Indexed OCR Text

Pages 201-220

مشروعيتُه إلى يوم القيامة، فبطل الاحتجاجُ بتلك العِلة على الاختصاص بهم على
كل تقدير .
السابع: أنَّ الصحابَةَ رضي الله عنهم، إذا لم يكتفوا بالعلم بجواز العُمرة
في أشهر الحجِّ على فعلهم لها معه ثلاثةَ أعوام، ولا بإذنه لهم فيها عند
الميقات حتى أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العُمرة، فَمَنْ بعدهم أحرى أن لا يَكْتَفيَ
بذلك حتى يَفْسَخَ الحَّ إلى العُمرة، اتّباعاً لأمر النبيِ نَّةِ، واقتداءً بأصحابه،
إلا أن يقول قائل: إنا نحن نكتفي من ذلك بدون ما اكتفى به الصحابة، ولا
نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه، وهذا جهلٌ نعوذُ بالله منه.
الثامن: أنه لا يُظَنُّ برسول الله ◌َّهِ، أن يأمر أصحابَه بالفسخ الذي هو
حرام، لِيعلِّمهم بذلك مباحاً يُمكن تعليمُه بغير ارتكاب هذا المحظور،
وبأسهل منه بياناً، وأوضح دلالةً، وأقل كلفةً.
فإن قيل: لم يكن الفسخ حين أمرهم به حراماً. قيل: فهو إذاً إما
واجب أو مستحب. وقد قال بكل واحد منهما طائفة؛ فمن الذي حرَّمه بعد
إيجابه أو استحبابه، وأيُّ نص أو إجماع رفع هذا الوجوبَ أو الاستحبابَ،
فهذه مطالبة لا محيص عنها.
التاسع: أنه ◌َّ قال: ((لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْري ما اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ
الهَدْيَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَة))، أفترى تجدَّد له مَّ عند ذلك العلم بجواز العمرة
في أشهر الحج، حتى تأسَّف على فواتها؟ هذا من أعظم المحال.
العاشر: أنه أمر بالفسخ إلى العُمرة، مَن كان أفرد، ومَنْ قرن، ولم
يَسُقِ الهدي. ومعلوم: أن القارن قد اعتمر في أشهر الحج مع حجته، فكيف
يأمره بفسخ قِرانه إلى عُمرة ليبيِّن له جواز العمرة في أشهر الحج، وقد أتى
بها، وضم إليها الحج؟.
بحث في موافقة فسخ
الحج إلى العمرة لقياس
الأصول
الحادي عشر: أن فسخ الحجِّ إلى العُمرة، موافق لقياس الأصول، لا
٢٠١

مخالف له. ولو لم يرد به النصُّ، لكان القياسُ يقتضي جوازه، فجاء النصُّ
به على وفق القياس، قاله شيخ الإسلام، وقرره بأن المحرم إذا التزم أكثرَ مما
كان لزمه، جاز باتفاق الأئمة. فلو أحرم بالعُمرة، ثم أدخل عليها الحج،
جاز بلا نزاع، وإذا أحرم بالحجِّ، ثم أدخل عليه العُمرة، لم يجز عند
الجمهور، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبو
حنيفة يُجوِّز ذلك، بناءً على أصله في أن القارن يطوف طوافين، ويسعى
سعيين. قال: وهذا قياس الرواية المحكيَّةِ عن أحمد في القارن: أنه يطوفُ
طوافين، ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك، فالمحرِمُ بالحج لم يلتزم إلا
الحج. فإذا صار متمتعاً، صار ملتزماً لعُمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ
أكثرَ مما كان عليه، فجازَ ذلك. ولما كان أفضلَ، كان مستحباً، وإنما أشكل
هذا على من ظنَّ أنه فسخ حجاً إلى عمرة، وليس كذلك، فإنه لو أراد أن
يفسخ الحج إلى عُمرة مفردة، لم يجز بلا نزاع، وإنما الفسخُ جائز لمن كان
مِن نِيَّته أن يحج بعد العُمرة، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة فهو داخل في
الحج، كما قال النبي ◌َّهُ: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَة)).
ولهذا، يجوز له أن يصومَ الأيامَ الثلاثةَ مِن حين يُحِرمُ بالعُمرة، فدل على أنه
في تلك الحال في الحج. وأما إحرامُه بالحج بعد ذلك، فكما يبدأ الجنبُ
بالوضوء، ثم يغتسِلُ بعده. وكذلك كان النبيُّ نَّهَ يفعل. إذا اغتسل من
الجنابة. وقال لِلنسوة في غسل ابنته: ((ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، ومَوَاضِع الوُضُوءِ
مِنْهَا))(١). فغسل مواضع الوضوء بعض الغسل.
فإن قيل: هذا باطل لثلاثة أوجه. أحدها: أنه إذا فسخ، استفاد بالفسخ
حِلاَّ كان ممنوعاً منه بإحرامه الأول، فهو دون ما التزمه.
(١) أخرجه البخاري ١٠٥/٣، ومسلم (٩٣٩) (٤٢) (٤٣) وأبو داود (٣١٤٥) وابن
ماجه (١٤٥٩)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي ٣٠/٤، من حديث أم عطية.
٢٠٢

الثاني: أن النُّسُكَ الَّذِي كان قد التزمه أولاً، أكملُ مِن النُّسُكِ الذي
فسخ إليه، ولهذا لا يحتاج الأول إلى جُبران، والذي يُفسخ إليه، يحتاج إلى
هدي جُبراناً له، ونسكٌ لا جُبران فيه، أفضلُ من نُسُكِ مجبور.
الثالث: أنه إذا لَم يَجُزْ إدخالُ العمرة على الحج، فلأن لا يجوزَ إبدالها
به وفسخه إليها بطريق الأولى والأحرى.
فالجواب عن هذه الوجوه، من طريقين، مجمل ومفصل. أما
المجمل: فهو أن هذه الوجوه اعتراضات على مجرد السنة، والجواب عنها
بالتزام تقديم الوحي على الآراء، وأن كل رأي يُخالف السنة، فهو باطل
قطعاً، وبيان بطلانه لمخالفة السنة الصحيحة الصريحة له، والآراء تبع للسنة،
وليست السنة تبعاً للآراء.
وأما المفصَّل: وهو الذي نحن بصدده، فإنا التزمنا أن الفسخَ على وفق
القياس، فلا بد من الوفاء بهذا الالتزام، وعلى هذا فالوجه الأول جوابه: بأن
التمتع - وإن تَخلَّله التحلل - فهو أفضل من الإفراد الذي لا حِلَّ فيه، لأمر
النبي ◌َّر من لا هدي معه بالإِحرام به، ولأمره أصحابه بفسخ الحجِّ إليه،
ولتمنِّيه أنه كان أحرم به، ولأنه التُّسكُ المنصوصُ عليه في كتاب الله، ولأن
الأمة أجمعت على جوازه، بل على استحبابه، واختلفُوا في غيره على قولين،
فإن النبي ◌َّةِ، غَضِبَ حين أمرهم بالفسخ إليه بعدَ الإحرام بالحجِّ، فتوقفوا،
ولأنه من المحال قطعاً أن تكون حجة قط أفضلَ من حجة خَيرِ القرون،
وأفضلِ العالمين مع نبيِّهم ◌ََّ، وقد أمرهم كُلَّهم بأن يجعلوها متعة إلا من
ساق الهدي، فمن المحال أن يكون غير هذا الحج أفضل منه، إلا حجَّ من
قرن وساق الهدي، كما اختاره اللّهُ سبحانه لنبيِّه، فهذا هو الذي اختاره الله
لنبيِّه، واختار لأصحابه التمتَع، فأيُّ حِّ أفضلُ من هذين. ولأنه من المحال
أن ينقُلَهم من النُّسُكِ الفاضِل إلى المفضول المرجوحِ، ولوجوه أخر كثيرة
٢٠٣

