Indexed OCR Text

Pages 461-480

يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملى، حدثنا المفضل بن فضالة، عن
الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ
فذكره ... ))(١) فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضل
وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قُتيبة صرح بالسماع فقال: حدثنا ولم
يعنعن، فكيف يُقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة،
والحفظ، والثقة، والعدالة. وقد روى إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا
الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، أن رسول الله وَّر: كان إذا كان في
سفر، فزالت الشمسُ، صلَّى الظهر والعصر، ثم ارتحل (٢). وهذا إسناد كما ترى،
وشبابة: هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له
مسلم في ((صحيحه)) عن الليث بن سعد بهذا الإسناد، على شرط الشيخين، وأقلُّ
درجاته أن يكون مقوياً لحديث معاذ، وأصله في ((الصحيحين)) لكن ليس فيه جمعُ
التقديم. ثم قال أبو داود: وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد لله، عن
كريب، عن ابن عباس، عن النبي 183، نحو حديث المفضل، يعني حديث معاذ
في الجمع والتقديم، ولفظه: عن حسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس، عن
كريب، عن ابن عباس، أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة النبي ◌َّ في السفر؟ كان
إذا زالتِ الشمس وهو في منزله، جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر
(١) رواه أبو داود (١٢٠٨) في الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين وهشام بن سعد
مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن
خالد وغيرهم فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم، وفي الباب عن ابن عباس عند
الشافعي ١١٦/١، ١١٧، وأحمد ٣٦٧/١، وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله وهو
ضعيف، لكن له شاهد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن
عباس أخرجه أحمد (٢١٩١) والبيهقي ١٦٤/٣، ورجاله ثقات، لكنه كما قال
الحافظ: مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، وقد أخرجه البيهقي من وجه
اخر مجزوما بوقفه عن ابن عباس.
(٢) رواه البيهقي ١٦٢/٣، وإسناده صحيح.
٤٦١

قبل أن تزول الشمس، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر،
قال: وأحْسِبُه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك، ورواه الشافعي من حديث ابن
أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغاً عن حسين(١).
قال البيهقي: هكذا رواه الأكابر، هشام بن عروة وغيره، عن حسين بن
عبد الله. ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن
کریب كلاهما عن ابن عباس، ورواه أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال:
ولا أعلمه إلا مرفوعاً.
وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس، قال: حدثني
أخي، عن سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن کریب عن ابن عباس،
قال: كان رسول الله ◌َّه إذا جدَّ به السير، فراح قبل أن تَزيغ الشمسُ، ركِب
فسار، ثم نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا لم يَرُخْ حتى تزِيغ الشمس، جمع
بين الظهر والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاةُ المغرب، جمع
بين المغرب وبين صلاة العشاء.
قال أبو العباس بن سريج: روى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد
الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان
رسول اللّهَ بَّه إذا لم يرتحِلْ حتى تزيغ الشمس، صلَّى الظهر والعصر جميعاً، فإذا
لم تَزِغْ، أَخَّرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر
والعصر لمصلحة الوقوف، ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعُه بالنزول لصلاة العصر
مع إمكان ذلك بِلا مشقة، فالجمعُ كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى.
قال الشافعي: وكان أرفقَ به يوم عرفة تقديمُ العصر لأن يتَّصِلَ له الدعاءُ،
فلا يقطعه بصلاة العصر، وأرفق بالمزدلفة أن يتصِلَ له المسير، ولا يقطعه بالنزول
(١) تقدم تخريجه في التعليق السابق.
٤٦٢

للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس. والله أعلم.
فصل
كان يجمع إذا جدّ به
السير
ولم یکن مِن هدیه ټ الجمعُ راکباً في سفره، کما یفعله کثیر من الناس،
ولا الجمع حال نزوله أيضاً، وإنما كان يجمع إذا جدَّ به السير، وإذا سار عقيب
الصلاة، كما ذكرنا في قصة تبوك، وأما جمعه وهو نازل غيرُ مسافر، فلم يُنقل
ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي رحمه الله وشيخنا،
ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة، وجعله من تمام النسك، ولا تأثير للسفر عنده فيه.
وأحمد، ومالك، والشافعي، جعلوا سببه السفر، ثم اختلفوا، فجعل الشافعي
وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل، ولم يجوزاه لأهل مكة،
وجوز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمعَ، والقصرَ بعرفة،
واختارها شيخُنا وأبو الخطاب في عباداته، ثم طرَّد شيخنا هذا، وجعله أصلاً في
جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره، كما هو مذهبُ كثير من السلف،
وجعله مالك وأبو الخطاب مخصوصاً بأهل مكة.
ولم يحدَّ ◌َّ لأمته مسافةً محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في حد المسافة للقصر
مُطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما
والفطر
يُروى عنه من التحديد باليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء
البتة، والله أعلم.
فصل
في هديه في قراءة القرآن، واستماعه، وخشوعه، وبكائه
عند قراءته، واستماعه وتحسین صوته به وتوابع ذلك
كان له ◌َ﴾ حزب يقرؤه، ولا يُخِلُّ به، وكانت قراءتُه ترتيلاً لا هذَّاً ولا
عجلة، بل قِراءةً مفسَّرة حرفاً حرفاً. وكان يُقَطِّعُ قراءته آية آية، وكان يمدُّ عند
حروف المد، فيمد ﴿الرحمن﴾ ويمد ﴿الرحيم﴾، وكان يستعيذ بالله من الشيطان
٤٦٣

