Indexed OCR Text

Pages 201-220

سكتات الإمام
وكان له سكتتان، سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة،
واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة. وقيل: إنها بعد القراءة وقبل
الركوع. وقيل: هي سكتتان غير الأولى، فتكون ثلاثاً، والظاهر إنما هي
اثنتان فقط، وأمّا الثالثة، فلطيفة جداً لأجل ترادٌّ النَّفَس، ولم يكن يَصِل
القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح،
والثانية قد قيل: إنها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا: ينبغي تطويلها بقدر
قراءة الفاتحة، وأمّا الثالثة، فللراحة والنفس فقط، وهي سكتة لطيفة، فمن
لم يذكرها، فلقصرها، ومن اعتبرها، جَعَلها سكتةً ثالثة، فلا اختلاف بين
الروايتين، وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث. وقد صح حديث السكتتين،
من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين، ذكر ذلك أبو حاتم في
«صحيحه» وسمرة هو ابن جندب، وقد تبين بذلك أن أحد من روی حدیث
السكنتين سمرة بن جندب وقد قال: حفظتُ من رسول الله وَّة سكتتين: سكتةً
إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)(١).
وفي بعض طرق الحديث: فإذا فرغ من القراءة، سكت وهذا كالمجمل،
واللفظ الأول مفسِّر مبين، ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمَن: للامام
ءِ
سنده صحيح. وأخرج ابن حبان (٤٦٢) من حديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة،
=
عن أبي هريرة قال: كان رسول الله يخ إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته،
وقال: ((آمين)) وحسن إسناده الدارقطني في ((سننه)) ١٢٧/١.
(١) رواه أحمد ٧/٥ و١٥ و٢٠ و٢١ و٢٣، وأبو داود (٧٧٩) والترمذي (٢٥١) وابن
ماجه (٨٤٤) عن الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن الحصين ... والحسن
لم يسمع من سمرة ولا من عمران، فهو منقطع وأخرج أبو داود (٧٧٨) من طريق
أشعث، عن الحسن، عن سمرة أنه ◌ّ كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ
من القراءة كلها، وقال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للامام
أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة وبعد الفراغ من القراءة، وبه يقول أحمد وإسحاق
وأصحابنا.
٢٠١

سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب إذا افتتح الصلاة، وإذا قال:
((ولا الضالين)) على أن تعيين محل السكتتين، إنما هو من تفسير قتادة، فإنه
روى الحديث عن الحسن، عن سمرة قال: سكتتان حفظتهما عن
رسول الله ◌َّيّة، فأنكر ذلك عمران، فقال: حفظناها سكتة، فكتبنا إلى أبيٍّ بن
كعب بالمدينة، فكتب أبي أن قد حفظ سمرة، قال سعيد: فقلنا لقتادة: ما
هاتان السكتتان قال: إذا دخل في الصلاة، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد
ذلك: وإذا قال: ولا الضالين. قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن
يسكت حتى يترادَّ إليه نَفَسُه (١) ومن يحتج بالحسن عن سمرة يحتج بهذا.
فإذا فرغ من الفاتحة، أخذ في سورة غيرِها، وكان يُطيلها تارة،
وَيُخَفِّفُهَا لعارض مِن سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالباً.
قراءته * في الصلاة
وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية، وصلاها بسورة (ق)،
وصلاها بـ (الروم)(٢) وصلاها بـ (إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) وصلاها بـ (إِذَا زُلْزِلَتْ)
في الركعتين كليهما، وصلاها بـ (المعوِّذَتَيْنِ) وكان في السفر وصلاها، فافتتح
بـ (سورة المؤْمِنِين) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى،
أخذته سَعْلَةٌ فركع.
وكان يُصليها يومَ الجمعة بـ (ألم تنزيل السَّجدة) وسورة (هل أتى على
(١) أخرج هذه الرواية الترمذي (٢٥١) وفيها انقطاع كما تقدم.
(٢) روى الإمام أحمد ٤٧٢/٣، والنسائي ١٥٦/٢ عن رجل من أصحاب النبي ◌ُّ: أن
رسول اللّه ◌َيُّ صلَّى بهم الصبحِ فقرأ فيها (الروم) فأوهم، فلما انصرف قال: ((إنه
يلبس علينا القران، فإن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد
منكم الصلاة معنا، فليحسن الوضوء)) وسنده حسن وقال الحافظ ابن كثير بعد أن
ذكره في تفسيره في اخر سورة الروم: وهذا إسناد حسن ومتن حسن، وفيه سر
عجيب ونبأ غريب، وهو أنه مَيّ تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن
صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام.
٢٠٢

الإِنسان) كاملتين، ولم يفعل ما يفعلُه كثيرٌ منِ النَّاس اليوم من قراءة بعض
لهذه وبعض هذه في الركعتين، وقراءة السجدة وحدَها في الركعتين، وهو
خلاف السنة. وأما ما يظنه كثيرٌ مِن الجهال أن صبحَ يوم الجمعة فُضِّلَ
بسجدة، فجهل عظيم، ولهذا كره بعضُ الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا
الظن، وإنما كان ◌َيُ يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدإِ
والمعاد، وخلقِ آدم، ودخولِ الجنَّة والنَّار، وذلك ممّا كان ويكونُ في يومٍ
الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيراً للأمة
بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة
بسورة (ق) و (واقتربت) و (سبِّح) و (الغاشية).
فصل
وأما الظهر، فكان يُطيل قراءتَها أحياناً، حتى قال أبو سعيد: «كانت صلاةٌ
الظهر تُقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله، فيتوضأ،
ويدرك النبي ◌َّ في الركعة الأولى ممّا يطيلُها)) رواه مسلم(١).
وكان يقرأ فيها تارة بقدر (ألم تنزيل) وتارة بـ (سبح اسم ربك الأعلى)(٢)
و (الليل إذا يغشى) وتارة بـ (السماء ذات البروج) و (السماء والطارق).
وأما العصر، فعلى النصف مِن قراءة صلاة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا
قصرت.
وأما المغرب، فكان هديُه فيها خلافَ عمل الناس اليوم، فإنه صلاها مرة
(١) رقم (٤٥٤) في الصلاة: باب القراءة في صلاة الظهر والعصر.
(٢) روى ابن خزيمة في (صحيحه)) (٥١٢) عن أنس بن مالك عن النبي يَّةٍ أنهم كانوا
يسمعون منه النغمة في الظهر (بسبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية)
وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٤٦٩).
٢٠٣

