Indexed OCR Text

Pages 61-80

عِبَادُه وجوهَهُم، فثمَّ وجهُه، وهو الواسِع العليم، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما
يُوجِّهُ العبدُ، فثمَّ وجهُ اللهِ .
ثم أخبرَ أنه لا يَسألُ رسولَه عن أصحاب الجحيم الذين لا يُتَابِعونه ولا
يُصدقونه، ثم أعلمه أن أهل الكِتاب من اليهود والنصارى لن يَرْضَوْا عنه حتى يَتَّبعَ
ملتهم، وأنه إن فعل، وقد أعاذه اللَّهُ مِن ذلك، فماله مِن اللَّهِ مِن ولي ولا نصير،
ثم ذَكَّرَ أهل الكتاب بنعمته عليهم، وخوَّفَهُمْ مِن بأسه يومَ القيامة، ثم ذكر خَلِيلَه
باني بيته الحرام، وأثنى عليه ومدحه وأخبر أنه جعله إماماً للناس، يأتَمُّ به أهلُ
الأرض، ثم ذكر بيتَه الحرام، وبناءَ خليله له، وفي ضمن هذا أن باني البيت كما
هو إمامٌ للناس، فكذلك البيتُ الذي بناه إمام لهم، ثم أخبر أنه لا يَرْغَبُ عن مِلَّة
هذا الإِمامِ إلا أسفهُ الناس، ثم أمر عبادَه أن يأتمُّوا برسوله الخاتم، ويُؤمنوا بما
أُنْزِلَ إليه وإلى إبراهيم، وإلى سائر النبيين، ثم رد على من قال: إن إبراهيم وأهل
بيته كانوا هوداً أو نصارى، وجعل هذا كلَّهُ توطئة ومُقدِّمة بين يدي تحويل القبلة،
ومع هذا كله، فقد كَبُر ذلِكَ على الناس إلا مَنْ هدى الله مِنهم، وأكَّد سُبحانه هذا
الأمر مرَّةً بعد مرَّةٍ، بعد ثالثة، وأمر به رسوله حيثما كان، ومِن حيث خرج،
وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي هداهم إلى هذه القبلة،
وأنها هي القبلة التي تليق بهم، وهم أهلُها، لأنها أوسط القِبَل وأفضلُها، وهم
أوسطُ الأمم وخيارُهم، فاختار أفضلَ القِبل لأفضل الأمم، كما اختار لهم أفضلَ
الرسل، وأفضلَ الكتب، وأخرجهم في خير القرون، وخصهم بأفضل الشرائع،
ومنحهم خير الأخلاق، وأسكنهم خير الأرض، وجعل منازلهم في الجنة خيرَ
المنازل، وموقفهم في القيامة خيرَ المواقف، فهم على تلِّ عالٍ، والناسُ تحتهم،
فسبحان من يختصُّ برحمته من يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو
الفضل العظيم.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حُجَّةٌ، ولكِنِ الظالمون
الباغون يحتجُّونَ عليهم بتلك الحجج التي ذُكِرَتْ، ولا يُعارِضُ الملحدون الرسلَ
٦١

إلا بها وبأمثالها مِن الحجج الداحضة، وكُلُّ من قدَّم على أقوال الرسول سِواها،
فحجَتُه مِن جنس حجج هؤلاء.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لِيُتِمَّ نعمتَه عليهم، ولِيهديهم، ثم ذكرهم نعمه
عليهم بإرسال رسوله إليهم، وإنزال كتابه عليهم، ليزكيهم ويُعلِّمَهم الكتابَ
والحِکمةَ، ویعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ثم أمرهم بذكره وبشکره، إذ بهذين
الأمرين يستوجِبُونَ إتمامَ نعمه، والمزيدَ من كرامته، ويستجلبون ذكره لهم،
ومحبته لهم، ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به، وهو الصبرُ
والصلاة، وأخبرهم أنه مع الصابرين .
فصل
وأتمَّ نعمتَه عليهم مع القِبلة بأن شرع لهم الأذانَ في اليوم والليلة خمسَ
مرات، وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أخريين بعد أن كانت ثنائية (١)،
فكل هذا كان بعد مَقْدَمِه المدينة .
الأذان وزيادة الصلاة إلى
رباعية
فصل
فلما استقرَّ رسولُ الله ◌َّ بالمدينة، وأيَّده الله بنصره، بعباده المؤمنين
الأنصار، وألّف بين قلوبهم بعد العداوة والإِحَنِ التي كانت بينهم، فمنعته
أنصارُ الله وكتيبةُ الإِسلام من الأسود والأحمر، وبذلُوا نفوسهم دونه وقدَّموا محبتَه
على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم مِن أنفسهم، رمتهُمُ العربُ
واليهودُ عن قوس واحدة، وشمَّروا لهم عن سَاقِ العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم
مِن كُلِّ جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبرِ والعفو والصفح حتى قويت الشوكةُ،
الإذن بالقتال
(١) أخرج البخاري ٣٩٢/١ في أول الصلاة و٤٧٠/٢ في صلاة المسافرين: باب يقصر
إذا خرج من موضعه، ومسلم (٦٨٥) عن عائشة رضي الله عنها قالت: الصلاة أول
ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر، وأخرجه البخاري
٢١٠/٧ في الهجرة بلفظ ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي مَثّ، ففرضت
أربعاً».
٦٢

واشتد الجناحُ، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرِضه عليهم، فقال تعالى:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لقَدِيرٌ﴾، [الحج: ٣٩].
وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسُّورة مكية، وهذا غلط
لوجوه :
أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون
بها من القتال بمكة .
الثاني: أن سِياقَ الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من
ديارهم، فإنه قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقِّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾
[الحج: ٤٠] وَهؤلاء هم المهاجرون.
الثالث: قوله تعالى: ﴿ هُذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]
نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يومَ بدر من الفريقين(١).
الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والخطابُ
بذلك كله مدني، فأما الخطاب (يا أيها النَّاسُ) فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يَعُمُّ الجهادَ باليد وغيره، ولا ريبَ أن
الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأمَّا جهادُ الحُجَّة، فأمر به في مكة
بقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿جهاداً كبيراً﴾ [الفرقان:
٥٢] فهذه سورةَ مكية، والجهاد فيها هو التبليغُ، وجهادُ الحجة، وأما الجهادُ
المأمور به في (سورة الحج) فيدخل فيه الجهادُ بالسيف.
السادس: أن الحاكم روى في ((مستدركه)) من حديث الأعمش، عن مسلم
البَطِين، عن سعيد بن جُبير عن ابنِ عباس قال: لما خَرَجَ رسولُ اللّهِ بِّهِ مِنْ مَكَّة
(١) أخرجه البخاري ٣٣٦/٨، ٣٣٧ عن أبي ذر أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية:
(هذان خصمان اختصموا في ربهم) نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم
برزوا في يوم بدر.
٦٣

