Indexed OCR Text

Pages 361-380

حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال: الله أكبرُ كبيراً، والحمدُ لله كثيراً، وسُبْحَانَ
اللَّهِ بُكرةً وأصيلاً، لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولا نعبدُ إلا إِيَّه، مخلصين له الدِّينَ ولو كره
الكافرون، لا إله إلا اللَّهُ وحدَهُ، صدقَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزابَ
وحده، لا إله إلا الله واللَّهُ أكبرُ، كان حسناً.
فصل
في هديه ◌َّ في الذكر عند رؤية الهلال
يُذكر عنه أنه كان يقول: ((اللَّهُمَّ أَهِلَّه عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ
وَالإِسْلاَمِ، رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ)(١) قال الترمذي: حديثٌ حسن.
ويُذكر عنه أنه كان يقول عند رؤيته «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ
وَالإِمَانِ، والسَّلاَمَةِ والإِسْلاَمِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، رَيِّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ))
ذكره الدارمي.
وذكر أبو داود عن قتادة أنه بلغه أن نبيَّ الله ◌ٍَّ كان أذا رأى الهلال قال:
((هِلاَلُ خَيْرِ وَرُشْدٍ، هِلاَلُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ:
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بشهرٍ كَذَا، وَجَاءَ بشَهْر كَذَا))(٢) . وفي أسانيدها لين.
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٤٧) في الدعوات: باب ما يقول عند رؤية الهلال، والدارمي
٤/٢ من حديث سليمان بن سفيان، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن
أبيه، عن جده، وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان (٢٣٧٤) وله شاهد يصح به عند
الدارمي ٤،٣/٢ من حديث ابن عمر، وهو الذي ذكره المؤلف بعده. وقال الحافظ
في ((أمالي الأذكار)) هذا حديث حسن. وأخرجه أحمد وإسحاق في ((مسنديهما))
وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح
الإسناد فخلط في ذلك، فإن سليمان (يعني ابن سفيان). الراوي عن طلحة بن
يحيى بن طلحة بن عبيد الله ضعفوه، وإنما حسنه الترمذي بشواهده، وقوله: يعني
الترمذي: غريب، أي بهذا السند.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٩٢) في الأدب: باب ما يقول إذا رأى الهلال ورجاله ثقات،
لكنه مرسل.
٣٦١

ويُذكر عن أبي داود وهو في بعض نسخ سننه أنه قال: ليس في هذا البابِ
عن النبيگیّ﴾( حديثٌ مسند صحيح).
فصل
في هديه ◌َ في أذكار الطعام قبله وبعده
كان إذا وضع يده في الطعام قال: ((بِسْمِ اللَّهِ) ويأمر الآكل بالتسمية،
ويقول: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالى، فإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ في
أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ في أوَّلِهِ وَآخِرِهٍ(٢) حديث صحيح.
والصحيحُ وجوبُ التسمية عند الأكل، وهو أحدُ الوجهين لأصحاب
أحمد، وأحاديثُ الأمر بها صحيحة صريحةُ(٣)، ولا مُعارِضَ لها، ولا إجماعَ
يسوُِّ مخالفتها ويُخْرِجُهَا عن ظاهرها، وتارِكُهَا شريكهُ الشيطان في طعامه
وشرابه.
فصل
وها هنا مسألة تدعو الحاجة إليها، وهي أن الآكلين إذا كانوا جماعة،
[هل تزول مشاركة
الشيطان للاكلين بتسمية
أحدهم؟]
(١) هذا صحيح بالنسبة لإسناد كل حديث، لكن مجموع الطريقين يحدث منهما قوة،
فیصح.
(٢) رواه الترمذي (١٨٥٩) في الأطعمة: باب ما جاء في التسمية على الطعام، وأبو داود
(٣٧٦٧) في الأطعمة: باب التسمية على الطعام من حديث عائشة، وصححه ابن
حبان (١٣٤١) والحاكم ١٠٨/٤، وأقره الذهبي، وله شاهد من حديث ابن مسعود
عند ابن حبان (١٣٤٠) والطبراني في ((الأوسط)) ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في
سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه.
(٣) أخرجه البخاري ٩/ ٤٥٥، ٤٥٧، ومسلم (٢٠٠٢) من حديث وهب بن كيسان أنه
سمع عمر بن أبي سلمة يقول: كنت غلاماً في حَجر رسول الله ◌َّ، وكانت يدي
تطيش في الصحفة، فقال لي رسول المر ؤاله: ((يا غلام: سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل
مما يليك)) فما زالت تلك طعمتي بعد. وفي حديث أنس المتفق عليه ((اذكروا اسم
الله ولیأکل کل رجل مما یلیه)».
٣٦٢

فسمَّى أحدُهم، هل تزولُ مشاركة الشيطان لهم في طعامهم بتسميته وحدَه، أم لا
تزول إلا بتسمية الجميع؟ فنصَّ الشافعي على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين،
وجعله أصحابُه كردٌّ السلام، وتشميتِ العاطس، وقد يُقال: لا تُرفع مشاركةُ
الشيطان للآكل إلا بتسميته هو، ولا يكفيه تسميةُ غيره، ولهذا جاء في حديث
حذيفة: إنا حضرنا مع رسول الله ﴿طعاماً، فجاءت جارية كأنما تُدْفَع، فذهبتْ
لتضع يدها في الطعام، فأخذَ رسولُ الله ◌َلَ بيدها، ثمَّ جاء أعرابي كَأَنَّمَا يُدْفَعُ،
فأخذ بيده، فقالَ رسول اللّهِ ◌َ له: ((إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لاَ يُذْكَرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ، وإِنَّهُ جَاءَ بِهِذِهِ الجَارِيَّةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا
الأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ
يَدَيْهِمَا)) ثم ذكرَ اسمَ الله وأكلَ(١)، ولو كانت تسمية الواحد تكفي، لما وضع
الشيطان يده في ذلك الطعام.
ولكن قد يُجاب بأن النبيَّ ◌ٍَّ لم يكن قد وضع يده وسمَّى بعدُ، ولكنَّ
الجارية ابتدأت بالوضع بغيرِ تسمية، وكذلك الأعرابيُّ، فشاركهما الشيطانُ، فمِن
أين لكُم أن الشيطان شارك من لم يُسم بعد تسمية غيره؟! فهذا مما يُمكن أن يُقَالَ،
لكن قد روى الترمذيُّ وصححه من حديث عائشة قالت: كان رسولُ الله ◌َّ يأكلُ
طعاماً في سِتَّةٍ مِن أصحابه، فجاء أعرابي، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ :
(أَمَا إِنَّه لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ))(٢) ومِن المعلوم أن رسولَ اللَّهِ بَلٍ وأولئك الستة سَمَّوا،
(١) رواه مسلم (٢٠١٧) في آداب الطعام، وأبو داود (٣٧٦٦) في الأطعمة: باب
التسمية على الطعام، من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(٢) الترمذي في ((الجامع)) (١٨٥٩) و٢٩٢/١ في ((الشمائل)) وقال: هذا حديث حسن
صحيح، وهو كما قال. وفي هذا الحديث تصريح بعظم بركة التسمية وفائدتها.
والمعنى: أن هذا الطعام القليل كان الله يبارك فيه معجزة لي وكان ذلك يكفينا، لكن
لما ترك التسمية انتفت تلك البركة، وفيه كمال المبالغة في زجر تارك التسمية على
الطعام، لأن تركها يمحق الطعام.
٣٦٣

