Indexed OCR Text
Pages 481-500
فصل
الإسراع بتجهيز الميت
وكان من هديه وَ لّ الإِسراعُ بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره، وتنظيفه،
وتطيبه، وتكفينه في الثياب البيض، ثم يُؤتى به إليه، فيُصلِّ عليه بعد أن كان
يُدعی إلی الميت عند احتضاره، فيُقیم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ثم
يُصلِّي عليه، ويشيِّعه إلى قبره، ثم رأى الصحابةُ أن ذلك يشقُّ عليه، فكانوا إذا
قضى الميتُ، دعوه، فحضر تجهيزه، وغسله، وتكفينَه. ثم رأوا أن ذلك يشقُّ
عليه، فكانوا هم يُجهِّزون ميتهم، ويحملونه إليه بَّل على سريره، فيُصلي عليه
خارِجَ المسجد.
ولم يكن من هديه الراتب الصلاةُ عليه في المسجد، وإنما كان يُصلي على
الجنازة خارج المسجد، ورُبما كان يصلي أحياناً على الميت في المسجد، كما حكم الصلاة على الميت
صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد (١). ولكن لم يكن ذلك سنتَه
في المسجد
وعادتَه، وقد روى أبو داود في ((سننه)) من حديث صالح مولى التوأمة، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَ﴾: ((مَنْ صَلَّى على جَنَازَة في المَسْجِد فَلاَ شَيء
له)) (٢). وقد اختلف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب السنن:
في الأصل ((فلا شَيءَ عَلَيْهِ)) وغيرُه يرويه ((فَلاَ شَيءَ لَهُ)) وقد رواه ابن ماجه في
((سننه)) ولفظه: ((فَلَيْسَ لَهُ شَيء)). ولكن قد ضعف الإِمام أحمد وغيره هذا
١
(١) رواه مسلم (٩٧٣) في الجنائز: باب الصلاة على الجنائز في المسجد، وأبو داود
(٣١٨٩) و (٣١٩٠) في الجنائز: باب الصلاة على الجنائز في المسجد، وابن ماجه
(١٥١٨) في الجنائز: باب ما جاء في الصلاة على الجنائز في المسجد من حديث
عائشة.
(٢) رواه أبو داود (٣١٩١) في الجنائز: باب الصلاة على الجنازة في المسجد، وابن
ماجه (١٥١٧) وأحمد ٤٤٤/٢ و٤٥٥، والطحاوي ص ٢٨٤، والبيهقي ٥١/٤
وسنده قوي، لأن ابن أبي ذئب سمع من صالح مولى التوأمة قبل الاختلاط، كما
سيبينه المؤلف .
زاد المعاد ج ١ -م١٦
٤٨١
الحديث، قال الإِمام أحمد: هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة، وقال البيهقي :
هذا حديث يُعدُّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصح منه، وصالح مختلَف في
عدالته، كان مالك يجرحه، ثم ذكر عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أنه صُلِّي
عليهما في المسجد.
قلت: وصالح ثقة في نفسه، كما قال عباس الدُّوري عن ابن معين: هو ثقة
في نفسه. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت له: إن مالكاً تركه،
فقال: إن مالكاً أدركه بعد أن خَرِفَ، والثوري إنما أدركه بعد أن خَرِفَ، فسمع
منه، لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يَخرَفَ. وقال علي بن المديني: هو ثقة
إلا أنه خَرِفَ وكَبِرَ فسمع منه الثوري بعد الخرف وسماع ابن أبي ذئب منه قبل
ذلك. وقال ابن حبان: تغير في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يُشبه
الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز،
فاستحق الترك انتهى كلامه .
وهذا الحديث: حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعه منه قدیم
قبل اختلاطه، فلا يكون اختلاطُه موجباً لرد ما حدَّث به قبل الاختلاط. وقد سلك
الطحاوي في حديث أبي هريرة هذا، وحديث عائشة مسلكاً آخر، فقال: صلاةٌ
النبي ◌ََّ على سُهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وترك ذلك آخر الفعلين من
رسول الله وَ لل بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا لِيفعلوه إلا
لما علموا خلافَ ما نقلت. ورَد ذلك على الطحاوي جماعة، منهم: البيهقي
وغيره. قال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة نسخُ ما روته عائشة، لذكره يوم
صُلِّيَ على أبي بكر الصديق في المسجد، ويوم صُلِّيَ على عمر بن الخطاب في
المسجد، ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد، ولذكره أبو هريرة
حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز، فلما روت فيه
الخبر، سكتوا ولم يُنكروه، ولا عارضوه بغيره.
قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صُلِّيَ عليهما في
٤٨٢
المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي
تركهم الإِنكار الدليلُ على جوازه، قال: ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي
هريرة إن ثبت، متأولاً على نقصان الأجر، وذلك أن من صلى عليها في المسجد،
فالغالبُ أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجنازة، فصلى
عليها بحضرة المقابر، شهد دفنه، وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضاً على
كثرة خُطاه، وصار الذي يُصلي عليه في المسجد منقوصَ الأجر بالإضافة إلى من
يُصلي عليه خارج المسجد.
وتأولت طائفة معنى قوله: ((فلا شيء له))، أي فلا شيء عليه، ليتحد معنى
اللفظين، ولا يتناقضان كما قال تعالى: ﴿وإن أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، أي:
فعليها، فهذه طرق الناس في هذين الحديثين.
والصواب ما ذكرناه أولاً، وأن سُنَته وهديه الصلاةُ على الجنازة خارج
المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد.
والله أعلم.
فصل
وكان من هديه وَّ تسجيةُ الميت إذا مات، وتغميضُ عينيه، وتغطيةُ وجهه
وبدنه، وكان رُبما يُقبِّل الميت كما قبَّل عثمانَ بن مظعون وبكى(١). وكذلك
الصِّدِّيقُ أكبَّ عليه، فقبّله بعد موته ◌َّ(٢).