قال أبو بكر: أخرجُوا نبيَّهم، إنا لله وإنا إليه رَاجِعُونَ لِيَهْلِكُنَّ، فأنزل الله
عز وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ◌ُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وهي أول آية نزلت
في القتال(١). وإسناده على شرط ((الصحيحين)) وسياق السورة يدل على أن فيها
المكيَّ والمدنيَّ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية، والله أعلم.
فصل
ثم فرضَ عليهم القِتَالَ بعدَ ذلك لمن قاتلهم دون من لم يُقاتِلْهم فقال:
﴿وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].
فرض القتال
ثم فرض عليهم قتالَ المشرِكينَ كافَّة، وكان محرَّماً، ثم مأذوناً به، ثم
مأموراً به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأموراً به لجميع المشركين إما فرضَ عينٍ على
أحد القولين، أو فرضَ كِفاية على المشهور.
التحقيق في مسالة
فرضية الجهاد
والتحقيق أن جنسَ الجهادِ فرضُ عين إما بالقلب، وإما بالَّسان، وإما
بالمال، وإما باليد، فعلى كُلِّ مسلم أن يُجاهد بنوع مِن هذه الأنواع.
أما الجهاد بالنفس، ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال، ففي وجوبِه
قولان، والصحيح وجوبه لأن الأمرَ بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال
تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] وعلَّق النجاةَ من النار به، ومغفرةَ الذنب،
ودخولَ الجنة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُم عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُم
ذلِكُم خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيَدْخِلِكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيَِّةٌ فِي جَنَّاتِ عَذٍْ ذُلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠]
وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك، أعطاهم ما يُحبون مِن النصر والفتح القريب فقال:
(١) ((المستدرك)) ٦٦/٢، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن
جرير الطبري وأحمد ٢١٦/١ والترمذي (٣١٧٠).
٦٤

﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ [الصف: ١٢] أي: ولكم خصلة أخرى تُحِبُّونها في الجِهَادِ،
وهي ﴿نصرٌ من الله وفتحٌّ قريب﴾ وأخبر سبحانه أنه ﴿اشترى مِنَ المُؤْمنينَ أَنْفُسَهُم
وَأَمْوَالَهُم بأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١٠] وأعاضهم عليها الجنةَ، وأن هذا العقد
والوعد قد أودعه أفضلَ كتبه المنزلة مِن السماء، وهي التوارة والإنجيل والقرآن،
ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحدَ أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن
أمَرَهُم بأن يستبشِروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوزُ
العظیمُ.
فليتأمِل العاقِد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظمَ خطَرَه وأجلّه، فإن الله
عز وجل هو المشتري، والثمن جنات النعيم، والفوز برضاه، والتمتعُ برؤيته
هناك؛ والذي جرى على يده هذا العقدُ أشرفُ رسله وأكرمُهم. عليه مِن الملائكة
والبشر، وإِن سِلْعَةً هذا شأنُها لقد هُيََّتْ لَأَمرٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسيمٍ:
قَدْ هَيَّؤوكَ لَأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ فَارْباً بِنَفْسِكَ أَنْ تَرَعَى مَعَ الهَمَلِ (١)
مَهْرُ المحبةِ والجنَّةِ بذلُ النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من
المؤمنين، فما لِلجبان المُعرِضِ المُفْلِس وسَوْمِ هِذه السلعة، باللّهِ ما هُزِلَتْ
فيستامها المفلسون، ولا كَسَدَت، فيبيعَهَا بالنسيئة المُعْسِرُونَ، لقد أقيمت للعرض
في سوق من يُرِيد، فلم يرضَ رَبُّهَا لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطَّلون،
وقام المحبُّونَ ينتظرون أيُّهُم يصلُح أن يكون نفسهُ الثمن، فدارت السِّلعة بينهم،
ووقعت في يد ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
لما كَثُرَ المدَّعون للمحبة، طُولِبُوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو
يُعطى الناسُ بدعواهم، لاذَّعى الخَلِيُّ حِرْفَةَ الشَّجِيِّ، فتنوع المدعون في الشهودِ،
فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا بِبِيئَّةٍ ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِكُمُ
اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فتأخر الخلقُ كُلُّهم، وثبت أتباعُ الرسولِ في أفعاله وأقوالِه
(١) هو آخر بيت من لامية العجم للطغرائي.
٦٥
زاد المعاد ج ٣-م٣

وهديه وأخلاقِه، فطُولِبُوا بعدالة البَيِّة، وقيل: لا تُقبَلُ العدالةُ إلا بتزكية
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فتأخر أكثرُ
المدعين للمحبة، وقام المجاهِدونَ، فقيل لهم: إن نفوس المحبّين وأموالهم
ليست لهم، فسلموا ما وقع عليه العقد، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسَهم
وأموالَهُم بأن لهم الجنةَ، وعقد التبايع يُوجِبُ التسليمَ مِن الجانبين، فلما رأى
التجارُ عظمةَ المشتري وقَدْرَ الثمن، وجَلالةَ قَدْرِ مَن جرى عقدُ التبایع علی یدیه،
ومِقدارَ الكتاب الذي أُثْبِتَ فيه هذا العقدُ، عرفُوا أن للسلعة قدراً وشأناً ليس لِغيرها
من السُّلع، فرأوا مِن الخُسران البَيِّن والغَبْنِ الفاحش أن يبيعوها بثمن بَخْسِ دَرَاهِمَ
معدودة، تذهب لذَّتُهَا وشهوتُهَا، وتبقى تَبِعَتُهَا وحسرَتُها، فإن فاعل ذلك معدود
في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعةَ الرِّضوان رضىّ واختياراً مِن غير
ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نَقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ فلما تمَّ العقدُ، وسلموا المبيعَ،
قيل لهم: قد صارت أنفُسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفَر
ما كانت وأضعافَ أموالكم معها ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ
أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩] لم نبتع منكم نفوسَكم وأموالكم طلباً
للربح عليكم، بل لِيظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإِعطاء عليه أجلَّ
الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمَّنِ. تأمل قصةَ جابر بن عبد الله ((وقد
[شراؤه ◌ِ ◌ّ بعيراً من اشترى منه ◌ِّ بعيرَه، ثمَّ وفَّه الثَمَنَ وزادَهُ، وَرَدَّ عليه البعير)) (١) وكان أبوه قد قُتِلَ
جابر]
مع النبيِّ صلى الله عليهِ وسلَّم في وقعة أحد، فذكَّره بهذا الفعلِ حالَ أبيه مع الله،
وأخبره ((أنَّ الله أحياه، وكلَّمَهُ كِفَاحاً وقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ)) (٢) فسبحان مَنْ
(١) أخرجه البخاري ٣٩٥/٤ في الوكالة، و ٤٠/٥ في الاستقراض، و ٨٤ في المظالم،
و ٢٣٦،٢٢٩ في الشروط، و٤٩/٦، ٥٠ في الجهاد، ومسلم (٧١٥) في المساقاة،
والترمذي (١٢٥٣) وأبو داود (٣٥٠٥) والنسائي ٢٩٧/٧، ٣٠٠، وابن ماجه
(٢٢٠٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠١٣) وابن ماجه (١٩٠) و (٢٨٠٠) من حديث جابر بن عبد الله،
وسنده حسن.
٦٦