الرجيم في أول قراءته، فيقول: ((أعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيم))، ورُبَّما كان
يقول: ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم من هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ، ونَفْتِهِ)(١).
وكان تعوُّذُه قبلَ القراءة.
وكان يُحبُّ أن يسمع القرآنَ مِن غيره، وأمر عبد الله بن مسعود، فقرأ عليه
وهو يسمع. وخَشَع ◌َّ لسماع القرآن مِنه، حتى ذرفت عينا،(٢) .
وكان يقرأ القرآن قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً ومتوضئاً، ومُحْدِثاً، ولم يكن
يمنعه من قِراءته إلا الجنابة.
وكان ◌ٌَّ يتغنَّى به، ويُرجِّع صوتَه به أحياناً كما رجَّع يوم الفتح في قراءته
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً﴾. وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجِيعَه، آآ آ ثلاث مرات،
(٣)
ذكره البخاري
.
وإذا جمعت هذه الأحاديثَ إلى قوله: ((زَيِّنُوا القُرْآن بأصواتِكُم)) (٤). وقوله:
(١) أخرجه أحمد ٨٠/٤، ٨٥، وأبو داود (٧٦٤) في الصلاة: باب ما يستفتح به الصلاة
من الدعاء، وابن ماجه (٨٠٧) في إقامة الصلاة: باب الاستعاذة في الصلاة، من
حديث جبير بن مطعم، وصححه ابن حبان (٤٤٣) والحاكم ٢٣٥/١، ووافقه
الذهبي، وأخرج أحمد ٥٠/٣، وأبو داود (٧٧٥) والترمذي (٢٤٢) بسند حسن عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َ ◌ّس إذا قام من الليل كبر ثم
يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك ... ، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: الله
أكبر كبيراً ثلاثاً أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه))
ثم يقرأ.
رواه البخاري ٩/ ٨١ في فضائل القرآن: باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره
(٢)
من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ◌َّ: ((اقرأ عليَّ القرآن)) قلت ((أقرأ
عليك وعليك أنزل)) قال: ((فإني أحب أن أسمعه من غيري ... )).
(٣) رواه البخاري ٨٠/٩ في فضائل القرآن: باب الترجيع، وباب القراءة على الدابة،
وفي المغازي: باب أين ركز النبي لة الراية يوم الفتح، وفي تفسير سورة الفتح:
باب (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)، وفي التوحيد: باب ذكر النبي مول ر وروايته عن ربه .
(٤) رواه أبو داود (١٤٦٨) في الصلاة: باب استحباب الترتيل في القراءة، والنسائي =
٤٦٤

(َيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآن)(١). وقوله: ((ما أَذِنَ اللَّهُ لِشَيء، كأَذَنِهِ لِنَبِيِّ حَسَنِ
الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآن))(٢). علمت أن هذا الترجيعَ منِهِمَّ، كان اختياراً لا
اضطراراً لهزِّ الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة، لما كان داخلاً تحت
الاختيار، فلم یکن عبدُ الله بن مغفَّل یحکیه ويفعله اختیاراً لِيُؤتسی به، وهو یری
هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوتُه، ثم يقول: كان يُرجِّعُ في قراءته، فنسب التَّرجيع
إلى فعله. ولو كان مِن هزِّ الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعاً.
وقد استمع ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك، قال: لوْ
كنتُ أعلم أنك تسمعه، لحبَّرْته لَكَ تَحْبِير(٣) . أي: حسَّنته وزيَّنته بصوتي تزييناً،
١٧٩/٢، ١٨٠ في الصلاة: باب تزيين القرآن بالصوت وإسناده صحيح، وأخرجه
=
الدارمي ٤٧٤/٢، وأحمد في ((المسند)) ٢٨٣/٤ و٢٨٥ و٢٩٦ و٣٠٤، وابن ماجه
(١٣٤٢)، من حديث البراء بن عازب وصححه ابن حبان (٦٦٠) والحاكم، ووافقه
الذهبي.
(١) رواه أبو داود (١٤٧١) في الصلاة: باب استحباب الترتيل في القراءة، وإسناده قوي
من حديث أبي لبابة، ورواه أيضاً (١٤٦٩) و (١٤٧٠). في الصلاة من حديث
سعد بن أبي وقاص، وأحمد في المسند (١٤٧٦)، وإسناده صحيح، ورواه البخاري
٤١٨/١٣ في التوحيد: باب قول الله تعالى (وأسروا قولكم أو اجهروا به) من حديث
أبي هريرة.
(٢) رواه البخاري ٩/ ٦٠، ٦١ في فضائل القرآن: باب من لم يتغن بالقرآن، وفي
التوحيد: باب قول الله تعالى (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له). وباب قول
الله تعالى (وأسروا قولكم أو اجهروا به)، ومسلم (٧٩٢) في صلاة المسافرين: باب
استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وأبو داود (١٤٧٣) في الصلاة: باب استحباب
الترتيل في القراءة، والنسائي ١٨٠/٢ في الصلاة: باب تزيين القرآن بالصوت.
(٣)
ذكره بهذا اللفظ الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ١٧٠ من حديث أبي موسى وقال: رواه
أبو يعلى، وفيه خالد بن نافع الأشعري، وهو ضعيف. وقال الحافظ في ((الفتح))
٨١/٩، ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم أن أبا موسى قام ليلة
يصلي، فسمع أزواج النبي صوته، وكان حلو الصوت، فقمن يستمعن، فلما
أصبح قيل له، فقال: لو علمت لحبرته لهن تحبيراً. وللروياني من طريق مالك بن=
٤٦٥