بـ (الأعراف) فرَّقها في الركعتين، ومرة بـ (الطور) ومرة بـ (المرسلات).
قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي مثل أنه قرأ في المغرب بـ (المص)
وأنه قرأ فيها بـ (الصافات) وأنه قرأ فيها بـ (حم الدخان) وأنه قرأ فيها بـ (سبح
اسم ربك الأعلى)(١) وأنه قرأ فيها بـ (التين والزيتون) وأنه قرأ فيها بـ (المعوِّذتين)
وأنه قرأ فيها بـ (المرسلات) وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل(٢). قال: وهي
کلها آثار صحاح مشهورة. انتهى.
وأما المداومة فيها على قراءة قِصار المفصل دائماً، فهو فعلُ مروان بن
الحكم، ولهذا أنكر عليه زيدُ بن ثابت، وقال: مَالَكَ تقرأ في المغرب بقصار
المفصّل؟! وقد رأيتُ رسول الله يَّ يقرأ في المغرب بطولى الطُّوليين. قال:
قلت: وما طُولى الطوليين؟ قال: (الأعراف) وهذا حديث صحيح رواه أهل
السنن(٣).
وذكر النَّسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قرأ في المغرب بسورة
(الأعراف) فرقها في الركعتين (٤).
(١) روى النسائي ١٦٨/٢ عن جابر قال: مرَّ رجل من الأنصار بناضحين على معاذ وهو
يصلي المغرب، فافتتح بسورة البقرة، فصلَّى الرجل، ثم ذهب، فبلغ ذلك
النبي ◌َّر، فقال: أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ؟! ألا قرأت (بسبح اسم ربك الأعلى)
(والشمس وضحاها) ونحوهما، وسنده صحيح، وقراءته بّة بـ (حم الدخان) في
المغرب رواه النسائي ١٦٩/٢ ورجاله ثقات، وسنده حسن.
(٢) المفصل: هو من أول سورة (ق) إلى اخر القران.
(٣) رواه البخاري ٢٠٥/٢: في صفة الصلاة: باب القراءة في المغرب دون تفسير
الطوليين، ورواه أبو داود (٨١٢) في الصلاة: باب قدر القراءة في المغرب،
والنسائي ١٧٠/٢ في افتتاح الصلاة: باب القراءة في المغرب بالمصّ، وسنده
صحیح.
(٤) رواه النسائي ٢/ ١٧٠، وإسناده صحيح.
٢٠٤

فالمحافظة فيها على الآية القصيرة، والسورةِ من قِصار المفُصَّل خلافُ
السنة، وهو فعل مروان بن الحكم.
وأما العشاء الآخرة، فقرأ فيها مخلّهبـ (التين والزيتون) ووقّت لمعاذ فيها
بـ (الشمس وضحاها) و (سبِّح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) ونحوها،
وأنكر عليه قراءتَه فيها بـ (البقرة) بعدما صلَّى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن
عوف، فأعادها لهم بعدما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ بهم بـ (البقرة) ولهذا
قال له: ((أفتان أنت يا معاذ))(١) فتعلق النَّقَّارون بهذه الكلمة، ولم يلتفتوا إلى
ما قبلها ولا ما بعدها.
وأما الجمعةُ، فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و (المنافقين) كَامِلَتَيْنِ
و (سورة سبِّح) و (الغاشية).
وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا ... ) إلى
آخرها، فلم يفعله قطُّ، وهو مخالف لهديه الذي كان يُحافظ عليه.
وأما قراءته في الأعياد، فتارة كان يقرأ سورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين،
وتارة سورتي (سبِّح) و (الغاشية) وهذا هو الهدي الذي استمر ◌ّ عليه إلى أن
لقي الله عز وجل، لم ينسخه شيء.
ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده، فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في
(١) رواه البخاري ٤٢٩/١٠ في الأدب: باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولاً أو
جاهلاً، وفي الجماعة باب: إذا طول الإِمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلَّ، وباب
من شكا إمامه إذا طول، وباب إذا صلَّى ثم أم قوماً، ومسلم (٤٦٥) في الصلاة باب
القراءة في العشاء، وأبو داود (٧٩٠) في الصلاة باب في تخفيف الصلاة، والنسائي
٩٧/٢ و٩٨ في الإمامة: باب خروج الرجل من صلاة الإمام، وابن ماجه (٩٨٦)
في الإقامة باب من أمَّ قوماً فليخفف، وأحمد في ((المسند)) ١٢٤/٣ و٢٩٩ و٣٠٠
و ٣٠٨ و ٣٦٩.
٢٠٥