فلما جاء هذا الأعرابي فأكل ولم يسمِّ، شاركه الشيطانُ في أكله فأكل الطعام
بِلُقميتن، ولو سمَّى لكفى الجميع.
وأمّا مسألةُ ردِّ السلام، وتشميتِ العاطس، ففيها نظر، وقد صحَّ عن
النبي ◌َّه أنه قال: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم؛ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحْقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ
يُشَمِّتَهُ))(١) وإن سُلِّمَ الحُكم فيهما، فالفرقُ بينهما وبين مسألة الأكل ظاهِرٌ، فإن
الشيطانَ إنما يتوصل إلى مشاركة الآكِل في أكله إذا لم يُسمِّ، فإذا سمَّى غيرُه، لم
تُجز تسميةُ من سمَّى عمن لم يُسم مِن مقارنة الشيطانِ له، فيأكل معه، بل تَقِلُّ
مشاركة الشيطان بتسمية بعضهم، وتبقى الشركةُ بين من لم يُسم وبينه، والله أعلم.
ويُذكر عن جابر عن النبي ◌ََّ ((مَنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ عَلَى طَعَامِهِ، فَلْيَقْرَأْ قُلْ
هُوَ اللَّهُ أحدَ إِذَا فَرَغَ)) وفي ثبوت هذا الحديث نظر (٢) .
وكان إذا رُفِعَ الطعامُ مِن بين يديه يقول: ((الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدَاً كَثِيرًاً طَيِّبَاً
مُبَارِكاً فِيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ ولاَ مُوَذَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنَى عَنْهُ رَبُّنَا)) عَزَّ وَجَلَّ ذكره
(٣)
البخاري (٣).
(١) هو جزء من حديث رواه البخاري في ((صحيحه)) ٥٠١/١٠ في الأدب: باب ما
يستحب من العطاس، وقد أورده المؤلف بالمعنى - ولفظه عند البخاري من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌ّ: ((إن الله يحب العطاس)) ويكره التثاؤب، فإذا
عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته)). وفي رواية: ((فإذا
عطس أحدكم، وحمد الله، كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله)).
(٢) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٦٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله
عنه، وفي سنده حمزة النصيبي وهو متروك متهم بالوضع، كما قال الحافظ في
((التقريب)» وقد اشتد إنكار الإمام البيهقي على أبي محمد الجويني إدخاله هذا
الحديث في كتابه المحيط.
(٣) رواه البخاري ٥٠١/٩، ٥٠٢ في الأطعمة: باب ما يقول إذا فرغ من طعامه،
والترمذي (٣٤٥٢) في الدعوات: باب ما يقول إذا فرغ من الطعام من حديث أبي
أمامة رضي الله عنه.
٣٦٤

وربما كانَ يقول: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانًا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ)) (١).
وكان يقول: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وسوََّهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجَاً))(٢).
وذكر البخاريُّ عنه أنه كان يقولُ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كَفَانًا وآوَانًا))(٣) وذكر
الترمذي عنه أنه قال: «مَنْ أَكَلَ طَعَامَاً فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا مِنْ غَيْرِ
حَوْلٍ مِنِّي ولاَ قُوَّةٍ، غَفَرِ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) حديث حسن(".
ويُذكر عنه أن كان إِذَا قُرِّبَ إليه الطعامُ قال: ((بِسْمِ اللَّهِ) فِإِذَا فَرَغَ مِن طعامه
قال: ((اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ، وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، وَهَدَيْتَ وَأَحْبَيْتَ، فَلَكَ الحَمْدُ
عَلَى مَا أَعْطَيْتَ)) وَإِسْنَاده صحيح(٥).
وفي ((السنن)) عنه أنه كان يقولُ إذا فرغ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا وَهَدَانًا،
والَّذِي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانًا، ومِنْ كُلِّ الإِحْسَانِ آَتَانَا)) حديث حسن (١).
(١) رواه الترمذي في ((الشمائل)) ٢٨٩/١، ٢٩٠، وفي السنن (٣٤٥٣) في الدعوات:
باب ما يقول إذا فرغ من الطعام، وأبو داود (٣٨٥٠) في الأطعمة: باب ما يقول
الرجل إذا طعم من حديث أبي سعيد الخدري، وابن السني (٤٥٨)، وابن ماجه
(٣٢٨٢)، وسنده ضعيف وقد اضطرب فيه الرواة كما بينه الحافظ في ((التهذيب)).
(٢) رواه أبو داود (٣٨٥١) من حديث أبي أيوب الأنصاري، وإسناده صحيح، وصححه
ابن حبان (١٣٥١)، والنووي وابن حجر.
(٣) رواه البخاري ٥٠٢/٩ في الأطعمة: باب ما يقول إذا فرغ من طعامه من حديث أبي
أمامة رضي الله عنه.
(٤) رواه الترمذي (٣٤٥٤) في الدعوات: باب ما يقول إذا فرغ من الطعام من حديث
أنس، وحسنه هو والحافظ ابن حجر في ((أمالي الأذكار)) وهو كما قالا.
(٥) أخرجه أحمد ٦٢/٤ و٣٣٥/٥، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َّة)) ص (٢٣٨)،
وابن السني (٤٦٦) من حديث رجل خدم رسول الله تقصيّة، وإسناده صحيح كما قال
المؤلف وصححه النووي والحافظ ابن حجر.
(٦) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٦٩) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وفي سنده محمد بن أبيّ
٣٦٥