وروى أبو داود في ((سننه)) عن عبد الجبار بن الورد، قال: سمعتُ ابنَ أبي مليكة
يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لُبابة، فاتَّبعناه حتى دخل بيته، فإذا
رجلٌ رتُّ الهيئة، فسمعتُه يقول: سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ
يَتَغَنَّ بالقرآنِ)). قال: فقلتُ لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيتَ إذا لم يكن حسنَ
الصوت؟ قال: يُحسِّنُه ما استطاع(١).
اختلاف الناس في معنى
التغني بالقران
قلت: لا بد من كشف هذه المسألة، وذكر اختلافِ الناس فيها،
واحتجاج كلِّ فريق، وما لهم وعليهم في احتجاجهم، وذكر الصواب في ذلك
بحول الله تبارك وتعالى ومعونته، فقالت طائفة: تكره قراءةُ الألحان، وممن
نص على ذلك أحمدُ ومالكٌ وغيرهما، فقال أحمد في رواية علي بن سعيد
في قراءة الألحان: ما تعجبني وهو مُحْدَث. وقال في رواية المروَزي: القراءةُ
بالألحان بدعة لا تُسمع، وقال في رواية عبد الرحمن المتطبب: قراءةُ الألحان
بدعة، وقال في رواية ابنه عبد الله، ويوسف بن موسى، ويعقوب بن بختان،
والأثرم، وإبراهيم بن الحارث: القراءةُ بالألحان لا تُعجبني إلا أن يكون ذلك
حُزناً، فيقرأ بحزن مثلَ صوت أبي موسى، وقال في رواية صالح: ((زَيُّوا
القُرْآنَ بِأصْوَاتِكُم))، معناه: أن يُحسِّنه، وقال في رواية المروَزي: ((ما أذِن الله
لشيء كأذَنِهِ لنبي حسن الصوت أن يتغنَّى بالقرآن)» وفي رواية قوله: ((لَيْسَ مِنَّا
مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»، فقال: كان ابنُ عيينة يقول: يستغني به. وقال
الشافعي: يرفع صوته، وذكر له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة
مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نحو سياق حديث ابن موسى، وقال فيه: لو
علمت أن رسول الله ته( يسمع قراءتي لحبرتها تحبيراً، وأخرج البخاري ٨١/٩،
ومسلم (٧٩٣) من حديث أبي موسى أن رسول الله بَّر قال له: ((لو رأيتني وأنا
أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)) والمراد من المزمار
هنا: الصوت الحسن، قال في ((النهاية)): شبه حسن صوته، وحلاوة نغمته بصوت
المزمار.
(١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة وهو صحيح.
٤٦٦

الفتح والترجيع فيها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان، وأنكر
الأحاديثَ التي يُحتج بها في الرخصة في الألحان.
وروى ابن القاسم، عن مالك، أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال:
لا تُعجبني، وقال: إنما هو غناءٌ يتغنَّون به، ليأخذوا عليه الدراهم، وممن
رُويت عنه الكراهةُ، أنس بن مالك، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جبير،
والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي. وقال
عبد الله بن يزيد العكبري: سمعت رجلاً يسأل أحمد، ما تقولُ في القراءة
بالألحان؟ فقال: ما اسمك؟ قال محمد: قال: أيسرك أن يقال لك: يا
موحمد ممدوداً، قال القاضي أبو يعلى: هذه مبالغة في الكراهة. وقال
الحسن بنُ عبد العزيز الجَرَوي: أوصى إليَّ رجل بوصية، وكان فيما خلّف
جارية تقرأ بالألحان، وكانت أكثَر تَرِكته أو عامتها، فسألتُ أحمد بن حنبل
والحارث بن مسكين، وأبا عُبيد، كيف أبيعُها؟ فقالوا: بعها ساذجةً،
فأخبرتُهم بما في بيعها من النقصان، فقالوا: بعها ساذَجة، قال القاضي:
وإنما قالوا ذلك، لأن سماع ذلك منها مكروه، فلا يجوز أن يُعاوض عليه
کالغناء .
قال ابن بطَّال: وقالت طائفة: التغنِّي بالقرآن، هو تحسينُ الصوت به،
والترجيعُ بقراءته، قال: والتغني بما شاء مِن الأصوات واللحون هو قول ابن
المبارك، والنضرِ بن شُميل، قال: وممن أجاز الألحان في القرآن: ذكر
الطبري، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان يقول لأبي موسى:
ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن، وقال: من استطاع أن يتغنى بالقرآن
غِناء أبي موسى، فليفعل، وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتاً
بالقرآن، فقال له عمر: اعرض عليَّ سورة كذا، فعَرض عليه، فبكى عمر،
وقال: ما كنتُ أظن أنها نزلت، قال: وأجازه ابن عباس، وابن مسعود،
وروي عن عطاء بن أبي رباح، قال: وكان عبدُ الرحمن بن الأسود بن يزيد،
٤٦٧