وكان يأمر بغسل الميت ثلاثاً أو خمساً، أو أكثر بحسب ما يراه الغاسِل،
(١) حديث حسن أخرجه أبو داود (٣١٦٣)، والترمذي (٩٨٩) وابن ماجه (١٤٥٦) من
حديث عائشة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وله شاهد من حديث معاذ بن ربيعة
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠/٣ وقال: رواه البزار، وإسناده حسن.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ٩١ في الجنائز: باب الدخول على الميت بعد الموت من حديث
عائشة وابن عباس.
٤٨٣
ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة، وكان لا يُغسِّل الشُّهَداءَ قَتْلَى المعركة (١)،
وذكر الإِمام أحمد، أنه نهى عن تغسيلهم، وكان ينزع عنهم الجلودَ والحديدَ
ويَدِفِنُهم في ثيابهم(٢) ، ولم يُصلِّ عليهم.
وكان إذا مات المُحرِمُ، أمر أن يُغسل بماء وسِدْر، ويُكفن في ثوبيه وهما
ثوبا إحرامه: إزاره ورداؤه، وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه(٣) وكان يأمر من ولي
(١) أخرج البخاري ٢٨٨/٧ في المغازي: باب من قتل من المسلمين يوم أحد عن جابر
أن رسول الله له كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول:
أيُّهم أكثر أخذاً القرآن، فإذا أشير له إلى أحد، قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد
على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
(٢) روى أبو داود (٣١٣٤) في الجنائز: باب في الشهيد يغسل، وابن ماجه (١٥١٥)
وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٥٧٩) والطحاوي ٢٨٤/١، والبيهقي ١٥/٤ من
حديث ابن عباس قال: أمر رسول الله وهي: بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود،
وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. وفيه عطاء بن السائب وقد رمي بالاختلاط. وكون
الشهيد لا يُصلى عليه هو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب قوم إلى أنه يُصلى
عليه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، وإسحاق، لما روى الحاكم ١١٩/٢،
١٢٠ من طريق أبي حماد الحنفي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر أنه يخ ليه
أتي بحمزة، فصلى عليه، ثم جيء بالشهداء فوضعوا إلى جانب حمزة فصلى
عليهم ... وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد ٤٦٣/١ وسنده صحيح، وعن ابن
عباس عند ابن ماجه (١٥١٣) والدار قطني ٤٧٤/٢، والحاكم ١٩٨/٣، والبيهقي
١٢/٤ والطحاوي ٢٩٠/١، وعن عبد الله بن الزبير عند الطحاوي ٢٩٠/١ وسنده
قوي وفيه: أنه صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي
عليهم وعليه معهم. وقال المؤلف رحمه الله في (تهذيب السنن)) ٢٩٥/٤: والصواب
في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من
الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإِمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه.
(٣) أخرج البخاري ٥٥/٤ في الحج: باب سنة المحرم إذا مات، ومسلم (١٢٠٦) (٩٩)
في الحج: باب ما يفعل بالمحرم إذا مات عن ابن عباس أن رجلاً كان مع النبي ◌ِّ
فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صَ ل: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه
في ثوبيه ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».
=
٤٨٤
الميتَ أن يُحسن كفنه، ويُكفنه في البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن، وكان
إذا قصَّرَ الكفنُ عن سَتر جميع البدن، غطّى رأسه، وجعل على رجليه من العُشب.
فصل
وكان إذا قُدِّم إليه ميت يُصلِّي عليه، سأل: هل عليه دَين، أم لا؟ فإن لم
يكن عليه دين، صلَّى عليه، وإن كان عليه دين، لم يصل عليه، وأذِن لأصحابه أن
يُصلوا عليه، فإن صلاته شفاعة، وشفاعتُه موجبة، والعبد مرتَهَنٌ بدَينه، ولا
يدخل الجنة حتى يُقضى عنه، فلما فتح الله عليه، كان يُصلي على المدِين،
ویتحمّل دینه، وبدع ماله لورثته(١) .
لم يكن يصلي على
المدين ...
فإذا أخذ في الصلاة عليه، كبر وحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَليْهِ، وصلى ابن عباس
على جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب جهراً، وقال: ((لِتَعْلَمُوا أنها
سُنَّةٍ))(٢) وكذلك قال أبو أُمامة بنُ سهل: إنَّ قراءة الفاتحة في الأولى سنَّة(٣).
(١) روى البخاري ٤٥١/٩ في النفقات: باب قول النبيمثله من ترك كلاً أو ضياعاً فإلي،
ومسلم (١٦١٩) في الفرائض: باب من ترك مالا فلورثته، والترمذي (١٠٧٠) في
الجنائز: باب ما جاء في الصلاة على المديون، كلهم من حديث أبي هريرة ((أن
رسول الله ﴾ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه فضلاً؟
فإن حدث أنه ترك وفاء، صلى وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما
فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين،
فترك ديناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً، فلورثته)) .
(٢) رواه البخاري ١٦٤/٣ في الجنائز: باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنائز،
والترمذي (١٠٢٧) في الجنائز: باب ما جاء في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب،
وأبو داود (٣١٩٨) في الجنائز: باب ما يقرأ على الجنازة، والنسائي ٧٥/٤ في
الجنائز: باب الدعاء.
(٣) روى عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٤٢٨) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال:
السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر، ثم يقرأ بأم القران، ثم يُصلي على
النبي ◌َّ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم في
نفسه عن يمينه، وإسناده صحيح كما قال الحافظ في ((الفتح)) ورواه الحاكم في =
٤٨٥
ويُذكر عن النبي ◌َّر، أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. ولا يصح
إسناده. قال شيخنا: لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة، وذكر
أبو أمامة بنُ سهل، عن جماعة من الصحابة، الصلاة على النبي محمدّ في الصلاة
على الجنازة (١).
وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة،
أنه سأل عُبادة بنَ الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال: أنا واللَّهِ أُخبرُك:
تبدأ فتُكبِِّ، ثُمَّ تُصلِّي على النبي ◌َّةِ، وتَقُول: اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَكَ فَلاناً كَانَ لا
يُشْرِكُ بِك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إنْ كَانَ مُحْسِناً، فَزِدْ في إحْسَانِهِ، وإِنْ كَانَ مُسِيئاً،
فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تُضِلَّنَا بَعَدَهُ(٢).
فصل
ومقصودُ الصلاة على الجنازة: هو الدعاء للميت، لذلك حُفِظَ عن
النبي ◌ََّ، ونُقِلَ عنه ما لم يُنقل مِنْ قراءة الفاتحة والصلاة عليه مقتل}.
الدعاء للميت في الصلاة
عليه
فحُفِظَ من دعائه: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وارْحَمْهُ، وعَافِهِ، واعَفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ
نُزْلَه، وَوَسِّعْ مَدْخَلَه، واغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، ونَقِّهِ مَنَ الخطَايَا كَمَا يُنَفَّى
الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارَاً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ،
وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ عَذَابٍ
((المستدرك)) ٣٦٠/١ وصححه، ووافقه الذهبي.
(١) أخرج الشافعي في ((الأم)) ٢٧٠/١، والحاكم ٣٦٠/١، والبيهقي ٣٩/٤ من حديث
أبي أمامة بن سهل بن حنيف وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم وأبناء الذين شهدوا
بدراً مع رسول الله حيث أخبره رجال من أصحاب النبي صَ لّ في الصلاة على الجنازة أن
يكبر الإمام، ثم يصلي على النبي محل#، ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
(٢) أخرجه البيهقي ٤/ ٤٠ .
٤٨٦
النَّارِ(١))).
وحُفِظَ من دعائه: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّنَا، وَصَغِيرِنَا، وكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا،
وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا، فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوقَّيْتَهُ
مِنَّا، فَتَوَقَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ»(٢).
وحُفِظَ مِن دُعائه: «اللَّهُمَّ إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ
مَنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَأَنْتَ أَهْلُ الوَفَاءِ وَالحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ،
إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ))(٣) .
وحُفِظَ مِن دُعائه أيضاً: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ رَزَقْتُهَا،
وأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلاَمِ، وَأَنْتَ قَبِضْتَ رُوحَهَا، وتَعْلَمُ سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، جئْنَا شُفَعَاءَ
فَاغْفِرْ لَهَا)»(٤) .
(١) رواه مسلم (٩٦٣) في الجنائز: باب الدعاء للميت في الصلاة، والترمذي (١٠٢٥)
في الجنائز: باب ما يقول في الصلاة على الميت، والنسائي ٧٣/٤ الجنائز: باب
الدعاء، وابن ماجه (١٥٠٠) في الجنائز: باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على
الجنازة، وأحمد ٢٣/٦ و٢٨ من حديث عوف بن مالك.
(٢) رواه الترمذي (١٠٢٤) في الجنائز: باب ما يقول في الصلاة على الميت، وأبو داود
(٣٢٠١) في الجنائز: باب ما يقول في الصلاة على الميت. والنسائي ٧٤/٤ في
الجنائز: باب الدعاء، وابن ماجه (١٤٩٨) في الجنائز: باب ما جاء في الدعاء في
الصلاة على الجنازة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (٧٥٧)
والحاكم ٣٥٨/١، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا، وإعلاله بالإِرسال لا يضر، لأن
الذين وصلوه جماعة، فروايتهم أرجح وأثبت.
(٣) رواه أبو داود (٣٢٠٢) في الجنائز: باب الدعاء للميت، وابن ماجه (١٤٩٩) وأحمد
٤٩١/٣ من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، وإسناده حسن كما قال الحافظ
في ((تخريج الأذكار» وصححه ابن حبان (٧٥٨).
(٤) رواه أبو داود (٣٢٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي سنده علي بن
شماخ، لم يوثقه غير ابن حبان وباقي رجاله ثقات. قال ابن علان في ((تخريج
الأذكار)): وقال الحافظ بعد تخريجه من طريق الطبراني في ((الدعاء)) ما لفظه: هذا=
٤٨٧
التكبير في الصلاة على
الجنازة
وكان وَ لَه يأمر بإخلاص الدعاء للميت، وكان يُكبِّرِ أربعَ تكبيرات، وصح
عنه أنه كبّر خمساً، وكان الصحابة بعده يُكبِّرون أربعاً، وخمساً، وستاً، فكبّر
زيد بن أرقم خمساً، وذكر أن النبي ◌ِ ل# كبرها، ذكره مسلم(١).
وكبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على سهل بن حُنيف ستاً (٢)، وكان
=
حديث حسن وأخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)).
(١) رواه مسلم (٩٥٧) في الجنائز: باب الصلاة على القبر، ورواه أيضاً الترمذي
(١٠٢٣) في الجنائز: باب ما جاء في التكبير على الجنازة، وأبو داود (٣١٥٧) في
الجنائز: باب التكبير على الجنازة، والنسائي ٧٢/٤ في الجنائز: باب عدد التكبير
على الجنازة، وابن ماجه (١٥٠٥) في الجنائز: باب ما جاء فيمن يكبر خمساً.