عَظُمَ جودُه وكرمُّه أن يُحيط به علمُ الخلائق، فقد أعطى السلعةَ، وأعطى الثمنَ،
ووفَّقَ لتكميلِ العقد، وقبل المبيعَ على عيبه، وأعاض عليه أجلَّ الأثمانَ، واشترى
عبدَه من نفسه بماله، وجمع له بين الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ، وأثنى عليه، ومدحه بهذا
العقد، وهو سبحانه الذي وفقه لهُ، وشاءه منه.
حَدَا بِكَ حَادِي الشَّوْقِ فَاطْوِ المَرَاحِلاَ
فَحِيَّهَلاَ إِنْ كُنْتَ ذَاهِمَّةٍ فَقَدْ
إِذَا مَا دَعَالَبَيْكَ أَلْفَاَ كَوَامِلاً
نَظَرْتَ إِلَى الأَطْلَاَلِ عُذْنَ حَوَائِلاً
وَدَعْهُ فإن الشَّوْقَ يكفيك حامِلاً
طَرِيقِ الهُدَى وَالحُبِّ تُصْبِحُ وَاصِلاَ
رِكَابُكَ فَالذِّكْرَى تُعِيدُكْ عَامِلاَ
أَمَامَكِ ورُدُ الوَصْلَ فَابِي المَنَاهِلاَ
فَنُورُهُمْ يَهْدِيكَ لَيْسَ المَشَاعِلاَ
عَسَاكَ تَرَاهُمْ ثَمَّ إِنْ كُنْتَ قَائِلاً
سَأَحِيَّةِ فَاطْلُبُهُمْ إِذَاكُنْتَ سَائِلاً
تَفُتْ فَمِنَّى يَا وَيْحَ مَنْ كَانَ غَافِلاَ
مَنَازِلُكَ الأولَى بِهَاكُنْتَ نَازِلاً
وَقَفْتَ عَلَى الأَطْلَاَلِ تَبْكِي المَنَازِلاَ
خُلُودِ فَجُذْ بِالنَّفْسِ إِنْ كُنْتَ بَاذِلاَ
مَقِيلٌ وَجَاوزْهَا فَلَيْسَتْ مَنَازِلاً
قَتِيِلٌ وَكَمْ فِيهَالِذَا الخَلْقِ قَاتِلاَ
عَلَيْهِ سَرَى وَقْدُ الأَحِيَّةِ آمِلاَ
فَعِنْدَ اللِّقَاذَا الكَدُّيُصْبِحُ زَائِلاً
وَيُصْبِحُ ذُو الأَحْزَانِ فَرْحَانَ جَاذِلاً
وَقُلْ لِمِنادي حُبِهِمْ وَرِضَاهُمُ
وَلاَ تَنْظُرِ الأَطْلاَلَ مِنْ دُونِهِمْ فَإِنْ
ولا تَنْتَظِرْ بالسَّيْرِ رِفْقَةَ قاعدٍ
وَخُذْ مِنْهُمُ زاداً إِلَيْهِمْ وَسِرْ عَلَى
وَأَخْي بِذِكْرَاهُمْ شِرَاكَ إِذَا دَنَتْ
وَأِمَّا تَخَافَنَّ الْكَلاَلَ فَقُلْ لَهَا
وَخُذْ قَبَسَاً مَنْ نُورِهِمْ ثُمَّسِرْبِهِ
وَحَيٍّ عَلَى وَادِي الأَرَاكِ فَقِلْ بِهِ
وَإِلَا فَفِي نَعْمَانَ عِنْدِي مُعَرِّفُ الـ
وَإِلَّ فَفِي جَمْعٍ بِلَيْلَتِهِ فَإِنْ
وَحَيٍّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِإِنَّها
وَلْكِن سَبَّاكَ الكَاشِحُونَ لأَجْلِ ذا
وَحِيٍّ عَلَى يَوْمِ المَزِيدِبِجَنَّةِالـ
فَدَعْهَارُ سُوماً دَارِسَاتٍ فَمَا بِهَا
رُسُوماً عَفَتْ يَنْتَابُهَا الخَلْقُكُمْبِهَا
وَخُذْيَمْنَةً عَنْهَا عَلَى المَنْهَجِ الَّذِي
وَقُلْ سَاعِدِي يَانَفْسُ بالصَّبِ سَاعَةً
فَمَا هِيَ إِلَّسَاعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي
لقد حرك الداعي إلى الله، وإلى دار السلام النفوسَ الأَبيَّةَ، والهِممَ العالية،
٦٧

