Indexed OCR Text

Pages 341-360

والصواب: إذا كان الأمر كذلك: أن يُصلّيها من أراد على ما شاء من
العدد. وقد رُوِيّ هذا عن قوم من السلف حدثنا ابنُ حميد، حدثنا جرير، عن
إبراهيم، سأل رجل الأسود، كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت.
بيان من رجح صلاة
الضحى
وطائفة ثانية، ذهبت إلى أحاديث الترك، ورجَّحتها من جهة صحة
إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها، فروى البخاري عن ابن عمر، أنه لم يكن
يُصليها، ولا أبو بكر، ولا عمر. قلت: فالنبي ◌َّم قال: لا إخاله(١). وقال
وكيع: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن أبي هريرة،
قال: ما رأيتُ رسول الله لَّهَ صلَّى صلاة الضحى إلا يوماً واحداً (٢). وقال
علي بن المديني: حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا شعبة، حدثنا فضيل بن فَضالة،
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: رأى أبو بكرة ناساً يُصلون الضحى،
قال: إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله بَ ﴾ٍ ولا عامَّةُ أصحابه(٣).
وفي ((الموطأ)): عن مالك، عن ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة
قالت: ما سبَّح رسولُ الله ◌ََّ سُبحةَ الضُّحى قطُ، وإني لأُسبِّحُها، وإن كان
رسولُ الله ◌َِّ لَيَدَعُ العمل وهو يُحب أن يعمل به خشيةَ أن يعمل به الناس،
فَيُفرض عليهم(٤).
وقال أبو الحسن علي بن بطَّال: فأخذ قوم من السَّلف بحديث عائشة،
ولم يَرَوْا صلاةَ الضحى، وقال قوم: إنها بدعة، روى الشعبي، عن قيس بن
عُبيد، قال: كنت أختلِف إلى ابن مسعود السَّنَّةَ كلَّها، فما رأيتُه مصلياً
تقدم تخريجه ص٣٣١.
(١)
(٢)
إسناده صحيح.
(٣)
إسناده صحيح.
(٤) رواه مالك في ((الموطأ)) ١٥٢/١، ١٥٣ في قصر الصلاة: باب صلاة الضحى،
والبخاري ومسلم وقد تقدم ص ٣٣٠.
٣٤١

الضحى. وروى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عبد الرحمن بن
عوف، كان لا يُصلي الضحى. وعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروةُ بن
الزبير المسجدَ، فإذا ابنُ عمر جالس عند حُجرة عائشة، وإذا الناسُ في
المسجد يصلون صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة، وقال
مرة: ونِعْمَتِ البِدْعَةُ (١).
بیان من استحب فعلها
غبّاً
وقال الشعبي: سمعتُ ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضلَ صلاة
مِن الضحى، وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى، فقال: الصلوات
خمس.
وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غِّاً، فتُصلى في بعض الأيام
دون بعض، وهذا أحدُ الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن جماعة،
قال: واحتجوا بما روى الجُريري، عن عبد الله بن شَقيق، قال: قلتُ لعائشة:
أكانَ رسولُ الله ◌َّ يُصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يَجيءَ مِن مغيبه(٢). ثم
ذكر حديث أبي سعيد: كان رسولُ الله ◌ٌِّ يُصلي الضحى، حتى نقولَ: لا
يدعُها، ويدعُها حتى نقول: لا يُصليها، وقد تقدم. ثم قال: كذا ذكر من كان
يفعل ذلك مِن السلف. وروى شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن عِكرمة،
قال: كان ابنُ عباس يُصليها يوماً، ويدعها عشرة أيام يعني صلاةَ الضحى.
وروى شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان لا يُصلي الضحى،
فإذا أتى مسجد قُباء، صلَّى، وكان يأتيه كلَّ سبت. وروى سفيان، عن
منصور، قال: كانوا يكرهون أن يُحافظوا عليها كالمكتوبة، ويُصلون ويدعون
(١) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح فيما ذكره الحافظ في ((الفتح)) ٤٣/٣، وروى
عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٨٦٨) عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر قال: لقد
قتل عثمان وما أحد يسبحها (يعني الضحى) وما أحدث الناس شيئاً أحب إليَّ منها.
وإسناده صحيح.
(٢) تقدم تخريجه ص٣٣١ وهو صحيح.
٣٤٢

يعني صلاة الضحى. وعن سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا
أشتهيها، مخافة أن أراها حتماً علي. وقال مسروق: كنا نقرأ في المسجد،
فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم، فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك
فقال: لِم تُحمِّلون عبادَ الله ما لم يُحمِّلهم اللَّه؟! إن كنتم لا بُدَّ فاعلين، ففي
بیوتکم. وكان أبو مِجْلَز یُصلي الضحى في منزله.
قال هؤلاء: وهذا أولى لئلا يتوهم متوهمٌ وجوبَها بالمحافظة عليها، أو
كونَها سنةً راتبةً، ولهذا قالت عائشة: لو نُشِرَ لي أَبَواي ما تَرَكْتُها(١). فإنها
كانت تُصليها في البيت حيث لا يراها الناس.
تفعل الضحى لسبب
وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تُفعل بسبب من الأسباب، وأن النبي ؛
إنما فعلها بسبب، قالوا: وصلاتُهُ وَّرَ يومَ الفتح ثمان ركعات ضحى، إنما
كانت مِن أجل الفتح، وأن سنة الفتح أن تُصلى عنده ثمان ركعات، وكان
الأمراء يُسمونها صلاة الفتح. وذكر الطبري في ((تاريخه)) عن الشعبي قال: لما
فتح خالد بن الوليد الحِيرة، صلَّى صلاة الفتح ثمانَ ركعات لم يُسلم فيهن،
ثم انصرف. قالوا: وقول أم هانىء: ((وذلك ضحى)). تريد أن فعله لهذه
الصلاة كان ضحى، لا أن الضحى اسم لتلك الصلاة. قالوا: وأما صلاتُه في
بيت عِثْبان بن مالك، فإنما كانت لسبب أيضاً، فإن عِثْبان قال له: إنِّي أنكرتُ
بصري، وإنَّ السيول تحولُ بيني وبين مسجد قومي، فَودِدْتُ أنك جئتَ،
فصليتَ في بيتي مكاناً أتخذُه مسجداً، فقال: ((أفعلُ إن شاء الله تعالى)) قال:
فغدا عليَّ رسولُ اللهِ بَّه وأبو بكر معه بعدما اشتدَّ النهارُ فاستأذن النبيُّ ◌َّ
فأذنت له، فلم يجلِس حتى قال: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ)»؟ فأشرت
إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام وصففنا خلفه، وصلى، ثم
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ١٥٣/١ في قصر الصلاة: باب صلاة الضحى، وإسناده
صحیح.
٣٤٣

