Indexed OCR Text

Pages 401-420

وفي هذه الكلمة قولان، أحدهما: أنها بمعنى ((غير)) وهو أشهر معنييها، والثاني:
بمعنى ((على)) وأنشد أبو عبيد شاهداً له:
عَمْدَاً فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي
إِخَالُ لَوْ هَلَكْتُ لَمْ تَرِنِّي (١)
ترِنِّي: تَفعلي مِن الرنين.
الثلاثون: أنه خِيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن شهرَ رمضان خيرتُه من
شهور العام، وليلة القدر خيرتُه من الليالي، ومكةُ خيرتُه مِن الأرض، ومحمد ◌َّه
خيرتُه مِن خلقه.
خيرة الله من أيام
الأسبوع
قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النَّجود،
عن أبي صالح، عن كعب الأحبار. قال: إن الله عزَّ وجَلَّ اختار الشهورَ، واختار
شهرَ رمضان، واختار الأيامَ، واختار يومَ الجمعة، واختار الليالي، واختار ليلةً
القدر، واختار الساعاتِ، واختار ساعةَ الصلاة، والجمعةُ تُكفِّر ما بينها وبين
الجمعة الأخرى، وتزيد ثلاثاً، ورمضانُ يُكفِّرُ ما بينه وبين رمضان، والحُّ یکفر
ما بينه وبين الحج، والعُمْرَةُ تكفِّر ما بينها وبين العمرة، ويموتُ الرجل بين
حسنتين: حسنةٍ قضاها، وحسنةٍ ينتظرها يعني صلاتين، وتُصفَّد الشياطين في
رمضان، وتُغْلَقُ أبواب النار، وتُفتحُ فيه أبوابُ الجنة، ويقال فيه: يا بَاغِيَ الخير:
هلُم. رمضان أجمع، وما مِن ليالٍ أحب إلى الله العملُ فيهنَّ من ليالي العشر.
الحادية والثلاثون: إن الموتى تدنو أرواحُهم مِن قبورهم، وتُوافيها في
يوم الجمعة، فيعرفون زُوَّارهم ومَنْ يَمُرُّ بهم، ويُسلم عليهم، ويلقاهم في فيه تدنو أرواح الموتى
ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام، فهو يوم تلتقي فيه
من قبورهم
الأحياء والأموات، فإذا قامت فيه الساعةُ، التقى الأولون والآخِرون، وأهلُ
الأرض وأهلُ السماء، والربُّ والعبدُ، والعاملُ وعمله، والمظلومُ وظالِمُه،
والشمسُ والقمرُ، ولم تلتقيا قبل ذلك قطُّ، وهو يومُ الجمع واللقاء، ولهذا
(١) البيت في اللسان: رنن، وبيد، وأنشده ابن هشام في ((المغني)) ص ١٥٦ وانظر
تخريجه وشرحه في ((شرح شواهد المغني)) ٢٣/٣ للبغدادي تحقيق عبد العزيز رباح،
وأحمد الدقاق.
٤٠١

يلتقي الناسُ فيه في الدنيا أكثَر من التقائهم في غيره، فهو يومُ التلاق. قال أبو
التياح يزيد بن حميد: كان مطرِّف بن عبد الله يبادر فيدخل كل جمعة، فأدلجٍ
حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة، قال: فرأيت صاحبَ كلِّ قبر جالساً
على قبره، فقالوا: هذا مطرِّف يأتي الجمعة، قال: فقلت لهم: وتعلمون
عندكم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقولُ فيه الطير، قلت: وما تقول فيه
الطير؟ قالوا: تقول: ربِّ سلِّم سلِّم يومٌ صالح(١).
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب ((المنامات)) وغيره، عن بعض أهل عاصم
الجَحدري، قال: رأيت عاصماً الجحدريَّ في منامي بعد موته لسنتين،
فقلتُ: أليس قد مِتَّ؟ قال: بلى، قلتُ: فأينَ أنت؟ قال: أنا والله في روضة
من رياض الجنة، أنا ونفرٌ مِن أصحابي، نجتمعُ كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى
بكر بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قلت: أجسامُكم أم أرواحكم؟
قال: هيهاتَ بَلِيت الأجسامُ، وإنما تتلاقى الأرواحُ، قال: قلتُ: فهل تعلمون
بزيارتنا لكم؟ قال: نعلم بها عشيّة الجمعة، ويومَ الجمعة كله، وليلةَ السبت
إلى طلوع الشمس. قال: قلتُ: فكيف ذلك دونَ الأيام كلِّها؟ قال: لفضل
يوم الجمعة وعظمته .
وذكر ابن أبي الدنيا أيضاً، عن محمد بن واسع، أنه كان يذهب كل
غداةِ سبت حتى يأتي الجبّانة، فيقِف على القبور، فيُسلم عليهم، ويدعو لهم،
ثم ينصرف. فقيل له: لو صيَّرت هذا اليومَ يوم الاثنين. قال: بلغني أن
الموتى يعلمون بزُؤَّارِهم يومَ الجمعة، ويوماً قبله، ويوماً بعده.
وذكر عن سفيان الثوري، قال: بلغني عن الضَّحاك، أنه قال: من زار
قبراً يومَ السبت قبل طلوع الشمس، علم الميتُ بزيارته. فقيل له: كيف
ذلك؟ قال: لِمكان يوم الجمعة (٢).
(١) وأورده المصنف رحمه الله في كتابه ((الروح)) ص ٥، ٦ عن (كتاب القبور)) لابن أبي
الدنيا من طريق خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي التياح ...
(٢) ذكر هذه الأخبار المؤلف في ((كتاب الروح)» ص ٥.
٤٠٢