وأسمع منادي الإِيمان من كانت له أُذُنُّ واعية، وأسمع الله من كان حياً، فهزه السماعُ
إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطّت به رِ حالُهُ إِلا بدار القَرَارِ فَقَالَ:
(انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّ إِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَن أَرْجِعَهُ
بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنََّ، وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ
سَرِيٍَّ، وَلَو ◌ِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ ◌ُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)(١).
وقال: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ
لاَ يَقْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةَ حَتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتوكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ
فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أَجْرٍ أَوَ غَنِيمَةٍ) (٢).
وقال: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا)(٣) .
(١) أخرجه البخاري ٨٦/١ في الإيمان: باب الجهاد من الإِيمان، وفي الجهاد: باب
قول النبي ◌َّلهم: ((أحلت لكم الغنائم))، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: (ولقد
سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) وباب: قول الله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً
لكلمات ربي)، وأخرجه النسائي ١١٩/٨ في الإيمان: باب الجهاد، وابن ماجه
(٢٧٥٣) في الجهاد: باب فضل الجهاد في سبيل الله من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري ٦/ ٦،٥ في الجهاد: باب أفضل الناس مجاهد بنفسه وماله، ومسلم
(١٨٧٨) في الإمارة: باب فصل الشهادة في سبيل الله تعالى، و ((الموطأ)) ٤٤٣/٢
في الجهاد: باب الترغيب في الجهاد، والنسائي ١٧/٦ في الجهاد: باب ما تكفل
الله عز وجل عن مجاهد في سبيله، كلهم من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجه
(٢٧٥٤) في الجهاد: باب فضل الجهاد في سبيل الله من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه البخاري ١١/٦ في الجهاد: باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وباب فضل
رباط يوم في سبيل الله، وفي بدء الخلق: باب ما جاء في صفة الجنة، وفي الرقاق:
باب مثل الدنيا والآخرة من حديث أنس، وأبي هريرة، وسهل بن سعد وأخرجه
مسلم (١٨٨٠) في الجهاد: باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله من حديث
أنس، و (١٨٨١) من حديث سهل بن سعد و (١٨٨٢) من حديث أبي هريرة،
و (١٨٨٣) من حديث أبي أيوب، وأخرجه النسائي ١٥/٦ من حديث سهل بن
سعد، ومن حديث أبي أيوب، والترمذي (١٦٤٨) في فضائل الجهاد: باب ما جاء
في فضل الغدو والرواح في سبيل الله من حديث سهل بن سعد، و (١٦٤٩) من =
٦٨

وقال فيما يَروي عن ربِّه تبارك وتعالى: ((أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدَاً
في سَبيلي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتي، ضَمِنْتُ لهُ أَنْ أَرْجعه إِنْ أَرْجَعْتُهُ بِمَا أصابَ مِنْ أجْر أو
غَنِيمَةٍ، وَإِنْ قَبَضتُهُ أَنْ أَغْفِرَ له وَأَرْحَمَهُ وَأُدْخِلَهُ الجَنَّةَ»(١).
وقال: ((جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فإِنَّ الجِهَادَ في سَبِيلِ اللَّهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ
الجَنَّةِ يُنْجِي اللَّهُ به مِنَ الهِمِّ والغَمِّ»(٢).
وقال: ((أَنَا زَعيمٌ - والزَّعيمُ الحَميلُ - لِمَنْ آمَنَ بي، وأسْلَمَ وهَاجَرَ بِبَيْتٍ
فِي رَبَضِ الجَنَّةِ، وبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ، وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي وَأَسْلَمَ، وَجَاهَدَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعَلَى غُرَفِ
الجَنَّة، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَم يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَباً، ولا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَباً يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ
أَنْ يموت))(٣).
وقال: ((مَنْ قَاتَلَ في سَبيلِ اللَّهِ من رَجُل مُسْلِمٍ فُواقَ نَاقةٍ، وَجَبَتْ لَهُ
الجَنَّة)) (٤).
حديث أبي هريرة وابن عباس، و (١٦٥١) من حديث أنس، وأخرجه الدارمي في
=
(«سننه» ٢٠٢/٢ في الجهاد: باب الغدوة في سبيل الله من حديث سهل بن سعد.
(١) أخرجه النسائي ١٨/٦ في الجهاد: باب السرية التي تخفق من حديث عبد الله بن
عمر، وفيه الحجاج بن أرطأة، وهو كثير الخطأ، وعنعنة الحسن، لكن يشهد له
ما قبله، فهو حسن به.
(٢) أخرجه أحمد ٣١٤/٥ و٣١٦ و٣١٩ و٣٢٦ و٣٣٠ من حديث عبادة بن الصامت،
وسنده حسن، وصححه الحاكم ٧٥/٢، ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في
((المجمع)) ٢٧٢/٥، وقال: رواه أحمد، والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) وأحد
أسانيد أحمد وغيره ثقات.
(٣) رواه النسائي ٢١/٦ في الجهاد: باب ما لمن أسلم وهاجر وجاهد من حديث
فضالة بن عبيد، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (١٥٨٦) والحاكم ٣/ ٧١،
ووافقه الذهبي.
(٤) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٢٥٤١) في الجهاد: باب فيمن سأل الله شهادة،
والنسائي ٢٥/٦، ٢٦ في الجهاد: باب ثواب من قاتل في سبيل الله فواق ناقة، وابن=
٦٩

وقالَ: ((إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدّهَا اللَّهُ للمُجاهِدِينَ في سَبِيل الله مَا بَيْنَ
كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْس، فإنَّهُ
أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنُ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَِّ»(١).
وقال لأبي سعيد: ((مَنْ رَضِيَ باللّهِ رباً، وبالإِسْلامِ دِيناً، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً،
وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فعجب لها أبُو سعيدٍ، فقال: أَعِدْهَا عليَّ يا رَسولَ اللَّهِ، فَفَعَل،
ثم قالَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ: ((وأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا العَبَّدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ مَا بَيْنَ
كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ)) قال: وما هي يا رسول اللَّهِ؟ قال: ((الجِهَادُ
في سَبِيلِ اللَّهِ)(٢).
وقال: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، دَعَاهُ خَزَنَةُ الجنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ،
أَيْ فُلُ هَلُمَّ، فمنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل
الجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابٍ
الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَانِ)) فقال أبو بكر: بأبي أَنْتَ
وأمي يا رسولَ اللّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ
مِنْ تِلْكَ الأَبْوابِ كُلِّهَا؟ قال: (نَعَمْ وأرجو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))(٣) .
ماجة (٢٧٩٢) في الجهاد: باب القتال في سبيل الله، والترمذي (١٦٥٧) والدارمي
=
٢٠١/٢، وأحمد ٢٣٠/٥ و٢٣٥ و٢٤٤ من حديث معاذ بن جبل، وصححه ابن
حبان (١٦١٥).
(١) أخرجه البخاري ٩/٦، ١٠ في الجهاد: باب درجات المجاهدين في سبيل الله،
و ٣٤٩/١٣ في التوحيد: باب وكان عرشه على الماء، وأحمد ٣٣٥/٢ من حديث
أبي هريرة.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٨٤) في الإمارة: باب بيان ما أعده الله للمجاهدين في الجنة من
الدرجات، والنسائي ١٩/٦، ٢٠.
(٣) أخرجه البخاري ٩٦/٤ في الصوم: باب الريان للصائمين، و٣٦/٦ في الجهاد:
باب فضل النفقة في سبيل الله، و٢٢٢/٦ في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة،
و ٢١/٧، ومسلم (١٠٢٧) في الزكاة: باب من جمع الصدقة، والنسائي ٢٢/٦،
٢٣ من حديث أبي هريرة.
٧٠