وفي ((السنن)) عنه أيضاً (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَاً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ،
وَأَطْعِمْنَا خَيْرَاً مِنْهُ. ومَنْ سَقَاءَ اللَّهُ لَنَاً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فإنه
ليس شيء ويُجْزِىء عن الطعام والشراب غير اللبن)) حديث حسن(١).
ويُذكر عنه أنه كَانَ إذَا شَرِبَ في الإِنَاءِ تَنَفَّسَ ثَلاثَةَ أَنْفَاسٍ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ في
كُلِّ نَفَسٍ، وَيَشْكُرُهُ في آخِرِهِنَّ(٢).
فصل
وكان ◌ٍَّ إذا دخل على أهلِهِ رُبَّمَا يسألُهم: هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ وَمَا عَابَ
طَعَامَاً قطُّ، بَلْ كَانَ إِذَا اشتهاهُ أَكَلَهُ، وإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ وَسَكت(٣) وربما قال:
((أَجِدُني أعَافُهُ إِنِّي لاَ أَشْتَهِ)) (٤).
الزعيزعة قال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، وكذا قاله البخاري، وأورد الذهبي هذا
الحديث من مناکیره.
(١) رواه الترمذي (٣٤٥١) في الدعوات: باب ما يقول إذا أكل طعاماً، وابن السني
(٤٧٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان،
وهو ضعيف. ومع ذلك فقد حسنه الترمذي.
(٢) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٧٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه
وفي سنده المعلى بن عرفان، قال الذهبي في ((الميزان)): قال ابن معين: ليس
بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وأخرج ابن
السني (٤٧٣) بعده شاهداً من حديث نوفل بن معاوية، لكن سنده أضعف من الذي
قبله، وأصل تثليث النفس في الشرب أخرجه البخاري ٨١/١٠، ومسلم (٢٠٢٨)
من حديث أنس دون التحميد والشكر.
(٣) رواه البخاري ٤٧٧/٩ في الأطعمة: باب ما عاب النبي مض لّ طعاماً، ومسلم (٢٠٦٤)
في الأشربة: باب لا يعيب الطعام، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما
عاب النبي ◌َّيٍ طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه.
(٤) رواه البخاري ٤٧٣/٩ في الأطعمة: باب الشواء، وقول الله تعالى ﴿فجاء بعجل
حنيذ﴾ أي مشوي، ومسلم (١٩٤٦) في الصيد: باب إباحة الضب، وأبو داود =
٣٦٦

وكان يمدح الطعامَ أحياناً، كقوله لما سأل أهلَهُ الإِدامَ، فقالُوا: ما عندنا إلا
خَلٌّ، فدعا به فجعل يأكُلُ مِنْهُ ويقُولُ: ((نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ(١) وليس في هذا تفضيل
له على اللبن واللحم والعَسَل والمَرَق، وإنما هو مدح له في تلك الحال التي حضر
فيها، ولو حَضَرَ لحم أو لبن، كان أولى بالمدح منه، وقال هذا جبراً وتطبيباً لقلب
من قدّمه، لا تفضيلاً له على سائر أنواع الإِدام.
وكان إذا قُرّبَ إليه طعام وهو صائم قال: ((إِنِّي صَائِمٌ) (٢) وأمر من قُرِّبَ إليه
الطعامُ وهو صائم أن يُصَلِّيَ، أي يدعو لمن قدَّمه، وإن كان مفطراً أن يأكل
(٣)
منه(٣) .
وكان إذا دُعيَ لِطَعام وتبعه أحد، أعلمَ به ربَّ المنزل، وقال: ((إنَّ هذا أحكام الدعوة إلى الطعام
تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ» (٤) .
وكانَ يتحدَّث على طعامه، كما تقدم في حديث الخل، وكما قال لِربيبه
عمر بن أبي سلمة وهو يُؤْاكِلهُ: ((سَمِّ اللَّهَ، وكُلْ ممَّا يَلَيكَ))(٥).
(٣٧٩٤) في الأطعمة: باب في أكل الضب من حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه.
=
رواه مسلم (٢٠٥٢) في الأشربة: باب فضيلة الخل والتأدم به، وأبو داود (٣٨٢٠)
(١)
في الأطعمة: باب في الخل.
أخرج البخاري ١٩٨/٤ من حديث أنس بن مالك قال: دخل النبي ◌ّر على أم
(٢)
سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: ((أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه،
فإني صائم)) ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل
بیتها)».
(٣)
أخرجه مسلم (١٤٣١) في النكاح: باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة من حديث
أبي هريرة.
رواه البخاري ٥٠٥/٩ في الأطعمة: باب الرجل يدعى إلى طعام، فيقول: وهذا
(٤)
معي.
(٥)
رواه البخاري ٤٥٥/٩ و٤٥٦ في الأطعمة: باب التسمية على الطعام والأكل
باليمين، ومسلم (٢٠٢٢) في الأشربة: باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما.
٣٦٧