الفجر بسورة (البقرة) حتى سلَّم منها قريباً من طلوع الشمس، فقالوا: يا خليفة
رسول الله ◌َّ؟ كادت الشمسُ تطلعُ، فقال: لو طلَعت لم تجدنا غافلين.
وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها بـ (يوسف) و (النحل) وبـ (هود)
و (بني إسرائيل) ونحوها من السور، ولو كان تطويلُهُ مَّ منسوخاً لم يخفَ على
خلفائه الراشدين، وَيَطَّلِعْ عليه النَّقَّارون.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في ((صحيحه)) عن جابر بن سَمُرة أن
النبي ◌ََّ كان يقرأ في الفجر (ق والقرآنِ المجيد) وكانت صلاته بعدُ تخفيفاً(١)
فالمراد بقوله ((بعدُ)) أي: بعد الفجر، أي: إنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من
غيرها، وصلاته بعدها تخفيفاً. ويدل على ذلك قولُ أم الفضل وقد سمعت
ابن عباس يقرأ و (المرسلات عرفاً) فقالت: يا بني لقد ذَكَّرْتَنِي بقراءة هذه
السورة، إنها لآخِرُ ما سمعتُ من رسولِ الله ◌ِّل يقرأ بها في المغرب(٢) فهذا في
آخر الأمر.
وأيضاً فإن قوله: وكانت صلاته ((بعدُ)) غايةٌ قد حذف ما هي مضافة إليه،
فلا يجوز إضمارُ ما لا يدل عليه السياقُ، وترك إضمار ما يقتضيه السياقُ،
والسياقُ إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت تخفيفاً، ولا يقتضي أن صلاتَه
كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفاً، هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المرادَ،
لم يخف على خلفائه الراشدين، فيتمسكون بالمنسوخ، ويدعون الناسخ.
وأمّا قولُهُ وَّةَ: ((أَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ))(٣) وقول أنس رضي الله عنه:
معنى «أيكم أمّ فليخفف»
(١). رواه مسلم (٤٥٨) في الصلاة: باب القراءة في الصبح.
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ٧٨/١، والبخاري ٢٠٤/٢، ومسلم (٤٦٢).
(٣) هو طرف من حديث طويل رواه البخاري ١٦٨/٢ في صلاة الجماعة: باب إذا صلَّى
لنفسه فليطول ما شاء، ومسلم (٤٦٧) في الصلاة: باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة
في تمام و ((الموطأ)) ١٣٤/١ في صلاة الجماعة، والترمذي (٢٣٦) في الصلاة: باب
ما جاء إذا أم أحدكم الناس فليخفف، وأبو داود (٧٩٤) في الصلاة: باب في =
٢٠٦

كان رسولُ اللَّهِ بََّ أْخَفَّ النَّاسِ صَلَةً فِي تَمَامِ(١) فالتخفيفُ أمر نسبي يَرْجِعُ إلى
ما فعله النبي ◌َّة، وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه نَّ لم يكن
يأمرهم بأمر، ثم يُخالفه، وقد عَلَمَ أن من ورائه الكبيرَ والضعيفَ وذًا الحاجة،
فالذي فعله هو التخفيفُ الذي أمر به، فإنه كان يُمكن أن تكون صلاتُه أطولَ من
ذلك بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفةٌ بالنسبة إلى أطول منها، وهديُه الذي كان
واظب عليه هو الحاكمُ على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه
النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسولُ الله محّ يأمرنا
بالتخفيف ويؤمُّنا بـ (الصافات)(٢) فالقرءاة بـ (الصافات) من التخفيف الذي كان
يأمر به، والله أعلم.
فصل
وكان ◌َّ لا يُعين سورة في الصلاة بعينها لا يقرأ إلا بها إلا في الجمعة
والعيدين، وأمّا في سائر الصلوات، فقد ذكر أبو داود من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنه قال: مَا منَ المفصَّل سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وقد
سمعتُ رسولَ الله ◌َ يَؤْمُ الناسَ بها في الصَّلاةِ المَكْتُوبة(٣).
عدم تعيينه ** سورة
بعينها
تخفيف الصلاة، والنسائي ٩٤/٢ في الافتتاح باب ما على الامام من التخفيف
=
وأحمد في ((المسند)) ٢٥٦/٢ و٢٧١ و٣١٧ و٣٩٣ و٤٨٦ و٥٠٢ و ٥٣٧ من
حديث أبي هريرة.
(١) رواه البخاري ١٧٠/٢ في الجماعة: باب الايجاز في الصلاة وإكمالها، ومسلم
(٤٦٩) باب الأمر بتخفيف الصلاة في تمام، والترمذي (٢٣٧) في الصلاة باب
ما جاء إذا أم أحدكم الناس فليخفف، والنسائي ٩٤/٢ في الامامة: باب ما على
الامام من التخفيف، وابن ماجه (٩٨٥) في الاقامة: باب منُ أَمَّ قوماً فليخفف،
وأحمد في ((المسند)) ٢٥٥/٣ ولفظه عند مسلم: عن أنس أن رسول الله صلّ: ((كان
من أخف الناس صلاة في تمام)) .
(٢) رواه النسائي ٩٥/٢ في الصلاة: باب الرخصة للامام في التطويل، وإسناده صحيح.
=
(٣) رواه أبو داود (٨١٤) في الصلاة: باب من رأى التخفيف فيها، وإسناده حسن.
٢٠٧

وكان من هديه قراءةَ السورة كاملة، وربما قرأها في الركعتين، وربما قرأ
أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطِها، فلم يُحفظ عنه. وأما قراءةُ
السورتين في ركعة، فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض، فلم يُحفظ عنه.
وأما حديثُ ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأعرف النظائِرَ التي كان رسولُ اللهُِّ
يقرُن بينهن السورتين في الركعة (الرحمن) و (النجم) في ركعة و (اقتربت)
و (الحاقة) في ركعة و (الطور) و (الذرايات) في ركعة و (إذا وقعت) و (ن) في
ركعة (١) الحديث فهذا حكاية فعل لم يُعين محلّه هل كان في الفرض أو في النفل؟
وهو محتمل. وأما قراءةُ سورة واحدة في ركعتين معاً، فقلما كان يفعله. وقد ذكر
أبو داود عن رجل من جُهينة أنه سمع رسول الله قليل يقرأ في الصبح (إذا زلزلت)
في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسيَ رسولُ اللهِ وَّة، أم قرأ ذلك عمداً(٢).
فصل
وكان ◌ََّ يُطيلُ الركعة الأولى على الثانية مِن صلاة الصُّبح ومِن كل صلاة،
وربما كان يُطيلها حتى لا يسمَعَ وْعَ قدمٍ، وكان يُطيل صلاة الصبح أكثرَ مِن سائر
الصلوات، وهذا لأن قرآن الفجر مشهود، يشهده اللَّهُ تعالى وملائكتُه، وقيل:
يشهدُه ملائكةُ الليلِ والنهارِ، والقولان مبنيان على أن النزولَ الإِلّهِي هل يدومُ إلى
انقضاء صلاة الصبح، أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا.
إطالته * الركعة الأولى
على الثانية
تعليل إطالته * صلاة
الصبح
(١) رواه أبو داود (١٣٩٦) في الصلاة: باب تحزيب القرآن وتمامه: و (سأل سائل
والنازعات) في ركعة و (ويل للمطففين وعبس) في ركعة، و (المدثر والمزمل) في
ركعة و (هل أتى ولا أقسم بيوم القيامة) في ركعة و (عم يتساءلون والمرسلات) في
ركعة، و (الدخان وإذا الشمس كورت) في ركعة. وإسناده قوي، وأخرجه البخاري
٢١٥/٢، ومسلم (٧٢٢) من حديث ابن مسعود قال: لقد عرفت النظائر التي كان
رسول الله (43* يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل
ركعة .
(٢) أخرجه أبو داود (٨١٦) في الصلاة: باب من رأى التخفيف فيها، وسنده قوي.
٢٠٨