يتَّع الصوتَ الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي عن أبي
حنيفة وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمد بن
عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمر يستمعون القرآن بالألحان،
وهذا اختيارُ ابن جرير الطبري.
قال المجوِّزون - واللفظ لابن جرير -: الدليلُ: على أن معنى
الحديث تحسينُ الصوت، والغناء المعقول الذي هو تحزين القارىء سامعَ
قراءته، كما أن الغناء بالشعر هو الغناءُ المعقولُ الذي يُطربُ سامعه -: ما
روى سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي
قال: ((مَا أذنَ اللَّهُ لشيء مَا أذنَ لنبيِّ حسن الثَّرُّم بالقُرْآن» ومعقول عند ذوي
الحجا، أن الترثُّم لا يكون إلا بالصوت إذا حسَّنه المترنم وطرَّب به. وروي
في هذا الحديث ((ما أذنَ الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن
يجهرُ به)). قال الطبري: وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا،
قال: ولو كان كما قال ابنُ عيينة، يعني: يستغني به عن غيره، لم يكن لذكر
حُسن الصوت والجهر به معنى، والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو
الغناء الذي هو حسنُ الصوت بالترجيع، قال الشاعر:
تَغَنَّ بِالشّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَه إِنَّ الغِنَاءَ لِهَذا الشِّعْرِ مِضْمَارُ(١)
قال: وأما ادعاء الزاعم، أن تغنّيتَ بمعنى استغنيت فاش في كلام العرب،
فلم نعلم أحداً قال به من أهل العلم بكلام العرب.
وأما احتجاجُه لتصحيح قوله بقول الأعشى:
وكُنْتُ امْرَءاً زَمَناً بالعرَاقِ عَفِيفَ المُنَاخِ طَويلَ الَّغَنْ (٢)
(١) البيت لحسان وهو في ديوانه ص ٤٢٠.
(٢) هو في ديوانه ص ٢٥ من قصيده يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندي مطلعها.
على المرء إلا عناء مُعَن
لعمرك ماطول هذا الزمن
٤٦٨

وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغني: طويل الاستغناء، فإنه غلط منه، وإنما
عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع: الإقامة من قول العرب: غني فلان بمكان
كذا: إذا أقام به، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]،
واستشهاده بقول الآخر:
كِلاَنَا غَنِيٌّ عَنْ أخِيهِ حَيَاتَهُ وَنَحْنُ إذا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيا(١)
فإنه إغفال منه، وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنّى: إذا استغنى كل واحد
منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما
صاحبه، وتشاتما، وتقاتلا. ومن قال: هذا في فعل اثنين، لم يجز أن يقول مثله
في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضارب عمرو، وذلك غيرُ جائز أن يقول:
تغنى زيد بمعنى استغنى، إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء، وهو غيرُ
مستغن، كما يقال: تجلَّد فلان: إذا أظهر جَلَداً من نفسه، وهو غير جليد،
وتشجَّع، وتكرَّم، فإن وجَّه موجِّه التغنِّي بالقرآن إلى هذا المعنى على بُعده من
مفهوم كلام العرب، كانت المُصيبة في خطئه في ذلك أعظمَ، لأنه يُوجب على من
تأوله أن يكون الله تعالى ذِكرُه لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِنَ له أن
يُظهر من نفسه لنفسه خلافَ ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فسادُه. قال:
ومما يُبين فسادَ تأويل ابن عيينة أيضاً أن الاستغناء عن الناس بالقرآن مِن المحال
(١) البيت في ((الحماسة البصرية)) ٥٥/٢، و((الأغاني)) ١٢٧/١٣ للأبيرد، وفي ((ذيل
الأمالي)) ص ٧٣ لسيار بن هبيرة، وهو في ((الكامل)) ١٨٤/١ من أبيات أوردها
لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهي.
رأيتُ فضيلاً كان شيئاً مُلففاً
أنتَ أخي ما لم تكُن لي حاجة
فلازادما بيني وبينك بعدما
فلست براء عيب ذي الودكلّه
فعين الرِّضى عن كل عيب كليلة
فكشَّفه التمحيص حتَّى بَدَالِیا
فإن عرضت أيقنتُ ألا أخاليا
بلوتُّك في الحاجات إلا تماديا
ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
كما أن عين السخط تُبدي المساويا
٤٦٩

أن يُوصف أحد به أنه يُؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة
بمعنى الإِذن الذي هو إطلاق وإباحة، وإن كان كذلك، فهو غلط من وجهين،
أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإن الأذن
مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال
تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]، بمعنى سمِعت لربها وحُقَّ لها
ذلك، کما قال عدي بن زید :
إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وأذَنْ(١)
بمعنى، في سماع واستماع. فمعنى قوله: ما أذن الله لشيء، إنما هو: ما
استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن. وأما الإحالة في
المعنى، فلأن الاستغناء بالقُرْآن عن الناس غيرُ جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون
له، انتھی کلام الطبري .
قال أبو الحسن بن بطال: وقد وقع الإشكال في هذه المسألة أيضاً، بما
رواه ابنُ أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني موسى بن عليّ بن رباح،
عن أبيه، عن عُقبة بن عامر، قال: قال رسول الله وَّل: ((تَعَلَّمُوا القُرْآنَ وتَغَنَّوْا بِهِ،
واكْتُبُوه، فَوالذي نَفْسي بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّياً مِنَ المَخَاضِ مِنَ العُقُلِ))(٢). قال:
وذكر عمر بن شَبَّة، قال: ذكر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن عيينة في قوله ((يتغنَّى
بالقرآن)) يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئاً، حدثنا ابنُ جريج، عن
(١) عجز بيت صدره:
أيها القلب تعلل بددن
وهو في ((أمالي ابن الشجري)) ٣٦/٢، و((ديوان عدي)) ص ١٧٢، والددن: هو اللهو
واللعب.
(٢) إسناده قوي، وأخرجه أحمد في ((المسند)) ١٤٦/٤ من طريق علي بن إسحاق عن ابن
المبارك، عن موسى بن علي عن أبيه عن عقبة ولفظه («تعلموا كتاب الله وتعاهدوه، وتغنّوا
به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من المخاض في العقل)).
٤٧٠