يكره إفراده بالصوم
الثانية والثلاثون: أنه يكره إفرادُ يوم الجمعة بالصوم، هذا منصوصُ
أحمد، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديثَ النهي
عن أن يُفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأما أن يُفردَ،
فلا. قلتُ: رجل كان يصوم يوماً، ويُفطر يوماً، فوقع فطرُه يومَ الخميس،
وصومُه يوم الجمعة، وفِطرُه يومَ السبت، فصار الجمعة مفرداً؟ قال: هذا إلا
أن يتعمَّد صومَه خاصة، إنما كُرِه أن يتعمد الجمعة.
وأباح مالك، وأبو حنيفة صومَه كسائر الأيام، قال مالك: لم أسمع
أحداً من أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة،
وصيامه حسن، وقد رأيتُ بعض أهل العلم يصومُه، وأراه كان يتحراه. قال
ابن عبد البر: اختلفت الآثارُ عن النبي ◌َّل في صيام يوم الجمعة، فروى ابن
مسعود رضي الله عنه، أن النبي وي ير كان يصوم ثلاثة أيام مِن كل شهر، وقال:
قلَّمَا رأيته مفطِراً يومَ الجمعة (١) وهذا حديث صحيح. وقد روي عن ابن عمر
رضي الله عنهما، أنه قال: ما رأيتُ رسول الله ◌ٌَّ يُفطر يومَ الجمعة قطُّ. ذكره
ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن عمير بن أبي
عمير، عن ابن عمر(٢) .
وروى ابنُ عباس، أنه كان يصومُه ويُواظب عليه. وأما الذي ذكره
مالك، فيقولون: إنه محمد بن المنكدر. وقيل: صفوان بن سليم.
وروى الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن رجل من بني جُشَم، أنه
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٤٠٦/١، والترمذي (٧٤٢) في الصوم: باب ما جاء في
صوم يوم الجمعة، والنسائي ٢٠٤/٤ في الصيام: باب صوم النبي ◌ٍَّ، وأبو داود
(٢٤٥٠) وسنده حسن، ولا يعارض هذا الحديث أحاديث النهي عن صوم يوم
الجمعة، لأنه يحمل على أنه لم يكن يفطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها،
ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الفعل والقول.
ليث بن أبي سليم ضعيف وعمير بن أبي عمير مجهول، وذكره الهيثمي في ((المجمع))
(٢)
٢٠٠/٣ بمعناه، وقال: رواه أبو يعلى والبزار وفيه الحسن بن أبي جعفر وهو
ضعيف .
٤٠٣

سمع أبا هُريرة يقول: قال رسولُ الله مَّةَ: ((مُنْ صامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، كُتِبَ لَهُ
عَشْرَةُ أَيَّامٍ غُرَرٌ زُهْرٌ مِن أيَّامِ الآخِرَة لا يُشاكِلُهُنَّ أيامُ الدُّنيا))(١).
والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل
لا معارض له.
قُلتُ: قد صح المعارض صحةً لا مطعن فيها البتة، ففي ((الصحيحين))،
عن محمد بن عباد، قال: سألتُ جابراً: أنهى رسول الله وَّه عن صيام يوم
الجمعة؟ قال: نعم(٢).
وفي ((صحيح مسلم))، عن محمد بن عباد، قال: سألتُ جابر بن
عبد الله، وهو يطوفُ بالبيت: أنهى رسول الله مَّه عن صيام يوم الجمعة؟
قال: نعم وربِّ هذه البَنِيَّةِ(٣).
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ◌ِيل
يقول: ((لا يَصُومَنَّ أحدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلا أنْ يَصُومَ يَوْمَاً قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمَاً
بَعْدَهُ)). واللفظ للبخاري (٤).
وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي هريرة، عن النبيِ نَّ، قال: ((لا تَخُصُّوا
لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيامِ من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنٍ
سَائِرِ الأَيَّامِ، إلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُم)» (٥).
وفي ((صحيح البخاري))، عن جُويرية بنت الحارث، ((أن النبي ◌ُّ دخل
عليها يومَ الجمعة وهي صائمة، فقال: أصُمْتِ أَمْسٍ؟ قَالَتْ: لا. قَالَ: فَتُرِيدِينَ
(١) الدراوردي هو عبد العزيز كان يحدث من كتب غيره فيخطىء، والرجل من بني جشم
مجهول.
(٢) أخرجه البخاري ٢٠٣/٤، ومسلم (١١٤٣).
(٣) رواه مسلم (١١٤٣) في الصيام: باب كراهة صيام يوم الجمعة منفرداً.
(٤) رواه البخاري ٢٠٣/٤ في الصيام: باب صوم يوم الجمعة، وإذا أصبح صائماً يوم
الجمعة فعليه أن يفطر، ومسلم (١١٤٤).
(٥) رواه مسلم (١١٤٤).
٤٠٤

أن تَصُومي غداً؟ قالت: لا. قَالَ: فَأَفْطِرِي))(١).
وفي ((مسند أحمد)) عن ابن عباس، أن النبي ◌َّ قال: ((لا تَصُومُوا يَوْمَ
الجُمُعَةِ وَحْدَهُ»(٢).
وفي ((مسنده)) أيضاً عن جُنادة الأزدي قال: دخلتُ على رسول الله ◌ِالجَد.
يومَ جمعة في سبعة من الأزد، أنا ثامنهم وهو يتغذّى، فقال: ((هلقُوا إلى
الغداء)» فقلنا: يا رسولَ الله! إنا صيام. فقال: أصُمتم أمس؟ قلنا: لا. قال:
فتصومُون غداً؟ قلنا: لا. قال: فأَفْطِروا. قال: فأكلنا مع رسول الله بصله. قال:
فلما خرج وجَلَس على المنبر، دعا بإناء ماء، فشرب وهو على المنبر،
والناسُ ينظرون إليه، يُريهم أنه لا يَصومُ يَوْمَ الجمعة)» (٣).
وفي ((مسنده)) أيضاً، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّة: ((يَوْمُ
الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلاَ تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُم إلاَّ أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ
بَعْدَهُ)) (٤).
وذكر ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمران بن ظبيان، عن
حُكيم بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: من كان منكم
متطوعاً مِن الشهر أياماً، فليكن في صومه يوم الخميس، ولا يصمْ يومَ
الجمعة، فإنه يومُ طعام وشراب، وذكر، فيجمع الله له يومين صالحين: يوم
(١) رواه البخاري ٢٠٣/٤ في الصيام: باب صوم يوم الجمعة وإذا أصبح صائماً يوم
الجمعة فعليه أن يفطر، وأبو داود (٢٤٢٢) في الصوم: باب الرخصة في ذلك.
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ٢٨٨/١ وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن
عباس وهو ضعيف.
(٣) رواه أحمد والحاكم ٦٠٨/٣ من حديث جنادة الأزدي وفي سنده حذيفة البارقي، أو
الأزدي وهو مجهول، وعزاه الحافظ في ((الإصابة)) ت (١١٩٨) للنسائي.
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) ٣٠٣/٢ و٥٣٢، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٣٧/١ وفي
سنده أبو بشر مؤذن مسجد دمشق وعامر بن الأشعري لم يوثقهما غير العجلي. وقد
مرَّ حديث أبي هريرة المتفق عليه وهو بمعناه.
٤٠٥