ليس هذا موضِعَها، فرجحان هذا التُّسُكِ أفضلُ من البقاء على الإِحرام الذي
يفوته بالفسخ، وقد تبين بهذا بطلانُ الوجه الثاني.
وأما قولُكم: إنه نسك مجبور بالهدي، فكلام باطل من وجوه.
أحدها: أن الهديَ في التمتع عبادة مقصودة، وهو مِن تمام النسك،
وهو دم شُكران لا دم جُبران، وهو بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام
عبادة هذا اليوم، فالتُّسُكُ المشتمِل على الدم، بمنزلة العيد المشتمل على
الأضحية، فإنه ما تُقُرِّبَ إلى الله في ذلك اليوم؛ بمثل إراقة دم سائل.
وقد روى الترمذي وغيره، من حديث أبي بكر الصديق، أن النبي
سئل: أيُّ الحجِّ أَفْضَلُ؟ فقال: ((العَجُّ والثَّجُّ)) (١). والعجُ رفعُ الصوت بالتلبية،
والثَّجُ: إراقةُ دم الهدي. فإن قيل: يُمكِنُ المفردُ أن يُحصِّلَ هذه الفضيلة.
قيل: مشروعيتها إنما جاءت في حق القارِن والمتمتّع، وعلى تقدير استحبابها
في حقه، فأين ثوابُها من ثواب هدي المتمتع والقارن؟
الوجه الثاني: إنه لو كان دمَ جُبران، لما جاز الأكلُ منه، وقد ثبت عن
النبيِّ ◌َّهُ أنه أكلَ مِن هديه، فإنه أَمَرَ مِن كل بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرِ،
(١) حديث صحيح بشواهده أخرجه الترمذي (٨٢٧) في الحج: باب ما جاء في فضل
التلبية والنحر، والبيهقي ٤٢/٥، وابن ماجه (٢٩٢٤) والدارمي ٣١/٢ من حديث
ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن
يربوع، عن أبي بكر، ورجاله ثقات إلا أن محمد بن المنكدر لم يسمع من
عبد الرحمن بن يربوع قاله البخاري والترمذي ومع ذلك فقد صححه ابن خزيمة،
والحاكم ١/ ٤٥٠، ٤٥١، ووافقه الذهبي، وأخرجه الترمذي (٣٠٠١) من حديث ابن
عمر وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ضعيف، وفي الباب عن ابن مسعود
أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي ص ١٢٦٠، ١٢٦١، من حديث أبي
أسامة، عن أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن
مسعود عن النبي قال# قال: ((أفضل الحج العج والثج)) وسنده حسن.
٢٠٤

فأكلَ مِن لحمها، وشَرِبَ مِن مَرَقِها (١). وإن كان الواجبُ عليه سُبْعَ بدنة،
فإنَّه أَكَلَ مِنْ كِلِّ بَلَنَةِ مِنَ المائة، والواجبُ فيها مُشائعٌ لم يتعيَّن بقسمة.
وأيضاً: فإنه قد ثبت في ((الصحيحين)): أنه أطعَم ◌ِنِسَاءَه مِنَ الهَدْي الذِي ذَبحَهُ
عَنْهُنَّ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ، احتج به الإِمام أحمد، فثبت في ((الصحيحين)) عن
عائشة رضي الله عنها، أنَّه أهدى عَنْ نسائه، ثم أَرْسَلَ إليهنَّ مِن الهَدْي الذي
ذَبَحَهُ عَنْهُنَّ(٢). وأيضاً: فإن الله سبحانه وتعالى قال فيما يُذْبح بِمِنى مِنَ
الهدي: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الفَقِيرَ﴾، [الحج: ٢٨] وهذا يتناولُ
هديَ التمتع والقِران قطعاً إن لم يختصَّ به، فإن المشروعَ هناك ذبحُ هدي
المُتعة والقِران. ومن ها هنا واللّهُ أعلمُ أمر النبيُّ ◌َّهُ، من كِلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ،
فجُعِلَتْ في قِدر امتثالاً لأمر ربه بالأكل لِيَعُمَّ به جميع هدیه.
الوجه الثالث: أن سبب الجُبران محظورٌ في الأصل، فلا يجوز الإِقدامُ
عليه إلا لعذر، فإنه إما تركُ واجب، أو فعل محظور، والتمتُع مأمور به، إما
أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره، أو أمر استحباب عند الأكثرين،
فلو كان دَمُهُ دَمَ جُبران، لم يَجُزِ الإِقِدامُ على سببه بغير عذر، فبطل قولُهم:
إنه دم جُبران، وعلم أنه دم نُسُك، وهذا وسَّعَ الله به على عباده، وأباح لهم
بسببه التحلل في أثناء الإِحرام لما في استمرار الإِحرام عليهم من المشقة،
فهو بمنزلة القصر والفِطر في السفر، وبمنزلة المسح على الخُفَّين، وكان من
هدي النبي ◌َّر وهدي أصحابه فعلُ هذا وهذا ((واللهُ تَعَالَى يُحِبُ أَنْ يُؤْخَذَ
بِرُخَصِهِ، كَما يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيتُهُ))(٣). فمحبتُه لأخذ العبد بما يَسَّرَه عليه
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي ◌ّ، والترمذي (٨١٥) وابن ماجه
(٣٠٧٤) من حديث جابر بن عبد الله. والبضعة: بفتح الباء: القطعة من اللحم.
(٢) أخرجه البخاري ٤٤٠/٣ في الحج: باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير
أمرهن، ومسلم (١٢١١) (١٢٠) في الحج: باب بيان وجوه الإحرام.
(٣) أخرج أحمد ١٠٨/٢ من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله وَّ: ((إن الله يحب أن
تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان =
٢٠٥