سلم، وسلمنا حين سلم. متفق عليه(١) .
فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها، ولفظ البخاري فيها، فاختصره بعضُ
الرواة عن عِتبان، فقال: إن رسولَ الله وَّل صلَّى في بيتي سُبحة الضحى،
فقاموا وراءه فصلَّوْا.
وأما قولُ عائشة: لم يكن رسول الله ◌َّ يُصلي الضحى إلا أن يَقْدَمَ مِنْ
مغيبه، فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب، فإنه ◌َّ كان إذا
قَدِمَ من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين(٢).
فهذا كان هديَه، وعائشةُ أخبرت بهذا وهذا، وهي القائلةُ: ما صلَّى
رسول الله وَ﴾ صلاةَ الضحى قطُّ .
(١) رواه البخاري ٥٠/٣ في التطوع: باب صلاة النوافل جماعة، وفي المساجد: باب
إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء، أو حيث أمر، وباب المساجد في البيوت، وفي
الجماعة: باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، وباب إذا زار الإِمام
قوماً فأمهم، وفي صفة الصلاة: باب يسلم حيث يسلم الإمام، وباب من لم يرد
السلام على الإمام، وفي المغازي: باب شهود الملائكة بدراً، وفي الأطعمة: باب
الخزيرة، وفي الرقاق: باب العمل الذي ابتغي به وجه الله، وفي استتابة المرتدين
والمعاندين: باب ما جاء في المتأولين، وأخرجه مسلم (٣٣) في الإِيمان: باب
الدليل على أن من مات على التوحيد، وفي المساجد: باب الرخصة في التخلف عن
الجماعة بعذر، رقم الخاص (٢٦٣) والنسائي ١٠٥/٢ في الإقامة: باب الجماعة
النافلة، وابن ماجه (٧٥٤) في المساجد: باب المساجد في الدور، وأحمد في
(«المسند» ٤٤٩/٥ و ٤٥٠.
(٢) رواه البخاري ٤٧٧/١ في الصلاة إذا قدم من سفر وهو طرف من حديث كعب بن
مالك الطويل في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، ومسلم (٧١٦) في صلاة المسافرين:
باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر، وأبو داود (٢٧٨١) في
الجهاد: باب في الصلاة عند القدوم من السفر، والنسائي ٢/ ٥٤ في المساجد: باب
الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه بغير صلاة، ورواه أحمد في
(«المسند» ٣١/٦ من حديث عائشة رضي الله عنها ..
٣٤٤

فالذي أثبتته فعلها بسبب، كقدومه مِن سَفر، وفتحه، وزيارتِه لقوم
ونحوه، وكذلك إتيانُه مسجد قُباء للصلاة فيه، وكذلك ما رواه يوسف بن
يعقوب، حدَّثنا محمد بن أبي بكر، حذَّثنا سلمة بن رجاء، حدَّثتنا الشعثاء،
قالت: رأيتُ ابنَ أبي أوفى صلى الضُّحى ركعتين يوم بُشِّرَ برأس أبي جهل.
فهذا إن صحَّ فهي صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشُكر الفتح. والذي
نفته، هو ما كان يفعله الناسُ، يُصلونها لغير سبب، وهي لم تقل: إن ذلك
مكروه، ولا مخالفٌ لسنته، ولكن لم يكن مِن هديه فعلُها لغير سبب. وقد
أوصى بها وندب إليها، وحضَّ عليها، وكان يَستغني عنها بقيام الليل، فإن
فيه غُنيةً عنها، وهي كالبدل منه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ
خِلْفَةً لِمَن أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] قال ابن عباس،
والحسن، وقتادة: عوضاً وخلفاً يقوم أحدُهما مقامَ صاحبه، فمن فاته عمل
في أحدهما، قضاه في الآخر.
قال قتادة: فأدوا لله من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار، فإنهما
مطيَّان يُقْحِمَان الناسَ إلى آجالهم، ويُقرِّبان كلَّ بعيد، ويُليان كلَّ جدید،
ويَجيئان بكلَّ موعود إلى يوم القيامة.
وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
فاتتني الصلاةُ الليلة، فقال: أدرك ما فاتك مِن ليلتك في نهارك، فإن الله عزّ
وجل جعل الليلَ والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكَّر أو أراد شُكوراً.
قالوا: وفِعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على هذا، فإن ابن عباس
كان يُصليها يوماً، ويدعها عشرة، وكان ابنُ عمر لا يصليها، فإذا أتى مسجد
قُباء، صلاها، وكان يأتيه كلَّ سبت. وقال سفيان، عن منصور: كانوا
يكرهون أن يُحافظوا عليها، كالمكتوبة، ويُصلون ويَدعون، قالوا: ومِن هذا
الحديثُ الصحيح عن أنس، أن رجلاً من الأنصار كان ضخماً، فقال
٣٤٥

للنبي مَّ﴾: إني لا أستطيعُ أن أُصليَ معك، فصنع للنبي ◌َّ طعاماً، ودعاه إلى
بيته، ونضح له طرفَ حصير بماء، فصلى عليه ركعتين. قال أنس: ما رأيتُه
صلى الضحى غير ذلك اليوم. رواه البخاري (١).
ترجيح المصنف لفعلها
بسبب
ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثارَ الصحابة، وجدها لا تدُل إلا على
هذا القول، وأما أحاديثُ الترغيب فيها، والوصيةُ بها، فالصحيح منها
كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدلُّ على أنها سنة راتبة لكل أحد، وإنما
أوصى أبا هريرة بذلك، لأنه قد رُوي أن أبا هريرة كان يختار درسَ الحديث
بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلاً من قيام الليل، ولهذا أمره ألا ينام
حتى يُوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة.
وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها منقطع، وبعضها
موضوع لا يحل الاحتجاج به، كحديث يُروى عن أنس مرفوعاً ((مَنْ دَاوَمَ عَلَى
صَلاَةِ الضُّحَى ولَمْ يَقْطَعْهَا إلا عَنْ عِلّة، كُنْتُ أَنَا وَهُو في زَوْرَقٍ مِنْ نُورٍ في
بَحْرٍ مِنْ نُورٍ)» وضعه زكريا بن دُويد (٢) الكندي، عن حميد.
وأما حديث يعلى بن أشدق، عن عبد الله بن جراد، عن النبي صَ لِّ ((مَنْ
صَلَّى مِنْكُمْ صَلاَةَ الضُّحَى، فَلْيُصَلِّها مُتَعَبِّداً، فإنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّيها السَّنَةَ مِن
الدَّهْرِ ثمَّ يَنسَاهَا وَيَدَعُهَا، فَتَحِنُّ إليهِ كَمَا تَحِنُّ النَّاقَةُ إلى وَلَدِهَا إذا فَقَدَتْهُ)). فيا
عجباً للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله، فإنه يروي هذا الحديثُ في كتاب
(١) رواه البخاري ١٣٣/٢ في صلاة الجماعة: باب هل يصلي الإمام بمن حضر وهو
يخطب يوم الجمعة في المطر، وفي التطوع: باب صلاة الضحى في الحضر، وفي
الأدب: باب الزيارة، ومن زار قوماً فطعم عندهم، ورواه أيضاً أحمد في «المسند»
١٣٠/٣ و١٨٤ و٢٩١.
(٢) في المطبوع ((دريد)) وهو تحريف، قال الذهبي في ((الميزان)»: كذاب ادعى السماع
من مالك والثوري والكبار، وزعم أنه ابن مائة وثلاثين سنة، وقال ابن حبان: كان
يضع الحديث على حميد الطويل ... ثم أورد له هذا الحديث.
٣٤٦