علة كراهة صوم يوم
الجمعة
صيامه، ويوم نسكه مع المسلمين(١) .
وذكر ابن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: إنهم كرهوا صوم الجمعة
لِيَقْوَوْا على الصلاة.
قلتُ: المأخذ في كراهته: ثلاثة أمور، هذا أحدها، ولكن يُشكل عليه
زوال الكراهية بضم یوم قبله، أو بعده إليه.
والثاني: أنه يوم عيد، وهو الذي أشار إليه ،َ﴿ه، وقد أُورِدَ على هذا
التعليل إشكالان. أحدهما: أن صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام.
والثاني: إن الكراهة تزولُ بعدم إفراده، وأجيب عن الإشكالين، بأنه ليس عيد
العام، بل عيد الأسبوع، والتحريمُ إنما هو لصوم عيد العام. وأما إذا صام
يوماً قبله، أو يوماً بعده، فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيداً، فتزول
المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلاً في صيامه تبعاً، وعلى هذا
يحمل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في ((مسنده)) والنسائي، والترمذي من
حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال: قَلَّمَا رأيتُ رسول الله ◌َّه يُفطر يَوْمَ
جُمُعَةٍ(٢) . فإن صحّ هذا، تعين حملُه على أنه كان يدخل في صيامه تبعاً، لا
أنه كان يُفرده لصحة النهي عنه. وأين أحاديثُ النهي الثابتة في ((الصحيحين))،
من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي
بغرابته، فكيف تعارض به الأحاديثُ الصحيحة الصريحة، ثم يُقدم عليها؟!
والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يُلحق بالدِّين ما ليس فيه، ويُوجب
التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية،
وينضم إلى هذا المعنى: أن هذا اليوم لما كان ظاهرَ الفضل على الأيام، كان
الداعي إلى صومه قوياً، فهو في مَظِنَّةِ تتابع الناس في صومه، واحتفالِهم به
ما لا يحتفلون بصوم يوم غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا
المعنى - والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي،
عمران بن ظبيان ضعيف.
(١)
(٢)
تقدم تخريجه ص٤٠٣ وهو حسن.
٤٠٦

لأنها من أفضل الليالي، حتى فضَّلها بعضهم على ليلة القدر، وحكيت رواية
عن أحمد، فهي في مَظِنَّةِ تخصيصها بالعبادة، فحسم الشارعُ الذريعة، وسدَّها
بالنهي عن تخصيصها بالقيام. والله أعلم.
فإن قيل: ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام؟ قيل: أما
تخصيصُ ما خصصه الشارع، كيوم الاثنين، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء،
فسُنَّةٌ، وأما تخصيصُ غيره، كيوم السبت، والثلاثاء، والأحد، والأربعاء،
فمكروه. وما كان منها أقربَ إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم
بالتعظيم والصيام، فأشد كراهةً، وأقربُ إلى التحريم.
يوم اجتماع الناس
الثالثة الثلاثون: إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد
شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوماً يتفرَّغون فيه للعبادة،
ويجتمعون فيه لتذكُّر المبدأ والمعاد، والثواب والعقاب، ويتذَّكرون به
اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياماً بين يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام
بهذا الغرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق، وذلك يوم الجمعة،
فادَّخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعهم في هذا اليوم
لطاعته، وقدَّر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته، فهو يوم الاجتماع شرعا
في الدنيا، وقدراً في الآخرة، وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون
أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم، كما ثبت عن ابن مسعود من
غير وجه أنه قال: لا ينتصف النهارُ يوم القيامة حتى يَقِيلَ أهلُ الجنة في
منازلهم، وأهل النارِ في منازلهم، وقرأ ﴿أصحابُ الجَنَّةِ يومئذٍ خير مستقراً
وأحسنُ مَقيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] وقرأ: ﴿ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهْم لإِلى الجَحِيم﴾(١)،
وكذلك هي في قراءته. ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرِفُه الأمم التي لها
كتاب، فأما أمة لا كتاب لها، فلا تعرف ذُلك إلا من تلقَّه منهم عن أمم
الأنبياء، فإنه ليس هنا علامة حِسِّية يُعرف بها كونُ الأيام سبعة، بخلاف الشهر
والسنة، وفصولها، ولما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام،
(١) التلاوة (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم)، وقراءة ابن مسعود تفسير لها. والخبر أورده
ابن كثير في تفسيره» ٣١٥/٣ وفي سنده انقطاع.
٤٠٧

