Indexed OCR Text
Pages 181-200
باب
ما جاء في همه بأن يكتب لأصحابه كتاباً حين اشتد به الوجع يوم
الخميس ، ثم بدا له اعتماداً على ما وعده الله - تعالى - من حفظ ديئه ،
وإظهار أمره [ *](١)
حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ ، قال : أخبرنا أبو سعيد
أحمد بن محمد بن زيادٍ البصريّ بمكة ، قال : حدثنا الحسنُ بن محمد
الزعفراني ، قال : حدثنا سُفيان بن عُيَيْنة ، عن سليمان بن أبي مسلمٍ ، قال :
سمعتُ سعيد بن جُبير ، يقول : سمعتُ ابن عباس يقول :
(ح ) : وأخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمدٌ بن عبيدٍ
الصفار ، قال : حدثنا اسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال : حدثنا عليٍّ بن
المدينيّ ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعتُ سليمان يذكرُ عن سعيد بن جُبير
قال : قال ابن عباس : يوم الخميس .. وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلَّ دمعه
الحصى . قال : قلتُ يا أبا عباس ، وما يوم الخميس ، قال(٢): اشتدَّ برسول
الله ◌َّه وجعه قال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً.
قال : فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيِّ تنازع(٣) - فقالوا ما شأنه؟ أَهْجَرَ،
استفهموه . قال : فذهبوا يعيدون عليه . قال : دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ مما
(١) من ( ح ) فقط .
(٢) في (ف): (( ثم بكى وقال)) .
(٣) في البخاري: ((نزاع)).
١٨١
تدعونني إليه (٤). قال : وأوصاهم عند موته بثلاث فقال :
أَخْرِجُوا المشركين من جزيرة العرب(٥)، وأجيزوا الوفد(٦) بنحوٍ مما كنتُ
أجيزهم . قال : وَسَكَتَ عن الثالثة . أو قالها، فنسيتُها(٧) . هذا لفظُ حديث
عليّ بن المديني ، وهو أتمّ زاد عليّ : قال سفيان إنما زعموا أراد أن يكتب فيها
استخلاف أبي بكر .
رواه البخاري ومسلم في الصحيح ، عن قُتّيبة ، وغيره عن سفيان(٨).
(٤) ( الذي أنا فيه خير ) : معناه : دعوني من النزاع واللفظ الذي شرعتم فيه ، فالذي أنا فيه من مراقبة
الله تعالى والتأهب للقائه ، والفكر في ذلك ونحوه أفضل مما أنتم فيه .
(٥) ( جزيرة العرب ) قال أبو عبيد: قال الأصمعي : جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف
العراق في الطول وأما في العرض فمن جدة وما والاها إلى أطراف الشام . وقال أبو عبيدة : هي ما
بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول ، وأما في العرض فما بين رمل ببرين الى منقطع
السماوة . قالوا : وسميت جزيرة لاحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة . وأصل
الجزر، في اللغة ، القطع . وأضيفت إِلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام
وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم .
(٦) (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) قال العلماء: هذا أمر منه وصلة بإجازة الوفود وضيافتهم
وإكرامهم تطييباً لنفوسهم وترغيباً لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم ، وإِعانة لهم على سفرهم .
(٧) ( وسكت عن الثالثة ، أو قالها فأنسيتها ) الساكت هو ابن عباس والناسي هو سعيد بن جبير ، قال
المهلب : الثالثة هي تجهيز جيش أسامة رضي الله عنه .
(٨) أخرجه البخاري في : ٦٤ - كتاب المغازي (٨٣) باب مرض رسول الله (43 ووفاته ، الحديث
(٤٤٣١)، فتح الباري (٨ : ١٣٢ ) .
وأخرجه مسلم في: ٢٥ - كتاب الوصية، (٥) باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصى فيه.
الحديث (٢٠)، ص (٣ : ١٢٥٧ ) .
قال النووي : ( فقال اثتوني أكتب لكم كتاباً .. ) أعلم أن النبي صل معصوم من الكذب ، ومن تغيير
شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه . ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما
أوجب الله عليه تبليغه . وليس معصوماً من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها ، مما لا
نقص فيه لمنزلته ، ولا فساد لما تمهد من شريعته . وقد سحر 3* حتى صار يخيل إليه أنه فعل =
١٨٢
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عليٍّ
الصنعاني ، قال : حدثنا اسحاق بن إبراهيم بن عبادٍ ، قال : أخبرنا عبدُ
الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن
ابن عباسٍ ، قال: لما حُضِرَ رسول اللّهَ بِ ئٌ، وفي البيت رجالٌ فيهم عُمْرُ بن
الخطاب، فقال النبيُّ بِيّةُ: هلموا أكتب لكم كتاباً لَنْ تضلوا بعده أبداً ؛ فقال
عمر : إنَّ رسول اللّه ◌ُلَ قَدْ غَلَبَ عليه الوَجَعُ وعندكم القرآنُ ، حسبنا كتابُ
= الشيء ولم يكن فعله ، ولم يصدر منه ـ في هذا الحال كلام في الاحكام مخالف لما سبق من
الأحكام التي قررها. فإذا علمت ما ذكرناه فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي 18 به
فقيل : أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع وفتن وقيل : أراد كتاباً يبين فيه
مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها ويحصل الانفاق على المنصوص عليه، وكان النبي 48
همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة . أو أوحى إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه . أو أوحى إليه
بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول . وأما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح
الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره . لأنه خشي أن يكتب 8# أموراً ربما
عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها . فقال عمر : حسبنا كتاب
اللّه، لقوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء ، وقوله : اليوم أكملت لكم دينكم ، فعلم أن الله
تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة ، وأراد الترفيه على رسول الله # فكان عمر أفقه من ابن
عباس وموافقيه .