أفرده للضحى، وهذه نسخة موضوعة على رسول الله وَّة، يعني نسخة
يعلى بن الأشدق. وقال ابن عدي: روى يعلى بن الأشدق، عن عمه
عبد الله بن جراد، عن النبي ◌َّ أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعقُّه غيرُ
معروفين، وبلغني عن أبي مسهر، قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع
عمُّك من حديث رسول الله وََّ؟ فقال: جامعَ سفيان، وموطأ مالك، وشيئاً
من الفوائد. وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كَبِر،
اجتمع عليه من لا دِين له، فوضعوا له شهباً بمائتي حديث، فجعل يُحدِّث بها
وهو لا يدري، وهو الذي قال له بعضُ مشايخ أصحابنا: أيُّ شيء سمعته من
عبد الله بن جراد؟ فقال: هذه النسخة، وجامعُ سفيان - لا تحِلُّ الروايةُ عنه
بحال.
وكذلك حديثُ عمر بن صُبح عن مقاتل بن حيان حديث عائشة
المتقدم: كان رسول الله ﴿ يُصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة، وهو حديث
طويل ذكره الحاكم في ((صلاة الضحى)) وهو حديث موضوع، المتهم به
عمر بن صبح، قال البخاري: حدَّثني يحيى، عن علي بن جرير، قال:
سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعتُ خطبة النبي ◌ِّ، وقال ابن عدي:
منكر الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يَحِلُّ كتبُ
حديثه إلا على جهة التعجب منه، وقال الدارقطني: متروك، وقال الأزدي:
كذاب.
وكذلك حديثُ عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن
فُرَافِصة، عن مكحول، عن أبي هريرة مرفوعاً ((مَنْ حَافَظَ عَلَى سُبْحَةِ
الضُّحى، غُفِرَتْ ذُنُوبِه، وإنْ كَانَتْ بِعَدَدِ الجَرَادِ، وَأَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ)) ذكره
الحاكم أيضاً. وعبد العزيز هذا، قال ابن نمير: هو كذّاب، وقال يحيى:
ليس بشيء، كذاب خبيث يضع الحديث، وقال البخاري، والنسائي،
والدار قطني: متروكُ الحديث.
٣٤٧

وكذلك حديث النهاس بن قهم، عن شداد، عن أبي هريرة يرفعه ((مَنْ
حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى، غُفِرَتْ ذُنُوبُه وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَر مِنْ زَبَدِ البَحْرِ))(١)
والنهاس، قال يحيى: ليس بشيء ضعيف كان يروي عن عطاء، عن ابن
عباس أشياء منكرة، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: لا يساوي
شيئاً، وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات،
لا يجوز الاحتجاجُ به، وقال الدارقطني: مضطرب الحديث، تركه يحيى
القطان .
وأما حديث حُميد بن صخر، عن المقبري، عن أبي هريرة: بعث
رسول الله وَّ بعثاً الحديثَ، وقد تقدم. فحميد هذا، ضعفه النسائي،
ويحيى بن معين، ووثقه آخرون، وأُنكِرَ عليه بعضُ حديثه، وهو ممن لا
يُحتج به إذا انفرد. والله أعلم.
وأما حديث محمد بن إسحاق، عن موسى، عن عبد الله بن المثنى،
عن أنس، عن عمه ثُمامة، عن أنس يرفعه ((مَنْ صَلَّى الضُّحَى، بنى الله لَهُ
قَصْراً في الجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ))، فمن الأحاديث الغرائب، وقال الترمذي: غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وأما حديثُ نعيم بن همَّر: ((ابن آدَمَ لاَ تَعْجِزْ لِي عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ في
أوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آَخِرَهُ»، وكذلك حديثُ أبي الدرداء، وأبي ذر، فسمعتُ
شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها.
فصل
وكان مِن هديه ◌َلِّ وهدي أصحابه سجودُ الشكر عند تجدُّد نِعمة تسُرُّ، أو
سجود الشكر
(١) وأخرجه الترمذي (٤٧٦) وابن ماجه (١٣٨٢) من طريق النهاس بن قهم، عن شداد
أبي عمار، عن أبي هريرة.
٣٤٨