علة قراءة سورتي
السجدة والدهر في صلاة
فجر يوم الجمعة
وتعرَّف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه، شرع لهم في الأسبوع يوماً
يُذكِّرهم فيه بذلك، وحكمةِ الخلق وما خُلقوا له، وبأجَل العالم، وطيٍّ
السماوات والأرض، وعَودِ الأمر كما بدأه سبحانه وعداً عليه حقاً، وقولاً
صدقاً، ولهذا كان النبي ◌َّ يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي (الم تنزيل)
و (هل أتى على الإِنسان) لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون
من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثِهم من القبور إلى الجنة والنار، لا
لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته، فيأتي بسجدة من سورة
أخرى، ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فُضِّل بسجدة، وينكر على من لم يفعلها.
وهكذا كانت قراءته مي في المجامع الكبار، كالأعياد ونحوها، بالسورة
المشتملة على التوحيد، والمبدأ والمعاد، وقصصٍ الأنبياء مع أممهم، وما
عامل الله به من كذَّبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن منهم
وصدَّقهم من النجاة والعافية.
كما كان يقرأ في العيدين بسورتي (ق والقرآن المجيد)، و (اقتربت
الساعةُ وانشقَّ القمرُ)(١) وتارة: بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، و (هل أتاك
حديث الغاشية)(٢)، وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة(٣) لما تضمَّنت من
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢١٧/٥ و٢١٨، ومسلم (٨٩١) في صلاة العيدين: باب
ما يقرأ به في صلاة العيدين، والترمذي (٥٣٤) في الصلاة: باب ما جاء في
القراءة في العيدين، وأبو داود (١١٥٤) في الصلاة: باب ما يقرأ في الأضحى
والفطر، والنسائي ١٨٣/٣، ١٨٤ في العيدين: باب القراءة في العيدين. من حديث
أبي واقد الليثي رضي الله عنه.
(٢) رواه مسلم (٨٧٨) في الجمعة: باب ما يقرأ في الجمعة عن النعمان بن بشير قال:
كان رسول الله # يقرأ في العيدين وفي الجمعة (سبح اسم ربك الأعلى) و(هل
أتاك حديث الغاشية) ورواه الترمذي (٥٣٣) في الصلاة: باب ما جاء في القراءة في
العيدين، والنسائي ١٨٤/٣ في العيدين: باب القراءة في العيدين: بـ (سبح اسم
ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية)، وابن ماجه (١٢٨١) في إقامة الصلاة:
باب ما جاء في القراءة في صلاة العيدين.
(٣) رواه مسلم (٨٧٧)، وأبو داود (١١٢٤) في الصلاة: باب ما يقرأ في الجمعة من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه.
٤٠٨

الأمر بهذه الصلاة، وإيجابِ السَّعي إليها، وتركِ العلم العائق عنها، والأمر بإكثار
ذكر الله ليحصُل لهم الفلاحُ في الدارين، فإن في نسيان ذكره تعالى العطبَ والهلاكَ
في الدَّارين، ويقرأ في الثانية بسورة (إذا جاءك المنافقون) تحذيراً للأمة من النفاق
المردي، وتحذيراً لهم أن تشغلَهَم أموالهُم وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذِكر
الله، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد، وحضّاً لهم على الإنفاق الذي هو من
أكبر أسباب سعادتهم، وتحذيراً لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون
الإِقالة، ويتمنَّون الرجعة، ولا يُجابون إليها، وكذلك كان بي# يفعل عند قدوم وفد
يريد أن يُسمعهم القرآن، وكان يُطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك، كما صلَّى
المغرب بـ (الأعراف) و بـ (الطور)، و (ق). وكان يُصلي الفجر بنحو مائة آية .
كانت خطبته تقريراً
لأصول الإيمان
وكذلك كانت خطبته بَّة، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان
بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله
لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن
خُطبته إيماناً وتوحيداً، ومعرفةً بالله وأيامه، لا كخُطب غيره التي إنما تُفيد
أموراً مشتركة بين الخلائق، وهي النَّوْح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن
هذا أمر لا يُحصِّلُ في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة
به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه،
فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة، غير أنهم يموتون، وتُقسم أموالهم،
ويُبلي الترابُ أجسامهم، فيا ليت شعري أيُّ إيمان حصل بهذا؟! وأيُّ توحيد
ومعرفة وعلم نافع حصل به؟ !.
ومن تأمل خطب النبي ◌َّ، وخُطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان
الهدى والتوحيد، وذِكر صفات الربِّ جل جلاله، وأصولِ الإِيمان الكلية،
والدعوة إلى الله، وذِكر آلائه تعالى التي تُحيِّبه إلى خلقه وأيامِه التي تُخوِّفهم
من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يُحبِّهم إليه، فيذكرون مِن عظمة الله
وصفاته وأسمائه، ما يُحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذِكره ما
يُحبِّهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبُّوه وأحبهم، ثم طال العهدُ، وخفي
٤٠٩

نورُ النبوة، وصارت الشرائعُ والأوامرُ رسوماً تُقام من غير مراعاة حقائقها
ومقاصدها، فأعطَوْها صورها، وزيّنوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم
والأوضاع سناً لا ينبغي الإِخلالُ بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإِخلال
بها، فرصَّعوا الخُطب بالتسجيع والفِقر، وعلم البديع، فَقَص بل عَدِمَ حظّ
القلوب منها، وفات المقصودُ بها.
فمما حُفظ من خطبه ◌َّ أنه كان يكثر أن يخطُّب بالقرآن وسورة (ق).
قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ما حفظت (ق) إلا مِنْ في
رسول الله له مما يخطب بها على المنبر(١).
وحُفظ من خطبته ◌َلّ من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ضعف،
((يا أيُّها الناسُ تُوبوا إلى الله عز وجل قبل أن تَمُوتوا، وبادِرُوا بالأعمال
الصالحة قَبْل أَن تُشْغَلُوا، وصِلوا الَّذي بينكم وبين ربّكم بكثرة ذِكركم له،
وكثرةِ الصدقة في السرِّ والعلانية تُؤْجروا، وتُحمَدوا، وتُرزقوا. واعلموا أن الله
عز وجل، قد فرض عليكم الجمعةَ فريضةً مكتوبةً في مقامي هذا، في شهري
هذا، في عَامي هَذَا، إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ، مَنْ وَجَدَ إليها سَبِيلاً، فَمَنْ تَرَكَهَا في
حياتي، أو بعد مماتي جُحوداً بها، أو استخفافاً بها، وله إمامٌ جائر أو عادِل،
فلا جمع الله شملَه، ولا بارَك له في أمره، ألا ولا صَلاة له، ألا ولا وُضُوءَ
له، ألا ولا صَوْمَ له، ألا ولا زَكَاةَ له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا بَرَكَة له حتى
يتوبَ، فإن تابَ، تَابَ اللَّهُ عليه، ألا ولا تَؤُمَنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، ألا ولا يَؤُمَنَّ
أعرابيٌّ مُهاجِراً، ألا ولا يَؤُمَنَّ فَاجِرٌ مُؤمِنَاً، إلا أن يَقْهَرَهُ سُلْطَانٌ فَيَخَافَ سَيْفَه
وسَوْطه(٢).
(١) رواه مسلم (٨٧٢): باب تخفيف الصلاة والخطبة، وأبو داود (١١٠٢) و (١١٠٣) في
الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس، والنسائي ١٥٧/٢ في افتتاح الصلاة: باب
القراءة في الصبح بـ (ق).
(٢) رواه ابن ماجه (١٠٨١) في إقامة الصلاة: باب في فرض الجمعة من حديث عبد الله بن
محمد العدوي، عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله
رضي الله عنه، وعبد الله بن محمد العدوي متروك، وعلي بن زيد بن جدعان، ضعيف . =
٤١٠