وسهّله له، مثلُ كراهته منه لارتكاب ما حرَّمه علیه ومنعه منه. والهديُ وإن كان بدلاً
عن ترقُّهه بسقُوط أحد السفرين، فهو أفضلُ لمن قدم في أشهر الحج من أن يأتيَ
بحجِّ مفرد ويعتمِر عقيبه، والبدل قد يكون واجباً كالجمعة عند من جعلها بدلاً،
وكالتيمم للعاجز عن استعمال الماء، فإنه واجب عليه وهو بدل، فإذا كان البدلُ قد
يكون واجباً، فكونه مستحباً أولى بالجواز، وتخلل التحلُّلِ لا يمنع أن يكون
الجميعُ عبادة واحدة كطواف الإفاضة، فإنه ركن بالاتفاق، ولا يُفْعل إلا بعد التحلُّلِ
الأول، وكذلك رميُّ الجمار أيام مِنى، وهو يفعل بعد الحِلِّ التام، وصومُ رمضان
يتخلَّله الفطرُ في لياليه، ولا يمنع ذلك أن يكون عبادةً واحدة. ولهذا قال مالك
وغيره: إنه يجزىء بِنِيّة واحدة للشهر كله، لأنه عبادة واحدة. والله أعلم.
فصل
وأما قولُكم: إذا لم يجز إدخالُ العُمرة على الحجِّ، فلأن لا يجوزَ فسخُه
إليها أولى وأحرى، فنسمع جَعْجَعَةً ولا نرى طِحناً. وما وجهُ التلازم بين
الأمرين، وما الدليلُ على هذه الدعوى التي ليس بأيديكم برهانٌ عليها؟ ثم القائلُ
بهذا إن كان مِن أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، فهو غيرُ معترف بفساد هذا
القياس. وإن كان من غيرهم، طولب بصحة قياسه فلا يجد إليه سبيلاً، ثم يُقال:
مُدْخِلُ العُمرة قد نقص مما كان التزمه، فإنه كان يطوفُ طوافاً للحجِّ، ثم طوافاً
آخر للعمرة. فإذا قرن، كفاه طوافٌ واحد وسعيٌ واحد بالسنّة الصحيحة، وهو
قول الجمهور، وقد نقص مما كان يلتزمه. وأما الفاسخ، فإنه لم ينقُصْ مما
التزمه، بل نقل نسكه إلى ما هو أكملُ منه، وأفضلُ، وأكثر واجبات، فبطل
القياسُ على كل تقدير، ولله الحمد.
فصل
عُدنا إلى سياق حَجته ◌َّهُ. ثمَّ نهض ◌َّهَ إلى أن نزل بذي طُوى، وهي
العودة إلى سياق
حجته لّ عند نزوله
بني طوى
(٩١٤ ) .
٢٠٦

المعروفة الآن بآبار الزاهر، فبات بها ليلةَ الأحد لأربع خَلَوْنَ من ذي الحِجة،
وصلَّى بها الصُّبح، ثم اغتسلَ مِنْ يومه، ونهض إلى مكة، فدخلها نهاراً مِن أعلاها
مِن الثنيَّة العُليا التي تُشْرِفُ على الحَجُونِ، وكان في العُمرة يدخل من أسفلها،
وفي الحج دخل من أعلاها، وخرج مِن أسفلها، ثم سار حتى دخلَ المسجد
وذلك ضحى.
وذكر الطبراني، أنه دخلَه من بابٍ بني عبد مناف الذي يُسمِّيه الناسُ اليومَ
بابَ بني شيبة(١).
وذكر الإِمام أحمد: أنه كان إذا دخل مكاناً من دار يعلى، استقبل البيت
فدعا .
وذكر الطبراني: أنه كان إذا نظر إلى البيت، قال: ((اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا
تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةٌ(٢). وروي عنه، أنه كان عند رؤيته يرفعُ يديه،
ويُكبّر ويقُول: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومِنْك السَّلامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بَالسَّلام، اللَّهُمَّ زِدْ هَذا
ذالبَيْتَ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً، وزِدْ مَنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَكْرِيماً وتَشْرِيفاً
وتَعْظِيماً وبِرًّا)(٣) وهو مرسل، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيِّب من عُمَرَ بنِ
الخَطَّاب رضي الله عنه يقوله (٤).
(١) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٨/٣ من حديث ابن عمر، وقال: رواه الطبراني في
((الأوسط)) وفيه مروان بن أبي مروان قال السليماني: فيه نظر، وبقية رجاله رجال
الصحيح.
(٢) في سنده عاصم بن سليمان الكوزي وهو متروك كما في ((المجمع)) ٢٣٨/٣، وقال
ابن عدي: يعد ممن يضع الحديث، وقال الفلاس: كان يضع، وقال النسائي:
متروك، وقال الدارقطني: كذاب، وقال ابن حبان: لا يجوز كتب حديثه إلا تعجبا.
(٣) أخرجه الشافعي ٣٣٩/١، ومن طريقه البيهقي ٧٣/٥ من حديث سعيد بن سالم عن
ابن جريج أن النبي صل ... وهذا منقطع، وله شاهد مرسل أخرجه البيهقي عن
سفيان الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول. وأبو سعيد الشامي مجهول.
(٤) أخرجه البيهقي ٧٣/٥ بلفظ: سمعت عمر يقول إذا رأى البيت: اللهم أنت السلام، =
٢٠٧

دخوله * المسجد
فلما دخل المسجد، عَمَدَ إلى البيت ولم يركع تحيةَ المسجد، فإنَّ تحيةً
المسجدِ الحرام الطَّوافُ، فلما حاذى الحجرَ الأسود، استلمه ولم يُزاحِمْ علیه،
ولم يتقدّم عنه إلى جهة الزُّكن اليماني، ولم يرفع يديه، ولَم يَقُلْ: نويتُ بطوافي
هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتَّكْبِير كما يفعله من لا علم عنده، بل هو مِن
البِدَع المُنكرات، ولا حاذى الحَجَرَ الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على
شِقه، بل استقبلَه واستلمه، ثم أخذ عن يمينه، وجعل البيتَ عن يساره، ولم يدعُ
عند الباب بدُعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عِند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقَّتَ
لِلطَّوَافِ ذِكراً معيناً، لا بفعله، ولا بتعليمِه، بل حُفِظَ عنه بين الركنين: (رَبَّنَا آتِنا
في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار))(١) ورمَل في طوافه هَذَا الثلاثة
الأشواط الأول، وكان يُسرع في مشيه، ويُقَارِبُ بين خُطاه، واضطبع بردائه فجعل
طرفيه على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه، وكلما حاذى الحجر
الأسود، أشار إليه أو استلمه بمحجنه، وقبّل المحجن، والمحجنُ عصا محنية
الرأس. وثبت عنه، أنه استلم الركن اليماني. ولم يثبتْ عنه أنه قبَّله، ولا قبّل يده
عند استلامه، وقد روى الدارقطني: عن ابن عباس، كان رسول الله وَلٍ يُقبِّلُ
الركن اليماني، ويضع خده عليه(٢) وفيه عبد الله بن مسلم بن هُرمز، قال الإِمام
أحمد: صالحُ الحديثِ(٣) وضعَّفه غيره. ولكن المرادَ بالزُّكن اليماني ها هنا،
الحجرُ الأسود، فإنه يُسمَّى الركن اليماني ويُقالُ له مع الركن الآخر الیمانیان،
=
ومنك السلام، وحینا ربنا بالسلام» وسنده حسن.
(١)
أخرجه الشافعي ٤٤/٢، وأحمد ٤١١/٣، وأبو داود (١٨٩٢)، وعبد الرزاق في
((المصنف)) (٨٩٦٣) وفي سنده عبيد مولى السائب لم يوثقه غير ابن حبان، ونقل
الحافظ في ((التهذيب أن ابن قانع وابن مندة وأبا نعيم ذكروه في الصحابة، وباقي
رجاله ثقات وصححه ابن حبان (١٠٠١) والحاكم ٤٥٥/١، ووافقه الذهبي.
أخرجه الدارقطني ٢٩٠/٢، وعبد الله بن مسلم ضعيف، ضعفه أبو داود والنسائي
(٢)
وابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه.
الذي في ((التهذيب)) و ((الجرح والتعديل)) ١٦٤/٥ أن الإمام أحمد ضعفه.
(٣)
٢٠٨