قال الخطابي : ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله 83# أو ظن به غير
ذلك مما لا يليق به بحال . لكنه لما رأى ما غلب على رسول اللّه 24 من الوجع وقرب الوفاة ، مع ما
اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقول المريض مما لا عزيمة فيه ، فيجد المنافقون
بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين ، وقد كان أصحابه 48* يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها.
بتحتيم ، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف ، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش
فأما إذا أمر النبي (8# بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم وقال القاضي عياض : قوله :
أهجر رسول الله ، هكذا هو في صحيح مسلم وغيره : أهجر؟ على الاستفهام وهو أصح من رواية
من روى : هجر يهجر: لأن هذا كله لا يصح منه 45# لأن معنى هجر هذي . وإنما جاء هذا من قائله
استفهاماً للإنكار على من قال: لا تكتبوا أي لا تتركوا أمر رسول الله # وتجعلوه كأمر من هجر في
كلامه لأنه وصل* لا يهجر. وقول عمر رضي الله عنه: حسبنا كتاب الله، ردّ على من نازعه، لا على
أمر النبي بلية .
١٨٣
اللّه، فاختلف أهلُ البيت ، واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتبُ لكم
رسول اللّه بشير، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند
رسول اللّه الشهير، قال النبيُّ صلة: قوموا.
قال عبد الله : فكان ابن عباس يقول : إن الرزية ، كل الرزية ما حالٌ بين
رسول اللّه وه ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم، ولغطهم.
رواه البخاري في الصحيح .
عن علي بن المديني ، وغيره ، ورواه مسلم ، عن مُحمدٍ بن رافع
وغيره . عن عبد الرّزاق(٩) .
وإِنما قصد عمرُ بن الخطاب ( رضي الله عنه) بما قال التخفيف على
رسول اللّه بي حين رآه، قد غلب عليه الوجع، ولو كان ما يُريدُ النبيِّ ◌َ أن
يَكْتُبَ لهم شيئاً مفروضاً، لا يستغنونَ عنه. لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول
اللّه عزَّ وجل ((بلِّغْ ما أنزل إليك من ربِّك))(١٠) كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة
من خالفه ، ومعاداة من عاداه ، وإِنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل
العلم قبله ، أن يكتب استخلاف أبي بكرٍ . ثم ترك كِتْبتَه اعتماداً على ما علم
من تقدير الله تعالى، ذلك كما هم به في ابتداء مرضه حين قال : وارأساه ، ثم
بدا له أن لا يكتبُ ، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكرٍ، ثم نبّه أمته على
خلافته ، باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها ، وإن كان المراد به
(٩) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي (٨٣) باب مرض رسول الله (83 ووفاته ، الحديث
(٤٤٣٢) فتح الباري (٨: ١٣٢ ).
وأخرجه مسلم في : ٢٥ - كتاب الوصية ، (٥) باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ،
الحديث (٢٢)، ص (٣ : ١٢٥٩).
(١٠) من الآية الكريمة (٦٧) من سورة المائدة .
١٨٤
رفع الخلاف في الدين ، فإِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علم أنَّ الله تعالى
قد أكمل دينه بقوله : ﴿اليومَ أكملتُ لكمُ دينكُم .. ﴾(١١) وعلم أنه لا تحدث
واقعة إلى يوم القيامة، إلا وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَّيل بيانها نصاً أو
دلالة .
وفي نصّ رسول الله مَّ على جميع ذلك في مرض موته ، مع شدَّة
وعكه ، مما يشق عليه ، فرأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاقتصار على ما
سبق بيانه نصاً، أو دلالة، تخفيفاً على رسول اللّه وَلهم ، ولكي لا تزول فضيلة
أهل العلم بالاجتهاد في الاستنباط ، وإلحاق الفروع بالأصول ، بما دل الكتاب
والسنة عليه. وفيما سبق من قوله ﴿ ﴿إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب، فله
أجران . وإِذا اجتهد فأخطأ ؛ فله أجرٌ واحد ](١٢) دليلٌ على أنَّه وكلّ بيان بعض
الأحكام إلى اجتهاد العلماء ، وأنه أحْرز من أصاب منهم الأجرين الموعودين ،
أحدهما بالاجتهاد، والآخر بإصابة العين المطلوبة بما عليها من الدلالة في
الكتاب أو السنة ، وإِنه أحرز من اجتهد ، فأخطأ أجراً واحداً باجتهاده ، ورفع
اثم الخطأ عنه ، وذلك في أحكام الشريعة التي لم يأت بيانها نصاً ، وإِنما وَرَدَ
خفياً .