وربما كان يُكرِّر على أضيافه عرضَ الأكل عليهم مِراراً، كما يفعلُه أهلُ
الكرم، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شُرب اللبن وقولِهِ له
مِراراً: اشْرَبْ))، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ حَتَّى قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أَجِدُ لَهُ
مَسْلَكُ(١) .
وكان إِذَا أكل عند قوم لم يخرُج حتى يَدْعُوَ لهم، فدعا في منزل عَبد الله بن
بُسر، فقالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُم فِيمَا رَزَقْتَهُم، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ)) ذكره
مسلم(٢) .
ودعا في منزل سعد بنِ عُبادة فقال: ((أُفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ
طَعَامَكُمْ الأَبْرَارُ، وصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ (٣).
وذكر أبو داود عنه ◌َّ أنه لما دعاه أبو الهيثم بن الشَّيهان هو وأصحابُه
فأكلوا، فلما فرِغُوا قال: ((أَقِيبُوا أَخَاكُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وما إثابتهُ؟ قال: ((إِنَّ
الرَّجلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، فَأَكِلَ طَعَامُهُ، وشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذلِكَ إِثَابَتُهُ»(٤) .
وصح عنه ◌ِّ أنه دخل منزلة ليلةً، فالتمس طعاماً فلم يجده، فقال: ((اللَّهُمَّ
أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي)(٥).
(١) أخرجه البخاري ٢٤٦/١١ في الرقاق: باب كيف كان عيش النبي ◌َّ وأصحابه من
حديث أبي هريرة.
(٢) رقم (٢٠٤٢) في الأشربة: باب استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء
الضيف لأهل الطعام، وليس لعبد الله بن بسر في ((صحيح مسلم)) سوى هذا
الحدیث .
(٣) رواه أبو داود (٣٨٥٤) في الأطعمة: باب ما جاء في الدعاء لرب الطعام، وأحمد
١٣٨/٣، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) ٤٩٨/١، ٤٩٩، والبيهقي ٢٨٧/٧ من
حديث أنس، وإسناده صحيح.
(٤) رواه أبو داود (٣٨٥٣) وفي سنده رجل مجهول.
(٥) رواه مسلم (٢٠٥٥) في الأشربة: باب إكرام الضيف وفضل إيثاره من حديث المقداد
٣٦٨

وَذُكِرَ عنه أن عَمْرو بنَ الحَمِقِ سقاه لبناً فقال: اللَّهُمَّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ، فَمَرَّتْ
عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءِ (١) .
وكان يدعو لمن يُضيف المساكينَ، ويثني عليهم، فقالَ مرَّة: ألا رَجُلٌ
يُضِيفُ هذا رحِمَهُ اللَّهُ، وقال للأنصارِيِّ وامرأته اللَّذَيْنِ آثرا بقُوتِهما وقُوتٍ
صِبيانهما ضَيْفَهُمَا: ((لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)»(٢).
وكَانَ لا يأْنَفُ مِن مؤاكلة أحدٍ صغيراً كان أو كبيراً، حُراً أو عبداً، أعرابياً أو عدم الأنفة من مؤاكلة أي
مهاجراً، حتى لقد روى أصحابُ السنن عنه أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في
إنسان
القَصعة فقال: (كُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُلاً عَلَيْهِ»(٣).
وكان يأمُرُ بالأكل باليمين، وينهى عن الأكل بالشمال، ويقول: ((إنَّ
الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»(٤) ومقتضى هذا تحريمُ الأكل بها، وهو
الصحيح، فإن الآكلَ بِهَا، إما شيطان، وإما مشبه به. وصحَّ عنه أنه قال لرجل أكل
الأكل باليمين
رضي الله عنه وهو جزء من حديث طويل.
(١) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) رقم (٤٧٦) من حديث عمرو بن الحمق
الخزاعي وفي سنده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك.
(٢) رواه البخاري ٤٨٤/٨، ٤٨٥ في تفسير سورة الحشر: باب (ويؤثرون على أنفسهم)
ومسلم (٢٠٥٤) في الأشربة: باب إكرام الضيف من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه .
(٣) رواه الترمذي (١٨١٨) في الأطعمة: باب الأكل مع المجذوم، وأبو داود (٣٩٢٥)
في الطب: باب الطيرة، وابن ماجة (٣٥٤٢) في الطب: باب الجذام، من حديث
جابر بن عبد الله وفي سنده المفضل بن فضالة بن أبي أمية أبو مالك البصري وهو
ضعيف كما قال الحافظ في ((التقريب)». وقال ابن عدي: لم أر له أنكر من هذا،
يريد حديثه هذا. وقد أخرج البخاري ١٣٢/١٠، ١٣٣ في الطب: باب الجذام من
حديث أبي هريرة مرفوعا ((لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفرّ من
المجذوم فرارك من الأسد».
(٤) رواه مسلم (٢٠٢٠) في الأشربة: باب آداب الطعام والشراب من حديث ابن عمر
رضي الله عنه.
٣٦٩

عنده، فأكل بشماله: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، فقال: لا أستطيعُ، فقال: ((لاَ اسْتَطَعْتَ)) فما
رفع يده إلى فيه بعدها(١) فلو كان ذلك جائزاً، لما دعا عليه بفعله، وإن كان كِبْرُهُ
حمله على ترك امتثال الأمر، فذلك أبلغُ في العصيان واستحقاق الدعاء عليه.
وأمر من شَكَوْا إليه أنهم لا يشبعُونَ: أن يجتمِعُوا على طعامهم ولا يتفرَّقُوا،
وأن يذكُرُوا اسمَ اللَّهِ عليه يُبارك لهم فيه (٢) .
وصحَّ عنه أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ لَيرِضَى عَنِ العَبْدِ يَأْكُلُ الأَكْلَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا،
وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا)(٣) .
وروي عنه أنه قال: ((أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ والصَّلاَةِ، ولا تَنَامُوا
عَلَيْهِ فَتَفْسُوَ قُلوبُكُم(٤) وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحاً والواقع في
التجربة يشهدُ به.
(١) رواه مسلم (٢٠٢١) من حديث سلمة بن الأكوع.
(٢) رواه أبو داود (٣٧٦٤) في الأطعمة: باب في الاجتماع على الطعام، وابن ماجه
(٣٢٨٦) في الأطعمة: باب الاجتماع على الطعام، وأحمد ٥٠١/٣ من حديث
وحشي بن حرب وسنده ضعيف، لكن الحديث حسن، لأن له شواهد في معناها
انظرها في ((الترغيب والترهيب)) ١١٥/٣ و١٢١، وابن حبان (١٣٤٥)، والحاكم
١٠٣/٢.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٣٤) والترمذي (١٧١٧) من حديث أنس بن مالك.
(٤) رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٨٩) وابن حبان في ((الضعفاء)) ١٩٩/١
وفي سنده بزيع (بوزن عظيم) بن حسان متهم بالكذب. قال ابن حبان: يأتي عن
الثقات بأشياء موضوعات، كأنه المتعمد لها، قال الحافظ في ((تخريج الأذكار)): هذا
حديث لا يثبت وإن كان معناه قوياً، وذكره السيوطي من رواية الطبراني في
((الأوسط)) وأبي نعيم في ((الطب)، والبيهقي في ((الشعب)) وضعفه بسبب بزيع بن
حسان وكذلك ضعفه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)).
وقول المصنف: ((وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحاً ... )) كلام غير سديد
لأن النص لا يثبت بالتجربة باتفاق أهل العلم.
٣٧٠