(٢) رواه البيهقي في ((السنن)) ٣٦/٤ وإسناده صحيح، وفي ((صحيح البخاري)) في
المغازي: باب شهود الملائة بدراً، من حديث محمد بن عباد عن ابن عيينة قال:
أنفذه لنا ابن الأصبهاني سمعه من عبد الله بن معقل أن علياً كبر على سهل بن
حنيف، فقال: إنه شهد بدراً، ولم يذكر عدداً، قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٤٥/٧:
وقد أورده أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق البخاري بهذا الإسناد، فقال فيه: كبر
خمساً، وأخرجه البغوي في ((معجم الصحابة)) عن محمد بن عباد بهذا الإسناد
والإسماعيلي والبرقاني والحاكم من طريقه فقال: ستاً، وكذا أورده البخاري في
(التاريخ)) عن محمد بن عباد، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، وأورده
بلفظ ((خمساً)) زاد في روايته الحاكم: التفت إلينا، فقال: إنه من أهل بدر، وقول
علي رضي الله عنه لقد شهد بدرا، يشير إلى أن لمن شهدها فضلاً على غيرهم في
كل شيء حتى في تكبيرات الجنازة، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عندهم أن
التكبير أربع وهو قول أكثر الصحابة. وعن بعضهم التكبير خمسٍ، وفي ((صحيح
مسلم)» عن زيد بن أرقم حديث مرفوع في ذلك وقد تقدم أن أنساً قال: إن التكبير
على الجنازة ثلاث، وأن الأولى للاستفتاح، وروى ابن أبي خيثمة من وجه آخر
مرفوعاً: أنه كان يكبر أربعاً، وخمساً وستاً، وسبعاً، وثمانياً، حتى مات النجاشي،
فكبر عليه أربعاً، وثبت على ذلك حتى مات، قال أبو عمر: انعقد الإجماع على
أربع، ولا نعلم من فقهاء الأمصار من قال بخمس إلا ابن أبي ليلى، وقال في
((المبسوط)) للحنفية عن أبي يوسف مثله، وقال النووي: في شرح ((المهذب)): كان
بين الصحابة خلاف، ثم انقرض، وأجمعوا على أنه أربع، لكن لو كبّر الإِمام =
٤٨٨
يُكبر على أهل بدر ستاً، وعلى غيرهم من الصحابة خمساً، وعلى سائر الناس
أربعاً، ذكره الدار قطني(١) .
وذكر سعيد بنُ منصور، عن الحكم بن عُتيبة أنه قال: كانوا يُكبرون على
أهل بدر خمساً، وستاً، وسبعاً. وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها،
والنبيُّ ◌َّةٍ لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابُه من بعده.
والذين منعوا من الزيادة على الأربع، منهم من احتج بحديث ابن عباس،
أن آخر جنازة صلَّى عليها النبيُّ نَّهِ، كَبَّرَ أربعاً (٢). قالوا: وهذا آخر الأمرين،
وإنما يؤخذ بالآخِر، فالآخر مِن فعله ◌َ ﴿ هذا. وهذا الحديثُ، قد قال الخلال في
((العلل)): أخبرني حرب: قال: سئل الإِمام أحمد عن حديث أبي المليح، عن
میمون، عن ابن عباس، فذكر الحدیث. فقال أحمد: هذا كذب ليس له أصل،
إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. واحتجوا بأن ميمون بن
مهران روى عن ابن عباس، أن الملائكة لما صلَّت على آدم عليه الصلاة والسلام،
كبَّرت عليه أربعاً، وقالوا: تِلك سنتكم يا بني آدم. وهذا الحديث قد قال في
الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعتُ أبا
عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعة، فذكر منها عن أبي المليح، عن ميمون بن
مهران، عن ابن عباس، أن الملائكة لما صلَّت على آدم، كبَّرت عليه أربعاً،
واستعظمه أبو عبد الله وقال: أبو المليح كان أصح حديثاً وأتقى لله من أن يَروي
مثلَ هذا.
خمساً، لم تبطل صلاته إن كان ناسياً، وكذا إن كان عامداً على الصحيح، لكن لا
=
يتابعه المأموم على الصحيح، والله أعلم.
(١) رواه الدار قطني ٧٣/٢، والطحاوي ٢٨٧/١، والبيهقي ٣٧/٤، وسنده صحيح.
(٢)
رواه البيهقي ٣٧/٤، وفي سنده النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز وهو متروك،
وقال البيهقي: وقد رُوي هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ضعيفة إلا أن اجتماع أكثر
الصحابة رضي الله عنهم على الأربع كالدليل على ذلك.
٤٨٩
واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى، عن أبيّ، عن النبي وَلَه، أن
الملائكة لما صلَّت على آدم، فكبَّرت عليه أربعاً، وقالت: هذه سنتُكم يا بني آدم،
وهذا لا يصح(١). وقد روي مرفوعاً وموقوفاً.
وكان أصحاب معاذ يُكبِّرون خمساً، قال علقمة: قلتُ لعبد الله: إن ناساً
من أصحاب معاذ قدموا من الشام، فكبّروا على ميت لهم خمساً، فقال عبد الله:
ليسَ على المِّيت في التكبير وقتٌ، كبِّر ما كبَّرَ الإِمام، فإذا انصرفَ الإِمامُ
فانصرف(٢).
فصل
وأما هديه وَّر في التسليم من صلاة الجنازة. فروي عنه: إنه كان يسلِّم
واحدة. وروي عنه: أنه کان یسلم تسلیمتین.
التسليم من صلاة
الجنازة
فروى البيهقي وغيره، من حديث المقبري، عن أبي هريرة، أن النبي
وَسَلّ
صلى على جنازة، فكبر أربعاً، وسلم تسليمة واحدة (٣). لكن قال الإِمام أحمد في
رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع، ذكره الخلال في ((العلل)).
(١) رواه البيهقي ٣٦/٤، وفي سنده عثمان بن سعد، وهو ضعيف، وفيه أيضاً عنعنة
الحسن.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٤٠٣) والبيهقي ٣٧/٤، وابن حزم في
«المحلی)) ١٢٦/٥ وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الدار قطني ٧٢/٢، والحاكم ٣٦٠/١، والبيهقي ٤٣/٤ من طريق أبي العنيس
عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله بـ# صلى على جنازة، فكبر عليها أربعاً،
وسلم تسليمة واحدة. وسنده حسن. وقال الحاكم: التسليمة الواحدة على الجنازة
قد صحت الرواية فيه عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن
عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة: أنهم كانوا يسملون
على الجنازة تسليمة واحدة، وانظر ((المصنف)) ٤٩٣/٣، ٤٩٤.