وأيضاً فإنها لما نقص عددُ ركعاتها، جُعِلَ تطويلُها عوضاً عما نقصته من
العدد .
وأيضاً فإنها تكون عقيبَ النوم، والناس مستريحون.
وأيضاً فإنهم لم يأخذوا بَعْدُ في استقبال المعاش، وأسباب الدنيا.
وأيضاً فإنها تكون في وقت تواطأ فيه السمعُ والِّسان والقلبُ لفراغه وعدم
تمكن الاشتغال فيه، فَيفهمُ القُرآنَ ويتدبره.
وأيضاً فإنها أساس العمل وأولُه، فأُعطيت فضلاً من الاهتمام بها وتطويلها،
وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وَحِكَمِهَا،
والله المستعان.
فصل
وكان رَّه إذا فرغ من القراءة، سكت بقدر ما يترادُ إليه نفسُه، ثم رفع يديه
كما تقدَّم، وكبّر راكعاً، ووضع كفَّيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووثَّر يديه،
فنحاهما عن جنبيه، وبسط ظهره ومدَّه، واعتدل، ولم يَنْصِبْ رأسه، ولم
يخفِضْه، بل یجعلُه حيال ظهره معادِلاً له.
الركوع
وكان يقول: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) (١) وتارة يقول مع ذلك، أو مقتصِراً
(١) رواه مسلم (٧٧٢) في صلاة المسافرين: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة
الليل، والترمذي (٢٦٢) في الصلاة: باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود،
وأبو داود (٨٧١) في الصلاة: باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده. والنسائي
١٩٠/٢ في الصلاة: باب الذكر في الركوع، وابن ماجه (٨٨٨) في الإقامة: باب
التسبيح في الركوع والسجود، وأحمد في ((المسند» ٣٨٢/٥ و٣٨٤ و٣٨٩ و٣٩٤
و ٣٩٧ و٣٩٨ من حديث حذيفة. وقد جاء التقييد بثلاث تسبيحات عن غير واحد
من الصحابة، فأخرجه الدارقطني ٣٤١/١، والطحاوي ٢٣٥/١ عن حذيفة، وعن
جبير بن مطعم، وعبد الله بن أقرم، عند الدارقطني ٣٤٢/١، ٣٤٣، وعن عبد الله بن =
٢٠٩
٧

عليه: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))(١). وكان ركوعُه المعتادُ
مقدارَ عشرٍ تسبيحات، وسجودُه كذلك. وأما حديث البراء بن عازب رضي الله
عنه: رَمَقْتُ الصلاةَ خَلْفَ النبيِنََّ، فكان قيامُه فركوعُه فاعتدالُه فسجدتُه،
فجلستُه ما بين السجدتين قريباً من السواء(٢). فهذا قد فَهِمَ منه بعضُهم أنه كان
يركع بقدر قيامه، ويسجُد بقدره، ويعتدل كذلك. وفي هذا الفهم شيء، لأنه وَّ
كان يقرأ في الصبح بالمائة آية أو نحوها، وقد تقدم أنه قرأ في المغرب
بـ (الأعراف) و (الطور) و (المرسلات) ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن قدر
هذه القراءة، ويدل عليه حديثُ أنس الذي رواه أهل السنن أنه قال: ما صليتُ
وراءَ أحد بعدَ رسول الله ◌َ أشبه صلاة برسول الله صلّ إلا هذا الفتى يعني عمرَ بن
عبد العزيز، قال: فحزرْنَا في ركوعه عشرَ تسبيحات، وفي سجوده عشر
تسبيحات(٣) هذا مع قول أنس أنه كان يؤمهم بـ (الصافات) فمرادُ البراء - والله
أعلم - أن صلاته يل. كانت معتدلة، فكان إذا أطال القيام، أطال الركوع
والسجود، وإذا خفف القيام، خفف الركوعَ والسجود، وتارة يجعلُ الركوع
مسعود عند الترمذي (٢٦١) وأبي داود (٨٨٦) وابن ماجه (٨٩٠)، والدار قطني
=
٣٤٣/١، وعن أبي بكرة عند البزار والطبراني في ((الكبير)) وعن أبي مالك الأشعري
عند الطبراني في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) ١٢٨/٢ فالحديث صحيح.
(١) رواه البخاري ٢٣٣/٢ في صفة الصلاة: باب الدعاء في الركوع، ومسلم (٤٨٤) في
الصلاة: باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (٣٨٧٧ في الصلاة: باب في
الدعاء في الركوع والسجود، والنسائي ١٩٠/٢ في افتتاح الصلاة: باب نوع آخر من
الذكر في الركوع، وابن ماجه (٨٨٩) في الإقامة باب التسبيح في الركوع والسجود،
وأحمد في ((المسند)» ٤٣/٦ و٤٩ و١٠٠ و١٩٠ من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) رواه البخاري ٢٢٨/٢، ومسلم (٤٧١) في الصلاة: باب اعتدال أركان الصلاة
وتخفيفها في تمام.
(٣) رواه أبو داود (٨٨٨) في الصلاة: باب مقدار الركوع والسجود والنسائي ٢٢٥/٢
في افتتاح الصلاة: باب عدد التسبيح في السجود وأخرجه أحمد في ((المسند))
١٦٢/٣ و١٦٣، وفي سنده وهب بن مأنوس لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله
ثقات.
٢١٠