اندفاع نقمة، كما في ((المسند)) عن أبي بكرة، أن النبي ◌َّه، كان إذا أتاه أمرٌ
يَسُرُّه، خرَّ لله سَاجِداً شُكْراً له تَعَالى(١).
وذكر ابنُ ماجه، عن أنس، أن النبي ◌ََّ بُشِّرَ بِحَاجَةٍ، فخَرَّ لله سَاجِدا(٢) .
وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري، أن علياً رضي الله عنه، لما كتب
إلى النبي ◌َّ بإسلام همْدَان، خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه، فقال: ((السَّلاَمُ عَلَى
هَمْدَانَ، السَّلاَمَ عَلى هَمْدان)). وصدر الحديث في صحيح البخاري (٣) وهذا تمامه
بإسناده عند البيهقي (٤).
وفي ((المسند)) من حديث عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله اَلله سجد
شكراً لما جاءته البُشرى من ربه، أنه من صلَّى عليك، صلَّيْتُ عليه، ومن سلّم
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٤٥/٥ من حديث أبي بكرة أنه شهد النبي والهل أتاه بشير
يبشره بظفر جند له على عدوهم، ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فقام، فخر
ساجداً، ثم أنشأ يسائل البشير، فأخبره فيما أخبره أنه ولي أمرهم امرأة فقال
النبي : ((الآن هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء
ثلاثا)».
ورواه الترمذي (١٥٧٨) في السير: باب ما جاء في سجدة الشكر، وأبو داود
(٢٧٧٤) في الجهاد: باب في سجود الشكر، وابن ماجه (١٣٩٤) في إقامة الصلاة:
باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر. ولفظه عند أبي داود أن رسول الله الناس
كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خَرّ ساجداً شاكراً لله. وإسناده حسن، وفي الباب
حديث كعب بن مالك في عهده محميةٍ لما بشر بتوبة الله عليه، وقصته متفق عليها
وستأتي وغيرها .
(٢) رواه ابن ماجه (١٣٩٢) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند
الشكر، وفي سنده ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، وباقي رجاله ثقات، ويشهد له
ما قبله، فهو حسن.
(٣) انظر البخاري ٥٢/٨ في المغازي: باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد
إلى اليمن.
(٤) رواه البيهقي في ((السنن)) ٣٦٩/٢.
٣٤٩

عليك، سلمتُ عليه(١).
وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله وَّ رفع
يديه فسأل الله ساعة، ثم خرَّ ساجداً ثلاثَ مرات، ثم قال: ((إنَّي سَأَلْتُ رَبِّي،
وشَفَعْتُ لأمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِداً شُكْرَاً لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ
رَأْسْي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لأمَّتِي، فَأَعْطَانِ الثُّلثَ الثاني، فَخَرَرَتُ سَاجِداً شُكْراً لِرَبِّي،
ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فأعْطَاني الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَررَتُ سَاجِدَاً
لِرَبِّي)»(٢).
وسجد كعب بن مالك لما جاءته البُشرى بتوبة الله عليه، ذكره البخاري (٣).
وذكر أحمد عن علي رضي الله عنه، أنه سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّة في قتلى
(١) أخرجه أحمد ١٩١/١، وفي سنده عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف
لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، فهو حسن في الشواهد.
(٢) رواه أبو داود (٢٧٧٥) في الجهاد: باب في سجود الشكر، وفي سنده موسى بن
يعقوب الزمعي وهو سيء الحفظ، ومجهولان.
(٣) رواه البخاري ٢٨٩/٥ في الوصايا: باب إذا تصدق، ووقف بعض ماله، وفي
الجهاد: باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها، وفي الأنبياء: باب صفة النبي بَّ وفي
فضائل أصحاب النبي ◌ُ ◌ّ: باب وفود الأنصار إلى النبي ◌َّ بمكة، وفي المغازي:
باب قصة غزوة بدر، وباب غزوة تبوك، وفي تفسير سورة براءة (لقد تاب الله على
النبي) وباب (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) وباب (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا
مع الصادقين)، وفي الاستئذان: باب من لم يسلم على من اقترف ذنباً، وفي الأيمان
والنذور، وباب إذا أهدى ماله على وجه النذر والمثوبة، وفي الأحكام: باب هل
للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة، وأخرجه أيضاً
مسلم (٢٧٦٩) في التوبة: باب حديث توبة كعب بن مالك، والترمذي (٣١٠١) في
التفسير: باب ومن سورة براءة، وأبو داود (٢٢٠٢) في الطلاق، باب فيما عني به
الطلاق والنيات، وفي الجهاد: باب إعطاء البشير، وفي النذور: باب من نذر أن
يتصدق بماله، وأخرجه أحمد في ((المسند)» ٤٥٩/٣ و٤٦٠، والطبري (١٧٤٤٧)
وفي الحديث فوائد كثيرة أوردها الحافظ في ((الفتح)) ٩٣/٨، ٩٥.
٣٥٠

الخوارج(١).
وذكر سعيد بن منصور، أن أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه، سجد حين جاءه
قتلُ مسيلمة (٢).
فصل
في هديه مَّ في سجود القرآن
كان ◌َّة، إذا مرَّ بسجدة، كبَّر وسجد، وربما قال في سجوده ((سَجَدَ وَجْهي
لِلّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)) (٣).
وربما قال: ((اللَّهُم احْطُط عَنِّي بها وِزْراً، واكْتُب لي بها أَجْرَاً، واجْعَلْهَا لي
عِنْدَكَ ذُخْرَاً، وَتَقَبَلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَلْتَها مِنْ عَبْدِكَ داودَ)) (٤). ذكرهما أهلُ السنن.
ولم يُذكر عنه أنه كان يُكبر للرفع من هذا السجود، ولذلك لم يذكره
(١) حديث حسن رواه أحمد في ((المسند)) رقم (٨٤٤) و (١٢٥٤).
(٢) وأخرجه البيهقي ٣٧١/٢. وقال البغوي في ((شرح السنة)) ٣١٦/٣: سجود الشكر
سنة عند حدوث نعمة طالما كان ينتظرها، أو اندفاع بلية ينتظر انكشافها، أو رؤية
مبتلى بعلة أو معصية، ويخفي سجوده عن المعلول حتى لا يحمله ذلك على
الكفران، ويظهر للعاصي لعله يتوب.
(٣) رواه من حديث عائشة، أحمد في ((المسند)) ٣١/٦ و٢١٧، والترمذي (٥٨٠) في
الصلاة: باب ما يقول في سجود القرآن، وأبو داود (١٤١٤) في الصلاة: باب ما
يقول إذا سجد، والنسائي ٢٢٢/٢ في الافتتاح: باب الدعاء في السجود، وإسناده
حسن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ٢٢٠/١، ووافقه
الذهبي.
(٤) رواه عن ابن عباس، الترمذي (٥٧٩) وابن ماجه (١٠٥٣) في إقامة الصلاة: باب
سجود القرآن وفي سنده الحسن بن محمد بن عبيد الله لم يوثقه غير ابن حبان، ومع
ذلك فقد صححه ابن خزيمة (٥٦٢)، وابن حبان (٦٩١) والحاكم ٢١٩/١، ٢٩٠،
ووافقه الذهبي.
٣٥١