٤٩٠
وقال إبرهيم الهجري: حدَّثنا عبد الله بن أبي أوفى: إنه صلى على جنازة
ابنته، فكبر أربعاً، فمكث ساعة حتى ظننا أنه يكبر خمساً، ثم سلم عن يمينه وعن
شماله، فلما انصرف، قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت
رسولَ اللَّهِ وَلَه يصنعُ، أو هكذا صنع رسولُ الله ◌ِّيَ(١).
قال ابن مسعود: ثلاثُ خِلال كان رسول الله ◌َّه، يفعلُهن تركهُنَّ الناسُ،
إحداهن: التسليمُ على الجنازة مثل التسليم في الصلاة(٢)، ذكرهما البيهقي.
ولكن إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري، ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو
حاتم، وحديثه هذا، قد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عنه وقال: كبَّر
عليها أربعاً، ثم قام ساعة، فسبَّح به القومُ فسلم، ثم قال: كنتُم ترون أن أزيد على
أربع، وقد رأيتُ رسول الله وَل كبر أربعاً، ولم يقل: ثم سلَّم عن يمينه وشماله.
ورواه ابن ماجه من حديث المحاربي عنه كذلك، ولم يقل: ثم سَلَّمَ عن يمينه
وشماله(٣).
وذِكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها شريك عنه. قال البيهقي: ثم
عزاه للنبيٍّ ◌َّ في التكبير فقط، أو في التكبير وغيره.
قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك، أنه كان يسلم واحدة،
ذكره الإمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم، قيل لأبي عبد الله، أتعرف عن أحد
(١) رواه البيهقي في ((السنن)) ٤٣/٤ وفي سنده إبراهيم بن مسلم أبو إسحاق الهجري
وهو لين الحديث رفع موقوفات كما قال الحافظ في ((التقريب))، لكن يشهد له
حديث ابن مسعود الذي بعده.
(٢) رواه البيهقي في ((السنن)) ٤٣/٤ وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في ((المجمع))
٣٤/٣، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله ثقات، وقال النووي في
(المجموع» ٢٣٩/٥: وسنده جيد.
(٣) رواه ابن ماجه (١٥٠٣) في الجنائز: باب ما جاء في التكبير على الجنازة أربعا وفى
سنده إبراهيم الهجري وهو ضعيف كما تقدم.
٤٩١
من الصحابة أنه كان يُسلم على الجنازة تسليمتين؟ قال: لا، ولكن عن ستة من
الصحابة أنهم كانوا يُسلمون تسليمةً واحدة خفيفةً عن يمينه، فذكر ابنَ عمر، وابنَ
عباس، وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد
البيهقي: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن
سهل بن حنيف، فهؤلاء عشرة من الصحابة، وأبو أمامة أدرك النبي وَّل، وسماه
باسم جده لأمه أبي أمامة: أسعد بن زرارة، وهو معدود في الصحابة ومن كبار
التابعين .
وأما رفع اليدين، فقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في
الصلاة، فإن النبي ◌َّ كان يرفع يديه في كل تكبيرة كبَّرها في الصلاة وهو قائم.
رفع اليدين في صلاة
الجنازة
قلت: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر، وأنس بن مالك، أنهما كانا يرفعان
أيديهما كلَّما كبّرا على الجنازة(١) ويذكر عنه ويّة، أنه كان يرفع يديه في أول
التكبير، ويضع اليمنى على اليسرى، ذكره البيهقي في السنن.
وفي الترمذي من حديث أبي هُريرة، أن النبي ◌ِّ، وضع يده اليمنى على
يده اليسرى في صلاة الجنازة، وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرهاوي (٢).
وضع اليمين على الشمال
في صلاة الجنازة
(١) رواه البيهقي في ((السنن)) ٤٤/٤، وإسناد طريق ابن عمر صحيح، وقال: يذكر عن
أنس أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة، ولم يثبت في المرفوع عن النبي بَاله
وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في هذا، فرأى أكثر أهل العلم عن أصحاب
النبي ◌َّ وغيرهم أن يرفع الرجل يديه في كل تكبيرة على الجنازة وهو قول ابن
المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يرفع يديه إلا في
أول مرة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة.
(٢) رواه البيهقي في ((السنن)) ٣٨/٤، والترمذي (١٠٧٧) في الجنائز: باب ما جاء في
رفع اليدين في الجنازة، وفي سنده يحيى بن يعلى الأسلمي وأبو فروة يزيد بن سنان
وهما ضعيفان، وقال ابن حزم في ((المحلى)) ١٢٨/٥: وأما رفع الأيدي، فإنه لم
يأت عن النبي ◌َّ أنه رفع في شيء من تكبيرة الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط، فلا
يجوز فعل ذلك، لأنه عمل في الصلاة لم يأت به نص ... وهو مذهب الحنفية =
٤٩٢
فصل
الصلاة على القبر
وكان من هديه وَيّ إذا فاتته الصلاة على الجنازة، صلى على القبر (١)،
فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث (٢)، ومرة بعد شهر (٣)، ولم يُوقت
في ذلك وقتاً.
قال أحمد رحمه الله: من يشكُّ في الصلاة على القبر؟! ويُروى عن
النبي ◌َّه كان إذا فاتته الجنازةُ، صلى على القبر من ستة أوجه كُلُّها حِسَان، فحدَّ
الإِمام أحمد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي وَ ل# أنه صلى
بعده، وحدَّه الشافعي رحمه الله، بما إذا لم يَبْلَ الميت، ومنع منها مالكٌ وأبو
حنيفة رحمهما الله إلا لِلوليِّ إذا كان غائباً.
وكان من هديه وَّة، أنه كان يقومُ عند رأس الرجل وَوَسْطِ المرأة (٤).
وكان من هديه ◌َّ الصلاةُ على الطفل، فصح عنه أنه قال: ((الطِّفْلُ يُصَلَّى
فصل
الصلاة على الطفل
=
وغيرهم.
(١) أخرجه البخاري ١٥٢/٣، ومسلم (٩٥٤) في الجنائز: باب الصلاة على القبر من
حديث ابن عباس، وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري ٤٦٠/١، ومسلم
(٩٥٦)، وعن بعض أصحاب النبي {وَ لّعند البيهقي ٤٨/٤، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البيهقي ٤/ ٤٧ .