عطاء، عن عُبيد بن عُمير، قال: كانت لداود نبيِّ الله ◌َّهَ مِعْزَفَةٌ يتغنَى عليها يَبكي
ويُبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحناً، تكون فيهن، ويقرأ
قراءة يَطْرَبُ منها الجموعُ. وسئل الشافعي رحمه الله، عن تأويل ابن عيينة فقال:
نحن أعلمُ بهذا، لو أراد به الاستغناء، لقال: ((من لم يستغن بالقُرآن))، ولكن لما
قال: ((يتغنَّى بالقرآن))، علمنا أنه أراد به التغنِّي.
قالوا: ولأن تزيينه، وتحسين الصوت به، والتطريب بقراءته أوقعُ في
النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه، ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع،
ومعانيه إلى القلوب، وذلك عونٌ على المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعل
في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِيب الذي يُجعل في
الطعام، لتكون الطبيعة أدعى له قبولاً، وبمنزلة الطِّيب والتحلّي، وتجمّل المرأة
لبعلها، ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح. قالوا: ولا بد للنفس من طرب واشتياق
إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كل محرَّم
ومكروه بما هو خيرٌ لها منه، وكما عُوِّضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة
التي هي محضُ التوحيد والتوكل، وعن السِّفاح بالنكاح، وعن القِمار بالمُراهنة
بالنّصال وسباق الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني،
ونظائره كثيرة جداً.
قالوا: والمحرَّم، لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة، أو خالصة، وقراءة
التطريب والألحان لا تتضمن شيئاً مِن ذلك، فإنها لا تُخرِجُ الكلام عن وضعه،
ولا تَحولُ بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمِّنة لزيادة الحروف كما ظن
المانع منها، لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها،
ولم يدر ما معناها، والواقعُ بخلاف ذلك.
قالوا: وهذا التطريب والتلحين، أمر راجع إلى كيفية الأداء، وتارة يكون
سليقة وطبيعة، وتارة يكون تكلُّفاً وتعمُّلاً، وكيفيات الأداء لا تُخرِجُ الكلام عن
وضع مفرداته، بل هي صِفات لصوت المؤذِّي، جارية مجرى ترقيقه وتفخيمه
٤٧١

وإمالته، وجارية مجرى مدود القرَّاء الطويلة والمتوسطة، لكن تلك الكيفيات
متعلقة بالحروف، وكيفيات الألحان والتطريب، متعلقة بالأصوات، والآثار في
هذه الكيفيات، لا يمكن نقلُها، بخلاف كيفيات أداء الحروف، فلهذا نُقُلت تلك
بألفاظها، ولم يمكن نقل هذه بألفاظها، بل نقل منها ما أمكن نقله، كترجيع
النبي ◌َّر في سورة الفتح بقوله: ((آ آآ)). قالوا: والتطريب والتلحين راجع إلى
أمرين: مدٍ وترجيع، وقد ثبت عن النبي و سل و، أنه كان يمد صوته بالقراءة يمد
((الرَّحْمُن)) ويمد ((الرَّحيم))، وثبت عنه الترجيع كما تقدم.
قال المانعون من ذلك: الحجة لنا من وجوه. أحدها: ما رواه حُذيفة بن
اليمان، عن النبي ◌َّه: ((إقرؤوا القُرْآن بِلُحُونِ العَرَبِ وأصْوَاتِها، وإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ
أَهْلِ الكِتَابِ وَالِفِسْقِ، فإنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ بِالقُرْآنِ تَرْجِيعَ الغِنَاءِ
وَالنَّوْحِ، لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم، مَفْتُونَةً قُلُوبُهُم، وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ)(١).
رواه أبو الحسن رَزِينٌ في ((تجريد الصحاح)) ورواه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في
((نوادر الأصول)). واحتج به القاضي أبو يعلى في ((الجامع))، واحتج معه بحديث
آخر، أنه ◌َّ ذكر شرائطَ الساعة، وذكر أشياء، منها: ((أن يُتخذ القرآنُ مَزاميرَ،
يُقدِّمونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلا أَفْضَلِهِم ما يُقَدِّمُونَهُ إلا لِيُغَنِيُهُمْ غِنَاءَ)(٢) .
(١) وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) من حديث بقية عن
الحصين الفزاري، عن أبي محمد، عن حذيفة. وهو حديث لا يصح، فإن بقية يدلس عن
الضعفاء وقد عنعن، وأبو محمد مجهول.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد ٤٩٤/٣ من حديث شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن
عمير، عن زاذان، عن عُليم، عن عابس قال: سمعت رسول اللّه ◌َ ل يقول: ((بادروا
بالموت ستاً: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافاً بالدم، وقطيعة
الرحم، ونشواً يتخذون القرآن مزامير يقدمونه يغنيهم وإن كان أقل منهم فقها)) وسنده
ضعيف لضعف شريك وأبي اليقظان، لكن الحديث صحيح، فقد رواه الطبراني وابن
شاهين من طريق موسى الجهني عن زاذان قال: كنت مع رجل من أصحاب النبي ركالله
يقال له عابس ... ، وله شاهد عند أحمد ٢٢/٦، ٢٣ من حديث عوف بن مالك، وآخر
من حديث الحكم بن عمرو الغفاري عند الحاكم في ((المستدرك)) ٤٤٣/٣ يصح بهما=
٤٧٢