فصل
في هديهِ وٍَّّ في السلام والاستئذانِ وتشميت العاطس
ثبت عنه ◌َّ في ((الصحيحين)) عن أبي هُريرة أن أَفْضَلَ الإِسْلاَمِ وَخَيْرَهُ
إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَأَنْ تَقْرَأَ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ(١).
السلام
وفيهما أن آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا خلقَه اللَّهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى أُولَئِكَ
النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمِعْ مَا يُحِيُّونَكَ بِهِ، فَإِنَّهَا تَحِيِّئُكَ وَتَحِيَّةُ
ذُرِّيَتِكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ
((وَرَحْمةُ اللَّهِ))(٢).
وفيهما أنه بَّ أَمَرَ بِإِفْشَاءِ السَّلاَم وأخبرهم أنهم إذا أفشوا السلام بَيْنَهُمُ
تَحَابُّوا، وَأَنَّهُمُ لاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَتَحَابُّوا(٣).
وقال البخاري في ((صحيحه)): قال عمَّار: ثلاثٌ مَنْ جمعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ
الإِمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلام لِلعَالَم، والإِنْفَاقُ مِنَ
(١) رواه البخاري ٥٢/١، ٥٣ في الإيمان: باب إطعام الطعام من الإِسلام، ومسلم
(٣٩) في الإيمان: باب بيان تفاضل الإِسلام وأي أموره أفضل من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص، أن رجلاً سأل النبي وسير: أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام
وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».
(٢) رواه البخاري ٢/١١، ٥ في الاستئذان: باب بدء السلام من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
(٣) لم يخرجه البخاري في ((صحيحه)) كما ذكر المؤلف، وإنما هو في ((الأدب المفرد))
(٩٨٠) باب إفشاء السلام، ورواه مسلم (٥٤) في الإِيمان: باب بيان أنه لا يدخل
الجنة إلا المؤمنون عن أبي هريرة بلفظ (والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى
تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا
السلام بينكم)) ورواه ابن ماجه وغيره، وقوله: ((ولا تؤمنوا حتى تحابوا)) ... بحذف
النون، قال النووي: هكذا هو في جميع الأصول والروايات: ((ولا تؤمنوا)) بحذف
النون من آخره، وهي لغة معروفة، والوجه إثباتها.
٣٧١

الإِقْتَارِ (١)
[فضائل الإنصاف]
وقد تضمنت هذه الكلماتُ أصول الخير وفروعه، فإن الإنصاف يوجب
عليه أداء حقوق الله كاملة موفَّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وأن لا يُطالبهم بما
ليس له، ولا يُحمِّلهم فوق وُسعهم، ويُعامِلَهم بما يُحِبُّ أن يعامِلوه به، ويُعفيهم
مما يُحبُ أن يُعْفُوه منه، ويحكم لهم وعليهم بما يحكُمُ بِهِ لنفسه وعليها، ويدخُل
في هذا إنصافُه نفسه من نفسه، فلا يدَّعي لها ما ليسَ لها، ولا يُخبثها بتدنيسه لها،
وتصغيرِهِ إياها، وتحقيرِها بمعاصي الله، ويُنميها ويكبِّرُها ويرفعُها بطاعة الله
وتوحيده، وحبِّه وخوفِهِ، ورجائِهِ، والتوكل عليه، والإِنابة إليه، وإيثارِ مرضاتِهِ
ومحابّه على مراضي الخلق ومحابّهم، ولا يكونُ بها مع الخلق ولا مع الله، بل
يعزِلُهَا من البين كما عزلها اللَّهُ، ويكون بالله لا بنفسه في حُبه وبُغضه، وعطائه
ومنعه، وکلامِهِ وسکوتِهِ، ومدخلهِ ومخرجِهِ، فینجي نفسه مِن البین، ولا یری لها
مكانةً يعمل عليها، فيكون ممن ذمهم الله بقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾
[الأنعام: ١٣٥](٢) فالعبدُ المحض ليس له مكانة يعمل عليها، فإنه مستحقُ
المنافع والأعمال لسيده، ونفسُه ملك لسيده، فهو عامل على أن يؤدي إلى سيده
(١) رواه البخاري ٧٧/١ معلقاً في الإِيمان: باب السلام من الإِسلام، وعمار هو ابن
ياسر، رضي الله عنه أحد السابقين الأولين، وقد وصله عبد الرزاق في ((المصنف))
(١٩٤٣٩) وأحمد في كتاب ((الإيمان)) من طريق سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن
شيبة في ((مسنده)) من طريق شعبة وزهير بن معاوية وغيرهما، كلهم عن أبي إسحاق
السبيعي، عن صلة بن زفر عن عمار.
(٢) قال ابن كثير: هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم
إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله: ﴿وقل
للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾ ثم قال:
﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ أي: أتكون لي أو
لكم، وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلوات الله عليه وسلامه، فمكنه الله تعالى في
البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة وأظهره على من كذبه
من قومه وعاداه وناواه.
٣٧٢

ما هو مستحق له عليه، ليس له مكانة أصلاً، بل قد كُوتب على حقوق مُنَجَّمَةٍ،
كلما أدَّى نجماً حلَّ عليه نجمٌ آخر، ولا يزال المكاتَبُ عبداً ما بقي عليه شيء من
نجوم الكتابة .
والمقصود أن إنصافه من نفسه يُوجب عليه معرفةَ ربه، وحقّه عليه، ومعرفةَ
نفسه، ومَا خُلِقَتْ له، وأن لا يُزَاحِم بها مالكَها، وفاطرَها ويدَّعي لها الملكة
والاستحقاق، ویزاحم مرادَ سیده، ويدفعه بمراده هو، أو يقدِّمه ويؤثِرَه عليه، أو
يقسِم إرادته بين مُراد سيده ومُراده، وهي قسمة ضِيزى، مِثل قسمة الَّذِينَ قالوا:
﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذا لِشُرْكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ
فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(١) [الأنعام: ١٣٦].
(١) قال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله
كانوا إذا حرثوا حرثاً، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءاً وللوثن جزءاً، فما
كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه، وأحصوه، وإن سقط
منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي
جعلوه للوثن، فسقى شيئاً جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من
الحرث والثمرة التي جعلوها لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير ولم
يردوه إلى ما جعلوه الله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن
تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام،
فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، فقال الله تعالى: ﴿وجعلوا لله
مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ... ﴾ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في
الآية: كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبداً حتى يذكروا معه أسماء
الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه وقرأ هذه الآية حتى بلغ ﴿ساء ما
يحكمون﴾ أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولا القسم لأن الله تعالى هو رب
كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته
لا إله غيره ولا رب سواه ...
٣٧٣