٠٠ ٠٫٫
والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعَلُ ذلك أحياناً في صلاة الليل وحدها، وفعله
أيضاً قريباً من ذلك في صلاة الكسوف، وهديه الغالبُ مَّ تعديلُ الصلاة
و تناسبها .
وكان يقول أيضاً في ركوعه ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوح))(١). وتارة
يقول: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَّكَ سَمْعِي وَبَصَرِي
وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي))(٢). وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.
ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلاً: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمِنْ حَمِدَه))(٣) وَيَرْفَعُ يديه
كما تقدم، وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفساً،
واتفق على روايتها العشرةُ، ولم يُثبت عنه خِلافُ ذلك البتة، بل كان ذلك هديه
دائماً إلى أن فارق الدنيا، ولم يصح عنه حديثُ البراء: ثم لا يعود (٤) بل هي من
الاعتدال
(١) رواه مسلم (٤٨٧) في الصلاة: باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود (٨٧٢)
في الصلاة: باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، والنسائي ١٩١/٢ في افتتاح
الصلاة: باب نوع آخر من الذكر في الركوع، وأحمد في («المسند» ٣٥/٦ و٩٤
و ١١٥ و١٤٨ و ١٤٩ و١٧٦ و ١٩٣ و٢٠٠ و٢٤٤ و٢٦٦.
(٢) رواه مسلم (٧٧١) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل من حديث علي
رضي الله عنه.
(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن
عمر، ومالك بن الحويرث.
(٤) أخرجه أبو داود (٧٤٩) و (٧٥٠) في الصلاة: باب من لم يذكر الرفع عند الركوع
من حديث يزيد بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء أن رسول الله ◌ِّد.
كان إذا افتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود. ويزيد بن أبي زياد
ضعيف كبر فتغير فصار يتلقن، وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه أبو داود (٧٤٨)
والترمذي (٢٥٧) والنسائي ١٩٥/٢، وأحمد ٤٤٢/١ قال: ((ألا أصلي بكم صلاة
رسول الله وَّة. قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة)) ورجال إسناده ثقات، وقد أعل
بأمور انظرها مفصلة في ((نصب الراية)) ٣٩٤/١، ٣٩٧، وانظر فيه أيضاً ٣٩٧/١،
٤٠١ تفصيل المسائل التي يقوم بها ابن مسعود، وخالفه فيها غيره.
٢١١

زيادة يزيد بن زياد. فليس تركُ ابنِ مسعود الرفعَ ممّا يُقدَّم على هديه المعلوم، فقد
تُركَ من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء ليس مُعَارِضُها مقارباً ولا مدانياً للرفع،
فقد ترك مِنْ فعله التطبيق والافتراش في السجود، ووقوفه إماماً بين الاثنين في
وسطهما دون التقدُّم عليهما، وصلاته الفرض في البيت بأصحابه بغير أذان ولا
إقامة لأجل تأخير الأمراء، وأين الأحاديثُ في خلاف ذلك من الأحاديث التي في
الرفع كثرةً وصحةً وصراحةً وعملاً، وبالله التوفيق ..
وكان دائماً يُقيم صُلبه إذا رفع من الركوع، وبينَ السجدتين، ويقول ((لاَ
تُجْزِىءُ صَلاَةٌ لاَ يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ صُلْبَهُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)) ذكره ابن خزيمة في
«صحیحە))(١).
وكان إذا استوى قائماً، قال: ((رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) وربما قال: ((رَبَّنَا لَكَ
الْحَمْدُ)) وربما قال: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لك الْحَمْدُ)) صح ذلك عنه. وأما الجمع بين
((اللَّهُمَّ)) و ((الواو)» فلم يصح(٢).
وكان من هديه إطالةُ هذا الركن بقدر الركوع والسجود، فصح عنه أنه كان
يقول: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمِنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ
الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثََّاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ .-
(١) رواه ابن خزيمة (٥٩١) و (٥٩٢) و (٦٦٦) وإسناده صحيح، ورواه الترمذي (٢٦٥)
وأبو داود (٨٥٥) والنسائي ١٨٣/٢ في الافتتاح: باب إقامة الصلب في الركوع،
وابن ماجه (٨٧٠)، وأحمد ١١٩/٤ و١٢٢، كلهم من حديث أبي مسعود وصححه
ابن حبان (٥٠١) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) بل قد صح ذلك وهو في ((صحيح البخاري)) ٢٣٤/٢ في الصلاة: باب ما يقول
الإِمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع، والنسائي ١٩٥/٢ قال: كان النبي وقال:
إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) وفي الباب عن أبي
سعيد الخدري عند ابن ماجه (٨٧٧) وعن ابن عمر عند الدارمي ١/ ٣٠٠، وعن أبي
موسى الأشعري عند النسائي.
٢١٢