قالوا: وقد جاء زياد النهدي إلى أنس رضي الله عنه مع القراء، فقيل له :
إقرأ، فرفع صوته وطرَّب، وكان رفيعَ الصوت، فكشف أنس عن وجهه، وكان
على وجهه خِرقة سوداء، وقال: يا هذا! ما هكذا كانُوا يفعلون، وكان إذا رأى
شيئاً يُنكره، رفع الخِرقة عن وجهه. قالوا: وقد منع النبيُّ نَّ المؤذِّن المُطَرِّبَ في
أذانه من التطريب، كما روى ابنُ جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان
لرسول الله * مؤذِّن يطرِّب، فقال النبيُّ ◌َ لَّ: ((إِنَّ الأذان سَهْلٌ سَمْحٌ، فإن كان
أَذَانُكَ سَهْلاً سَمْحاً، وإلاَّ فَلا تُؤْذِّن)) رواه الدارقطني(١). وروى عبد الغني بن
سعيد الحافظ من حديث قتادة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال:
كانت قراءةُ رسول الله ﴿﴿ المدَّ، ليس فيها ترجيع. قالوا: والترجيع والتطريب
يتضمن همزَ ما ليس بمهموز، ومدَّ ما ليس بممدود، وترجيعَ الألف الواحد
ألفات، والواوَ واوات، والياء ياءآتٍ، فيؤدِّي ذلك إلى زيادة في القرآن، وذلك
غير جائز، قالوا: ولا حدَّ لما يجوز من ذلك، وما لا يجوز منه، فإن حُدَّ بحدٍّ
معيَّنٍ، كان تحكُّماً في كتاب الله تعالى ودِينه، وإن لم يُحَدَّ بحدٍّ، أفضى إلى أن
يُطلق لفاعله ترديدُ الأصوات، وكثرةُ الترجيعات، والتنويعُ في أصناف الإِيقاعات
والألحان المشبهة للغناء، كما يفعل أهلُ الغناء بالأبيات، وكما يفعله كثير من
القُرَّاء أمام الجنائز، ويفعلُه كثيرٌ مِن قراء الأصوات، مما يتضمن تغييرَ كتاب الله
والغِناء به على نحو ألحان الشعر والغناء، ويُوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء
سواء، اجتراءً على الله وكتابه، وتلاعباً بالقرآن، وركوناً إلى تزيين الشيطان، ولا
يُجيز ذلك أحدٌ من علماء الإِسلام، ومعلوم: أن التطريبَ والتلحين ذريعةٌ مُفضية
إلى هذا إفضاءً قريباً، فالمنع منه، كالمنع من الذرائع الموصِلة إلى الحرام، فهذا
ويقوى، وفي ((الإصابة)) في ترجمة عابس: وروى ابن شاهين من طريق القاسم عن أبي
=
أمامة عن عابس الغفاري صاحب رسول الله مثّة فذكر الخصال.
(١) رواه الدارقطني ٢٣٩/١، وفي سنده إسحاق بن أبي يحيى الكعبي قال الذهبي في
(«الميزان)» هالك يأتي بالمناكير عن الأثبات، فالحديث ضعيف جداً.
٤٧٣

نهايةُ أقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين.
وفصل النزاع، أن يقال: التطريبُ والتغنّي على وجهين، أحدهما: ما
اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلُّف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خُلّي
وطبعه، واسترسلت طبيعتُه، جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن
أعان طبيعتَه بفضلٍ تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى الأشعري للنبي ◌َِّ: ((لَوْ
علمتُ أنّكَ تَسْمَعُ لَحَبَّرْتُه لَكَ تَحْيِيراً» والحزين ومَنْ هاجه الطربُ، والحبُ
والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوسَ
تقبلُه وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا
متطبِّع، وكَلفٌ لا متكلِّف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو
التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامعُ، وعلى هذا الوجه
تُحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، وليس في الطبع
السماحةُ به، بل لا يحصُل إلا بتكلُّف وتصتُّع وتمزُّن، كما يتعلم أصوات الغِناء
بأنواع الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزانٍ مخترعة، لا
تحصل إلا بالتعلُّم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلفُ، وعابوها، وذمُّوها،
ومنعوا القراءةَ بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول
هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباهُ، ويتبين الصوابُ من غيره، وكلُّ من له
علم بأحوال السلف، يعلم قطعاً أنهم براء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة،
التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن
يقرؤوا بها، ويُسوِّغوها، ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب،
ويُحسِّنون أصواتَهم بالقرآن، ويقرؤونه بِشجىً تارة، وبِطَربٍ تارة، وبِشوق تارة،
وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له،
بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ
لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ)) وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلُّنا نفعله،
٤٧٤

والثاني : أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته
فصل
في هديه ◌َّ﴾ في عيادة المرضى
كان ◌َّةٍ يعودُ مَنْ مَرِضَ من أصحابه، وعاد غلاماً كان يخدمه مِن أهل
الكتاب (١)، وعاد عمَّه وهو مشرك(٢)، وعرض عليهما الإِسلام، فأسلم اليهودي،
ولم يسلم عمُّه.
وكان يدنو من المريض، ويجلِسُ عند رأسه، ويسألُه عن حاله، فيقول:
كيف تجدُك؟
وذكر أنه كان يسأل المريضَ عما يشتهيه، فيقول: ((هَلْ تَشْتَهِي شَيْئاً))؟ فإن
اشتھی شیئاً وعلم أنه لا يضرّه، أمر له به.
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه)) ١٧٦/٣ في الجنائز: باب إذا أسلم الصبي فمات هل
يصلى عليه من حديث أنس بن مالك قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ◌ُّ، فمرض،
فأتاه النبي ◌َّ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال
له: أطع أبا القاسم وثي، فأسلم، فخرج النبي ◌َّ وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من
النار)) وأخرجه أبو داود (٣٠٩٥).
(٢) أخرجه البخاري ١٧٦/٣ من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت
أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله مَ ث، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي
أمية بن المغيرة، فقال رسول الله وَية: ((يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند
الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم
يزل رسول الله رَ﴿ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب اخر ما
كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله إليه: أما
والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل (ما كان للنبي والذين آمنوا أن
يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم)
وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسوله مج لّ (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله
يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) وأخرجه مسلم (٢٤) في الإِيمان.
٤٧٥