فلينظر العبد لا يكونُ مِن أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه وبين الله
لجهله وظلمه وإلا لُبُّسَ عليه، وهو لا يشعرُ، فإن الإنسان خُلِقَ ظلوماً جهولاً،
فكيف يُطْلَبُ الإنصافُ ممن وصفُهُ الظلمُ والجهل؟! وكيف يُنْصِفُ الخَلقَ من لم
يُنْصِفِ الخَالِقَ؟! كما في أثر إلهي يقول اللَّهُ عز وجل: ((ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي،
خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، كَمْ أَتَحَيَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وأَنَا غَنِيٌّ عَنْكَ،
وَكَمْ تَبَغَّضُ إليَّ بالمَعَاصِي وَأَنْتَ فَقِيرٌ إِلَيَّ، ولا يَزَالُ المَلَكُ الكَرِيمُ يَعْرُجُ إِلَيَّ مِنْكَ
بِعَمَلٍ قَبِيحٍ».
وفي أثر آخر: ((ابْن آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، خَلَقْتُكَ وَتَعْبُدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُكَ وَتَشْكُرُ
سِوَايَ)) (١).
ثم كيف يُنُصِفُ غيرَه من لم يُنْصِفُ نفسه، وظَلَمَهَا أقبحَ الظُّلْم، وسعَى في
ضررها أعظمَ السعي، ومنعَهَا أعظمَ لذَّاتِهَا من حيث ظن أنه يُعطِيها إِيَّاهَا، فأتعبها
كُلَّ التعب، وأشقاها كُلَّ الشقاء من حيث ظن أنه يُريحها ويُسعدها، وجدَّ كل
الجدِّ في حِرمانها حظّها من الله، وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، ودسَّاها كُلَّ
التدسيةِ، وهو يظنُّ أنه يُكبرها ويُنميها، وحقّرها كلَّ التحقير، وهو يظنُّ أنه
يعظُّمها، فكيف يُرجى الإِنصافُ ممن هذا إنصافُه لنفسه؟! إذا كان هذا فعلَ العبد
بنفسه، فماذا تراه بالأجانب يفعل.
والمقصود أن قول عمار رضى الله عنه: ثلاث من جمعهن، فقد جمع
الإِيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإِقِتار، كلام
جامع لأصول الخیر وفروعه.
وبذل السلام للعالم يتضمن تواضعَه وأنَّه لا يتكبَّر على أحد، بل يبذُلُ
السلام للصغير والكبير، والشريفِ والوضيعِ، ومن يعرِفه ومن لا يعرفه، والمتكبِّر
[بذل السلام]
(١) رواه الديلمي والرافعي عن علي رضي الله عنه ولا يصح.
٣٧٤

ضِدُّ هذا، فإنه لا يَرُدُّ السلام على كُلِّ من سلم عليهِ كبراً منه وتِيهاً، فكيف يبذُلُ
السلامَ لِکل أحد.
[الإنفاق من الإقتار]
وأما الإنفاق من الإِقِتار، فلا يصدرُ إلا عن قوةِ ثِقة بالله، وأنَّ الله يُخلِفُه ما
أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكُّل، ورحمة، وزُهد في الدنيا، وسخاءِ نفس بها،
ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرةً منه وفضلاً، وتكذيباً بوعد من يعدُه الفقر، ويأمر
بالفحشاء، والله المستعان.
فصل
وثبت عنه ◌َُّ أنه مر بِصيبان، فسلّم عليهم، ذكره مسلم(١) .
السلام على الصبيان
والنسوان
وذكر الترمذي في ((جامعه)) عنه ◌َُّ مَّ يَوْماً بجماعةِ نسوة، فألوى بيده
بالتسليم.
وقال أبو داود: عن أسماء بنت يزيد مرَّ علينا النبي ◌َّه في نسوة، فسلّم
علينا، وهي رواية حديث الترمذي، والظاهر أن القصة واحدة وأنه سلم عليهن
(٢)
بیده .
(١) رقم (٢١٦٨) في السلام: باب استحباب السلام على الصبيان، وأخرجه البخاري
٢٧/١١ في الاستئذان: باب التسليم على الصبيان، من حديث أنس بن مالك
رضي الله عنه.
(٢) رواه الترمذي (٢٦٩٨) في أبواب الاستئذان والاداب: باب ما جاء في التسليم على
النساء، وأبو داود (٥٢٠٤) في الأدب، وابن ماجه (٣٧٠١) في الأدب: باب السلام
على الصبيان والنساء، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٤٧) من حديث أسماء
بنت يزيد رضي الله عنها، وفي سنده شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، وقد حسن
الترمذي حديثه هذا، وله طريق آخر عند البخاري في ((الأدب المفرد» (١٠٤٨) بسند
حسن، ولفظه: عن أسماء بنت يزيد الأنصارية: مرَّ بي النبي ◌َّ وأنا في جوار
أتراب لي، فسلم علينا وقال: ((إياكن وكفر المنعمين)) وكنت من أجرئهن على
مسألته، فقلت: يا رسول الله وما كفران المنعمين؟ قال: لعل إحداكن تطول أيمتها
بين أبويها ثم يرزقها الله زوجاً، ويرزقها منه ولداً، فتغضب الغضبة فتكفر، فتقول : =
٣٧٥