ويقال له مع الركن الذي يلي الحِجر من ناحية الباب: العراقيان؛ ويقال للرُّكنين
اللذين يليان الحجر: الشاميان. ويقال للركن اليماني، والذي يلي الحجر مِن ظهر
الكعبة: الغربيان، ولكن ثبت عنه، أنه قبَّل الحجر الأسود. وثبت عنه، أنه استلمه
بيده، فوضع يده عليه، ثم قبَلها، وثبت عنه، أنه استلمه بمحجن، فهذه ثلاث
صفات، وروي عنه أيضاً، أنه وضع شفتيه عليه طويلاً يبكي.
وذكر الطبراني عنه بإسناد جيد: أنه كان إذا استلم الرُّكن اليماني، قال:
((بسم الله والله أَكْبَر))(١).
وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: ((اللّهُ أكبرَ))(٢).
وذكر أبو داود الطيالسي، وأبو عاصم النبيل، عن جعفر بن عبد الله بن
عثمان، قال: رأيتُ محمد بن عباد بن جعفر قَبَّلَ الحَجَرَ وسَجَدَ عليه، ثُمَّ قال:
رأيتُ ابنَ عباس يُقبّلُه ويسجدُ عليه، وقال ابن عبّاس: رأيتُ عمر بن الخطاب قبَّلَه
وسجَدَ عليه. ثم قال: رأيتُ رسولَ اللّهِ بَلٍ فعل هكذا ففعلتُ (٣).
وروى البيهقيُّ عن ابن عباس: أنه قبَّل الرُكن اليماني، ثم سَجَدَ عليه، ثم
قبَّله، ثم سَجَدَ عليه ثلاثَ مرات(٤).
وذكر أيضاً عنه، قال: رأيتُ النبي ◌َِّ سجد على الحَجَرِ (٥).
(١) لقد وهم المؤلف رحمه الله، فإن الطبراني لم يروه مرفوعاً، وإنما رواه كالبيهقي
٧٩/٥ موقوفاً على ابن عمر كما قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٣٩٢/٣ من حديث ابن عباس قال: ((طاف النبي صَ لّ بالبيت على
(٣)
بعيره كلما أتى الركن، أشار إليه بشيء في يده وکبر".
أخرجه أبو داود الطيالسي ٢١٥/١، ٢١٦، والبيهقي ٧٤/٥، ورجاله ثقات.
أخرجه الشافعي في الأم ١٤٥/٢، ومن طريقه البيهقي ٧٥/٥، وفيه تدليس ابن
(٤)
جريج.
(٥) أخرجه البيهقي ٧٥/٥، وفي سنده يحيى بن يمان وهو كثير الغلط ضعفه الإمام
أحمد، وقال: حدث عن الثوري بعجائب، وهذا الحديث مما رواه عنه.
٢٠٩

ولم يستِلِمْ وَّةَ، ولم يَمَسَّ مِن الأركان إلا اليمانيين فقط. قال الشافعي
رحمه الله: ولم يَدَعْ أحدٌ استلاَمَهما هِجرة لبيتِ الله، ولكن اسْتَلَم ما استَلَمَ
رسولُ الله ◌ِّهَ، وأَمْسَكَ عَمَّا أَمْسَكَ عَنْهُ.
فصل
صلاته 0* خلف المقام
السعي بين الصفا
والمروة
فلما فرغ مِن طوافه، جاء إلى خلفِ المقام، فقرأ: ﴿وانَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ
إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلَّى ركعتين، والمَقَامُ بينه وبينَ البيت، قرأ
فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإِخلاص (١) وقراءته الآية المذكورة بيانٌ منه لتفسير
القرآن، ومراد الله منه بفعله رَّةِ، فلما فرغ من صَلاته، أقبل إلى الحجر الأسودِ،
فاستلمه، ثم خرج إلى الصَّفا مِن الباب الذي يقابله، فلما قَرُب منه. قرأ: ﴿إن
الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ [البقرة: ١٥٩] أبدأ بما بدأ الله به، وفي رواية
النسائي: ((ابدؤوا))، بصيغة الأمر(٢). ثم رَقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبلَ
القِبلة، فوخَّدَ الله وكبّره، وقال. ((لا إله إلا اللّهُ وحْدَهُ لا شَريكَ لَه، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ
الحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قدير، لا إله إلاَّ اللّهُ وحدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَه،
وهَزَمَ الاحْزَابَ وحْدَه)). ثم دعا بين ذلك، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مرات.
وقام ابنُ مسعود على الصَّدْع، وهو الشِّقُّ الذي في الصَّفا. فقيل له: ها هنا
يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هَذَا والَّذِي لا إلَه غَيْرُه مَقَامُ الذي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سورةُ
البقرة. ذكره البيهقي (٣).
(١) وهما ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾.
(٢) أخرجه النسائي ٢٣٦/٥، والدارقطني ٢٥٤/٢، ورجاله ثقات، وصححه ابن حزم
والنووي، لكن هذه الرواية شاذة فإن مالكاً وسفيان ويحيى بن سعيد القطان قد
اجتمعوا على رواية ((نبدأ)) قال الحافظ: وهم أحفظ من الباقين. راجع فيض القدير
رقم الحديث ٤٨ وصحيح مسلم ٨٨٨/٢.
(٣) أخرجه ٩٥/٥ وفي سنده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
٢١٠

ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبَّت قدماه في بطن الوادي، سعى حتَّى
إذا جاوز الوادي وأَصْعَد، مشى. هذا الذي صحَّ عنه، وذلك اليوم قبل الميلين
الأخضرين في أول المسعى وآخره. والظاهر: أن الوادي لم يتغير عن وضعه،
هکذا قال جابر عنه في (صحیح مسلم))(١). وظاهر هذا: أنه کان ماشياً، وقد روى
مسلم في (صحيحه)) عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقولُ: طافَ
النبيُّ نَِّ فِي حََّةِ الوَدَاعِ على رَاحِلَتِهِ بالبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ لِيَراهُ النَّاسُ
وَلِيُشْرِفَ ولِيَسْألُوه فَإِنَّ النَّاسَ قد غشوْه(٢) وروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر: لم
يطف رسول الله وَّه، ولا أصحابهُ بين الصَّفَا والمروة إلا طَوَافاً واحِداً طوافه
الأول(٣).
قال ابنُ حزم: لا تعارض بينهما، لأن الراكب إذا انصبَ به بعيرُه، فقد
انصبَّ كُلُّه، وانصبَّتْ قدماه أيضاً مع سائر جسده.
وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسنُ مِن هذا، وهو أنه سَعَى ماشِياً
أولاً، ثم أتمَّ سعيه راكباً، وقد جاء ذلك مصرَّحاً به، ففي ((صحيح مسلم)): عن
أبي الطُّفيل، قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطَّوافِ بين الصَّفَا والمروةِ
راكباً، أَسُنَّةٌ هو؟ فإن قومَك يزعمُون أنه سنة. قال: صدقُوا وكذبُوا قال: قُلْتُ: ما
قَوْلُك: صَدِقُوا وكذبُوا؟ قال: إنَّ رَسُولَ اللّهِ بَهكَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا
مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَى خَرَجَ العَوَتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ. قال: وكانَ رسولُ الله ◌ٍَّ لا
يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَمَا كَثُرَ عَلَيْهِ، رَكِبَ، والمشيُ والسَّعي أفضلُ(٤).
(١) (١٢١٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٧٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٢٦٤) وأخرج البغوي في ((شرح السنة)) (١٩٢٢) والبيهقي ١٠١/٥
من حديث قدامة بن عبد الله بن عمار قال: ((رأيتُ رسول الله ◌َّه يسعى بين الصفا
والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك)) وسنده صحيح. ومعنى: إليك
إليك، أي: تنح، قال الطيبي: أي: ما كانوا يضربون الناس، ولا يطردونهم، ولا
يقولون: تنحوا عن الطريق كما هو عادة الملوك والجبابرة.
٢١١

فصل
طواف القدوم
وأما طوافُه بالبيت عند قدومه، فاختُلِفَ فيه، هل كان على قدميه، أو كان
راكباً؟ ففي ((صحيح مسلم)): عن عائشة رضي الله عنها، قالت: طافَ النبي
في حَجَّةِ الوَدَاعِ حَوْلَ الكعبة على بعيره يستلِمُ الزُّكْنَ كراهية أن يُضْرَبَ عنْه
(١)
الناسُ(١).
وفي ((سنن أبي داود)»: عن ابن عباس، قال: قَدِمَ النبيُّ الَّ مكة وهو
يَشْتَكِي، فَطافَ على راحِلته، كلَّمَا أتى على الزُّكْنِ، استلمه بِمِحْجَنٍ، فلما فَرَغَ
مِن طوافه، أناخ، فصلَّى ركعتين (٢). قال أبو الطفيل: رأيتُ النبي ◌َّ يطوفُ
حولَ البيتِ على بعيره، يَسْتَلِمُ الحجر بِمِحْجِنه، ثم يقبِّله. رواه مسلم دون ذِكر
البعير (٣). وهو عند البيهقي، بإسناد مسلم بِذِكْرِ البَعيرِ. وهذا واللهُ أعلم في
طواف الإفاضة، لا في طوافِ القُدوم، فإن جابراً حكى عنه الرملَ في الثلاثة
الأول، وذلك لا يكون إلا مع المشي.
قال الشافعي رحمه الله: أما سبعه الذي طافه لمقدَمِه، فعلى قدميه، لأن
جابراً حكى عنه فيه، أنه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، فلا يجوز أن يكون
جابرٌ يحكي عنه الطواف ماشياً وراكباً في سُبعٍ واحد. وقد حفظ أن سبعه الذي
ركب فيه في طوافه يومَ النحر. ثم ذكر الشافعي: عن ابن عُيينة، عن ابن طاووس،
عن أبيه، أن رسولَ الله وَّهُ أَمَرَ أصحابَه أن يُهَجِّروا بالإِفاضة، وأفاض في نسائه
ليلاً على راحلته يستلم الرُّكن بِمِحْجَنِهِ، أحسِبه قال: فيقبِّل طرف المحجن (٤).
(١) أخرجه مسلم (١٢٧٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٨١) والبيهقي ١٠٠/٥ وفي سنده يزيد بن أبي زياد الهاشمي
وهو ضعيف، وقد تفرد بقوله: ((وهو يشتكي)) فيما قاله البيهقي.
(٣) أخرجه مسلم (١٢٧٥)، والبيهقي ١٠٠/٥، ١٠١ .
(٤) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) ٦٩/٢، وفي ((الأم))، وفيه انقطاع.
٢١٢

قلت: هذا مع أنه مرسل، فهو خلاف ما رواه جابر عنه في ((الصحيح)) أنه
طاف طوافَ الإفاضة يوم النحر نهاراً، وكذلك روت عائشة وابنُ عمر، كما
سيأتي. وقول ابن عباس: إن النبي ◌َّ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على
راحلته، كلما أتى الركن استلمه. هذا إن كان محفوظاً، فهو في إحدى عمره،
وإلا فقد صح عنه الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال
ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فإن من رمل على بعيره، فقد رمل، لكن
ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكباً في طواف القدوم. والله أعلم.
فصل
وقال ابن حزم: وطاف رَّ بين الصفا والمروة أيضاً سبعاً، راكباً على بعيره غلط ابن حزم وبيان أنّه
يَخُبُ ثلاثاً، ويمشي أربعاً، وهذا مِن أوهامه وغلطه رحمه الله، فإن أحداً لم يقُلْ
لم يحج
هذا قطُّ غيره، ولا رواه أحد عن النبي ◌َّ البتة. وهذا إنما هو في الطواف بالبيت،
فغلِط أبو محمد، ونقله إلى الطواف بين الصفا والمروة. وأعجبُ من ذلك،
استدلالُه عليه بما رواه من طريق البخاري، عن ابن عمر، أن النبي ◌َّ طافَ حينَ
قَدِمَ مكة، واستلم الركنَ أوَّل شيء، ثم خبَّ ثلاثةَ أطواف، ومشى أربعاً، فركع
حين قضَى طوافَه بالبيت، وصلَّى عند المَقَام ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى
الصَّفا، فطاف بالصَّفا والمروةِ سبعة أشواط .. وذكر باقي الحديث(١). قال: ولم
نجد عدد الرَّمَل بين الصَّفا والمروة منصوصاً، ولكنه متفق عليه. هذا لفظه.
قلت: المتفقُ عليه: السعيُ في بطن الوادي في الأشواط كلِّها. وأما الرَّمَلُ
في الثلاثة الأُول خاصَّة، فلم يقُله، ولا نقله فيما نعلمُ غيرهُ. وسألت شيخنا عنه،
فقال: هذا مِن أغلاطه، وهو لم يحجّ رحمه الله تعالی.
ويشبه هذا الغلطَ، غلطُ من قال: إنه سعى أربعَ عشرةَ مرة، وكان يحتسِبُ
(١) أخرجه البخاري ٣/ ٤٣٢ في الحج: باب من ساق البدن معه.
٢١٣