وحفظ مِن خطبته أيضاً: ((الحمدُ لله نستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله
مِنْ شُرورِ أنفسنا، مَنْ يَهْدِ الله، فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلِل فَلا هادي له،
وأشهدُ أَلاَّ إله إلا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه،
أرسله بالحقِّ بشيراً ونذيراً بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَه، فَقَدْ رَشَدَ
ومن يَعْصِهِمَا، فإنه لا يَضُرُّ إلا نَفْسَهُ، ولا يَضُرُّ اللهَ شيئا)). رواه أبو داود (١)
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر خطبه في الحج.
فصل
في هديه ,5# في خطبه
كان إذا خطب، احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبه حتى كأنَّه منذرُ
جيش، يقول: ((صَبَّحَكُمْ ومسَّاكم)) ويقول: ((يُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ
بَيْنَ أصْبُعَيْهِ السََّّابَةِ وَالوُسْطَى)). ويقول: ((أَمَا بَعْدُ، فإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ الله،
وَخَيْرَ الهِذْي هَذْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ)). ثم يقولُ:
والحديث أورده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٢٦٠/١، وقال: رواه الطبراني في
=
((الأوسط)) من حديث أبي سعيد الخدري أخصر منه.
(١) رواه أبو داود (١٠٩٧) في الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس من حديث
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وفي إسناده أبو عياض المدني وهو مجهول ثم إن
في قوله: ((ومن يعصهما)) شيئاً، فقد صح عنه # استنكار هذا التعبير من غيره، فقد
روى مسلم (٨٧٠) وأبو داود (١٠٩٩) والنسائي ٩٠/٦، وأحمد ٢٥٦/٤ و٣٧٩
من حديث عدي بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي عليه، فقال: من يطع الله
ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فقد غوى، فقال رسول الله مَ ليل ((بئس الخطيب
أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله)) قال العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير
المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال مح له في
الحديث الآخر ((لا يقل أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم
شاء فلان. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام فيما أورده السندي في ((حاشية
النسائي)": من خصائصه وم # أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى،
وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره دونه، لأن غيره إذا جمع، أوهم
إطلاقه التسوية بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك.
٤١١

(أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرِكَ مَالاً، فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أَوْ ضَيَاعاً،
فإليَّ وعليّ))(١) رواه مسلم.
وفي لفظ: كانت خُطبةُ النبيَِّ يَوْمَ الجُمُعَةِ، يَحْمَدُ الله ويُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ
يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذُلِكَ وَقَدْ عَلاَ صَوْتُه فَذَكَرُه.
وفي لفظ: يَحْمَدُ الله وَيُثِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُه، ثُمَّ يَقُولُ: ((مَنْ يَهْدِ اللَّهُ، فَلا
مُضِلَّلَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فلاَ هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ».
وفي لفظ للنسائي، ((وكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالَةٌ، وَكُلّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ)».
وكان يقول في خطبته بعد التحميدِ والثناءِ والتشهد: ((أَمَّا بَعْدُ))(٢).
وكان يُقصِّرُ الخُطبة، ويُطيل الصلاة، ويُكثر الذِّكر، ويَقْصِدُ الكلماتِ
الجوامع، وكان يقول: ((إنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِه، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِه))(٣).
وكان يُعَلِّمُ أصحابَه في خُطبته قواعِدَ الإِسلام، وشرائعَه، ويأمرهم،
وينهاهم في خطبته إذا عَرَض له أمر، أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن
يُصلي ركعتين (٤).
(١) رواه مسلم (٨٦٧) في الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة من حديث جابر بن
عبد الله رضي الله عنه، ورواه النسائي ١٨٨/٣، ١٨٩ في العيدين: باب كيف الخطبة
بزيادة ((وكل ضلالة في النار))، وإسناده صحيح.
(٢) رواه البخاري ٣٣٤/٢، ٣٣٥ من حديث عكرمة عن ابن عباس في الجمعة: باب من
قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد، ورواه أيضاً من حديث المسوربن مخرمة. ومن
حديث عائشة رضي الله عنهم.
(٣) رواه أحمد، في ((المسند)) ٢٦٣/٤، ومسلم (٨٦٩) في الجمعة: باب تخفيف
الصلاة والخطبة وزاد في آخره ((فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان
سحراً)): وقوله ((مئنة من فقهه)) أي: إن ذلك مما يعرف به فقه الرجل، وكل شيء
دل على شيء، فهو مئنة له .
(٤) رواه البخاري ٢/ ٣٤٢ في الجمعة: باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين من
حديث جابر بن عبد الله قال: ((دخل رجل يوم الجمعة والنبي مَلّه يخطب فقال:
أصليتَ؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين)) ورواه أيضاً مسلم (٨٧٥) في الجمعة: باب =
٤١٢

ونهى المتخطِّي رِقابَ الناس عن ذلك، وأمره بالجلوس(١) .
وكان يقطعُ خطبته للحاجة تعْرِضُ، أو السؤالِ مِنْ أَحَدٍ من أصحابه،
فيُجيبه، ثم يعود إلى خُطبته، فيتمُّها .
وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعودُ فَيُتِمُّها، كما نزل لأخذ الحسن
والحسين رضي الله عنهما، فأخذهما، ثم رَقِيَ بهما المنبر، فأتم خطبته. (٢) .
وكان يدعو الرجل في خطبته: تعالَ يا فلان، اجلِسْ يا فُلان، صلِّ يا فُلان.
وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة،
أمرهم بالصدقة، وحضهم عليها(٣) .
التحية والإمام يخطب، وأبو داود (١١١٥) في الصلاة: باب إذا دخل رجل والإِمام
=
يخطب، والنسائي ١٠٣/٣ في الجمعة: باب الصلاة يوم الجمعة والإمام يخطب.
وابن ماجه (١١٦٢) في إقامة الصلاة: باب ما جاء فيمن دخل المسجد والإِمام
يخطب .
(١) رواه أبو داود (١١١٨) في الصلاة: باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، والنسائي
١٠٣/٣ في الجمعة: باب النهي عن تخطي رقاب الناس والإِمام على المنبر يوم
الجمعة، من حديث أبي الزاهرية وهو حدير بن كريب قال: كنا مع عبد الله بن بسر
صاحب النبي ◌َلّ يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن
بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ◌َّ يخطب، فقال له
النبي مثل: ((اجلس فقد آذيت)) وإسناده حسن.
(٢) رواه الترمذي (٣٧٧٦) في المناقب: باب مناقب الحسن والحسين، وأبو داود
(١١٠٩) في الصلاة: باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، والنسائي ١٠٨/٣ في
الجمعة: باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، وابن ماجه (٣٦٠٠) في
اللباس: باب لبس الأحمر للرجال. وإسناده حسن.
(٣) روى مسلم في ((صحيحه)) (١٠١٧) في الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق
تمرة من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله مح ليه في صدر النهار
قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من
مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صل لما رأى بهم من الفاقة، فدخل
ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: (يا أيها الناس اتقوا
ربكم .. ) الحديث إلى آخره.
٤١٣

