((صحيحه)) أيضاً ١١٦/٨ عن بريدة قال: غزا رسول الله ◌َّ ست عشرة غزوة، ولمسلم (١٨١٤) عنه أنه غزا مع رسول الله وَّر ست عشرة غزوة. وفي رواية له عنه أن رسول الله وَمثله غزا تسع عشرة غزوة، وقاتل في ثمان منهن. ١٤٨ الشام، وبين بُواط والمدينة نحُوُ أربعةِ بُرُد، فلم يلق كيداً فرجع(١). فصل ثم خرج علی رأس ثلاثة عشر شهراً مِن مُهَاجرِه یطلب گُرْز بن جابر الفهري، وحمل لِواءه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان أبيضَ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كُرز قد أغار على سرح المدينة، فاستاقه، وكان يرعى بالحِمى، فطلبه رسولُ اللهَ وَّةٍ حتى بلغ وادياً يقال له: سَفَوان مِن ناحية بدر، وفاته كُرز ولم يلحقه، فرجع إلى المدينة (٢). خروجه في طلب كرز الفهري فصل ثم خرج رسول الله وَُّ في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهراً، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيضَ، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين مِن المهاجرين، ولم يُكْرِهِ أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يَعْتَقِبُونَها يَعْترِضُون عيراً لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد كان جاءه الخبرُ بفصولها مِن مكة فيها أموالٌ لقريش، فبلغ ذَا العُشيرَةِ، وقيل: العُشيراء بالمد. وقيل: العُسيرة بالمهملة، وهي بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة برد، فوجد العِيرَ قد فاتته بأيام، وهذه هي العيرُ التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، وهي التي وعده الله إياها، أو المقاتلة، وذات الشوكة، ووفَی له بوعده(٣). غزوة العشيرة وفي هذه الغزوة، وادع بني مُدْلِج وحُلفاءهم من بني ضَمْرَة. قال عبد المؤمن بن خلف الحافظ: وفي هذه الغزوة كنى رسولُ اللهِ وَّه علياً أبا (١) انظر ابن هشام ٥٩٨/١، ٦٠٠ وابن سعد ٨/٢، ٩، وابن كثير ٣٦١/٢، والطبري ٢٦٠/٢، ٢٦١، وابن سيد الناس ٢٢٦/١. (٢) انظر ابن سعد ٩/٢. انظر ابن هشام ٥٩٨/١، ٦٠٠ وابن سعد ٩/٢، ١٠، والطبري ٢٦٠/٢، ٢٦١، وابن سيد الناس ٢٢٦/١، وابن كثير ٣٦١/٢ . (٣) ١٤٩ تُراب، وليس كما قال، فإن النبيَّ ◌َّةٍ: إنما كنَّاهُ أبا تراب بعد نكاحه فاطمة، وكان نِكاحُها بعد بدر، فإنه لما دخل عليها وقال: ((أيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟)) قالت: خَرَجَ مُغاضِباً، فجاءَ إلى المسجد، فوجده مضطجعاً فيه، وقد لصق به التراب، فجعل ينفُضه عنه ويقول: ((اجْلِسْ أبا تُرابِ اجْلِسْ أبا تُرابٍ» (١) وهو أول يوم کُني فيه أبا تراب. فصل سرية نخلة ثُمَّ بعثَ عبدَ الله بن جَحْشِ الأَسَدِيَّ إلى نَخْلَةَ في رجب، على رأس سبعةً عشرَ شهراً مِن الهِجْرة، في اثني عشر رجلاً مِن المهاجرين، كُلُّ اثنين يعتقبَان عَلَى بعير، فوصلُوا إلى بطن نخلة يرصُدُون عِيراً لقريش، وفي هذِهِ السَّرِيَّة سمَّى عبدَ الله بن جحش أميرَ المؤمنين، وكان رسولُ الله ◌ِيّ كتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظُرَ فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظُرَ فيه، ولما فَتَحَ الكِتاب، وجد فيه: ((إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هُذا، فَامْضٍ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ والطَّائِفِ، فَتَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشَاً، وتَعْلَمَ لنا مِنْ أَخْبَارِهم)) فقال: سمعاً وطاعةً، وأخبر أصحابَه بذلكَ، وبأنه لا يستكرِهُهم، فمن أحبَّ الشهادةَ، فلينهض، ومن كرِهَ الموت، فليرجِعْ، وأما أنا فناهض، فَمَضَوْا كُلُّهم، فلما كان في أثناء الطريق، أضلَّ سعدُ بن أبي وقاص، وعُتبة بنُ غزوان بعيراً لهما كانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فتخلفا في طلبه، وبَعُدَ عبدُ الله بنُ جحش حتى نزل بِنخلة، فمرَّت به عِيرٌ لقريش تَحْمِلُ زبيباً وأَدَماً وتِجارةَ فيها عمرو بن الحَضْرَمِي، وعثمان، ونوفل: ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكمُ بنُ كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمُون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم، انتهكنا الشهرَ الحرام، وإن تركناهم الليلةَ، دخلوا الحَرَمَ، ثم أجمعوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عمرو بن الحضرمي فقتله، (١) أخرجه البخاري ٤٤٦/١ في الصلاة: باب نوم الرجال في المساجد، وفي فضائل أصحاب النبي لة: باب مناقب علي بن أبي طالب، وفي الأدب: باب التكني بأبي تراب، وفي