بذهابه ورجوعِه مرة واحدة. وهذا غلط عليه وَّة، لم ينقله عند أحد، ولا قاله أحدٌ
من الأئمة الذين اشتهرت أقوالُهم، وإن ذهب إليه بعضُ المتأخرين من المنتسبين
إلى الأئمة. ومما يبين بُطلان هذا القول، أنه ي * لا خلاف عنه، أنه ختم سعيه
بالمروة، ولو كان الذهابُ والرجوعُ مرة واحدة، لكان ختمُه إنما يقع على الصفا.
متابعة سياق الحج
وكان وَّه إذا وصل إلى المروة، رَفِيَ عليها، واستقبل البيت، وكبَّرَ اللّهَ
ووخَّدَه، وفعل كما فعل على الصَّفا، فلما أكمل سعيه عند المروة، أمرَ كُلَّ من لا
هدي معه أن يَحِلَّ حتماً ولا بُدَّ، قارناً كان أو مفرداً، وأمرهم أن يَحِلُّوا الحِلَّ كُلَّهُ
مِن وَطْءِ النِّساءِ، والطِّيب، ولُبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التَّرْوِية، ولم
يَحِلَّ هو مِن أجلِ هديه. وهناك قال: ((لو اسْتَقْبَلْتُ من أَمْري ما اسْتَدْبَرْتُ لما
سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَجعَلْتُها عُمْرَةً».
وقد روي أنه أحلَّ هو أيضاً، وهو غلط قطعاً، قد بينَّاه فيما تقدم.
وهُناك دعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثاً، وللمقصِّرين مرة (١). وهناك سأله
سراقةُ بن مالك بن جُعْشُم عقيبَ أمره لهم بالفسخ والإِحلال: هل ذلك لِعامِهم
خاصة، أم للأبد؟ فقال: ((بَلْ لِلأبد)). ولم يَحِلَّ أبو بكر، ولا عُمر، ولا عليٌّ ولا
طلحةُ، ولا الزبيرُ من أجل الهدي.
وأما نساؤه ◌ََّ، فأحللن، وكنَّ قارنات، إلا عائشةَ فإنها لم تَحِلَّ من أجل
تعذُّرِ الحل عليها لحيضها، وفاطمة حلَّت، لأنها لم يكن معها هدي، وعلي
رضي الله عنه لم يَحِلَّ مِن أجل هديه، وأمر ◌ََّ من أهلَّ بإهلالٍ كإهلاله أن يُقيم
على إحرامه إن کان معه هدي، وأن يحِلَّ إن لم یکن معه هدي.
وكان يُصلي مدة مُقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازِل فيه
(١) أخرجه البخاري ٤٤٦/٣، ٤٤٨، ومسلم (١٣٠١) و (١٣٠٢) من حديث ابن عمر
وأبي هريرة.
٢١٤

بالمسلمين بظاهِر مكة، فأقام بِظَاهِر مكَّة أربعةَ أيَّام يَقْصُرُ الصَّلاَةَ(١) يوم الأحد
والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فلما كان يومُ الخمیس ضُحى، توجّه بمن معه مِن
المسلمين إلى مِنى، فأحرم بالحجِّ مَنْ كان أحلَّ منهم مِن رحالهم، ولم يدخُلُوا
إلى المسجد، فأحرمُوا منه، بل أحرمُوا ومكةُ خلفَ ظهورهم، فلما وصل إلى
مِنى، نزل بها، وصلَّى بها الظهرَ والعصرَ، وبات بها، وكان ليلةَ الجمعة، فلما
طلعتِ الشمسُ، سار منها إلى عرفة، وأخذ على طريق ضبٍّ على يمين طريق
النَّاس اليوم، وكان مِن أصحابه الملبِّي، ومنهم المُكبِّرُ، وهو يسمَعُ ذلك ولا يُنكِرُ
على هؤلاء ولا على هؤلاء(٢) فوجد القُبَّة قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَة بأمره، وهي قرية
شَرقي عرفات، وهي خرابٌ اليوم، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمسُ، أمر بناقته
القَصواء فَرُحِلتْ، ثم سار حتى أتى بَطن الوادي من أرض عُرَنَةَ، فخطب النَّاسَ
وهو على راحِلته خُطبة عظيمة قرَّر فيها قواعد الإِسلام، وهَدَمَ فيها قواعِدَ الشِّرْكِ
والجاهلية، وقرَّر فيها تحريمَ المحرَّمات التي اتفقت المِللُ على تحريمها، وهي
الدِّماءُ والأموالُ، والأعراض، ووضع فيها أمورَ الجاهلية تحتَ قدميه، ووضع
فيها ربا الجاهلية كُلَّه وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيراً، وذكر الحقَّ الذي لهن
والذي عليهن، وأن الواجبَ لهن الرزقُ والكِسوةُ بالمعروف، ولم يُقدِّر ذلك
بتقدير، وأباح للأزواج ضربَهن إذا أَدْخَلْن إلى بيوتهن مَنْ يكرهه أزواجُهن،
وأوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنهم لن يَضِلُّوا ما داموا معتصمين
به، ثم أخبرهم أنهم مسؤولون عنه، واستنطقهم: بماذا يقولُون، وبماذا يشهدون،
فقالوا: نشهد أنك قد بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ، فرفع أصبعه إلى السماء، واستشهد
اللّهَ عليهم ثلاثَ مرات، وأمرهم أن يبلغ شاهدُهم غائبَهم(٣).
خطبة الوداع
(١) في البخاري ٤٦٦/٢ من حديث ابن عباس أن رسول الله مليار قدم مكة وأصحابه
صبح رابعة يلبون بالحج، فتكون مدة مقامه بمكة قبل الخروج إلى منى ثم إلى عرفة
أربعة أيام لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن.
(٢) أخرجه البخاري ٤٠٧/٣، ٤٠٨، ومسلم (١٢٨٥) من حديث أنس بن مالك.
(٣) أخرجه مسلم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي وَّل.
٢١٥