وكان يُشير بأصبعه السََّّابَة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه (١).
وكان يستسقي بهم إذا قَحَطَ المطرُ في خُطبته (٢).
وكان يُمهِلُ يوم الجمعة حتى يجتمعَ الناسُ، فإذا اجتمعوا، خرج إليهم
وحدَه من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان، ولا طرحة، ولا سواد،
فإذا دخل المسجد، سلَّم عليهم، فإذا صَعِد المنبر، استقبل الناسَ بوجهه، وسلَّم
عليهم، ولم يدعُ مستقبلَ القبلة، ثم يجلِس، ويأخذ بلالٌ في الأذان، فإذا فرغ
منه، قام النبي ◌ّ، فخطب من غير فَصلٍ بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا
غيره.
ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيرَه، وإنما كان يعتَمِدُ على قوس أو عصاً قبل
أن يتّخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على
(١) روى مسلم (٨٧٤) في الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة من حديث عمارة بن
رويبة قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين
لقد رأيت رسول الله ﴾ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبحة،
ورواه أبو داود (١١٠٤) في الصلاة: باب رفع اليدين على المنبر، والنسائي ١٠٨/٣
في الجمعة : باب الإِشارة في الخطبة.
(٢) روى البخاري ٣٤٢/٢ في الجمعة: باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة من
حديث أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي ميٍ، فبينما النبي ملي
يخطب في يوم جمعة، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله: هلك المال، وجاع العيال
فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما
حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على
لحيته ، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد الذي يليه حتى الجمعة
الأخرى، وقام ذلك الأعرابي: أو قال غيره، فقال يا رسول الله تهدم البناء، وغرق
المال فادع الله لنا، فرفع يده فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا فما يشير بيده إلى ناحية
من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهراً، ولم
يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود، وأخرجه مسلم (٨٩٧) في الاستسقاء: باب
الدعاء في الاستسقاء.
٤١٤

عصا١). ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعضُ الجهال أنه كان
يعتمد على السيف دائماً، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فَمِن فَرْطِ
جهله، فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف، ولا قوس، ولا
غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفاً البتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو
قوس.
وكان منبره ثلاثَ درجات، وكان قبل اتخاذه يخطُب إلى جذع يستند إليه،
فلما تحوَّل إلى المنبر، حنَّ الجِذْعُ حنيناً سمعه أهل المسجد، فنزل إليه ◌َّه
وضمَّه(٢) قال أنس: حنَّ لما فقد ما كان يسمع من الوحي، وفقده التصاق
النبي ◌َل﴾ .
ولم يُوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وضع في جانبه الغربي قريباً من
الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة(٣).
وكان إذا جلس عليه النبي ◌َ ل# في غير الجمعة، أو خطب قائماً في الجمعة،
(١) رواه أبو داود (١٠٩٦) في الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس من حديث
الحكم بن حزن الكلفي وفيه: ((فأقمنا بها أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله خل# ،
فقام متوكئاً على عصاً أو قوس ... )) وسنده حسن كما قال الحافظ في ((التلخيص))
٢/ ٦٥، وصححه ابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء رواه أبو داود (١١٤٥)
وآخر عند أبي الشيخ في ((أخلاق النبي)) ص ١٥٥، ١٥٦.
(٢)
رواه البخاري ٤٤٤/٦ في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام من حديث ابن
عمر، وجابر بن عبد الله، والترمذي (٥٠٥) في الصلاة: باب ما جاء في الخطبة على
المنبر من حديث ابن عمر، والنسائي ١٠٢/٣ في الجمعة: باب مقام الإِمام في
الخطبة، وابن ماجه (١٤١٧) من حديث جابر، وابن ماجه (١٤١٥)، والترمذي
(٣٦٣١) من حديث أنس. و (١٤١٦) من حديث سهل و (١٤١٤) من حديث
أبي بن كعب. وانظر ((شمائل الرسول)) لابن كثير ص ٢٣٩، ٢٥١.
(٣)
رواه البخاري ٤٧٥/١ في الصلاة: باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلي
والسترة، ومسلم (٥٠٩) في الصلاة: باب دنو المصلي من السترة، وأبو داود
(١٠٨٢) في الصلاة: باب موضع المنبر، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه
بلفظ: كان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة.
٤١٥