الاستئذان: باب القائلة في المسجد، وأخرجه مسلم (٢٤٠٩) في فضائل الصحابة: باب من فضائل علي بن أبي طالب. ١٥٠ أول خُمس و اول قتيل وأول أسيرين في الإسلام القتال في الأشهر الحرم وأسروا عثمان والحكم، وأفْلَتَ نوفل، ثم قَدِمُوا بالعِير والأسيرين، وقد عزلوا مِن ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإِسلام، وأنكر رسولُ الله ◌َّ عليهم ما فعلوه (١) واشتدَّ تعثُّتُ قريش وإنكارُهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالاً، فقالوا: قد أحلَّ محمد الشهرَ الحَرامَ، واشتد على المسلمين ذلك(٢)، حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ فِتَالِ فيهِ؟ قُلْ قِتَالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبيلِ اللَّهِ، وكُقْرَّ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم، وإن كان كبيراً، فما ارتكبتموه أنتم مِن الكفر بالله، والصدِّ عن سبيله، وعن بيته، وإخراجِ المسلمين الذين هم أهلُه منه، والشِرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به أكبرُ عند الله مِن قِتالهم في معنى الفتنة أكبر من الشهر الحرام، وأكثرُ السلف فسروا الفتنة ها هنا بالشرك، كقوله تعالى: القتل﴾ ﴿وَقَاتِلوهُمْ حَتَّى لا تكونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ويدل عليه قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتْهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا واللَّهِ رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أي: لم يكن مآلُ شركهم، وعاقبته وآخرُ أمرهم، إلا أن تبرّؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبُه إليه، ويُقاتِل عليه، ويُعاقب من لم يَقْتَتِنْ به، ولهذا يُقال لهم وقتَ عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَكُمْ﴾ قال ابن عباس: تكذيبكم. وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم، وغايَتَها، ومصيرَ أمرها، كقولهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكُسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤]، وكما فتنوا عباده على الشرك، فُتِنُوا على النار، وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لم يَتُوبُوا﴾ُ [البروج: ١٠]، فسرت الفتنةُ ها هنا بتعذيبهم المؤمنين، وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظُ أعمّ من ذلك، وحقيقته: (١) انظر سنن البيهقي ٩/ ١٢ و٥٨، ٥٩. (٢) انظر ابن هشام ٦٠١/١، ٦٠٤، وابن سعد ١٠/٢، ١١، وابن سيد الناس ٢٢٧/١، وابن كثير ٣٦٤/٢، ٣٦٥، ٣٦٦، ٣٧١. ١٥١ عذَّبُوا المؤمنين ليفتِنُوا عن دِينهم، فهذه الفتنةُ المضافةُ إلى المشركين. وأما الفتنة التي يضيفهاع الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله إليه، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ وقول موسى: ﴿إِنْ هيَ إلاّ فِتْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا من تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان، والاختبار، والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر، بالنعم والمصائب، فهذه لون، وفتنةُ المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإِسلام، كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين، حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر، وهي الفتنة التي قال فيها النبي ◌َّه: ((سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القَاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، والقائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشي، والماشي فيها خَيْرٌ من السَّاعي)) (١)، وأحاديثُ الفتنة التي أمر رسولُ الله ◌َّ فيها باعتزال الطائفتين، هي هذه الفتنة . وقد تأتي الفتنة مراداً بها المعصية كقوله تعالى: ﴿ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائذنْ لي ولا تَفْتَنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]، يقوله الجدُّ بنُ قيس، لما ندبه رسولُ اللهِ﴾ إلى تبوكَ، يقول: ائذن لي في القُعود، ولا تفتني بتعرضي لبنات بني الأصفر، فإني لا أَصْبِرُ عنهن، قال تعالى: ﴿أَلا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾(٢) [التوبة: ٤٩]، أي: وقعوا في فتنة النفاق، وفروا إليها مِن فتنة بناتِ الأصفر. والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدلِ والإنصافِ، ولم يُبرىء أولياءَه من ارتكاب الإِثِم بالقتالِ في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، (١) أخرجه