(٣) أخرجه البيهقي ٤٨/٤ وقال: هو مرسل صحيح، ورواه سويد بن سعيد عن يزيد بن
زريع، عن شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً ...
(٤) وفيه حديثان صحيحان الأول أخرجه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)،
والطحاوي ٢٨٣/١، والطيالسي (٢١٤٩)، وأحمد ١١٨/٣ و٢٠٤ عن أنس بن
مالك، والثاني أخرجه البخاري ١٦٢/٣، ومسلم (٩٦٤)، وأبو داود (٣١٩٥)،
والنسائي ٧٠/٤، ٧١، والترمذي (١٠٣٥)، وأحمد ١٤/٥ و١٩، والطيالسي
(٩٠٢) عن سمرة بن جندب قال: صليتُ وراء النبي ◌َّر على امرأة ماتت في
نفاسها، فقام رسول الله ومية للصلاة عليها وسطها.
٤٩٣
عَلَيْهِ))(١) .
وفي ((سنن ابن ماجه)) مرفوعاً، ((صَلُّوا على أَطْفَالِكُم، فإنَّهِم مِنْ
أَفْراطِكُمْ))(٢).
قال أحمد بن أبي عبدة: سألتُ أحمد: متى يَجِبُ أن يُصلى على السِّقط؟
قال: إذا أتی علیہ أربعة أشهر، لأنه يُنفخ فيه الروحُ.
قلتُ: فحديث المغيرة بن شعبة ((الطفل يُصلى عليه)»؟ قال: صحيح
مرفوع، قلتُ: ليس في هذا بيانُ الأربعة الأشهر ولا غيرها؟ قال: قد قاله سعيد بن
المسیِّب .
فإن قيل: فهل صلى النبيُّ ◌َّه على ابنه إبراهيم يوم مات؟ قيل: قد اختلف
في ذلك، فروى أبو داود في ((سننه)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: مات
إبراهيمُ بنُ النبي ◌َّةُ وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فلم يُصلِ عليه رسولُ الله ◌َِ﴾(٣).
قال الإِمام أحمد: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثني أبي عن ابن
إسحاق حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن
عائشة ... فذكره.
(١) أخرج أحمد ٢٤٧/٤ و٢٤٨ و٢٥٢، وأبو داود (٣١٨٠)، والنسائي ٤/ ٥٥، ٥٦،
والترمذي (١٠٣١)، وابن ماجه (١٤٨١)، و (١٥٠٧) من حديث المغيرة بن شعبة
عن النبي ◌َّه قال: ((الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها،
وعن يمينها، وعن يسارها قريباً، والسقط يُصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة
والرحمة)) وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، وابن حبان (٧٦٩)، والحاكم
٣٥٥/١ و٣٦٣، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه ابن ماجه (١٥٠٩) في الجنائز: باب ما جاء في الصلاة على الطفل، وفي سنده
البختري بن عبيد الطابخي الكلبي الشامي وهو ضعيف متروك.
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٨٧)، وأحمد ٢٦٧/١ ورجاله ثقات، وقد صرح ابن إسحاق
بالتحديث، وحسنه الحافظ في ((الإصابة)).
٤٩٤
وقال أحمد في رواية حنبل: هذا حديث منكر جداً، ووهَّى ابنَ إسحاق.
وقال الخلال: وقرىء على عبد الله: حدَّثني أبي، حدَّثنا أسود بن عامر،
حذَّثنا إسرائيل، قال: حدثنا جابر الجعفي، عن عامر، عن البراء بن عازب،
قال: صلَّى رسول الله بَّ على ابنه إبراهيم ومات وهو ابنُ ستة عشر شهراً (١).
وذكر أبو داود عن البهي، قال: لما مات إبراهيمُ بن رسولِ اللهِ وَه صلَّى
عليه رسولُ الله ◌َّ في المقاعد (٢). وهو مرسل، والبهي اسمه عبد الله بن يسار
كوفي .
وذكر عن عطاء بن أبي رباح، أن النبي ◌َّ صلَّى على ابنه إبراهيم وهو ابنُ
سبعين ليلة (٣). وهذا مرسل وهم فيه عطاء، فإنه قد كان تجاوز السنة.
فاختلف الناسُ في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه، ومنع صحةً
حديث عائشة، كما قال الإِمام أحمد وغيرُه: قالوا: وهذه المراسيلُ، مع حديث
البراء، يشدُّ بعضُها بعضاً، ومنهم من ضعَّف حديثَ البراء بجابر الجعفي، وضعف
هذه المراسيل وقال: حديث ابن إسحاق أصح منها.
ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يُصلِّ عليه، فقالت طائفةٌ:
استغنى بينوة رسول الله به عن قُرْبة الصلاة التي هي شفاعة له، كما استغنى
الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه .
وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة
الكسوف عن الصلاة عليه.
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٨٣/٤ وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف.
(٢) رواه أبو داود (٣١٨٨) في الجنائز: باب في الصلاة على الطفل، وهو مرسل كما
قال المصنف، فإن عبد الله بن يسار البهي لم يدرك رسول الله مخ لل وانظر ((نصب
الراية» ٢٧٩/٢، ٢٨٠.
(٣) رواه أبو داود (٣١٨٨) والبيهقي ٩/٤.
٤٩٥
وقالت طائفةٌ: لا تعارض بين هذه الآثار، فإنه أمر بالصلاة عليه،
فقيل: صُلِّي عليه، ولم يُباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، وقيل: لم
يُصل عليه، وقالت فرقة: رواية المثبت أولى، لأن معه زيادة علم، وإذا
تعارض النفي والإِثبات، قُدِّم الإِثِبات.
فصل
وكان من هديه ◌ٌَّ، أنَّه لا يُصلِّي على مَن قتل نفسه، ولا على مَنْ غَلَّ من
الغنيمة(١).