وقال: ((مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبِسَبْعمائةٍ، وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى
نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَعَادَ مَرِيضاً أَوْ أَمَاطَ الأَذَى عَنْ طَرِيقٍ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا،
وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقُهَا، وَمَنِ ابْتِلاَه اللَّهُ فِي جِسَدِهِ فَهُوَ لَهُ حِطٌَّ) (١).
وذكر ابنُ ماجة عنه: ((مَنْ أَرْسَلَ بِنفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وأَقَامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلٌ
دِرْهَمٍ سَبْعُمائَةِ دِرْهَمٍ، وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِهِ ذُلِكَ، فَلَهُ
بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ)) ثم تلا هذه الآية: ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[البقرة: ٢٦١](٢).
وقال: ((مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدَاً في سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمَاً في غُرْمِهِ أَوْ مُكَاتَبَاً في
رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُهُ)(٣).
وقال: ((مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ)) (٤).
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ١٩٥/١ و١٩٦ من حديث أبي عبيدة، وفي سنده
عياض بن غطيف، ويقال: غطيف بن الحارث، ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل) ٤٠٨/٦، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وباقي رجاله ثقات، وفي الباب
عند أحمد ٣٢٢/٤، و٣٤٥ والترمذي (١٦٢٥) والنسائي ٤٩/٦ من حديث
خريم بن فاتك مرفوعاً: ((من أنفق نفقة في سبيل الله، كتبت له سبعمائة ضعف))
وسنده صحيح، وصححه الحاكم.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٧٦١) في الجهاد: باب فضل النفقة في سبيل الله عن غير واحد
من الصحابة وفي سنده الخليل بن عبد الله، وهو مجهول، كما قال الحافظ في
«التقریب)).
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤٨٧/٣ والحاكم ٢١٧/٢ من حديث سهل بن حنيف،
وفي سند عبد الله بن محمد بن عقيل في حديثه لين وقد تغير بأخرة، وفي الباب عند
أحمد ٣٨٦/٤ وأبي داود (٣٩٦٦) والنسائي ٢٦/٦ من حديث عمرو بن عبسة
مرفوعاً: «من أعتق رقبة مؤمنة کانت فداء من النار» وسنده صحيح، وله شاهد عند
أحمد ١٥٠/٤ من حديث عقبة بن عامر، وآخر من حديث مالك بن عمرو القشيري
عند أحمد ٣٤٤/٤، وثالث من حديث معاذ بن جبل عند أحمد ٢٤٤/٥.
(٤) أخرجه البخاري ٣٢٥/٢ في الجمعة: باب المشي إلى الجمعة، وفي الجهاد
٢٣/٦: باب من أغبرت قدماه في سبيل الله، والترمذي (١٦٣٢) في فضائل الجهاد :=
٧١

وقالَ: ((لاَ يَجْتَمِعُ شُحُّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في
سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ في وَجْهِ عَبْدٍ)) وفي لَفْظ ((فِي قَلْبِ عَبْدٍ)) وفي لفظ ((في
جَوْفِ امْرِىء» وفي لفظ ((في مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ)) (١) .
وذكر الإِمامُ أحمد رحمه الله تعالى: ((مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللّهِ سَاعَةً
مِنْ نَهَارٍ، فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ))(٢).
وذكر عنه أيضاً أنَّهُ قال: ((لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ فِي جَوْفِ رَجُلٍ غُبَارَاً في سَبِيلِ اللَّهِ
وَدُخَانَ جَهَنَّمَ، وَمَنُ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ سَائِرَ جَسَدِهِ على النَّارِ،
ومَنْ صَامَ يَوْمَاً في سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ عَنْهُ النَّارَ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ لِلرّاكِبِ المُسْتَعْجِلِ،
وَمَنْ جُرِعَ جِرَاحَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خُتِمَ لَهُ بِخَاتَمِ الشُّهَدَاءِ، لَهُ نُورٌ يَوْمَ القِيَامَةِ لَوْنُهَا لَوْنُ
الزَّعْفَرَانِ، وَرِيحُهَا رِيحُ المِسْكِ يَعْرِفُهُ بِهَا الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ، ويَقُولُونَ: فُلانٌ عَلَيْهِ
طَابِعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»(٣) .
باب ما جاء في فضل من أغبرت قدماه في سبيل الله، وأحمد في ((المسند» ٤٧٩/٣
=
من حديث أبي عبس عبد الرحمن بن جبر.
(١) أخرجه النسائي ١٢/٦ و١٣ و١٤ في الجهاد: باب فضل من عمل في سبيل الله
على قدمه، وأحمد في ((المسند)) ٢٥٦/٢ و٣٤٢ و٤٤١، والحاكم ٧٢/٢،
والبيهقي ١٦١/٩ كلهم من طريق ابن اللجلاج عن أبي هريرة، وابن اللجلاج اختلف
في اسمه، فقيل: القعقاع، وقيل: حصين، وقيل: خالد، ولم يوثقه غير ابن حبان،
لكن للحديث طريق آخر يتقوى به أخرجه أحمد ٣٤٠/٢ والنسائي ١٢/٦، ١٣،
والحاكم ٧٢/٢ من طريق الليث، عن محمد بن عجلان، عن سهيل بن أبي صالح،
عن أبيه، عن أبي هريرة ... وسنده حسن، وصححه ابن حبان (١٥٩٧)
و (١٥٩٩).
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٢٥/٥، ٢٢٦ من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي،
وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان.
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)» ٤٤٣/٦، ٤٤٤ من حديث خالد بن دريك عن أبي
الدرداء. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٦٧/٢: ورواة إسناده ثقات إلا أن
خالد بن دريك لم يدرك أبا الدرداء وقيل: سمع منه، وللحديث شواهد، وقد تقدمت
سوى قوله: ((ومن صام يوماً في سبيل الله، باعد الله منه النار يوم القيامة =
٧٢