البخاري ٢٦/١٣ في الفتن: باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، وفي الأنبياء: باب علامات النبوة في الإسلام، ومسلم (٢٨٨٦) في الفتن: باب نزول الفتن كمواقع القطر، وأحمد ٢٨٢/٢ من حديث أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (٢١٩٥) وأحمد ١٦٩/١ و١٨٥ من حديث سعد بن أبي وقاص، وأخرجه أحمد ١٠٦/٤ و١١٠ من حديث خَرَشَة بن الحر. (٢) انظر ((الإصابة)) ترجمة الجد بن قيس (١١١٠) وابن كثير ٣٦١/٢، ٣٦٢. ١٥٢ وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ في الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثارٍ ما عند الله، فهم كما قيل: جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعِ وإِذَا الحَبِيبُ أَنِى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن. فصل تحويل القبلة ولما كان في شعبان من هذه السنة، حُوِّلت القبلة، وقد تقدم ذكرُ ذلك. فصل في غزوة بدر الكبرى فلما كان في رمضانَ مِن هذه السنة، بلغ رسولَ اللهِ وَّةُ خبرُ العِير المقبلة من الشام لقريش صُحبةَ أبي سفيان، وهي العِير التي خرجوا في طلبها لما خرجت مِن مكة، وكانوا نحو أربعين رجلاً، وفيها أموالٌ عظيمة لِقريش، فندب رسولُ اللهِنَّه الناسَ للخروج إليها، وأمر من كان ظهرُه حاضراً بالنهوض، ولم يحْتَفِلْ لها احتفالاً بليغاً، لأنه خرج مُسْرِعاً في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرسٌ للمِقداد بن الأسود الكِندي، وكان معهم سبعون بعيراً يَعَتَقِبُ الرجلان والثلاثةُ على البعير الواحد، فكان رسولُ اللهِوََّ، وعلي، ومَرْثَدُ بنُ أبي مَرْئَدِ الغَنوي، يعتقِبُون بعيراً(١)، وزيدُ بن حارثة، وابنُه وكبشةُ موالي رسول الله وَّةِ، يعتَقِبُونَ بعيراً وأبو (١) هذا قول ابن إسحاق كما في ((السيرة)) ٦١٣/١ و٤١١/١، والذي جاء في مسند أحمد (٣٩٠١) و (٣٩٦٥) من حديث ابن مسعود قال: كنا يوم بدر، ثلاثة على بعير - أي يتعاقبون - وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله وال*، قال: وكانت عقبة رسول الله :* قال فقال: نحن نمشي عنك، فقال ما أنتما بأقوى مني،= ١٥٣ بكر، وعمر، وعبدُ الرحمن بن عوف، يعتقِبُونَ بعيراً، واستخلف على المدينةِ وعلى الصلاة ابنَ أمّ مكتوم، فلما كان بالرَّوحاءِ (١) رد أبا لُبابة بن عبد المنذر، واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مُصعبٍ بنِ عمير، والراية الواحدة إلى عليّ بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيسَ بنَ أبي صَعْصَعَةً، وسار، فلما قَرُبَ مِن الصَّفْرَاء، بعث بَسْبَسَ بنَ عمرو الجهني، وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسَّسان أخبارَ العِير. وأما أبو سفيان، فإنه بلغه مخرجَ رسول الله بَّهَ وقصده إياه، فاستأجر ضَمْضَمَ بنَ عمرو الغِفاري إلى مكة، مُستصْرخاً لقريش بالنَّفير إلى عِيرهم، ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريحُ أهلَ مكة، فنهضوا مُسرِعين، وأوعبوا (٢) في الخروج، فلم يتخلَّفْ من أشرافهم أحدٌ سوى أبي لهب، فإنَّه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دين، وحشدُوا فيمن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي، فلم يخرُجْ معهم منهم أحد، وخرجوا مِن ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَراً وَرِثَاءَ النَّاسِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول اللّه ◌َّرَ: ((بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُهُ وتُحَادُّ رَسُولَه»(٣)، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ، وغضبٍ، وحَنَقٍ على رسول الله بَ﴿ وأصحابِهِ، لما يُریدون مِن أخذ عيرهم، وقتل من فيها، وقد أصابُوا بالأمس عمرو بن الحضرمي، والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿ولو تَوَاعَدْتُم لاخْتَلَفْتُم في الميعادِ، ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: ٤٢]. ولما بلغَ رسول الله بَّه خروجُ قريش، استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانياً، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثاً، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما)) وسنده حسن، وصححه الحاكم ٢٠/٣، ووافقه الذهبي. = (١) بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلاً من المدينة. (٢) يقال: أوعب القوم: إذا خرجوا كلهم إلى الغزو. (٣) في ((السيرة)) ١/ ٦٢١ عن ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله ير قريشاً تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي - قال: ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادُّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أَحِنْهُمُ الغداة». ١٥٤ ففهمت الأنصارُ أنه يَعنيهم، فبادر سعدُ بنُ معاذ، فقال: يا رسول الله! كَأَنَّكَ تُعَرِّضُ بنا؟ وكان إنما يَعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخُروج، استشارهم لِيعلم ما عندهم، فقال له سعد: لَعَلَّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُون الأَنصارُ تَرَى حقاً عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار، وأُجِيب عنهم: فاظْعَنْ حَيْثُ شِئْت، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، واقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَأعطِنَا مَا شِئْتَ، وَمَا أَخَذْتَ مِنَّا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ، ومَا أَمَرْتَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا تَبَعْ لِأَمْرِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغ البَرْكَ مِنْ غمدانَ، لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هُذا البَحْرَ خُضْنَاهُ مَعَكَ. وقَالَ لَهُ المِقْدَادُ: لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فقاتِلا إِنَّا هَا هُنَا فَاعِدُونَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ، وَمِنْ خَلْفِكَ. فأشرق وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّ، وسُرَّ بِمَا سَمِعَ مِنْ أصحابِهِ، وقالَ: ((سِيرُوا وَأَبْشروا، فإنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصارعَ القَوْمِ»(١). (١) أورده ابن هشام في ((السيرة)) ٦٢٥/١ بدون سند، ورواه ابن كثير ٣٩٥/٢ بنحوه، ونسبه إلى ابن مردويه من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده مرسلاً، ونسبه الحافظ في ((الفتح)) ٢٢٤/٧ إلى ابن أبي شيبة، وأخرج البخاري ٢٢٣/٧ من حديث ابن مسعود: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عُدِلَ به، أتى النبي ◌ِّر وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي مهي أشرق وجهه، وسره قوله. وأخرجه أحمد ٣٩٠/١ و٤٢٨، والحاكم ٣٤٩/٣ وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه مسلم (١٧٧٩) من حديث أنس بن مالك قال: إن رسول الله مَّلة. شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغِماد لفعلنا ... وفيه: فقال رسول الله صَ لٍّ: ((هذا مصرع فلان))، قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول اللّه ◌ِه ئية، وفي = ١٥٥ فسار رسولُ الله ◌ِ ﴿ إلى بدر، وخَفَضَ أبو سفيان فَلَحِقَ بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا، وأحرز العير، كتب إلى قريش: أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتُم لِتُحْرِزُوا عيركم، فأتاهم الخبرُ، وهم بالجُحْفَةِ، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نَقْدَمَ بَدراً، فنقيمَ بها، ونُطعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِن العرب، وتخافُنَاً العربُ بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شُريق عليهم بالرجوع، فَعَصَوْه، فرجع هو لم يشهد بدراً زهري وبنو زُهرة، فلم يشهد بدراً زُهري، فاغتبطت بنو زُهرة بعدُ برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعاً معظماً، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل، وقال: لا تُفَارِقُنَا هذه العِصابة حتى نَرْجِعَ فساروا، وسارَ رسولُ الله چ حتى نزل عشياً أدنى ماء مِن مياه بدر، فقال: ((أَشِيرُوا عَلَيَّ في المَنْزِل)). فقال الحُبَابُ بنُ المنذر: يا رسول الله! أنا عالم بها وبِقُلُبِهَا، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزِلَ عليها ونَسبِقَ القوم إليها ونُغوِّر ما سواها مِن المياه(١). وسار المشركون سِراعاً يريدون الماء، وبعث علياً وسعداً والزبير إلى بدر يلتمِسُون الخبر، فَقَدِمُوا بعبدين لقريش، ورسولُ الله ◌َّ قائم يُصلي، فسألهما أصحابُهُ: مَنْ أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لِقريش، فكره ذلك أصحابه، ووُّوا لو كانا لِعِير أبي سفيان، فلما سلَّم رسولُ اللهٍِّ قال لهما: أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟ قالا: كون المتكلم سعد بن عبادة نظر، لأنه لم يشهد بدراً، وإن كان يعد فيهم لكونه ممن = ضرب له بسهمه، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن النبي لة استشارهم في غزوة بدر مرتين. الأولى وهو في المدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان وذلك بين في رواية مسلم، والثانية كانت بعد أن خرج كما في رواية البخاري، ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب. (١) رواه ابن هشام ٦٢٠/١ عن ابن إسحاق قال: فحدثت عن رجال من بني سلمة ... وفيه جهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة، وقد وصله الحاكم ٤٢٦/٣، ٤٢٧، وفي سنده من لا يعرف، وقال الذهبي: حديث منكر، وذكره ابن كثير في ((البداية)) ١٦٧/٣ عن ابن عباس، ونسبه للأموي، وفيه الكلبي، وهو متهم. ١٥٦ وراء لهذا الكثيب. فقال: كم القومُ؟ فقالا: لا عِلم لنا، فقال: كم ينحرونَ كُلَّ يوم؟ فقالا: يوماً عشراً، ويوماً تسعاً، فقال رسولُ الله ◌َِّ: القومُ ما بينَ تسعمائة إلى الألف، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلاَّ طهّرهم به، وأذهب عنهم رِجْسَ الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبت الأقدام، ومهَّدَ به المنزل، وربطَ به على قلوبهم، فسبق رسول الله ب وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل، وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ◌َ وأصحابه على الحياض. وبني لرسول الله ◌َخَلّ عريش يكون فيها على تلِّ يُشرِفُ على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يُشير بيده، هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله، فما تعدى أحد منهم موضع إشارته(١). فلما طلع المشركون، وتراءى الجمعانِ، قال رسول الله صَلٍّ: «اللَّهُمَّ لهذه قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخيلائِها وفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحادُّك، وَتَكذِّبُ رَسُولَكَ))، وقام، ورفع يديه، واستنصر ربِّه وقال: ((اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي مَا وَعَذْتَنِي، اللَّهُمَّ إِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ))، فالتزمه الصديق من ورائه، وقال: يا رسولَ الله! أبشر، فوالذي نفسي بيده، لَيُنجِزَنَّ اللَّهُ لكَ ما وَعَدَكِ(٢). (١) انظر (مسند أحمد)) ١١٧/١ من حديث علي، وسنده صحيح، وصحيح مسلم (١٧٧٩) من حديث أنس. (٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث عمر قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلي. إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله وَلثر القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض)»، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك ... وصححه الترمذي وعلي بن المديني، وأخرجه أحمد ٣٠/١ و٣٢، وأبو داود، وأخرج البخاريّ ٧/ ٢٢٤، ٢٢٦ = ١٥٧ معنى مردفين واستنصر المسلمون اللَّهَ، واستغاثُوه، وأخلصوا له، وتضرَّعُوا إليهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلى مَلاَئِكَتِهِ: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَتَبَُّوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله ﴿ أَنِّي مُمِدُكُم بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، قرىء بكسر الدال وفتحها (١)، فقيل: المعنى إنهمْ رِذْفٌ لكم. وقيل: يُرْدِفُ بعضُهم بعضاً أرسالاً لم يأتوا دفعةً واحدة. فإن قيل: ها هنا ذكر أنه أمدَّهم بألفٍ، وفي (سورة آل عمران) قال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِذَّكُمْ رَبَّكُم بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَّلِينَ، بلىْ إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، ويَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِم هذا يُمْدِدْكُم رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمين﴾ [آل عمران: ١٢٤]، فكيف الجمع بینھما؟ قيل: قد اختُلِفَ في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على قولين: الاختلاف في إمداد الله لهم أحدهما: أنه كان يومَ أحد، وكان إمداداً معلّقاً على شرط، فلما فات شرطُه، فات الإمدادُ، وهذا قولُ الضحاك ومقاتِل، وإحدى الروايتين عن عِكرمة . والثاني: أنه كان يومَ بدر، وهذا قولُ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والترمذي وابن جرير من حديث ابن عباس قال: قال النبي و لر يوم بدر: ((اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد» فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر)). (١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ((مردِفين)) بكسر