الخِرقي ومتقدمو الأصحاب، ولا نُقِلَ فيه عنه تشهدٌ ولا سلام البتة. وأنكر أحمد
والشافعيُّ السلامَ فيه، فالمنصوص عن الشافعي: إنه لا تشهدَ فيه ولا تسليم، وقال
أحمد: أما التسليمُ، فلا أدري ما هو، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره.
وصح عنه ◌ِّ، أنه سجد في (الم تنزيل)، وفي (ص)، وفي (النجم) وفي
(إذا السَّماء انشقَّت)، وفي (اقرأ باسْم رَبِّكَ الذي خَلَق).
وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص، أن رسول الله مسلية، أقرأه خمس عشرة
سجدة، منها ثلاث في المفصَّل، وفي سورة الحج سجدتان(١).
وأما حديث أبي الدرداء، سجدت مع رسول الله مَّة إحدى عشرة سجدة،
ليس فيها من المفصَّل شيء: (الأعراف)، و (الرعد)، و (النحل)، و (بني
إسرائيل)، و (مريم)، و (الحج)، و (سجدة الفرقان)، و (النمل)،
و (السجدة)، و(ص)، و (سجدة الحواميم)، فقال أبو داود: روى أبو الدرداء
عن النبي وَ﴾ إحدى عشرة سجدة، وإسناده واه (٢).
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله مل لم يسجد في
المفصل منذ تحول إلى المدينة. رواه أبو داود (٣) فهو حديث ضعيف، في إسناده
أبو قدامة الحارث بن عبيد، لا يحتج بحديثه. قال الإِمام أحمد: أبو قدامة
مضطرِب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال النسائي: صدوق عنده
(١) رواه أبو داود (١٤٠١) في الصلاة: باب تفريع أبواب السجود وكم سجدة في
القرآن، وابن ماجه (١٠٥٧) في إقامة الصلاة: باب عدد سجود القران، والحاكم
٢٢٣/١، وفي سنده الحارث بن سعيد العتقي لم يوثقه غير ابن حبان، وشيخه فيه
عبد الله بن منين مجهول لم يروِ عنه سوى الحارث.
(٢) رواه الترمذي (٥٦٨) و (٥٦٩) في الصلاة: باب ما جاء في سجود القرآن، وابن
ماجه (١٠٥٦) وفي سنده عمر بن حيان الدمشقي، وهو مجهول كما قال الحافظ في
((التقریب)).
(٣) رواه أبو داود (١٤٠٣) في الصلاة: باب من لم يرَ السجود في المفصل.
٣٥٢

مناكير، وقال أبو حاتم البستي: كان شيخاً صالحاً ممن كثر وهمه. وعلَّله ابن
القطان بمطر الوراق، وقال: كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن
عبد الرحمن بن أبي لیلی، وعیب علی مسلم إخراجُ حديثه. انتھی کلامه.
ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب
ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في
هذا المقام من استدرك عليه إخراجَ جميع حديث الثقة، ومن ضعَّف جميع حديث
سيىء الحفظ، فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد بن
حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان.
وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي ◌َ ◌ّ في (اقرأ باسْم رَبِّكَ الَّذي
خَلَقٍ)، وفي (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (١)، وهو إنما أسلم بعد مَقَدَم النبي ◌َّ المدينة
بست سنين أو سبع، فلو تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة،
لتعين تقديمُ حديث أبي هريرة، لأنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس،
فكيف وحديثُ أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته، وحديث ابن عباس
فيه من الضعف ما فيه. والله أعلم.
فصل
في هديه ميل في الجمعة وذكر خصائص يومها
ثبت في «الصحيحين)) عن النبي ◌َّ أنه قال: ((نَحْنُ الآخرُونَ الأَوّلُونَ
السَّابِقونَ يَوْمَ القيامَة، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتاب مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هذا يَوْمُهُمُ الَّذِي
هدي الله هذه الأمة له
(١) رواه مسلم (٥٧٨) في المساجد: باب سجود التلاوة، والترمذي (٥٧٣) و (٥٧٤)
في الصلاة: باب ما جاء في السجدة في (اقرأ باسم ربك الذي خلق، وإذا السماء
انشقت)، وأبو داود (١٤٠٧) في الصلاة: باب في السجود في (إذا السماء انشقت،
واقرأ)، والنسائي ١٦٢/٢ في الافتتاح: باب السجود في (اقرأ باسم ربك الذي
خلق)، وابن ماجه (١٠٥٨) في إقامة الصلاة: باب عدد سجود القرآن.
٣٥٣
زاد المعاد ج١ -م١٢

فَرضَ اللَّهُ عَلَيْهِم، فاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ له، والنَّاسُ لَنا فيه تَبَعِ، الْيَهُودُ غَدَاً،
والنَّصَارَىْ بَعْدَ غَدٍ)(١) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، وحُذيفة رضي الله عنهما قالا: قال
رسول اللّه ◌َ: ((أَضَلَّ اللَّهُ عَن الجُمُعة مَنْ كان قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَّهُودِ يَوْمُ
السَّبْتِ، وكَانَ لِلنَّصارى يَوْمُ الأَحَدِ، فجاء اللَّهُ بِنَا، فَهَدَانَا لِيَوْمِ الجُمُعَةِ،
فَجَعَلَ الجُمُعَةَ والسّبْتَ والأَحَدَ، وكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، نَحْنُ
الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنيا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لهم قَبْلَ
الخلائق»(٢) .
وفي ((المسند)) والسنن، من حديث أوس بن أوس، عن النبي ◌َّ: ((مِنْ
أَفْضِلِ أَيَّامِكُم يَومُ الجُمُعَةِ، فيه خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، وفيه قُبضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه
الصَّعْقَةُ، فأكثِرُوا عليَّ مِنَ الصَّلاةِ فيه، فإِنَّ صَلاَتَكُم مَعْرُوضَةٌ عليَّ)) قالوا: يا
رسولَ الله وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتْنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ (يعني: قَدْ بَلِيتَ) قال:
((إنَّ الله حَرَّمَ على الأَرضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأنبياءِ))(٣). ورواه الحاكم، في
«المستدرك» وابن حبان في ((صحيحه)).
(١) رواه البخاري ٢٩٣/٢، ٢٩٤ في الجمعة: باب فرض الجمعة، وباب هل على من
يشهد الجمعة غسل، وفي الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم (٨٥٥) في
الجمعة: باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، وأخرجه النسائي ٨٥/٣، ٨٦ في
الجمعة: باب إيجاب الجمعة، وابن ماجه (١٠٨٣) في إقامة الصلاة: باب في فضل
الجمعة .
(٢) رواه مسلم (٨٥٦) والنسائي ٣/ ٨٧، وابن ماجه (١٠٨٣).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٨/٤، وأبو داود (١٠٤٧) في الجمعة: باب تفريع أبواب
الجمعة، والنسائي ٩١/٣، ٩٢ في الجمعة: باب إكثار الصلاة على النبي مخل يوم
الجمعة، وابن ماجه (١٠٨٥) في إقامة الصلاة: باب فضل الجمعة، وإسناده
صحيح، وصححه ابن خزيمة (١٧٣٣) وابن حبان (٥٥٠) والحاكم ٢٧٨/١، ووافقه
الذهبي، وحسنه المنذري وابن حجر، وصححه النووي في ((الأذكار))، وله شاهد من
حديث أبي الدرداء عند ابن ماجه (١٦٣٧) وآخر من حديث أبي أمامة عند البيهقي.
٣٥٤