الأمر بالإنصات للخطبة
استدار أصحابُه إليه بوجوههم، وكان وجهه ◌َّ قِبلَهم في وقت الخطبة.
وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم، فيخطب الثانية،
فإذا فرغ منها، أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر الناس بالدنِّو منه، ويأمرهم
بالإِنِصات، ويُخبرهم أن الرجل إذا قَالَ لِصاحبه: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا(١). ويقول:
((مَنْ لَغَا فَلاَ جُمُعَةٍ لَهُ))(٢). وكان يقول: ((مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَة والإِمامُ يَخْطُبُ،
فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً، والَّذِي يَقُولَ لَه: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَة)). رواه
الإِمام أحمد(٣).
وقال أُبي بن كعب: قرأ رسول الله م# يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم،
فذكَّرنا بأيَّام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يَغْمِزُني، فقال: متى أُنْزِلَتْ هذه السورة؟
فإني لم أسمعها إلى الآن، فأشار إليه أن اسكُت، فلما انصرفوا، قال: سألتُك متى
أُنزلت هذه السورة فلم تُخبرني، فقال: إنَّه ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما
لغوتَ، فذهب إلى رسول الله مَّ﴾، فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أُبي،
فقال رسول الله وَ﴿: ((صَدَق أبيُّ))(٤). ذكره ابن ماجه، وسعيد بن منصور،
(١) رواه البخاري ٣٤٣/٢ في الجمعة: باب الإنصات يوم الجمعة، ومسلم (٨٥١) في
الجمعة: باب في الإنصات يوم الجمعة للخطبة، وأبو داود (١١١٢) في الصلاة:
باب الكلام والإِمام يخطب، والنسائي ١٠٤/٣ في الجمعة: باب الإنصات للخطبة
يوم الجمعة، وابن ماجه (١١١٠) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الاستماع
للخطبة والإنصات لها.
(٢) هو جزء من حديث طويل رواه أحمد في ((المسند)) (٧١٩) ولفظه في آخره ((ومن
قال: صه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له)). وإسناده ضعيف لجهالة مولى امرأة
عطاء الخراساني لكن يشهد له ما رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٨١٠) من حديث
عبد الله بن عمرو مرفوعاً ((ومن لغا أو تخطى كانت له ظهراً)) وسنده حسن.
(٣) (٢٠٣٣) من حديث ابن عباس، وفي سنده مجالد بن سعيد وهو ضعيف، وأورده
الهيثمي في ((المجمع)) ١٨٤/٢، وزاد نسبته للبزار والطبراني في ((الكبير)» وأعله
بمجالد .
(٤) رواه أحمد في ((المسند) ١٤٣/٥، وابن ماجه (١١١١) في إقامة الصلاة: باب ما
جاء في الاستماع للخطبة وإسناده حسن، ورواه ابن حبان (٥٧٧) بنحوه من حديث
جابر، وفيه عيسى بن جارية وفيه لين، وانظر ((المجمع)) ١٨٤/٢ .
٤١٦
م

وأصله في «مسند أحمد».
وقال وَّه: ((يَحْضُرُ الجُمُعَة ثَلاثَةُ نَفَر: رَجُلٌ حَضَرَها يَلْغُو وَهُوَ حَظُه منها،
وَرَجُلٌ حَضَرَها يَدْعو، فَهُوَ رَجُلُ دَعا الله عَزَّ وَجَلَّ إن شَاءَ أَعْطَاهُ، وإنْ شَاءَ مَنَعَهْ،
وَرَجُلٌ حَضَرِهَا بإنْصاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحداً، فَهي
كَفَّارَةٌ له إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ التي تَليها، وَزيادَة ثَلاثَةَ أَيْامٍ،َ وَذَلِكَ أن الله عزَّ وجَلَّ
يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها﴾)) ذكره أحمد وأبو داود (١).
لا سنة قبل الخطبة
وكان إذا فرغ بلال من الأذان، أخذ النبي ◌َّ في الخطبة، ولم يقم أحدٌ
يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذانُ إلا واحداً، وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد،
لا سُنَّ لها قبلها، وهذا أصحُ قولي العلماء، وعليه تدلُّ السُّنَّة، فإن النبي ◌َّ كان
يخرج مِن بيته، فإذا رَقِي المنبر، أخذ بلالٌ في أذان الجمعة، فإذا أكمله، أخذ
النبيُّ ◌َّه في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأَيَ عين، فمتى كانوا يُصلون
السُّنَّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان، قاموا كلُّهم،
فركعوا ركعتين، فهو أجهلُ الناس بالسُّنَّة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سُنَّة قبلها،
هو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي.
والذين قالوا: إن لها سُنَّةً، منهم من احتج أنها ظهرٌ مقصورة، فيثبت لها
أحكامُ الظهر، ولهذه حجة ضعيفة جداً، فإن الجمعة صلاةٌ مستقِلة بنفسها تُخالف
الظهر في الجهر، والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتُوافقها في
الوقت، وليس إلحاقُ مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد
الافتراق، بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى، لأنها أكثر مما اتفقا فيه.
ومنهم من أثبت السُّنَّة لها هنا بالقياس على الظهر، وهو أيضاً قیاس فاسد،
فإن السُنَّة ما كان ثابتاً عن النبيِ وَ لّ من قول أو فعل، أو سُنة خلفائه الراشدين،
وليس في مسألتنا شيء من ذلك، ولا يجوز إثباتُ السنن في مثل هذا بالقياس،
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٢١٤/٢، وأبو داود (١١١٣) في الصلاة: باب الكلام
والإِمام يخطب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن.
٤١٧
زاد المعاد ج ١ - م١٤

لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي ◌ِّر، فإذا لم يفعله ولم يشرعه، كان
تركُه هو السُّنَّة، ونظيرُ هذا، أن يُشرع لصلاة العيد سنة قبلها أو بعدها بالقياس،
فلذلك كان الصحيحُ أنه لا يُسن الغسل للمبيت بمزدلفة، ولا لِرمي الجمار، ولا
للطواف، ولا للكسوف، ولا للاستسقاء، لأن النبي ◌َّ وأصحابَه لم يغتسلوا
لذلك مع فعلهم لهذه العبادات.
ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في ((صحيحه)) فقال: باب الصلاة قبل
الجمعة وبعدها: حدثنا عبد الله بن يُوسف، أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر،
أن النبي ◌ََّ، كان يُصلي قبلَ الظُّهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب
ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين، وكان لا يُصلي بعد الجمعة حتی ینصَرِف،
فيُصلي ركعتين(١) وهذا لا حُجة فيه، ولم يُرد به البخاري إثباتَ السنة قبل
الجمعة، وإنما مرادُه أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ثم ذكر هذا
الحديث، أي: أنه لم يُرو عنه فعلُ السنة إلا بعدها، ولم يرد قبلها شيء.
وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين، فإنه قال: باب الصلاة قبل العيد
وبعدها، وقال أبو المعلَّى (٢): سمعت سعيداً عن ابن عباس، أنه كره الصلاة قبل
العيد(٣). ثم ذكر حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ◌َّر خرج يوم
الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصل قبلَهما ولا بعدَهما ومعه بلال الحديث(٤).
(١) رواه البخاري ٣٥٤/٢ في الجمعة: باب الصلاة يوم الجمعة وقبلها. وقال الحافظ :
وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من
حديث عبد الله بن الزبير مرفوعاً: ((ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان))
ومثله حديث عبد الله بن المغفل ((بين كل أذانين صلاة)).
(٢) واسمه يحيى بن ميمون العطار الكوفي، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع،
وفي المطبوع أبو العلاء وهو تحريف.
(٣) رواه البخاري ٣٩٦/٢ تعليقاً في العيدين: باب الصلاة قبل العيد وبعدها، قال
الحافظ في ((الفتح)) ولم أقف على أثره هذا موصولاً، وقد تقدم حديث ابن عباس
المرفوع بأتم من هذا السياق في باب الخطبة بعد العيد ولفظه: عن ابن عباس أن
النبي ◌َّ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها ... الحديث.
(٤) رواه البخاري ٣٩٦/٢ في العيدين: باب الصلاة قبل العيد وبعدها. ومسلم (٨٨٤) =
٤١٨