الصلاة على المنتحر
والغالّ والمقتول حدّاً
واختلف عنه في الصلاة على المقتُولِ حداً، كالزاني المرجوم، فصح عنه
أنه ◌َّه صلى على الجُهنية التي رجمها، فقال عمر: تُصلِّي عليها يا رسولَ الله وقد
(١) أخرج مسلم (٩٧٨) في الجنائز: باب ترك الصلاة على القاتل نفسه، والترمذي
(١٠٦٨) في الجنائز: باب ما جاء فيمن قتل نفسه، وابن ماجه (١٥٢٦) في الجنائز:
باب في الصلاة على أهل القبلة، والنسائي ٦٦/٤ في الجنائز: باب ترك الصلاة على
من قتل نفسه، والحاكم ٣٦٤/١، وأبو داود الطيالسي (٧٧٩)، وأحمد ٨٧/٥ و٩١
و٩٢ و٩٤ و٩٦ و٩٧ و١٠٢ و١٠٧ من حديث جابر بن سمرة قال: أتي النبي ◌َّة.
برجل قتل نفسه بمشاقص (جمع مشقص: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض)
فلم يصل عليه، وأخرجه أبو داود (٣١٨٥) في الجنائز: باب الإِمام لا يصلي على
من قتل نفسه مطولاً، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، واختلف أهل العلم في
هذا، فقال بعضهم: يصلى على كل من صلى إلى القبلة وعلى قاتل النفس، وهو
قول الثوري وإسحاق، وقال أحمد: لا يصلي الإِمام على قاتل النفس، ويصلي عليه
غير الإِمام. وأخرجه مالك في ((الموطأ) ٤٥٨/٢، والنسائي ٦٤/٤، وأبو داود
(٢٧١٠)، وابن ماجه (٢٨٤٨)، وأحمد ١١٤/٤ و١٩٢/٥ من حديث زيد بن خالد
الجهني أن رجلاً من أصحاب النبي ◌ّ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول
الله ◌َّ، فقال: ((صلوا على صاحبكم)) فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: ((إن
صاحبكم غل في سبيل الله)) ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي
درهمين. وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ١٢٧/٢، ووافقه الذهبي.
٤٩٦
زَنَتْ؟ فقال: (لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بين سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهم،
وهَل وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لله تعالى)). ذكره مسلم (١).
وذكر البخاري في «صحيحه))، قصة ماعِز بنِ مالك وقال: فقالَ له النبيُّ
خَيْراً وَصَلَّى عَلَيْهِ(٢) وقد اختُلِفَ على الزهري في ذكر الصلاة عليه، فأثبتها
محمودُ بن غيلان، عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق،
فلم يذكروها، وهم: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، ونوح بن
حبيب، والحسنُ بن علي، ومحمَّدُ بن المتوكل، وحُميد بن زنجويه، وأحمد بن
منصور الرمادي.
قال البيهقي: وقول محمود بن غيلان: إنه صلى عليه، خطأ لإٍجماع
أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه .
وقد اختلف فى قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: ما استغفر له
ولا سَبَّه، وقال بريدة بن الحصيب: إنه قال: ((اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِز بن مَالِك)).
فقالوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكِ. ذكرهما مسلم(٣). وقال جابر: فصلَّى عليه،
ذكره البخاري، وهو حديث عبد الرزاق المعلّل(٤)، وقال أبو برزة الأسلمي: لم
يُصلِّ عليه النبي ◌َُّ، ولم ينهَ عنِ الصلاة عليه، ذكره أبو داود(٥) .
(١) رواه مسلم (١٦٩٦) في الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنى، ورواه أيضاً
الترمذي (١٤٣٥) في الحدود: باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع، وأبو داود
(٤٤٠)، والنسائي ٥١/٤، وأحمد في ((المسند)) ٤٣/٤ و٤٣٥ و٤٣٧ و٤٤٠ من
حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(٢)
رواه البخاري ١١٥/١٢ في استتابة المرتدين: باب الرجم بالمصلى.
(٣)
(١٦٩٤) في الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنى و (١٦٩٥).
(٤)
تقدم تخريجه من رواية البخاري.
رواه أبو داود (٣١٨٦) في الجنائز: باب الصلاة على من قتلته الحدود، ورجاله
(٥)
ثقات .
٤٩٧
قلتُ: حديث الغامدية، لم يُختلف فيه أنه صلَّى عليها(١). وحديثُ ماعز،
إما أن يقال: لا تعارض بين ألفاظه، فإن الصلاة فيه: هي دعاؤُه له بأن يَغْفِرَ الله
له، وتركَ الصلاة فيه هي تركُه الصلاةَ على جنازته تأديباً وتحذيراً، وإما أن يُقال:
إذا تعارضتْ ألفاظه، عُدِلَ عنه إلى حديث الغامدية.
فصل
أبحاث المشي أمام
الجنازة والإسراع بها
وكان ◌َ ﴿ إذا صلَّى على ميت، تبعه إلى المقابر ماشياً أمامه.
وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين مِن بعده، وسنَّ لمن تبعها إن كان راكباً
أن يكون وراءها، وإن كان ماشياً أن يكون قريباً منها، إمّا خلفها، أو أمامها، أو
عن يمينها، أو عن شمالها. وكان يأمر بالإِسراع بها، حتى إن كانوا ليَرمُلُون بها
رَمَلاً، وأما دبيبُ الناس اليومَ خُطوة خُطوة، فبدعة مكروهة مخالفة للسنة،
ومتضمِّنة للتشبّه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكرة يرفع السوطَ على من يفعل
ذلك، ويقول: لقد رأيتنا ونحنُ مع رسول الله وَلَ نَرْمُلُ رملاً(٢).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: سألنا نبينا ﴾ عن المشي مع الجنازة،
فقال: ((ما دُونَ الخَيبِ)). رواه أهل السنن(٣) وكان يمشي إذا تَبعَ الجنازة ويقول:
(١) رواه مسلم (١٦٩٥) (٢٣) في الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنى، وأبو
داود (٤٤٤٢) في الحدود: باب المرأة التي أمر النبي ◌َّ: برجمها من جهينة من
حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ...