وفي ((جامع الترمذي))، من حديث أبي هريرة، عن النبي ◌ِّ، قال:
((خَيْرُ يَوْمِ طَلَعَتْ فيه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فيه خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، وفيه أُدْخِلَ
الجَنَّةَ، وَفيه أُخْرِجَ منها، ولا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ)) (١). قال:
حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم.
وفي ((المستدرك)) أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً ((سَيِّدُ الأيَّامِ يَوْمُ الجُمُعةِ،
فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه أُدْخِلَ الجَنَّة، وفيه أُخْرِجَ مِنْهَا، ولا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ يَوْمَ
الجُمُعَةِ))(٢).
وروى مالك في ((الموطأ))، عن أبي هريرة مرفوعاً («خيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ
عليه الشَّمْسُ يومُ الجُمُعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُهْبِطَ، وفيه تِيبَ عَليه، وفيه
مَاتَ، وفيه تقومُ السّاعةُ، وما منْ دابَّةٍ إلا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعِةِ مِنْ حِينَ
تُصْبِحُ حتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ شَفَقاً مِنَ السَّاعَةِ إِلَّ الجِنَّ والإِنِسَ، وفِيهِ سَاعَةٌ لا
يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهِ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّه)). قال كعب:
ذلك في كُلِّ سنَةٍ يَوْمٌ، فقلتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرأَ كَعْبُ الثَّوْرَاةَ، فَقَال:
صدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَه ... قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَحَدَّثْتُهُ
بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّهُ سَاعَةٍ هِيَ، قُلتُ: فَأَخْبِرْنِي بِهَا،
قال: هِيَ آَخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ:
((لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي)) وَتِلْكَ السَّاعَةُ لاَ يُصَلَّى فيها؟ فَقَالَ ابْنُ
سلامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ◌َِّةِ: ((مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ، فَهُوَ في
(١) رواه الترمذي (٤٨٨) في الجمعة: باب ما جاء في فضل الجمعة، وأخرجه النسائي
٨٩/٣، ٩٠ في الجمعة: باب ذكر فضل يوم الجمعة، والحاكم في ((المستدرك))
٢٧٨/١ وصححه ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد فات المؤلف
أنه في صحيح مسلم (٨٥٤) في الجمعة: باب فضل يوم الجمعة.
(٢) رواه الحاكم ٢٧٧/١ وصححه، ووافقه الذهبي.
٣٥٥

صَّلاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ))؟(١)
وفي ((صحيح ابن حبان)) مرفوعاً، ((لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمِ خَيْرٍ مِنْ
يَوْمِ الجُمُعة))(٢) .
وفي ((مسند الشافعي)) من حديث أنس بن مالك رضي اللهُ عنه، قال:
أتى جبريلُ عليه السلام رسولَ الله ◌ِّل بمرْأَة بَيْضَاءَ، فِيها نُكتَةٌ، فَقَالَ
النبيُّ ◌َّ: ما هذِهِ؟ فقال: ((هذِهِ يَوْمُ الجُمُعةِ، فُصِّلْتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَتُكَ،
والنَّسُ لَكُمْ فيها تَبَعٌ، اليهودُ والتَّصارى، ولكم فيها خَيْرٌ، وفيها سَاعَةٌ لا
يُوافِقُها عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يدعو الله بِخَيْرٍ إلا اسْتُجِيبَ لَهُ وهُوَ عِنْدَنَا يَوْمُ المزيد، فقال
النبي ◌َّه: يا جِبْرِيلُ! ما يومُ المزيدِ؟ قال: إِنَّ رَبَّكَ انَّخَذَ فِي الْفِرْدَوْسِ وَادِياً
أفيحَ فِيهِ كُنُبٌّ مِنْ مِسْكِ، فإذا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ أنزلَ الله سُبْحَانَهُ ما شَاءَ مِنْ
مَلاَئِكَتِهِ، وَحَوْلَهُ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ عَليها مَقَاعِدُ النَّبِينَ، وحَفَّ تِلكَ المنابِرَ بِمِنَابِرَ
مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بالياقوت وَالزَّبَرَجَدِ، عليها الشُّهَداءُ والصِّدِّيقُونَ، فجلسوا مِنْ
وَرَائهم على تِلْكَ الْكُثُبِ))، فيقولُ اللَّهُ عزّ وجَلَّ: ((أَنَا رَبُّكم قَدْ صَدَقْتُكم
وعدي، فسَلُونِي أُعْطِكُم، فيقولون: ربَّنا نسألُك رضوانَك، فيقول: قَدْ رَضِيتُ
عنْكُمْ وَلَكُم مَا تَمَيْتُمْ وَلَدَيَّ مَزيد، فهم يُحِبُّونَ يَوْمَ الجُمُعةِ لِما يُعطيهم فيه
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ١٠٨/١، ١١٠، في الجمعة: باب ما جاء في الساعة التي
في يوم الجمعة، والترمذي (٤٩١) في الصلاة: باب ما جاء في الساعة التي ترجى
في يوم الجمعة، وأبو داود (١٠٤٦) في الصلاة: باب فضل يوم الجمعة، والنسائي
١١٣/٣، ١١٥ في الجمعة: باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة،
وأحمد ٤٨٦/٢، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٢٧٨/١، ٢٧٩، وقال
الترمذي: حسن صحيح.
(٢) رواه ابن حبان (٥٥١) في الصلاة: باب ما جاء في يوم الجمعة والصلاة على النبي
ولفظه أن رسول الله بي ليز قال: ((لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم
الجمعة وما من دابة إلا هي تفزع يوم الجمعة إلا هذين الثقلين: الجن والإنس»
وسنده قوي.
٣٥٦