وكان يمسح بيده اليُمنى على المريض، ويقول: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاس، أَذْهِبِ
البأْسَ، واشْفِه أَنتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إلا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادر سَقَماً))(١).
وكان يقول: ((امْسَح البَأَسَ رَبَّ النَّاسِ، بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشِفَ له إِلاَّ
أنت)).
وكان يدعو للمريض ثلاثاً كما قاله لسعد: ((اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ
اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً)(٢).
وكان إذا دخل على المريض يقول له: ((لا بأسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله))(٣).
الرقية والاسترقاء
وربما كان يقول: ((كَفَّارَةٌ وَطَهورٌ)). وكان يَرْقِي مَن به قَرحة، أو جُرح،
أو شكوى، فيضع سبَّابته بالأرض، ثم يرفعها ويقول: ((بِسْمِ الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا،
بِرِيقَةِ بَعْضِنا يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإذْنِ رَبِّنا)). هذا في ((الصحيحين)) (٤)، وهو يبطل
اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب،
وأنهم لا يرْقُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ(٥). فقوله في الحديث: ((لا يرقون)) غلط من
الراوي، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ذلك. قال: وإنما الحديث ((هم
الذين لا يَسْتَرْقُونَ)). قلت: وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب،
(١) أخرجه البخاري ١٧٦/١٠ في الطب: باب رقية النبي ملة، ومسلم (٢١٩١) من حديث
عائشة رضي الله عنها، والرواية الثانية أيضاً للبخاري.
(٢) رواه البخاري ١٠٣/١٠ في المرضى: باب وضع اليد على المريض، ومسلم
١٢٥٣/٣ (٨). من حديث سعد.
(٣) أخرجه البخاري ١٠٣/١٠ من حديث ابن عباس، والرواية الثانية لابن السني.
(٤) رواه البخاري ١٧٦/١٠، ١٧٧ في الطب: باب رقية النبي م لي، ومسلم (٢١٩٤) في
السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة، وأبو داود (٣٨٩٥)
في الطب: باب كيف الرقى.
(٥) رواه البخاري ١٧٩/١٠ في الطب: باب من لم يرق، ومسلم (٢٢٠) في الإِيمان:
باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب. من حديث ابن
عباس.
٤٧٦

لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وهو سؤالُ الناس أن يرقوهم.
ولهذا قال: ((وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، فلكمال توكُّلهم على ربهم، وسُكونهم
إليه، وثقتهم به، ورِضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به، لا يسألون الناس شيئاً،
لا رُقيةً ولا غيرها، ولا يحصُلُ لهم طِيرَةٌ تصدُّهم عما يقصِدونه، فإن الطَّيْرَةَ
تَنْقُصُ التوحيد وتُضْعِفُه. قال: والراقي متصدِّق مُحسن، والمسترقي سائل،
والنبي ◌َّ رَفَى، ولم يسترق، وقال: ((مَنْ اسْتطاع مِنْكم أَنْ يَنْفَعَ أَخاه
فَلْيَنْفَعْه)»(١).
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في ((الصحيحين)) عن عائشة
رضي الله عنها، أن رسول الله مَّةٍ، كان إذا أوى إلى فراشه، جمع كفّيه ثم
نفَث فيهما، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ويمسح بهما ما استطاع مِن جسده، ويبدأ بهما على رأسه
ووجهه ماَ أقبل من جسده، يفعلُ ذلك ثلاث مرات قالت عائشة: فلما اشتكى
رسول الله بَلٍ، كان يأمرني أن أفعل ذلك به (٢).
فالجواب: أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ. أحدها: هذا.
والثاني: أنه كان ينفُث على نفسه، والثالث: قالت: كنت أنفُث عليه بهن،
وأمسح بيد نفسه لبركتها، وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه
بالمعوِّذات وينفُث، وهذه الألفاظ يُفسّر بعضها بعضاً. وكان ◌َّ ينفث على
نفسه، وضعفه ووجعُه یمنعه من إمرار يده على جسده كله. فكان يأمر عائشة
أن تُمر يده على جسده بعد نفثه هو، وليس ذلك من الاسترقاء في شيء،
(١) رواه مسلم (٢١٩٩) في السلام: باب استحباب الرقية من العين من حديث جابر.
(٢) رواه البخاري ١٧٨/١٠ في الطب: باب النفث في الرقية، وفي فضائل القرآن: باب
فضل المعوذات، وفي الدعوات: باب التعوذ والقراءة عند المنام، ومسلم (٢١٩٢)
في السلام: باب رقية المريض بالمعوذات، وأبو داود (٥٠٥٦) في الأدب: باب ما
يقال عند النوم.
٤٧٧