فترجم للعيد مثلَ ما ترجم للجمعة، وذكر للعيد حديثاً دالاً على أنه لا تُشرع
الصلاةُ قبلَها ولا بعدَها، فدل على أن مراده من الجمعة كذلك.
وقد ظن بعضُهم أن الجمعة لما كانت بدلاً عن الظهر - وقد ذكر في
الحديث السنة قبل الظهر وبعدها - دلَّ على أن الجمعة كذلك، وإنما قال: ((وكان
لا يُصلي بعد الجمعة حتى ينصرِفَ)) بياناً لموضع صلاة السنة بعد الجمعة، وأنه
بعد الانصراف، وهذا الظن غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد
المكتوبة حديث ابن عمر رضي الله عنه: صليتُ مع رسول الله ◌َّ سَجْدتينِ قبل
الظهر، وسجدتين بعدَ الظهر، وسجدتين بعدَ المغرب، وسجدتينِ بعد العشاء،
وسجدتينٍ بعد الجمعة(١). فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاةٌ مستقِلَّة
بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتج إلى ذِكرها لِدخولها تحتَ اسم الظهر، فلما لم
يذكر لها سنةً إلا بعدها، عُلِمَ أنه لا سنة لها قبلها.
ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في ((سننه)) عن أبي هريرة وجابر، قال:
جاء سُلَيك الغَطفاني ورسولُ الله ◌َِّ يخطبُ فقال له: ((أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْن قَبْلَ أَنْ
تَجِيءَ؟)) قال: لا. قال: ((فَصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ وَتَجَوَّز فيهما)). وإسناده ثقات(٢).
قال أبو البركات ابن تيمية: وقوله: ((قبل أن تجيء)) يدل عن أن هانين
الركعتين سنة الجمعة، وليستا تحية المسجد. قال: شيخنا حفيدُه أبو العباس:
وهذا غلط، والحديث المعروف في ((الصحيحين)) عن جابر، قال: دخل رجل .
يومَ الجمعة ورسول الله بَّهَ يخطب، فقال: ((أَصَلَّْتَ)) قال: لا. قال: فَصَلِّ
في العيدين: باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى، والنسائي ١٩٣/٣ في
=
العيدين: باب الصلاة قبل العيدين وبعدها، وأبو داود (١١٥٩) في الصلاة: باب
الصلاة بعد صلاة العيد، وابن ماجه (١٢٩١) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في
الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها.
(١)
البخاري ٤١١/٣ في التطوع: باب التطوع بعد المكتوبة.
رواه ابن ماجه (١١١٤) في إقامة الصلاة: باب ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام
يخطب، وأبو داود (١١١٦) في الصلاة: باب إذا دخل الرجل والإِمام يخطب.
(٢)
٤١٩

رَكْعَتَيْن (١). وقال: ((إذا جاء أَحَدُكُم الجُمُعَةَ والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ،
وَلْيَتَجَوَّزْ فيهما)(٢). فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في
الغالب غیرُ صحیحة، هذا معنی کلامه.
وقال شيخنا أبو الحجّاج الحافظ المزي: هذا تصحيف من الرواة، إنما
هو ((أصليتَ قبل أن تجلس)) فغلط فيه الناسخُ. وقال: وكتابُ ابنِ ماجه إنما
تداولته شيوخ لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفاظ
تداولوهما، واعتَنَوْا بضبطهما وتصحيحهما، قال: ولذلك وقع فيه أغلاطٌ
و تصحيف .
قلت: ويدل على صحة هذا أن الذين اعتَنَوْا بضبط سنن الصلاة قبلها
وبعدها، وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها، لم يذكر واحدٌ
منهم هذا الحديثَ في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية
المسجد والإِمام على المنبر، واحتجوا به على من منع مِن فعلها في هذه
الحال، فلو كانت هي سنةَ الجمعة، لكان ذكرُها هناك، والترجمةُ عليها،
وحفظُها، وشهرتها أولى من تحية المسجد. ويدل عليه أيضاً أن النبي وَلّ ،
لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحيةُ المسجد. ولو كانت سنة
الجمعة، لأمر بها القاعدين أيضاً، ولم يخص بها الداخل وحده.
ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في ((سننه))، قال: حدثنا مسدَّد،
قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يُطيل
الصلاة قبل الجمعة، ويُصلي بعدها ركعتين في بيته، وحدث أن رسول الله مَلة
كان يفعل ذلك(٣). وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنةً قبلها، وإنما أراد.
(١) رواه البخاري ٣٤٢/٢ في الجمعة: باب من جاء والإِمام يخطب صلى ركعتين
خفيفتين، ومسلم (٨٧٥) في الجمعة: باب التحية والإِمام يخطب.
(٢) رواه مسلم (٨٧٥) وأبو داود (١١١٧) في الصلاة: باب إذا دخل الرجل والإِمام
یخطب.
(٣) رواه أبو داود (١١٢٨) في الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة، والنسائي ١١٣/٣ في
الجمعة: باب إطالة الركعتين بعد الجمعة وإسناده صحيح.
٤٢٠