قال ابن حزم: وأرسلت إليه أمُّ الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم
عبد الله بن عباس، بقدح لبن، فشربه أمامَ النَّاس وهو على بعيره(١) فلما أتم
الخُطبة، أمر بلالاً فأقام الصلاة، وهذا من وهمه رحمه الله، فإن قصة شربه اللبن،
إنما كانت بعد هذا حِين سار إلى عرفة، ووقف بها هكذا جاء في ((الصحيحين))
مصرَّحاً به عن ميمونة: أن الناسَ شكوا في صِيام النبي ◌َّهِ يومَ عرفة، فأرسلت
إليه بحِلاب وهو واقِف في الموقف، فشرِبَ منه والناسُ ينظرون. وفي لفظ: وهو
واقف بعرفة(٢) .
وموضعُ خُطبته لم يكن من الموقف، فإنه خطب بِعُرَنَة، وليست من
الموقف، وهو ◌َ﴿ُ نزلَ بِنَمِرَةَ، وخطب بِعُرَنَة، ووقف بِعَرفَة، وخطب خُطبة
واحدة، ولم تكن خطبتين، جلس بينهما، فلما أتمها، أَمَرَ بلالاً فأذن، ثم أقام
الصلاة، فصلى الظهر ركعتين أسرَّ فيهما بالقراءة، وكان يومَ الجمعة، فدل على أن
المسافِرِ لا يُصلِّي جمعة، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضاً ومعه أهل مكة،
وصلَّوْا بصَلاتِه قصراً وجمعاً بلا ريب، ولم يأمرهم بالإِتمام، ولا بترك الجمع،
ومن قال: إنه قال لهم: ((أَتِمُوا صَلاَتَكُم فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ))، فقد غلط فيه غلطاً بيناً،
ووهم وهماً قبيحاً. وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة، حيث كانوا في
ديارهم مقيمين(٣). ولهذا كان أصحَّ أقوالِ العلماء: إن أهلَ مَكّة يَقْصُرُون
ويجمعون بعرفة، كما فعلُوا مع النبي ◌َِّ، وفي هذا أوضحُ دليل، على أن سفر
أهل مكة يقصرون
ويجمعون بعرفة
(١) أخرجه البخاري ٢٠٦/٤، ٢٠٧ في الصوم: باب صوم يوم عرفة، ومسلم (١١٢٣)
في الصوم: باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة.
(٢)
أخرجه البخاري ٢٠٧/٤، ومسلم (١١٢٤).
أخرج أحمد في ((المسند)) ٤٣٢/٤، وأبو داود (١٢٢٩) والطيالسي ١٢٤/١، ١٢٥،
(٣)
والطحاوي ٤١٧/١ والبيهقي ١٣٥/٣ في الصلاة: باب متى يتم المسافر من حديث
عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله مَيثير، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة
ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: ((يا أهل البلد صلوا أربعاً، فإنا قوم
سفر)) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
٢١٦

القصر لا يتحدَّدُ بمسافةٍ معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنُّسُكِ في قصر
الصلاة البتة، وإنما التأثيرُ لما جعله الله سبباً وهو السفرُ، هذا مقتضى السنة، ولا
وجه لما ذهب إليه المحدِّدون.
فلما فرغ من صلاته، ركب حتى أتى الموقفَ، فوقف في ذيل الجبل عند
الصَّخَراتِ، واستقبل القِبلة، وجعل حَبْلَ المُشاة بين يديه، وكان على بعيره،
فأخذَ في الدُّعاء والتضرُّع والابتهال إلى غروب الشمس، وأمر النَّاس أن يرفعُوا
عن بطن عُرَنَةَ، وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك، بل قال: ((وقَفْتُ ها هنا
وعَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ))(١).
الوقوف بعرفة
وأرسل إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنها مِن إرث
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) (١٤٩) في الحج: باب ما جاء أن عرفة كلها موقف من
حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ص84* قال: ((نحرت هاهنا ومنى كلها منحر،
فانحروا في رحالكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها
موقف)) وأما قوله: ((وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة)) فهو حديث صحيح
بشواهده وطرقه أخرجه أحمد ٨٢/٤ وابن حبان (١٠٠٨). من حديث جبير بن مطعم
بلفظ ((كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن
محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح)) وفيه انقطاع، ورواه الطبراني
في ((معجمه)) وفي سنده سويد بن عبد العزيز وفيه لين، وأخرجه البيهقي ١١٥/٥ من
حديث محمد بن المنكدر مرسلاً بلفظ ((عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة،
والمزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر))، وذكره مالك في ((الموطأ))
٣٨٨/١ بلاغاً، قال ابن عبد البر: ووصله عبد الرزاق عن معمر، عن محمد بن
المنكدر عن أبي هريرة ورواه الحاكم ٤٦٢/١، وعنه البيهقي ١١٥/٥ من حديث
ابن عباس مرفوعاً بلفظ ((ارفعوا عن بطن عرنة وارفعوا عن بطن محسر)) وصححه
ووافقه الذهبي مع أن فيه محمد بن كثير الصنعاني وهو كثير الغلط، وأخرجه
الطبراني من طريق آخر وفي سنده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وهو ضعيف،
ورواه الحاكم ٤٦٢/١ من طريق ابن جريج أخبرني عطاء عن ابن عباس قال كان
يُقال: ((ارتفعوا عن محسر، وارتفعوا عن عرنة)) وصححه على شرط الشيخين،
ووافقه الذهبي.
٢١٧