ربُّهم مِنَ الخَيْرِ، وهُوَ اليومُ الَّذي اسْتوى فيه ربُّك تَبَارَكَ وتَعالى على العرش،
وفيه خَلَقَ آدم، وفيه تقوم السّاعة)»(١).
رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عُبيدة، قال:
حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد، عن
عمير بن أنس.
ثم قال: وأخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد،
عن أنس شبيهاً به(٢).
وكان الشافعي حسنَ الرأي في شيخه إبراهيم هذا، لكن قال فيه الإِمام
أحمد رحمه لله: معتزلي جهمي قدري كُلُّ بلاء فيه.
ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا صفوان: قال: قال أنس: قال
النبيُّ ◌َّهُ: ((أتاني جِبْرِيلُ فذكره) ورواه محمد بن شعيب، عن عمر مولى
غُفرة، عن أنس. ورواهُ أبو ظبية، عن عثمان بن عُمير، عن أنس. وجمع أبو
بکر بن أبي داود طرقه.
وفي ((مسند أحمد)) من حديث علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة،
قال: قيل للنبي ١٤َّ لأي شيء سُمِّيَ يَوْم الجمعة؟ قال: ((لأَنَّ فيه طُبِعَتْ طِينَةُ
أَبِيكَ آدَمَ، وفيه الصَّعْقَةُ، والبَعْثَةُ، وفيه البَطْشَةُ، وفي آخِرِهِ ثَلاثُ سَاعاتٍ،
منها سَاعَةٌ مَنْ دعا الله فيها اسْتُجِيبَ له))(٣).
(١) رواه الشافعي ١٤٨/١ في الجمعة: باب فضل يوم الجمعة وفيه ساعة الإجابة، وفي
سنده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وهو متروك كما قال الحافظ ابن حجر في
((التقريب))، وموسى بن عبيدة وهو ضعيف.
(٢) ١٤٨/١ وإبراهيم بن محمد متروك كما تقدم، وإبراهيم بن الجعد ضعيف.
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) ٣١١/٢ وفي سنده الفرج بن فضالة وهو ضعيف، وفيه
انقطاع بين علي بن أبي طلحة وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه.
٣٥٧

وقال الحسن بن سفيان النَّسوي(١) في ((مسنده)) حدثنا أبو مروان
هشام بن خالد الأزرق، حدثنا الحسن بن يحيى الخُشني، حدثنا عمر بن
عبد الله مولى غُفرة، حدثني أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((أتاني جِبْرِيلُ وفِي يَدَه كَهَيْئَةَ المِرْآةَ البيضاء، فيها نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فقلت:
ما هذه يا جِبْرِيلُ؟ فقال: هذه الجُمُعَةُ بُعِثْتُ بها إِلَيْكَ تَكُونُ عيداً لكَ وَلِأُمَّتِكَ
مِنْ بعْدِك. فقلت: وما لَنا فيها يا جِبْرِيل؟ قال: لَكمْ فيها خَيْرٌ كَثِير، أَنْتُمُ
الآخِرُون السَّابقونَ يَوْمَ القِيَامَة، وفيها سَاعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصلِّي يَسْألُ
اللَّهَ شَيئاً إِلاَّ أَعْطاه. قلتُ: فما هذه النُّكْتَةُ السَّوْداء يا جِبْرِيلُ؟ قال: هذه
السَّاعة تكون في يوم الجُمُعة وهو سَيِّدُ الأَيَّام، ونحنُ نُسميه عندنا يومَ
المَزيد. قلتُ: وما يومُ المَزيد يا جِبْريل؟ قال: ذلك بِأَنَّ رَبَّكَ انَّخَذَ في الجَنَّة
وادياً أفيحَ مِنْ مِسْكِ أبيض، فإذا كان يَوْمُ الجُمُعةِ مِنْ أَيَّام الآخرة، هَبَطَ الرَّبُّ
عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَرْشِهِ إِلى كُرْسِيِّه، ويُحَفُّ الكُرْسيُّ بِمِنابِرَ مِنَ النُّورِ فيجلسُ
عليها النَّبِيُّونَ وتُحَفُّ المِنابِرُ بِكَراسِي مِنْ ذَهَب، فيجلِسُ عليها الصِّدِّيقون
والشُّهداء، ويَهْبِطُ أهلُ الغُرَفِ من غُرَفِهُم، فيجلسون على كُثْبَانِ الِمِسْكِ لا
يرون لأهلِ المنابِرِ والكراسي فَضْلاً في المَجْلِس، ثُمَّ يَتَبَدَّى لهم ذو الجَلال
والإكرام تبارك وتعالى، فيقول: سلوني، فيقولون بِأَجْمَعِهم: نَسْأَلُك الرِّضی یا
ربُّ، فَيَشْهَدُ لَهم عَلى الرِّضى، ثم يقول: سَلوني، فيسألونَه حَتَّى تَنْتَهِيَ نَهْمَةُ
كُلِّ عَبْدٍ مِنْهُم، قال: ثُمَّ يُسْعِى عَلَيْهِم بِما لا عَيْنٌ رَأْتْ، ولا أُذُنُّ سَمِعَتْ، ولا
خَطَر علىُ قَلْبِ بَشَرِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الجَبَّرُ مِنْ كُرْسيِّهِ إِلى عَرْشِهِ، وَيَرْتَفِعُ أهْلُ
الغُرَف إلى غُرَفِهم، وهي غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضاء، أو ياقُوتَةٍ حَمْراء، أو زُمُزُّدةٍ
خضراء، ليس فيها فَصْمٌ وَلاَ وَصْمٌ مُنَّرة، فيها أنهارُها، أو قال: مُطَرِدَةٌ
مُتَدَلِيَةٌ فيها ثِمَارُها، فيها أزْواجُها وَخَدمُها وَمَساكِنُها قال: فأهلُ الجَنَّة
(١) هو الحافظ الإِمام شيخ خراسان أبو العباس الشيباني النسوي صاحب ((المسند الكبير)
والأربعين توفي سنة (٣٠٣) ((تذكرة الحفاظ)) ص ٧٠٣.
٣٥٨