وذكر ابن ماجة عنه: ((مَنْ رَاحَ رَوْحَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَهُ
مِنَ الغُبَارِ مِسْكَاً يَوْمَ الِقَيَامَةِ»(١).
وذكر أحمد - رحمه الله - عنه: ((مَا خَالَطَ قَلْبَ امْرِىءٍ رَهَجٌ في سَبِيلِ اللَّهِ
إِلَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ))(٢) .
وقال: ((رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا))(٣).
وقال: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ، جَرَى عَلَيْهِ
عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجَرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الفَتَّانَ)»(٤).
وقالَ: ((كُلُّ مَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطَاً في سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ
يَنْمُولَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُؤُمَّنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ))(٥).
مسيرة ألف عام للراكب المستعجل)) وفي المتفق عليه من حديث أبي سعيد مرفوعاً:
((ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار
سبعين خريفاً) وأخرج النسائي بسند حسن من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً (من صام
يوماً في سبيل الله، باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام)) وله شاهد من حديث
عمرو بن عبسة عند الطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)).
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٧٧٥) في الجهاد: باب الخروج في النفير من حديث أنس بن
مالك، وسنده حسن.
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٨٥/٦ من طريق إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، وهذا سند صحيح، فإن إسماعيل بن
عياش ثقة في روايته عن أهل بلده، وهذا منها. والرَّهْج - بفتح الراء وسكون الهاء
وقيل بفتحها - ما بداخل باطن الإنسان من خوف أو جزع.
(٣) أخرجه البخاري ٦/ ٦٤ في الجهاد: باب فضل رباط يوم في سبيل الله، وباب الغدوة
والروحة في سبيل الله، وفي بدء الخلق: باب ما جاء في صفة الجنة، وفي الرقاق:
باب مثل الدنيا والآخرة، من حديث سهل بن سعد الساعدي.
أخرجه مسلم (١٩١٣) في الإمارة: باب فضل الرباط في سبيل الله، والنسائي ٣٩/٦
(٤)
في الجهاد: باب فضل الرباط من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه.
(٥) أخرجه الترمذي (١٦٢١) في فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل من مات مرابطاً،
وأبو داود (٢٥٠٠) في الجهاد: باب في فضل الرباط، وأحمد ٢٠/٦ من حديث =
٧٣

وقال: ((رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ
المَنَازِلِ»(١) .
وذكر ابنُ ماجة عنه: ((مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ
صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا)»(٢).
وقال: ((مُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةٍ أَحَدِكُمْ فِي أَهْلِهِ سِتِّينَ
سَنَةً، أَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَتَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، جَاهِدوا في سَبِيلِ اللَّهِ، مَنْ
قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»(٣).
وذكر أحمد عنه: ((مَنْ رَابَطَ فِي شَيءٍ مِنْ سَوَاحِلِ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ أيَّامِ،
أَجْزَأَتْ عَنْهُ رِبَاطَ سَنَةٍ (٤).
فضالة بن عبيد، وسنده حسن، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان
=
(١٦٢٤) وفي الباب عن عقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله .
(١) أخرجه النسائي ٣٩/٦، ٤٠ في الجهاد: باب فضل الرباط، والدارمي ٢١١/٢ في
الجهاد: باب فضل من رابط يوماً وليلة، وأحمد ٦٢/١ و ٦٥ و٦٦ و٧٥،
والترمذي (١٦٦٧) في الجهاد: باب ما جاء في فضل المرابط من حديث عثمان بن
عفان، وفي سنده أبو صالح مولى عثمان لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله
ثقات، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٧٦٦) في الجهاد: باب فضل الرباط في سبيل الله، وأحمد
٦٥/١ من حديث عثمان بن عفان، وفي سنده مصعب بن ثابت، وهو لين الحديث.
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٤٤٦/٢ و٥٢٤، والترمذي (١٦٥٠) والبيهقي ١٦٠/٩
من حديث أبي هريرة، وسنده حسن، وصححه الحاكم ٦٨/٢، ووافقه الذهبي،
ولقوله: ((ومقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاة ستين سنة)) شاهد من حديث
عمران بن حصين عند الدارمي ٢٠٢/٢، والحاكم ٦٨/٢ ورجاله ثقات، وآخر من
حديث أبي أمامة عند أحمد ٢٦٦/٥ وقوله: ((من قاتل ... )) تقدّم شاهده من حديث
معاذ بن جبل.
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٦٢/٦ من حديث أم الدرداء ترفعه، وفي سنده
إسماعيل بن عياش الشامي، وهو ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وهذا منها،
فإنه رواه عن محمد بن عمرو بن طلحة، وهو مدني.
٧٤

وذُكِرَ عنه أيضاً: ((حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ أفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا،
ويُصَامُ نَهَارُهَا))(١).
وقال: ((حَرُمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنِ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَحَرُمتِ النَّارُ
عَلَى عَيْنِ سَهِرَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ))(٢).
وذكر أحمد عنه: ((مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاء المُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعَاً
لا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ، لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (وَإِنْ مِنْكُم
إلا وارِدُهَا)(٣).
وقالَ لِرجل حَرَسَ المسلمين ليلةً في سفرهم مِنْ أوَّلِها إلى الصباح عَلَى
ظَهْرِ فرسه لم يَنْزِلْ إلا لصلاةٍ أو قَضَاءِ حَاجَةٍ: ((قَدْ أَوْجَبْتَ فَلاَ عَلَيْكَ أَلاَّ تَعْمَلَ
بَعْدَهَا))(٤).
وقال: ((مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ دَرَجَةٌ في الجَنَّةِ»(٥) .
فضل الرمي
وقَالَ: ((مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً في
(١) رواه أحمد ٦١/١ و٦٥ من حديث عثمان بن عفان، وفي سنده مصعب بن ثابت
وهو لين الحديث.
(٢) رواه أحمد ١٣٤/٤، والدارمي ٢٠٣/٢، والنسائي ١٥/٦ في الجهاد: باب ثواب
عين سهرت في سبيل الله من حديث أبي ريحانة، وفي سنده محمد بن شمير، أو
سمير الرعيني لم يوثقه غیر ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وله شاهد من حديث أبي
هريرة عند الحاكم ٢/ ٨٣ فيتقوى.
(٣) أخرجه أحمد ٤٣٧/٣ من حديث معاذ بن أنس الجهني، وفي سنده ثلاثة ضعفاء.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٥٠١) في خبر مطول من حديث سهل بن الحنظلية، وإسناده
صحیح.
(٥) أخرجه أبو داود (٣٩٦٥) في العتق: باب أي الرقاب أفضل، والنسائي ٦/ ٢٧،
وأحمد ٣٨٤/٤ من حديث أبي نجيح السلمي، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان
(١٦٤٥).
٧٥

سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ نُورَاً يَوْمَ القِيَامَةِ)) (١) وعند النسائي تفسير الدرجة بمائة
عام، (٢).
وقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بالسَّهْمِ الوَاحِدِ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ
الخَيْرَ، والمُمِذَّ بِهِ، والرَّامِيَ بِهِ، وارْمُوا وَارْكَبُوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلِيَّ مِنْ أَنْ
تَرْكَبُوا، وَكُلُّ شَيءٍ يَلْهُو به الرجلُ فباطلٌ إلَّ رَمْيَهُ بقوسه، أو تَأْدِيبِه فرسَه،
وملاعبتَه امرأته، ومَنْ علّمهُ اللَّهُ الرَّميَ، فتركه رغبةً عنه، فنِعْمَةٌ كفرها)) رواه
أحمد وأهل السنن(٣) وعند ابن ماجة ((مَنْ تَعَلَّمَ الزَّمْي ثُمَّ تَرَكَهُ، فَقَدْ
سـ
(١) أخرجه أحمد ١١٣/٤، والترمذي (١٦٢٨) في الجهاد: باب ما جاء في فضل الرمي
في سبيل الله، والنسائي ٢٦/٦، ٢٧ في الجهاد: باب ثواب من رمى بسهم في
سبيل الله من حديث أبي نجيح السلمي، وإسناده صحيح، ولبعضه - وهو قوله: من
شاب شيبة ... - شاهد من حديث كعب بن مرة عند الترمذي (١٦٣٤) والنسائي
٢٧/٦.
(٢) وصححها ابن حبان (١٦٤٣) وقد ذكر المؤلف أن تفسيرها عند النسائي بخمسمائة
عام، وهو وهم منه رحمه الله.
(٣) رواه أحمد ١٤٤/٤ و١٤٦ و١٤٨، وأبو داود (٢٥١٣) في الجهاد: باب في الرمي،
والنسائي ٢٨/٦ في الجهاد: باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله، والحاكم
٩٥/٢، والدارمي ٢١٥/٢، وابن ماجه (٢٨١١) في الجهاد من حديث عقبة بن
عامر، وفي سنده خالد بن زيد الجهني، لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ
العراقي: في سنده اضطراب، لكن قوله: ((كل شيء يلهو ... )) يشهد له حديث
جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاريين بلفظ: ((كل شيء ليس من ذكر الله
عز وجل، فهو لغو ولهو، أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين،
وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة)) أخرجه النسائي في عشرة النساء
٢/٧٤، والطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢/٨٩/١ وإسناده صحيح، وجود إسناده
المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٧٠/٢، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٩/٦:
رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الكبير)) والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا
عبد الوهاب بن بخت، وهو ثقة، وآخر من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
حسين عند الترمذي (١٦٣٧) ورجاله ثقات، لكنه مرسل، وقوله: ((ومن علمه الله
الرمي ... )) يشهد له حديث عقبة بن عامر عند مسلم (١٩١٩) بلفظ ((من علم =
٧٦

ز
عَصَانِي)) (١).
وذكر أحمد عنه أنّ رجلاً قال له: أوصِنِي فَقَالَ: ((أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ،
فإِنَُّ رَأْسُ كُلِّ شَيءٍ، وعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الإِسْلاَمِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ
وَتَلاوَةِ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ رُوحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرٌ لَكَ فِي الأَرْض))(٢).
وقال: ((ذِرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلاَمِ الجِهَادُ))(٣).
وقال: (ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُم: المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالمُكَاتَبُ
الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، والنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفَافَ)»(٤).
=
الرمي، ثم تركه، فليس منا، أو قد عصی)).
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٨١٤) في الجهاد: باب الرمي في سبيل الله من حديث عقبة وفي
سنده مجهولان، لكن رواية مسلم في التعليق السابق بمعناه.
(٢) حديث حسن بطريقيه: أخرجه أحمد ٨٢/٣ من طريق إسماعيل بن عياش، عن
الحجاج بن مروان الكلاعي وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري،
وأخرجه الطبراني في ((الصغير)) ص ١٩٧ من طريق ليث بن أبي سليم، عن مجاهد،
عن أبي سعيد.
(٣) قطعة من حديث مطول بطرقه، أخرجه الترمذي (٢٦١٩) وأحمد ٢٣١/٥ من حديث
عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ،
وأخرجه أحمد أيضاً ٢٣٧/٥ من طريق شعبة عن الحكم، عن عروة النزال، عن
معاذ، ورواه مختصراً ٢٣٦/٥ من طريق وكيع، عن سفيان، عن عبد الحميد بن
بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، وأخرجه ابن أبي شيبة في
(الإِيمان)) ص ٢ من حديث عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن الحكم، عن
ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ ... وللجملة التي أوردها المصنف شاهد من حديث
أبي أمامة عند الطبراني بسند ضعيف.
(٤) رواه أحمد ٢٥١/٢ و٤٣٧، والترمذي (١٦٥٥) في فضائل الجهاد: باب ما جاء في
المجاهد والناكح والمكاتب، والنسائي ٦١/٦ في النكاح: باب معونة الله الناكح
الذي يريد العفاف، وابن ماجة (٢٥١٨) في العتق: باب المكاتب من حديث أبي
هريرة، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (١٦٥٣) والحاكم ٢١٧/٢، ووافقه
الذهبي.
٧٧