وَكُلُنَا لَكَ عَبْدٌ -: لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ
مِنْكَ الجَدُّ)) (١).
وصح عنه أنه كان يقول فيه: ((اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ
وَالبَرَدِ، وَنَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ
(رو
بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ))(٢).
وصح عنه أنه كرر فيه قوله: ((لِرَبِّيَ الْحَمْدُ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ))(٣) حتى كان بقدر
الركوع.
وصحّ عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل: قد
نسِيَ من إِطَالَتِه لهذا الرُّكن. وذكر مسلم عن أنس رضيَ اللَّهُ عنه: كان
رسولُ اللهَ يََّ إذا قال: سَمِعَ اللَّهُ لِمِنْ حَمِدَه، قام حتى نقول: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ
-
(١) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (٤٧٧) في الصلاة: باب ما يقول إذا رفع
رأسه في الركوع، والنسائي ١٩٨/٣ في الافتتاح: باب ما يقول في قيامه من
الركوع، وأبو داود (٨٤٧) في الصلاة: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع،
ورواه أيضاً مسلم (٤٧٨) في الصلاة: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع من
حديث عبد الله بن عباس، ورواه ابن ماجه (٨٧٩) في الإقامة: باب ما يقول إذا رفع
رأسه من الركوع من حديث أبي جحيفة.
(٢) رواه مسلم (٤٧٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى في الصلاة: باب ما يقول إذا رفع
رأسه من الركوع، ولفظه: كان النبي ◌ّ يقول: ((اللهم لك الحمد ملء السماء وملء
الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد،
اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ)) وزيادة («باعد
بيني وبين خطاياي ... )) لم ترد فيه، وإنما جاءت في دعاء الاستفتاح كما تقدَّم،
وفي الدعوات المطلقة انظر البخاري ١٥١/١١، ومسلم (٥٨٩).
(٣) رواه أبو داود (٨٧٤) في الصلاة: باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده،
والنسائي ١٩٩/٢، ٢٠٠ في الافتتاح: باب ما يقول في قيامه من الركوع، وأحمد
في ((المسند)) ٣٩٨/٥ من حديث حذيفة، وإسناده صحيح.
٢١٣
لم (مم)
جازه الدعاء
16
مها
الموه

يسجُدُ، ثم يَقْعُدُ بين السجدتين حتى نقولَ: قد أوهم(١).
وصح عنه في صلاة الگُسوف أنه أطال هذا الركنَ بعد الركوع حتى كان قريباً
من رکوعه، وکان رکوعُه قریباً من قيامه.
فهذا هديُّه المعلوم الذي لا مُعارض له بوجه.
وأما حديثُ البراء بن عازب: كان ركوعُ رسول الله صلَّ وسجودُه وبينَ
السجدتين، وإذا رَفَعَ رأسه من الركوع - ما خلا القيامَ والقعُودَ - قريباً مِنَ
السواء. رواه البخاري(٢) فقد تشبّث به مَن ظن تقصيرَ لهذين الركنين، ولا متعلق
له، فإن الحديث مصرّح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان، فلو
كان القيامُ والقعود المستَثْنَيْنِ هو القيامَ بعد الركوع والقعودَ بين السجدتين،
الناقض الحديثُ الواحد بعضه بعضاً، فتعيَّن قطعاً أن يكون المرادُ بالقيام والقعود
قيامَ القراءة، وقعود التشهد، ولهذا كان هديُه ◌َّ فيهما إطالَتهما على سائر
الأركان كما تقدم بيانه، وهذا بحمد الله واضح، وهُو مما خفي من هدي
رسولِ اللهِ وَّر في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه.
قال شيخنا: وتقصيرُ هذين الركنين مما تصرَّف فيه أمراءُ بني أمية في
الصلاة، وأحدثُوه فيها، كما أحدثوا فيها تركَ إتمام التكبير، وكما أحدثوا التأخيرَ
(١) رواه مسلم (٤٧٣) في الصلاة: باب اعتدال أركان الصلاة، وأبو داود (٥٥٣) في
الصلاة: باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين، وأحمد في ((المسند))
٢٤٧/٣.
(٢) البخاري ٢٢٨/٢ في صفة الصلاة: باب استواء الظهر في الركوع، وباب الاطمئنان
حين يرفع رأسه من الركوع، وباب المكث بين السجدتين، ومسلم (٤٧١) في
الصلاة باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، والترمذي (٢٧٩) في الصلاة:
باب ما جاء في إقامة الصلب، وإذا رفع رأسه من الركوع، وأبو داود (٨٥٤) في
الصلاة: باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين، والنسائي ١٩٧/٢، ١٩٨ في
الافتتاح: باب قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود.
٢١٤

﴿ُ ورُبِّيَ في ذلك مَنْ رُبِّي حتى
صَلى الله
الشديد، وكما أحدثوا غيرَ ذلك مما يُخالف هديَه
ظن أنه من السنة .
فصل
ثم کان یُكبِّر ویخِرُّ ساجداً، ولا يرفع يديه(١) وقد روي عنه أنه كان يرفعهما
أيضاً(٢)، وصححه بعضُ الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله، وهو وهم، فلا
يَصِحُّ ذلك عنه البتة، والذي غرَّه أن الراويَ غلط من قوله: كان يُكبر في كل
خفض ورفع إلى قوله: كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع، وهو ثقة ولم يفطن
لسبب غلط الراوي ووهمه، فصححه. والله أعلم.
السجود
وكان ◌َّ يَضَعُ رُكبتیه قبل يديه، ثمَّ يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفَه، هذا هو
الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر : رأيتُ
رسول الله ټ﴾ إذا سجد، وضع رکبتیه قبل یدیه، وإذا نهض، رفع يديه قبل ركبتيه(٣)،
مبحث في ترجيح وضع
الركبتين قبل اليدين
(١) روى البخاري ١٨٣/٢، ١٨٤ عن ابن عمر قال: رأيتُ النبي ◌ِّ افتتح التكبير في
الصلاة، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، فعل
مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثله، وقال: ربنا ولك الحمد، ولا
يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٢٣) وأحمد ٣١٧/٤، وفيه ((ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه،
وإذا رفع رأسه من السجود أيضاً رفع يديه ... )) وسنده صحيح. وجاء في ((بدائع
الفوائد)» ٨٩/٤ للمؤلف رحمه الله: ونقل عنه (أي عن الإمام أحمد) الأثرم وقد سئل
عن رفع اليدين؟ فقال: في كل خفض ورفع، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يرفع
يديه في الصلاة في کل خفض ورفع.
(٣) رواه أبو داود (٨٣٨) في الصلاة: باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، والترمذي
(٢٦٨) في الصلاة: باب وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، والنسائي ٢/ ٢٠٧
في افتتاح الصلاة، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، وابن
ماجه (٨٨٢) في الصلاة باب السجود، وابن حبان (٤٨٧) كلهم من طريق شريك بن
عبد الله النخعي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وشريك صدوق =
٢١٥