وهي لم تقل: كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على
جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بيده،
كما كان هو يفعل .
ولم يكن مِن هديه عليه الصلاة والسلام أن يَخُصَّ يوماً من الأيام بعيادة
المريض، ولا وقتاً من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلاً ونهاراً،
وفي سائر الأوقات. وفي ((المسند)) عنه: ((إذا عَادَ الرَّجُلُ أَخَاهُ المُسْلِمَ مَشَى
في خُرِفَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ، غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غُدْوَةً،
صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ
أَلْفَ مَلَكِ حَتَّى يُصْبِحَ)(١). وفي لفظ ((ما مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِماً إلا بَعَثَ اللَّهُ
لَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيهِ أَّ ساعةٍ مِنَ النَّهار كانت حتَّى يُمْسِيَ، وأيَّ
ساعَةٍ مِن الليلِ كانت حتَّى يُصْبِحَ))(٢).
وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحياناً يضع يده على جبهة
المريض، ثم يمسحُ صدره وبطنه ويقول: ((اللَّهُمَّ اشْفِهِ))(٣) وكان يمسح وجهه
أيضاً.
وكان إذا يئس من المريض قال: ((إنا لِلَّهِ وإِنَّا إليه رَاجِعُون)) (٤).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٦١٢) وابن ماجه (١٤٤٢) في الجنائز: باب ما جاء في
ثواب من عاد مريضاً. وإسناده قوي.
(٢) رواه أحمد (٧٥٤)، والترمذي (٩٦٩) في الجنائز: باب ما جاء في عيادة المريض،
وأبو داود (٣٠٩٨) في الجنائز: باب فضل العيادة، وقال أبو داود: أسند هذا عن
علي عن النبي اَلر من غير وجه صحيح، وصحح الحاكم ٣٤١/٣ إحدى طرقه
ووافقه الذهبي.
(٣) تقدم تخريجه ص٤٧٦ من رواية البخاري ومسلم من حديث سعد.
(٤) لم نجده بهذا اللفظ، وإنما أورده الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٣٣١/٢
بمعناه عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَالَ: ((إن للموت فزعاً،
فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه، فليقل ((إنا لله وإنا إليه راجعون))، وقال: رواه الطبراني =
٤٧٨

فصل
في هديه ◌َّ في الجنائز
والصلاة عليها، واتِّباعها، ودفنها، وما كان
يدعو به للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك
كان هديُهُ وَّ في الجنائز أكملَ الهدي، مخالفاً لهدي سائر الأمم، مشتملاً
على الإِحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعُه في قبره ويوم معاده، وعلى الإِحسان
إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي لِلَّه وحدَه فيما يُعامل به الميت. وكان
مِن هديه في الجنائز إقامةُ العبوديةِ للربِّ تبارك وتعالى على أكمل الأحوال،
والإِحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلِها، ووقوفه
ووقوف أصحابه صفوفاً يحمدون الله ويستغفرون له، ويسألون له المغفرةَ
والرحمةَ والتجاوزَ عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يُودِعُوهُ حفرته، ثم يقوم هو
وأصحابُه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهدُه
بالزيارة له في قبره، والسلام عليه، والدعاء له كما يتعاهدُ الحيُّ صاحِبَه في دار
الدنيا .
فأول ذلك: تعاهدُه في مرضه، وتذكيرُه الآخرة، وأمرُه بالوصية، والتوبة،
وأمرُ مَنْ حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه(١)، ثم النهيُ عن
=
في ((الكبير)" وفيه قيس بن الربيع الأسدي وفيه كلام.
(١) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (٩١٦)، والترمذي (٩٧٦)، وأبو داود (٣١١٧)،
والنسائي ٥/٤ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله الآثار:
((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) وروى أبو داود (٣١١٦)، والحاكم ٣٥١/١، وأحمد
٢٣٣/٥ بسند حسن من حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ◌ُ له: ((من كان آخر
كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن حبان
(٧١٩) بلفظ «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند
الموت، دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه)).
٤٧٩

عادة الأمم التي لا تؤمِنُ بالبعث والنُّشور، مِن لطم الخُدُود، وشقِّ الثياب، وحلقٍ
الرؤوس، ورفع الصوت بالنَّدب، والنِّياحة وتوابع ذلك.
وسَنَّ الخشوعَ للميت، والبكاءَ الذي لا صوت معه، وحُزْنَ القلب، وكان
يفعل ذلك ويقول: (تَدْمَعُ العيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ وَلاَ نَقُولُ إلا ما يُرضِي الرَّبَّ)) (١).
وسَنَّ لأمته الحمدَ والاسترجاعَ، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافياً
لدمع العين وحُزنِ القلب، ولذلك كان أرضى الخلقِ عن الله في قضائه، وأعظمهم
له حمداً، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة منه، ورحمة للولد، ورِقَّةً
عليه، والقلبُ ممتلىء بالرِّضى عن الله عز وجل وشكره، واللسانُ مشتغل بذِكره
و حمده.
ولما ضاق هذا المشهدُ والجمعُ بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات
ولده، جعل يضحكُ، فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: إنَّ الله تَعالى قَضى
بِقَضَاءٍ، فَأَحْبَيْتُ أن أرضى بِقَضَائِهِ، فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم،
فقالوا: كيف يبكي رسولُ اللهِ وَ﴿ يومَ مات ابنُه إبراهيم وهو أرضى الخلقِ
عن الله، ويبلغُ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، فسمعتُ شيخ الإِسلام ابن
تيمية يقول: هَذْيُ نبينا نَّ كان أكمَلَ من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية
حقها، فاتسع قلبُه للرضى عن الله، ولرحمة الولد، والرقَّةِ عليه، فحمد الله،
ورَضيَ عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورأفة، فحملته الرأفةُ على البكاء، وعبوديتُه
لله، ومحبته له على الرضى والحمد، وهذا العارفُ ضاق قلبُه عن اجتماع
الأمرين، ولم يتسع باطنُه لشهودهما والقيام بهما، فَشَغَلَتْهُ عبودية الرضى عن
عبودية الرحمة والرأفة .
(١) رواه البخاري ١٣٩/٣، ١٤٠ في الجنائز: باب قول النبي وعل﴾: إنا بك لمحزونون،
ومسلم (٢٣١٥) في الفضائل: باب رحمته الر للصبيان والعيال، وأبو داود (٣١٢٦)
في الجنائز: باب البكاء على الميت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
٤٨٠