وقال: ((مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ
◌ِفَاقٍ»(١) .
وذكر أبو داود عنه: ((مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِيَاً، أَوْ يُخَلِّفْ غَازِيَاً في
أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ»(٢).
وَقَالَ: ((إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينَار والدِّرْهَم، وَتَبَايَعُوا بالعِينَةِ، واتَّبَعُوا
أذْنَابَ البَقَرِ، وَتَرَكُوا الجِهَادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاَءَ، فلم يَرْفَعْهُ
عَنْهُمْ حَتَى يُرَاجِعُوا دِينُهُم))(٣) .
(١) أخرجه مسلم (١٩١٠) في الإمارة: باب ذم من مات ولم يغز، وأبو داود (٢٥٠٢)
في الجهاد: باب كراهية ترك الغزو، والنسائي ٨/٦ في الجهاد: باب التشديد في
ترك الجهاد من حديث أبي هريرة وفيه: وقال عبد الله بن المبارك - وهو أحد رواة
الحديث - فتُرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ◌َّ. قال النووي: وهذا الذي قاله
ابن المبارك محتمل، وقد قال غيره: إنه عام، والمراد: أن من فعل هذا، فقد أشبه
المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شعب
النفاق.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٠٣) في الجهاد: باب كراهية ترك الغزو، وابن ماجه (٢٧٦٢)
والدارمي ٢٠٩/٢ في الجهاد: باب التغليظ في ترك الجهاد من حديث أبي أمامة،
وسنده قوي، فقد صرح الوليد بن مسلم بالتحديث عند ابن ماجه والدارمي.
(٣) حسن أخرجه أبو داود (٣٤٦٢) والبيهقي ٣١٦/٥، والدولابي في ((الكنى)) ٦٥/٢
من طريق إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه، أن نافعاً حدَّثه عن ابن
عمر .. ، وأخرجه أحمد ٢٨/٢، والطبراني في ((الكبير) ١/٢٠٧/٣ من طريق أبي
بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ... وأخرجه
أحمد (٥٠٠٧) من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر ... والعينة: هو أن يبيع من
رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها
به نقداً، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة، لأن العين هو المال الحاضر
من النقد، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه معجلة. وقوله:
((وتبعوا أذناب البقر)) كناية عن انصرافهم إلى الزراعة وانشغالهم بها، وليس في هذا
الحديث التزهيد في استثمار الأرض، والانتفاع بخيراتها، وإنما فيه التحذير من
الركون إلى الدنيا والإخلاد إليها، والانشغال بها عن أداء الواجبات، كيف وقد حث=
٧٨

وذكر ابن ماجة عنه: ((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ لَّهُ أَثرٌ في سَبِيلٍ
اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ، وَفِيهِ ثُلْمَةٍ))(١).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفسر
أبو أيوب الأنصاري الالقاء باليد إلى التهلكةِ بِتَركِ الجِهَادِ(٢)، وصحَّ عنه ◌َيُّه:
((إِنَّ أبْوَابَ الجنة تَحْتَ ظِلالَ السُّيْوفِ))(٣).
النبي ◌َّ على الزراعة والانتفاع بما في الأرض من خيرات، وعد استغلال الأرض
والإفادة منها صدقة لفاعله إلى يوم القيامة، كما في الحديث المتفق عليه من طريق
أنس (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا
كان له به صدقة)) وروى الإمام أحمد ١٨٣/٣ و١٨٤ و١٩١، والطيالسي (٢٠٦٨)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٤٧٩) بسند صحيح من حديث أنس مرفوعاً: ((إن
قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (نخلة صغيرة) فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها
فليغرسها)) وغير ذلك من الأحاديث التي ترغب في استصلاح الأرض واستثمارها
واستخراج ما أودع الله فيها من خيرات.
(١)
أخرجه ابن ماجة (٢٧٦٣) والترمذي (١٦٦٦) من حديث أبي هريرة، وفي سنده
إسماعيل بن رافع، وهو ضعيف.
(٢)
أخرجه أبو داود (٢٥١٢) والترمذي (٢٩٧٦) من طريق أسلم أبي عمران قال: غزونا
من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد،
والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مَهْ
مَةْ، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية
فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا
ونصلحها، فأنزل الله تعالى: و(أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد، قال أبو
عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، وإسناده
صحيح، وصححه ابن حبان (١٦٦٧) والحاكم ٢٧٥/٢، ووافقه الذهبي، ووهم
الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((الفتح)) ١٣٨/٨ حيث نسبه إلى مسلم، فإنه لم
يخرجه، وأورده ابن كثير في ((التفسير)) ٢٢٨/١، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن
جریر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي يعلى.
(٣) قعطة من حديث أخرجه مسلم (١٩٠٢) في الإمارة: باب ثبوت الجنة للشهيد، =
٧٩
٠

وصحَّ عنه: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ في سبيلِ اللَّهِ)(١).
وصحَّ عنه: ((إنَّ النَّارَ أَوَّلُ ما تُسَمَّرُ بالْعَالِمِ والمَتْفِقِ وَالمَقْتُولِ فِي الِجِهَادِ
إِذَا فَعَلُوا ذِلِكَ لِيُقَال)»(٢).
وصَحَّ عنه: ((أَنَّ مَنْ جَاهَدَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيَا، فَلا أَجْرَ لَهُ» (٣).
وصحَّ عنه أَنَّه قال لعبدِ الله بن عمرو: ((إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرَاً مُخْتَسِبَاً، بَعَثَّكَ
اللَّهُ صَابِرَاً مُحْتَسِبَاً، وإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِياً مُكَاثِرَاً، بَعَثَكَ اللَّهُ مُرَائِيًّا مُكَاثِرَاً، يا
عَبْد اللَّهِ بن عَمْرو عَلَى أيِّ وَجْهٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ
الحَالِ)»(٤).
والترمذي (١٦٥٩) وأحمد ٣٩٦/٤ و٤١١ من حديث أبي موسى الأشعري.
=
(١) أخرجه البخاري ٢١/٦، ٢٢ في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا،
وباب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، وفي العلم: باب من سأل وهو قائم
عالماً جالساً، وفي التوحيد: باب قول الله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا
المرسلين) ومسلم (١٩٠٤) في الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا،
وابن ماجه (٢٧٨٣) وأحمد ٣٩٢/٤ و ٣٩٧ و٤٠٢ و٤٠٥ و ٤١٧ من حديث أبي
موسى الأشعري أن رجلاً أعرابياً أتى النبي ◌َّة، فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل
للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال:
((من قاتل ... )).
(٢)
أخرجه مطولاً مسلم (١٩٠٥)، والترمذي (٢٣٨٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥١٦) وأحمد ٣٦٦/٢ من حديث أبي هريرة، وفي سنده ابن
مكرز، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وصححه ابن حبان (١٦٠٤)،
والحاكم ٨٥/٢، ووافقه الذهبي، وهو قوي بشواهده.
أخرجه أبو داود (٢٥١٩). وفي سنده العلاء بن عبد الله بن رافع، وحنان بن خارجة
(٤)
لم يوثقهما غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وفي الباب عن معاذ بن جبل عند
مالك ٤٦٦/٢ موقوفاً، وأبي داود (٢٥١٥) والنسائي ٤٩/٦، ٥٠ مرفوعاً («الغزو
غزوان، فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك،
واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخراً ورياء وسمعة، وعصى
الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف) وسنده حسن.
٨٠