(٢) رواه أبو داود (٣١٨٢) في الجنائز: باب الإسراع بالجنازة، والنسائي ٤٣/٤ في
الجنازة: باب السرعة بالجنازة، والطيالسي (٨٨٣) وأحمد ٣٦/٥ و٣٨، والطحاوي
٢٧٦/١، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٣٥٥/١، ووافقه الذهبي، وصححه
أيضاً الإمام النووي في ((المجموع)) ٢٧٢/٥ .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٩٤/١ و٤١٥ و٤١٩ و٤٩٢، والترمذي (١٠١١) في
الجنائز: باب ما جاء في المشي خلف الجنازة، وأبو داود (٣١٨٤) في الجنائز : =
٤٩٨
((لم أكن لأَرْكَبَ والمَلائِكَةُ يَمْشُون))(١). فإذا انصرف عنها، فربَّما مشى، وربَّما
رکِب.
وكان إذا تَبِعِها، لم يجلِسْ حتى تُوضع، وقال: ((إذا تَبِعْتُم الجِنَازَة، فلا،
تَجْلِسُوا حتَّى توضعَ))(٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والمراد: وضعُها بالأرض. قلت:
قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوريُّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال: وفيه ((حَتَّى تُوضَعَ بالأَرض)) ورواه أبو معاوية، عن سهيل وقال: ((حتَّى
تُوضَعَ في اللَّحْدِ)). قال: وسفيان أحفظُ من أبي معاوية، وقد روى أبو داود
والترمذي، عن عبادة بن الصامت، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ لَ يقومُ في الجنازة حتى
توضعَ في اللحد(٣). لكن في إسناده بِشْرُ بن رافع، قال الترمذي: ليس بالقويِّ في
الحديث، وقال البخاري: لا يُتابع على حديثه، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن
معين: حدث بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابنُ حِبان: يروي أشياء
موضوعة کأنه المتعمِّدُ لها .
(
باب الإسراع بالجنازة وفي سنده يحيى بن عبد الله التيمي وهو لين الحديث وأبو
=
ماجد واسمه عائذ بن نضلة وهو مجهول كما قال الحافظ في ((التقريب)).
(١) رواه أبو داود (٣١٧٧) في الجنائز: باب الركوب في الجنازة، من حديث ثوبان
رضي الله عنه، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه البخاري ٣/ ١٤٣ في الجنائز: باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع، ومسلم
(٩٥٩) في الجنائز: باب القيام للجنازة، وأبو داود (٣١٧٣) في الجنائز: باب القيام
للجنازة من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) رواه أبو داود (٣١٧٦) في الجنائز: باب القيام للجنازة، والترمذي (١٠٢٠) في
الجنائز: باب ما جاء في الجلوس قبل أن توضع، وابن ماجه (١٥٤٥) في الجنائز:
باب ما جاء في القيام للجنازة وفي سنده عبد الله بن سليمان بن جنادة، وهو ضعيف
وأبوه منكر الحديث، وفي سند الترمذي وابن ماجه بشر بن رافع وهو ضعيف كما
ذكر المصنف .
٤٩٩
فصل
ولم يكن مِن هديه وسنته بِّالصلاةُ على كُلِّ ميت غائب.
الصلاة على الغائب
فقد مات خلق كثيرٌ من المسلمين وهم غُيَّب، فلم يُصلِّ عليهم، وصح
عنه: أنه صلَّى على النجاشي صلاته على الميت (١)، فاختلف الناس في ذلك على
ثلاثة طرق، أحدها: أن هذا تشريعٌ منه، وسنةٌ للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا
قولُ الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص
به، وليسَ ذلك لغيره، قال أصحابُهما: ومِن الجائز أن يكون رُفِعَ له سريرُه فصلَّی
عليه وهو يرى صلاتَه على الحاضر المشاهَد، وإن كان على مسافة من البعد،
والصحابة وإن لم يروه، فهم تابعون للنبي ◌َّ في الصلاة. قالوا: ويدل على
هذا، أنه لم يُنقَل عنه أنه كان يُصلي على كلِّ الغائبين غيرَه، وتركُه سنة، كما أن
فِعله سُنَّةٌ، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يُعاين سرير الميت من المسافة البعيدة،
ویُرفع له حتی یُصلِّيَ علیه، فَعُلِمَ أن ذلك مخصوص به. وقد روي عنه، أنه صلى
(١) صلاة النبي مل على النجاشي رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فقد أخرجه
البخاري ١٦٣/٣، ومسلم (٩٥١)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والطيالسي (٢٣٠٠)، وابن
ماجه (١٥٣٤)، والنسائي ٧٠/٤، والترمذي (١٠٢٢) من حديث أبي هريرة.
ورواه البخاري ١٦٣/٣، ومسلم (٩٥٢)، والنسائي ٦٩/٤، والطيالسي
(١٦٨١)، وأحمد ٢٩٥/٣ و٣١٩ من حديث جابر بن عبد الله.
ورواه مسلم (٩٥٣)، والنسائي ٧٠/٤، وابن ماجه (١٥٣٥)، والطيالسي
(٧٤٩)، وأحمد ٤٣١/٤ و٤٣٣، والترمذي (١٠٣٩) من حديث عمران بن حصين.
ورواه الطيالسي (١٠٦٨) وابن ماجه (١٥٣٧)، وأحمد ٧/٤ عن حذيفة بن أسيد،
ورواه ابن ماجه (١٥٣٦) وأحمد ٦٤/٤ و٣٧٦/٥ عن مجمع بن حارثة الأنصاري،
ورواه ابن ماجه (١٥٣٨) عن عبد الله بن عمر، وأخرجه أحمد ٢٦٠/٤ و٢٦٣ عن
جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صل#: ((إن أخاكم النجاشي قد مات فاستغفروا
له» وسنده حسن.
٥٠٠