وفي ((صحيح البخاري)): أن الصحابة كانوا ينصرفُونَ مِن الجمعة فَيَمُرُّونَ
عَلَى عجوز في طريقهم، فَيُسلِّمُونَ عليها، فتُقدِّم لهم طعاماً من أصول السلق
والشَّعِيرِ(١).
وهذا هو الصوابُ في مسألة السلام على النساء يُسلِّم على العجوز وذواتِ
المحارم دونَ غيرهن.
فصل
وثبت عنه في ((صحيح البخاري)) وغيره تسليمُ الصغير على الكبير، والمارِّ
على القاعد، والراكب على الماشي، والقليلٍ على الكثير(٢).
وفي ((جامع الترمذي)) عنه: يُسلِّم الماشي على القائم.
وفي ((مسند البزار)) عنه: يسلِّم الراكبُ على الماشي، والماشي على
القاعِد، والماشيان أيهما بدأ، فهو أفضل(٣) .
وفي ((سنن أبي داود)) عنه: ((إنَّ أَوْلَى النَّاسُ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ» (٤).
ما رأيت منك خيرا قط))، وفي الباب عن جرير بن عبد الله أن النبي ◌َّيّة مرّ على نسوة
=
فسلم عليهن، أخرجه أحمد ٣٥٧/٤ و ٣٦٣، وابن السني (٢٢١) ولا بأس به في
الشواهد.
(١) رواه البخاري ٢٨/١١ في الاستئذان: باب تسليم الرجال على النساء والنساء على
الرجال من حديث ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل.
(٢) أخرجه البخاري ١٣/١١ في الاستئذان: باب يسلم الراكب على الماشي، ومسلم
(٢١٦٠) في السلام: باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير، والترمذي
(٢٧٠٤) من حديث أبي هريرة، ورواية الترمذي الثانية (٢٧٠٦) من حديث
فضالة بن عبيد.
(٣) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣٦/٨ من حديث جابر، ونسبه للبزار، وقال: رجاله
رجال الصحيح. وهو في ((صحيح ابن حبان)) (١٩٣٥).
(٤) أخرجه أحمد ٢٥٤/٥ و٢٦١ و٢٦٤ و٢٦٩، وأبو داود (٥١٩٧) في الأدب: باب =
٣٧٦

وكان من هديه مَّ السلامُ عند المجيء إلى القوم، والسلامُ عند الإنصراف
عنهم، وثبت عنه أنه قال: ((إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُسَلِّمْ، وَإِذَا قَامَ، فَلْيُسَلِّمْ، وَلَيْسَتِ
الأُولَى أَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ»(١).
وذكر أبو داود عنه ((إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا
شَجَرَةٌ أَو جِدَارٌ، ثُمَّ لَفِيَّهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضاً))(٢).
وقال أنس: كانَ أصحَابُ رَسُولِ اللّهِ وَلَه يَتَمَاشَوْنَ، فَإِذَا اسْتَقْبَتْهُمْ شَجَرَةٌ
أَوْ أَكَمَةٌ، تَفَرَّقُوا يَمِينَاً وَشِمَالاً، وَإِذَا الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا، سَلَّمَ بَعْضُهُم عَلَى
بَعْضٍ (٣) .
ومن هديه ◌َّ# أن الداخِل إلى المسجد يبتدىءُ بركعتين تحيةَ المسجد، ثم تحية المسجد قبل السلام
يجيءُ فيُسلِّم على القوم، فتكون تحيةُ المسجد قبلَ تحية أهله، فإن تلك حقُّ اللَّهِ
تعالى، والسلامُ على الخلق هو حقُّلهم، وحقُّ اللّهِ في مثل هذا أحقُّ بالتقديم،
بخلاف الحقوق المالية، فإن فيها نزاعاً معروفاً، والفرقُ بينهما حاجةُ الآدمي
=
في فضل من بدأ السلام، وإسناده صحيح.
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٠٨) والترمذي (٢٧٠٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(١٠٠٧) و (١٠٠٨)، وأحمد ٢٣٠/٢ و٢٨٧ و٤٣٩، والحميدي (١١٦٢) من
حديث أبي هريرة، وسنده حسن، وصححه ابن حبان (١٩٣١) و (١٩٣٢)
و (١٩٣٣)، وله شاهد عند أحمد ٤٣٨/٣ من حديث سهل بن معاذ عن أبيه
مرفوعاً، ولا بأس بسنده في الشواهد.
(٢) رواه أبو داود (٥٢٠٠) في الأدب: باب في الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه من حديث
أبي هريرة بإسنادين: أحدهما مرفوع وسنده صحيح، والآخر موقوف وضعيف.
(٣) أخرجه ابن السني (٢٤٥) من حديث أنس، وسنده صحيح، والأكمة: التل أو
الموضع يكون أشد ارتفاعاً مما حوله، وجمعها آكام وإكام. وأخرجه البخاري في
((الأدب المفرد)) (١٠١١) بنحوه من حديث أنس، وفي سنده الضحاك بن نبراس،
وهو لين الحديث، وعزاه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢٦٨/٣، والهيثمي في
((المجمع)) ٣٤/٨ للطبراني في «الأوسط)) وحسنا إسناده.
٣٧٧

وعدمُ اتساع الحق المالي لأداء الحقين، بخلاف السلام.
وكانت عادةُ القوم معه هكذا، يدخلُ أحدهم المسجدَ، فيُصلي ركعتين، ثم
يجيءُ، فيسلِّم على النبي ◌َّيّ، ولهذا جاء في حديث رِفاعة بن رافع أن النبي
◌َله
بَيْنَما هُو جَالِس في المسجِد يَوْماً قال رِفاعة: ونحن معه إذ جاء رجلٌ كالبدوي،
فصلَّى، فَأَخَفَّ صلاته، ثمَّ انصَرَفَ فَسَلَّمَ عَلَى النبيِّ ◌َ﴿ِ، فَقَال النبيُّ ◌َّ:
((وَعَلَيْكَ فَارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) ... وذكر الحديث (١) فأنكر عليه
صلاته، ولم يُنكر عليه تأخيرَ السلام عليه بَّةٍ إلى ما بعد الصلاة.
وعلى هذا: فيُسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاثُ تحيات مترتبة:
أن يقولَ عند دخولهِ: بسم الله والصلاةُ على رسول الله. ثم يصلِّ ركعتينِ تحيةً
المسجد. ثم يُسلِّمُ على القوم.
فصل
وكان إِذا دخَلَ على أهله بالليل، يُسلِّم تسلِيمَاً لا يُوقِظُ النَّائِمَ. ويُسْمِعُ
اليَقْظَانَ، ذكره مسلم (٢).
فصل
وذكر الترمذي عنه عليه السلام («السَّلامُ قَبْلَ الكَلَاَم)) (٣).
(١) رواه الترمذي (٣٠٢) في الصلاة: باب ما جاء في وصف الصلاة، وأبو داود (٨٥٧)
و (٨٥٨) و (٨٥٩) في الصلاة: باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
ورجاله ثقات وصححه ابن حبان (٤٨٤) والحاكم ٢٤٢/١، ٢٤٦، وأخرجه
البخاري ٢٢٩/٢، ٢٣١، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة أن رجلاً دخل
المسجد ورسول الله مل جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء، فسلم عليه، فقال
رسول الله ◌ِ﴾: ((وعليك، ارجع فصلٌ)) وذكر الحديث بطوله.
(٢) رقم (٢٠٥٥) في الأشربة: باب إكرام الضيف من حديث المقداد في خبر مطول.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٧٠٠) في الاستئذان: باب ما جاء في السلام قبل الكلام من
حديث جابر بن عبد الله، وفي سنده عنبسة بن عبد الرحمن، وهو متروك، ورماه أبو =
٣٧٨