الدال، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ((مردَفين)) بفتح الدال، والحجة لمن كسر الدال أنه جعل الفعل للملائكة فأتى باسم الفاعل من ((أردف))، والحجة لمن فتح الدال أنه جعل الفعل لله عز وجل، فأتى باسم المفعول من ((أردف)) والعرب تقول: أردفت الرجل: أركبته على عجز دابتي خلفي، وردفته: إذا ركبت خلفه: ((زاد المسير)) ٣٢٦/٢ بتحقيقنا، والحجة ص ١٤٥ لابن خالويه. ١٥٨ والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فاتّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلينَ، بلى إِنْ تَصْبِروا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٣ -١٢٥] إلى أن قال: (وما جَعَلَهُ الله) أي: هذا الإِمداد ﴿إلا بُشرى لكُم، ولِتطمئن قلوبُكم به﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوا، أمذَّهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدَّهم بتمامِ خمسةِ آلافٍ لما صبرُوا واتقوا، فكان هذا التدريجُ، ومتابعة الإمداد، أحسنَ موقعاً، وأقوى لِنفوسهم، وأسرَّ لها من أن يأتي به مرةً واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقةُ الأولى: القصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضاً في أثنائها، فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلقتال، والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَن تَفْشَلا واللَّهُ وَلِيُّهُما، وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون﴾ [آل عمران: ١٢١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرِ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرون﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فذكَّرهم نعمتَه عليهم لمَّا نصرهم ببدر، وهم أذلة، ثم عاد إلى قصةِ أحد، وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ آلافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، ثم وعدهم أنهم إن صبرُوا واتَّقُوا، أمدّهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسولِهِ، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف، وإمدادُ بدر بألف، وهذا معلّق على شرط، وذلك مطلق، والقصة في (سورة آل عمران) هي قصة أحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضاً، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في (آل عمران) غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، قد قال مجاهد: إنه يومُ أُحد، وهذا يستلزِمُ أن يكونَ الإِمدادُ المذكور فيه، ١٥٩ فلا يَصِحُ قولُه: إن الإِمداد بهذا العدد كان يومَ بدر، وإتيانُهم من فورهم هذا يومَ أحد. والله أعلم. فصل وباتَ رسولُ اللهِ وَ﴿ يصلي إلى جِذْع شجرة هُناك، وكانت ليلةَ الجمعة السابع عشرَ مِن رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا، أقبلتْ قريشٌ في كتائبها، واصطَف الفريقانِ، فمشى حكيمُ بنُ حِزام، وعُتبةُ بن ربيعة في قريش، أن يرْجِعُوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل، وجرى بينه وبين عتبة كلامٌ أَحْفَظَهُ، وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دَمَ أخيه عمروٍ، فكشف عن اسْتِهِ، وصرخ: واعَمْرَاهُ، فحمي القومُ، ونشَبتِ الحربُ، وعَدَّلَ رسولُ اللهِله الصفوفَ، ثم رجع إلى العَريشِ هو وأبو بكر خاصة، وقام سعدُ بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريشِ، يحمون رسولَ الله آل﴾ . طلب المبارزة وخرج عتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، والوليدُ بن عُتبة، يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثةٌ من الأنصار: عبدُ الله بن رواحة، وعوفٌ، ومُعَوَّذِّ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفَاءٌ كِرام، وإنما نُريد بني عمنا، فبرز إليهم عليٍّ وعُبيدة بن الحارث وحمزةُ، فقتل عليُّ قِرْنَه الوليد، وقتل حمزة قِرِنه عُتبة، وقيل: شيبةُ، واختلف عُبيدة وقِرنُه ضربتين، فكرَّ علي وحمزةٌ على قِرن عبيدة، فقتلاه واحتملا عبيدة(١) وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنَاً(٢) حتى مات بالصَّفْراءِ (٣). (١) أخرجه أحمد ١١٧/١، وأبو داود (٢٦٦٥) في الجهاد: باب المبارزة من حديث علي، وإسناده قوي. (٢) الضمن: هو المريض الذي به ضمانة في جسده من زمانة أو بلاء أو كسر وغيره، قال الشاعر: مَا خِلتني زلْتُ بَعْدَكُمْ ضَمِناً أَشْكُو إِلَيْكُمْ حُمُوَّةَ الألَم (٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣/ ١٨٧، ١٨٨ عن ابن عباس، وسنده حسن. ١٦٠