ولم يُرو في فِعله ما يُخَالِفُ ذلك(١).
شرح بروك البعير
وأما حديثُ أبي هريرة يرفعه ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلاَ يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ،
وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ))(٢) فالحديث -- والله أعلم - قد وقع فيه وهم من بعض
ولكنه يخطىء كثيراً. وقد تابع شريكاً همام عن عاصم عن أبيه مرسلاً، وروى
=
الدار قطني والحاكم ٢٢٦/١ والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن عاصم الأحول
عن أنس: ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه، قال البيهقي: تفرد به العلاء بن
إسماعيل العطار: وهو مجهول. وقال الترمذي عن حديث شريك: هذا حديث
غريب حسن لا نعرف أحداً رواه غير شريك، والعمل عليه عنه أكثر أهل العلم،
یرون أن الرجل يضع ر کیتیه قبل یدیه.
(١) بل ثبت ذلك فيما رواه الحاكم في ((مستدركه)) ٢٢٦/١ وغيره عن ابن عمر أنه كان
يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي ◌َّ يفعل ذلك، وقال: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الحاكم: فأما القلب في
هذا، فإنه إلى حديث ابن عمر أميل لروايات في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين.
(٢) رواه أبو داود (٨٤٠) في الصلاة: باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، والنسائي
٢٠٧/٢ في افتتاح الصلاة: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده،
وأحمد في ((المسند)) ٣٨١/٢، وإسناده صحيح. وقد اختلف العلماء في هذا الوضع
اختلافاً كثيراً، فمال الأوزاعي ومالك إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين وهو
رواية عن أحمد كما في ((المغني)) ٥١٤/١ لابن قدامة وهو قول كثير من المحدثين،
وقد ثبت من فعل ابن عمر، وأخبر أن النبي ◌َّ كان يفعله، فقد قال البخاري في
((صحیحه)) ٢٤١/٢. وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه، وقد وصله ابن
خزيمة (٦٢٧) والحاكم ٢٢٦/١، والبيهقي ١٠٠/٢ وغيرهم من طريق عبد العزيز
الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه. وإسناده صحيح، ومذهب
الشافعي: أنه يستحب أن يقدم في السجود الركبتين، ثم اليدين ... قال الترمذي
والخطابي، وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء،
وحكاه ابن المنذر عن عمر، والنخعي، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، وأحمد،
وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: وبه أقول.
وقال العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الترمذي ٥٨/٢، ٥٩:
والظاهر من أقوال العلماء في تعليل الحديثين أن حديث أبي هريرة هذا حديث =
٢١٦

الرواة، فإن أوَّله يُخالف آخره، فإنه إذا وَضَع يديه قبل ركبتيه، فقد بَرَكَ كما يبرُك
البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولاً، ولما علم أصحابُ هذا القول ذلك، قالوا:
ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه، فهو إذا برك، وضع ركبتيه أولاً، فهذا هو
المنهي عنه، وهو فاسد لوجوه.
أحدها: أن البعير إذا برك، فإنه يضع يديه أولاً، وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا
نهض، فإنه ينهض برجليه أولاً، وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى
عنه بََّ، وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقربُ منها فالأقربُ،
وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.
وکان یضع رکبتیه أولاً، ثم یدیه، ثم جبهته. وإذا رفع، رفع رأسه أولاً، ثم
يديه، ثم ركبتيه، وهذا عكسُ فعل البعير، وهو ◌َّ نهى في الصلاة عن التشبه
بالحيوانات، فنهى عن بُروك كبُروكِ البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش
كافتراش السَّبُع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب(١) ورفع الأيدي وقت
صحيح، وهو أصح من حديث وائل، وهو حديث قولي يرجح على الحديث الفعلي
=
على ما هو الأرجح عند الأصوليين، وانظر ((فتح الباري)) ٢٤١/٢، و«تحفة
الأحوذي)) ١٣٤/٢، ١٤٠ و((سبل السلام)) ٢٦٣/١، ٢٦٥ والترمذي بتحقيق أحمد
شاكر ٥٨/٢، ٥٩، و((شرح المهذب)) ٣٩٣/٣، ٣٩٥ للنووي.
(١) أخرج أبو داود (٨٦٢) وابن ماجه (١٤٢٩) والنسائي ٢١٤/٢، والدارمي ٣٠٣/١
وأحمد في ((المسند)) ٤٢٨/٣ و٤٤٤ من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى
رسول الله * عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في
المسجد كما يوطن البعير، وفي سنده تميم بن محمود وهو لين الحديث، وباقي
رجاله ثقات، وله شاهد من حديث أبي سلمة عند أحمد ٤٤٧/٥، وفي سنده
مجهولان وباقي رجاله ثقات، فلعله يتقوى به. وأخرج أحمد ٢٦٥/٢ و٣١١ من
حديث أبي هريرة قال: ((أوصاني خليلي بثلاث، ونهاني عن ثلاث: نهاني عن نقرة
كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب)) وحسن إسناده
المنذري. وروى البخاري ٢٤٩/٢، ومسلم (٤٩٣) وأبو داود (٨٩٧) والترمذي
(٢٧٦) من حديث أنس قال: قال رسول الله مح لل: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط =
٢١٧