وفي لفظ آخر: ((لا تَدْعُوا أَحَدَاً إِلى الطَّعَامِ حَتَّى يُسلِّمَ)) .
وهذا وإن كان إِسناده وما قبله ضعيفاً، فالعمل عليه.
وقد روى أبو أحمد بإسناد أحسن منه حديث عبد العزيز بن أبي رواد، عن
نافع، عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((السَّلامُ قَبْلَ السُّؤَّالِ، فَمَنْ بَدَأَكُم
بالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلاَمِ، فَلاَ تُجِيبُوهُ»(١) .
السلام قبل السؤال
ويُذكر عنه أنه كانَ لا يَأْذَنُ لِمَن لَمْ يَبْدَأُ بالسَّلامِ. ويذكر عنه: ((لا تَأْذَنُوا لِمَنْ
لَمْ يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ»(٢).
وأجود منها ما رواه الترمذي عن كَلَدَةَ بِنْ حَنْبَلٍ، أَنَّ صفوان بن أمية بعثه
◌ِلَبَّنٍ وَلَبَأْ وَجِدَايَةٍ وَضَغَائِيْسَ إِلَى النِبِيِنَّهَ وَالنبيُّنَ ◌ّهِ بِأَعْلَى الوَادِي قَالَ: فَدَخَلْتُ
عَلَيْهِ، وَلَمْ أُسَلِّمْ، وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ،
أَأَدْخلُ؟))، قال: هذا حديث حسن غريب(٣) .
حاتم بالوضع، وشيخه محمد بن زاذان متروك أيضا، فالحديث باطل.
==
(١) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) ٢/٣٠٣، وفي سنده حفص بن عمر قال فيه ابن
عدي: أحاديثه كلها منكرة المتن أو السند، وهو إلى الضعف أقرب، والسري بن
عاصم وهاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث، لكن أخرجه ابن السني من طريق
آخر بلفظ ((من بدأ بالكلام قبل السلام، فلا تجیبوه» وسنده حسن.
(٢) رواه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٣٥٧/١ من حديث جابر، وفي سنده مجهول
وبقية رجاله ثقات، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢/٨ وقال: رواه أبو يعلى، وفيه
من لم أعرفه، وله شاهد يرويه عبد الملك بن عطاء، عن أبي هريرة: أشك في رفعه
قال: ((لا يؤذن للمستأذن حتى يبدأ بالسلام)) قال الهيثمي: رواه الطبراني في
((الأوسط)) ورجاله ثقات إلا أن عبد الملك لم أجد له سماعاً عن أبي هريرة، قال ابن
حبان: روى عن يزيد بن الأصم، ويشهد له أيضاً الحديث الذي سيذكره المصنف
بعده .
(٣) رواه الترمذي (٢٧١١) في الاستئذان: باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان، وأبو
داود (٥١٧٦) في الأدب: باب كيف الاستئذان، وأحمد ٤١٤/٣، وإسناده صحيح .=
٣٧٩

وكان إذا أتى باب قوم، لم يسْتَقْبِلِ البابَ مِن تلقاءِ وجهه، ولكن مِن رُكنِهِ
الأيمن، أو الأَيْسَرِ، فيقول: السَّلاَمُ عَلَيْكُم، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ(١).
فصل
تحميل السلام للغائبين
وكان يُسلم بنفسه على من يُواجهه، ويُحَمِّلُ السَّلامَ لمن يُريد السَّلام عليه
مِن الغائبين عنه (٢)، ويتحمَّل السلام لمن يبلِّغه إليه، كما تحمَّل السلام مِن الله
عز وجل على صِدِّيقةِ النساء خديجةَ بنتِ خويلد رضي الله عنها لما قال له جبريلُ :
((هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ بِطَعَامِ، فَاقْرَأْ [عَلَيْهَا] السَّلامَ مِنْ رَبِّهَا، [ ومِنِّي] وَبَشِّرْهَا
بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ))(٣).
وقال للصِّدِّيقة الثانية بنت الصِّديق عائشةَ رضي الله عنها: ((هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ
عَلَيْكِ السَّلاَمَ)) فَقَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتَهُ، يَرَى مَا لاَ أُرَى(٤).
واللبأ: هو أول ما يحلب عند الولادة، والجداية: الصغير من الظباء، والضغابيس:
=
صغار القثاء.
(١) أخرجه أبو داود (٥١٨٦) في الأدب: باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان من
حديث عبد الله بن بسر، وسنده حسن.
(٢) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٨٩٤) من حديث أنس بن مالك أن فتى من أسلم
قال: يا رسول الله إني أريد الغزو، وليس معي ما أتجهز، قال: ((ائت فلاناً، فإنه قد
كان تجهز، فمرض فأتاه فقال: إن رسول الله هل يقرئك السلام، ويقول: أعطني
الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي منه شيئاً فيبارك
لك فیه)).
(٣) رواه البخاري ١٠٥/٧ في فضائل الصحبة: باب تزويج النبي# خديجة وفضلها
رضي الله عنها، ومسلم (٢٤٣٢) في فضائل الصحابة: باب فضل خديجة أم
المؤمنين رضي الله عنها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) رواه البخاري ٧/ ٨٣ في فضائل الصحبة: باب فضل عائشة رضي الله عنها، ومسلم
(٢٤٤٧) في فضائل الصحابة: باب فضل عائشة رضي الله عنها.
٣٨٠