أبيهم إبراهيم(١) وهنالك أقبل ناسٌ من أهل نَجْدٍ، فسألوه عن الحجِّ، فقال:
((الحَجُّ عَرَفَةُ، من جَاءَ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، تَمَّ حَجُهُ، أَيَّامُ مِنَى ثَلاثَةٌ،
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن، فلا إِثْمَ عَلَيْهِ، ومَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِنَّمَ عليه))(٢).
وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، وأخبرهم أنَّ خَيْرَ
الدَّعُاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةٍ(٣) .
ما ورد في دعائه (﴾
بعرفة
وذكر من دعائه بََّ في الموقف: اللَّهُمَ لَكَ الحَمْدُ كالَّذِي نَقُولُ، وخَيْراً مِمَّا
نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاتِي وَنُسُكِي، ومَحْيَايَ، ومَمَاتي، وإلَيْكَ مَآبي، ولَكَ ربِّي
تُراثي، اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتَاتِ الأمْر،
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تِجِيء به الرِّيحُ)). ذكره الترمذي(٤).
(١) أخرجه الشافعي ٥٤/٢، وأبو داود (١٩١٩)، والنسائي ٢٥٥/٥، والترمذي (٨٨٣)
وابن ماجه (٣٠١١) من حديث ابن مربع الأنصاري، وسنده قوي، وصححه الحاكم
٤٦٢/١، ووافقه الذهبي.
أخرجه أحمد ٣٣٥/٤، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩) و (٢٩٧٩) والنسائي
(٢)
٢٥٦/٥، وابن ماجه (٣٠١٥)، من حديث عبد الرحمن بن يَعْمَرَ الدِّيلي، وإسناده
صحيح، وصححه ابن حبان (١٠٠٩) والحاكم ٤٦٤/١، ووافقه الذهبي.
أخرج مالك في ((الموطأ)) ٤٢٢/١، ٤٢٣ من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز أن
(٣)
رسول الله ◌َ الله قال: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من
قبلي لا إله إلا الله)) ورجاله ثقات، لكنه مرسل، ويتقوى بما أخرجه الترمذي
(٣٥٧٩) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ قال: ((خير
الدعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وفيه محمد بن أبي حميد ليس
بالقوي، لكن سنده حسن في الشواهد، وهذا منها فالحديث حسن. وفي هذا
الحديث دليل على وهاء ما يؤثر عن بعض أهل العلم من أن توحيد العوام ((لا إله إلا
الله)) وتوحيد الخواص ((الله)) على أن الذكر بالاسم المفرد، لم يثبت، في السنة ولا
يُعرف عن القرون المشهود لها بالفضل، والخيرُ في اتباعهم، والشر في مخالفتهم.
(٤) رقم (٣٥٢٠) في الدعوات: باب دعاء عرفة، وفي سنده قيس بن الربيع، قال أبو
حاتم: محله الصدق وليس بالقوي، وقال يحيى: ضعيف، وقال مرة: لا يكتب =
٢١٨

ومما ذُكِرَ مِن دُعائه هناك «اللَّهُمَّ تَسْمَعُ كَلامي، وتَرَى مَكَاني، وتَعْلَمُ سرِّي
وعَلانيتي، لا يخفى علَيْك شَيءٌ مِنْ أَمْري، أَنَا البَائسُ الفَقيرُ، المُسْتَغِيثُ
المُسْتَجيرُ، وَالوَجلُ المُشْفِقُ، المقِرُّ المعترِفُ بِذُنُوبِي، أَسْأَلَكَ مَسْأَلَةَ المِسْكِين،
وأبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتَهالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وأَدْعوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ الضرِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ
لَكَ رَقَتُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وذلَّ جَسَدُهُ، ورَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللَّهُمَّ لا تَجْعلني
بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً، وكُن بِي رَؤُوفاً رحيماً، يا خيْرَ المَسْؤُولين، ويَا خَيْرَ
المُعْطِينَ)). ذكره الطبراني(١).
وذكر الإِمام أحمد: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال:
كان أكثرُ دُعاءِ النَّبِّ ◌َّهُ يَوْمَ عرفة: ((لا إله إلاَّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شريكَ لَهُ. لَهُ المُلْكُ
ولَهُ الحَمدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِير))(٢) .
وذكر البيهقيُّ من حديث علي رضي اللَّهُ عنه، أنه وَُّ قال: ((أَكْثَرُ دُعائي
ودُعاءِ الأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلي بِعَرَفَةَ: لا إله إلاَّ الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه، لهُ المُلْكُ ولَهُ
الحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، اللَّهُمَّ اجْعَل في قَلبي نُوراً، وفي صَدْري نُوراً،
وفي سَمْعِي نُوراً، وفي بَصَري نُوراً، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، ويَسِّرْ لِي أَمْري،
وأعُوذُ بِكَ مِنْ وَسْواسِ الصَّذْرِ، وشَتات الأمْر، وفِتْنَةِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بك
حديثه، وقال أحمد: كان كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة، وكان وكيع وعلي بن
=
المديني يضعفانه وقال النسائي: متروك، وقال الدارقطني. ضعيف، وقال الترمذي
عن حديثه هذا: هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي.
(١) أخرجه الطبراني في ((المعجم الصغير)) ص ١٤٤، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
٢٥٢/٣ من حديث ابن عباس، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) و ((الصغير)) وفيه
يحيى بن صالح الأيلي، قال العقيلي: روى عنه يحيى بن بكير مناكير، وبقية رجاله
رجال الصحيح.
(٢) أخرجه أحمد ٢١٠/٢، وفي سنده محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف، لكن له شاهد
مرسل في ((الموطأ)) بنحوه كما تقدم فهو حسن.
٢١٩

مِنْ شَرِّ ما يَلِجُ فِي اللَّيْلِ، وشَرِّ ما يَلِجُ في النَّهارِ، وشَرَّ مَا تَهُبُّ بِهِ الرِّياحُ، وشَرِّ
بَوائِقِ الدَّهْر))(١).
وأسانيدُ هذه الأدعية فيها لين.
وهناك أُنْزِلَتْ عليه: ﴿الَيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم، وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَي،
ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ ديناً﴾ [المائدة: ٣](٢).
بحث يتعلق برجل محرم
مات في عرفة
وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات، فأمر
رسول اللّهَ بَّةٍ أن يُكفَّنَ في ثَوْبَيْهِ، ولا يُمَسَّ بِطيبٍ، وأن يُغَسَّل بمَاءِ وَسِدْرٍ، ولا
يُغَطَّى رَأْسُه، ولا وَجْهُهُ، وأَخْبَرَ أَنَّ الله تَعَالَى يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّي(٣).
وفي هذه القصة اثنا عشر حُكماً.
الأول: وجوبُ غسل الميت، لأمر رسول الله ێ به.
لا ينجس المسلم بموته
الحكم الثاني: أنه لا يَنْجُسُ بالموت، لأنه لو نجس بالموت لم يَزِدْهُ غسلُه
إلا نجاسة. لأن نجاسة الموتٍ للحيوان عينية، فإن ساعد المنجِّسون على أنه
يَطْهُرُ بالغَسل، بطل أن يكون نَجساً بالموت، وإن قالوا: لا يطهُرُ، لم يزد الغسلُ
أكفانَه وثيابه وغاسله إلا نجاسة.
(١) أخرجه البيهقي ١١٧/٥، وهو على انقطاعه في سنده موسى بن عبيدة الربذي وهو
ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري ٩٧/١ و٢٠٣/٨، ومسلم (٣٠١٧)، (٥) عن طارق بن شهاب
قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني
لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله يخ طيءٍ حيث أنزلت يوم عرفة وأنا
والله بعرفة يوم جمعة.
(٣) أخرجه البخاري ١٠٩/٣ في الجنائز: باب كيف يكفن المحرم، و٤/ ٥٥ في الحج:
باب سنة المحرم إذا مات، وباب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، وباب
المحرم يموت بعرفة، ومسلم (١٢٠٦) (٩٨).
٢٢٠