السلام كأذناب الخيل الشُّمْس(١)، فهذيُ المصلي مخالفٌ لهدي الحيوانات.
الثاني: أن قولهم: رُكبتا البعير في يديه كلام لا يُعقل، ولا يعرفه أهل
اللغة (٢) وإنما الركبة في الرجلين، وإن أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة،
فعلى سبيل التغليب.
الثالث: أنه لو كان كما قالوه، لقال: فليبرُك كما يبرك البعير، وإن أول
ما يمسُّ الأرضَ من البعير يداه. وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمل بُروك البعير، وعلم
أن النبي ◌َّ نهى عن بُروك كبروك البعير، علم أن حديث وائل بن حُجر هو
الصواب، والله أعلم.
وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا ممّا انقلب على بعض
الرواة متنُه وأصلُه، ولعله: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) كما انقلب على بعضهم
حديثُ ابن عمر ((إِنَّ بِلاَلاَ يُؤَذِّنُ بليل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ
مكتوم)). فقال: ((ابنُ أُمِّ مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يُؤذِّنَ
=
أحدكم ذارعيه انبساط الكلب)).
(١) أخرجه مسلم (٤٣٠) في الصلاة: باب الأمر بالسكون في الصلاة، والنسائي ٥/٣
في السهو من حديث جابر بن سمرة.
(٢) بل عرفه غير واحد، ففي ((لسان العرب)) مادة: ركب: وركبة البعير في يده ... وكل
ذي أربع ركبتاه في يديه، وجاء في ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٤/١ للطحاوي في
معرض تثبيت الحديث وتصحيحه ونفي الإحالة منه أن البعير ركبتاه في يديه،
وكذلك في سائر البهائم، وبنو آدم ليسوا كذلك، فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين
في رجليه، كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ، فيضع أولاً يديه
اللتين ليس فيهما ركبتان، ثم يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل
البعير. وروى الإمام قاسم بن ثابت السرقسطي في ((غريب الحديث)) ٢/ ٧٠ بسند
صحيح عن أبي هريرة أنه قال: لا يبرك أحد بروك البعير الشارد. قال الإمام: هذا
في السجود، يقول: لا يرم بنفسه معاً، كما يفعل البعير الشارد غير المطمئن
المواتر، ولکن ینحط مطمئناً يضع يديه، ثم ركبتيه، وقد روي في هذا حديث مرفوع
مفسر وذكر الحديث ...
٢١٨

بِلال))(١). وكما انقلب على بعضهم حديثُ ((لاَ يَزَالُ يلقى في النَّارِ، فَتَقُولُ:
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ... إلى أن قال: ((وَأَمَّا الجَنَّةُ فَيُنْشِىءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً يُسْكِنُهُم
إِيَّاهَا))(٢) فقال: ((وَأَمَّا النَّار فينشىءُ الله لها خلقاً يُسكنهم إِيَّها)) حتى رأيتُ أبا
بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك، فقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل،
عن عبد الله بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((إِذَا
سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلاَ يَبْرُكْ كَبُرُوكِ الفَحْلِ))(٣) ورواه
الأثرم في سننه)) أيضاً عن أبي بكر كذلك. وقد روي عن أبي هريرة عن
النبي ◌ََّ ما يُصدِّق ذلك، ويُوافق حديثَ وائل بن حُجر. قال ابن أبي داود:
حدثنا يُوسُف بن عدي، حدثنا ابن فضيل هو محمد، عن عبد الله بن سعيد،
عن جدِّه، عن أبي هريرة أن النبي ◌ّ﴾. كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه.
وقد روى ابن خزيمة في «صحيحه)) من حديث مُصعب بن سعد، عن
أبيه قال: كنا نضعُ اليدين قبل الركبتين، فَأُمرنا بالرُّكبتين قبل اليدين(٤) وعلى
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٨/٢: وادعى ابن عبد البر وجماعة من الأئمة بأن الحديث
مقلوب، وأن الصواب حديث الباب (يريد حديث إن بلالاً يؤذن بليل ... ) وقد كنت
أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في «صحيح ابن خزيمة)) (٤٠٨) من طريقين
آخرين عن عائشة وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه، وهو قوله ((إذا أذن
عمرو، فإنه ضرير البصر، فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد ... )) وانظر
تمام كلامه فيه.
(٢) أخرج الحديث البخاري في ((صحيحه)) ٤٥٦/٨، و٣١٤/١٣، ومسلم (٢٨٤٦)
(٣٦) من حديث أبي هريرة، وأما الرواية الثانية المقلوبة، فقد أخرجها البخاري
٣٦٦/١٣، ٣٦٧. قال أبو الحسن القابسي: المعروف في هذا الموضع أن الله ينشىء
للجنة خلقاً، وأما النار، فيضع فيها قدمه، قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث
أنه ينشىء للنار خلقاً إلا هذا.
(٣) عبد الله بن سعيد هو المقبري وهو متروك، وأخرج الرواية الثانية البيهقي في ((سننه))
١٠٠/٢، وفيها عبد الله بن سعيد أيضاً فلا حجة فيهما لضعفهما.
(٤) هو في ((صحيح ابن خزيمة)) (٦٢٨)، وفي سنده إسماعيل بن يحيى بن سلمة وهو =
٢١٩

هذا فإن كان حديثُ أبي هريرة محفوظاً، فإنه منسوخ، وهذه طريقةُ صاحب
((المغني)) وغيره، ولكنْ للحديث علتان.
إحداهما: أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وليس ممن يُحتج
به، قال النَّسائي: متروك. وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً لا يُحتج به،
وقال ابن معين: ليس بشيء.
الثانية: أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه هذا إنما هو
قصةُ التطبيق، وقول سعد: كنا نصنع هذا، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب.
وأما قول صاحب ((المغني)) عن أبي سعيد قال: كنا نضع اليدين قبل
الركبتين، فَأُمِرْنَا أن نضع الركبتين قبل اليدين، فهذا - والله أعلم - وهم في
الاسم، وإنما هو عن سعد، وهو أيضاً وهم في المتن كما تقدم، وإنما هو
في قصة التطبيق، والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة المتقدم، فقد علله البخاري، والترمذي،
والدار قطني. قال البخاري: محمد بن عبد الله بن حسن لا يُتابع عليه، وقال:
لا أدري أَسَمِعَ من أبي الزناد، أم لا .
وقال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا
الوجه .
وقال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز الدراوردي، عن محمد بن
عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد، وقد ذكر النسائي عن قتيبة، حدثنا
عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد،
=
متروك كما قال الحافظ في ((التقريب)) وابنه إبراهيم ضعيف رواه البيهقي ٢/ ١٠٠ قال
الحافظ في ((الفتح)) ٢٤١/٢: وادعى ابن خزيمة أن حديث أبي هريرة منسوخ
بحديث سعد هذا، ولو صح لكان قاطعاً للنزاع، لكنه من أفراد إبراهيم بن
إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان.
٢٢٠