يَتَباشَرون في الجنَّ بِيَومِ الجُمُعة، كما يَتَبَاشَرُ أهلُ الدُّنيا في الدُّنيا بالمطر))(١).
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب ((صفة الجنة)): حدثني أزهر بن مروان
الرقاشي، حدثني عبد الله بن عَرَادة الشيباني، حدثنا القاسم بن مُطيِّب، عن
الأعمش، عن أبي وائل، عن حُذيفة، قال: قال رسولُ الله ◌َّةٍ: ((أَتَانِي جِبْرِيل
وفي كَفّه مِرْآَةٌ كأحْسَنِ المَرَائِي وأضْوَئِها، وإذا في وَسَطِها لَمْعَةٌ سوداءُ،
فقلت: ما هذه اللَّمْعَةُ التي أرى فيها؟ قال: هذه الجُمُعَةُ، قلت: وما الجُمُعَةُ؟
قال: يَوْمٌّ مِنْ أَيَّامِ رَبِّكَ عظيم، وَسَأُخْبِرُكَ بِشَرَفِهِ وفَضْلِهِ في الدُّنيا، وما يُرْجى
فيه لأهله، وأُخْبِرُك باسْمه في الآخِرة، فأما شَرَفُه وَفَضْلُهُ في الدنيا، فإن الله
عزَّ وجَلَّ جَمَعَ فيه أمر الخلق، وأمَّا ما يُرجَى فيه لأهله، فإنَّ فيه سَاعَةً لا
يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ يَسْأَلانِ الله تعالى فيها خَيْراً إلا أعطاهما إيّاه،
وأمَّا شَرَفُهُ وَفضْلُهُ في الآخِرَةِ واسْمُه، فإنَّ الله تباركَ وتَعَالى إذا صَيَّرَ أهْلَ
الجنَّة إلى الجَنَّة، وأهْل النَّار إلى النَّار، جَرَتْ عليهم هذه الأيَّام وهذه
اللَّيالي، ليس فيها لَيْلٌ وَلاَ نَهَارٌ إِلاَّ قَدْ علم اللَّهُ عَّ وَجَلَّ مِقْدَارَ ذَلِكَ
وَسَاعَاتِهِ، فإذا كان يَوْمُ الجُمُعَة حين يخرج أهل الجُمُعَةِ إلى جُمُعَتِهِم، نادى
أَهْلَ الجنَّة مُنَادٍ، يا أهْلِ الجَنَّةِ! اخرجوا إلى وادي المَزيد، ووَادي المَزيد لا
يعلم سعَة طوله وعرضه إلاَّ اللَّهُ، فيه كُثْبَانُ المِسْك، رؤوسها في السَّمَاء قال:
فَيَخْرُجُ غِلْمَانُ الأَنْبِياءِ بمنابرَ مِنْ نُور، ويخرج غِلْمَانُ المؤمنين بِكَراسي مِنْ
يَاقوتٍ، فإذا وُضِعَتْ لَهم، وَأَخَذَ القَوْمُ مَجَالِسَهم، بَعَثَ اللَّهُ عليهم ريحاً
تدعى المُثيرة، تُثيرُ ذلك المِسْكَ، وتُدْخِلُه مِن تَحتِ ثِيابِهِم، وتُخْرِجُهُ في
وجوهِهِم وأَشْعارِهِم، تِلْك الرِّيحُ أَعْلَمُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِذْلِكَ الِمِسْكِ مِن امْرأةِ
أحَدِكُم، لو دُفِعَ إليها كُلُّ طِيبٍ على وَجْه الأرض. قال: ثُمَّ يُوحي الله تبارك
وتعالى إلى حَمَلَة عَرْشِهِ: ضَعُوه بَيْن أَظهُرِهِم، فيكون أوّلَ ما يَسْمَعُونَهُ منه:
(١) في سنده عمر بن عبد الله مولى غفرة، وهو ضعيف، والحسن بن يحيى الخشني
كثير الغلط، وقال الدارقطني: متروك.
٣٥٩

إليَّ يا عبادي الذين أطاعُونِي بِالغَيْب وَلم يَروني، وصَدَّقوا رُسُلِي، واتَّبَعوا
أمْري، سَلُوني فهذا يَوْمُ المَزيد، فَيَجْتَمِعُونَ على كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: رضِيْنا عَنْك
فَارْضَ عَنَّا، فيرْجِعُ اللَّهُ إِلَيْهم: أَنْ يَا أَهْلَ الجَنَّ إِّي لَوْ لم أَرْضَ عَنْكُم لَمْ
أُسْكِنْكُم داري، فَسَلُونِي فهذا يَوْمُ المَزِيد، فَيَجْتَمِعُونَ علىُ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: يا
رَبَّنَا وَجْهَكَ نَنْظُرْ إليه، فِيَكْشِفُ تِلْكَ الحُجُبَ، فَيَتَجَلَّى لهم عَّ وجَلَّ،
فَيَغْشَاهُمْ مِنْ نُورِهِ شَيءٌ لَوْلا أَنَّ قَضَىْ أَلا يَحْتَرِقُوا، لاحْترَقوا لِما يَغْشَاهُم مِنْ
نُورِهِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُم: ارجعوا إلى مَنازِلِكُم، فَيَرْجِعُون إلى مَنَازِلِهِم وَقَدْ أَعْطَى
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الضَّعْفَ عَلَى مَا كانوا فيه، فَيَرْجِعُون إلى أَزْوَاجِهِم وقد خَفُوا
عَلَيْهِنَّ وَخَفِينَ عليْهِم ممَّا غَشِيَهِمْ مِنْ نُورِهِ، فإذا رَجِعُوا تَرادَّ النُّورُ حَتَّى
يَرْجِعُوا إلى صُوَرِهِم الّتي كانوا عَلَيْها، فَتَقولُ لَهُمْ أَزْوَاجُهُم: لَقَدْ خَرَجْتُمْ مِنْ
عِنْدِنَا على صورة ورَجَعْتُم عَلىُ غَيْرِها، فيقولون: ذلك لأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ
تَجَلَّى لنا، فَنَظَرْنا مِنْه قال: وإِنَّهُ وَاللَّهِ ما أحاطَ به خَلْقِّ، وَلكنَّهُ قَد أراهم مِنْ
عظَمَتِهِ وَجَلالِهِ ما شَاءَ أَنْ يُرِيَهُم قال: فَذْلِكَ قولهم فَنَظَرْنا مِنْه، قال: فَهُم
يَتَقَلَّبُون في مِسْكِ الجَنَّةُ ونَعيِها في كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامِ الصِّعْفَ عَلى مَا كَانوا فيه.
قال رسول الله وَّهَ: فَذَلِكَ قَوْلُه تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنِ جَزاءً بِمَا كَانوا يَعْمَلون﴾(١) [السجدة: ١٧].
ورواه أبو نُعيم في ((صفة الجنة)) من حديث عِصمة بن محمد، حدثنا
موسى بن عقبة، عن أبي صالح، عن أنس شبيهاً به (٢).
(١) عبد الله بن عرادة الشيباني ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، وضعفه غير
واحد، والقاسم بن مطيب، قال ابن حبان: يخطىء عمن يروي على قلة روايته،
فاستحق الترك کما کثر ذلك منه.
(٢) عصمة بن محمد قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال يحيى: كذاب يضع الحديث
وقال العقيلي: حدَّث بالبواطيل عن الثقات، وقال الدار قطني وغيره: متروك، فالسند
باطل .
٣٦٠