فأما مسائل الأصول، فقد وَرَد بيانها جلياً، فلا عُذر لمن خالف بيانَهُ لما
فيه من فضيلة العلماء بالاجتهاد ، وإلحاق الفروع بالأصول بالدلالة، مع طلب
التخفيف على صاحب الشريعة، وفي تَرْك رسول اللّه وَ لّ الإِنكار عليه فيما قال
دليلٌ واضحٌ على استِصْوابِهِ رأيه ، وبالله التوفيق .
(١١) الآية الكريمة (٣) من سورة المائدة .
(١٢) أخرجه البخاري في: ٩٦ - كتاب الاعتصام بالسنة (٢١) باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو
اخطأ ، الحديث (٧٣٥٢) فتح الباري (١٣ : ٣١٨).
وأخرجه مسلم في: ٣٠ - كتاب الأقفية (٦) باب بيان اجر الحاكم اذا اجتهد ، الحديث (١٥)،
ص (٣ : ١٣٤٢) وغيرهما .
١٨٥
باب
ما جاء في أمره ، حين اشتد به المرض - أبا بكر الصديق رضي الله
عنه أن يصلي بالناس
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب ، قال : أخبرنا أبو بكرٍ أحمد
ابن إبراهيم الاسماعيليُّ ، قال : أخبرنا الحسن بن سفيان ، قال : حدثنا أبو
سعيدٍ يحيى بن سليمان الجعفي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرنا
يونس ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد اللّه عن أبيه ، قال :
لما اشتد برسول الله وَّ وجعُه قال: مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس .
فقالت عائشة : يا رسول اللّه إنّ أبا بكر رجلٌ رقيقٌ ، إذا قام مقامك ، لم
يسمع الناس من البكاء ، فقال : مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس ؛ فعاودته مثل
مقالتها. فقال : أنتُنّ صويحبات يوسف ، مُرُوا أبا بكرٍ فليصلّ بالناس .
قال ابن شهاب : وأخبرني عُبيدُ الله بن عبد اللّه، عن عائشة ، أنها قالت:
لقد عاودت رسول اللّه وَّ ذلك. وما حملني على معاودته إلا أني خشيتُ أن
يتشاءم الناسُ بأبي بكرٍ ، [ وإلا أني علمتُ أنه لن يقوم مقامه أحدٌ إلا تشاءم
الناسُ به ](١)؛ فأحببتُ أن يعدل ذلك رسول الله وَّ عن ابي بكرٍ.
رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن سليمان(٢).
(١) هذه العبارة ما بين الحاصرتين مكرر في (ف)، وليست موجودة في (أ) و(ك) و(ح ).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة ، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة عن يحيى بن سليمان ، =
١٨٦
أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه ، قال : أخبرنا أبو بكر
محمد بن الحسين القطان ، قال : حدثنا أحمدُ بن يوسف السُّلَمي قال : حدثنا
عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمرٌ عن الزهري ، قال : وأخبرني حمزة بن عبد الله
ابن عمر ، عن عائشة ، قالت :
لما دخل رسول الله ﴿ل بيتي قال: مروا أبا بكرٍ فليصلَّ بالناس . قالت :
قلتُ : يا رسول الله إنّ أبا بكرٍ رجلٌ رقيقٌ . إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه . فلو
أمرت غير أبي بكرٍ ، قالت : والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من
يقوم في مقام رسول اللّه لَّله. قالت: فراجعته مرتين، أو ثلاثاً، فقال: ليصلِ
بالناس أبو بكر . فإِنكنّ صواحب يوسف .
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع ، وعبد بن حُميد ، عن عبد
الرزاق(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
قال : حدثنا العباسُ بن محمد الدوري ، قال : حدثنا الحسين الجعفي ، عن
زائدة ، عن عبد الملك ، عن عمير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال :
مرض رسول اللّه # فقال: مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس . فقالت عائشة :
يا رسول الله إن أبا بكرٍ رجلٌ رقيقٌ. متى يقوم مقامك لا يستطيع يصلي بالناس.
قال : فقال : مُروا أبا بكرٍ يصلي بالناس ، فإِنكن صواحبات يوسف (٤). قال :
== عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وقال: (( تابعه الزبيدي ، وابن أخي الزهري ، وإسحاق
ابن يحيى الكلبي ، عن الزهري » .
وراوي الحديث حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب .
(٣) أخرجه مسلم في : ٤ - كتاب الصلاة (٢١) باب استخلاف الإِمام اذا عرض له عذر من مرض وسفر
وغيرهما من يصلي بالناس .. ، الحديث (٩٤)، ص (١ : ٣١٣).
(٤) ( أنكن صواحب يوسف ) : أراد في التظاهر على ما تردن ، وكثرة الحاحك في طلب ما تردنه
وتمان إليه .
١٨٧
فصلَّى أبو بكرٍ في حياة رسول الله الصلاه .
رواه البخاري في الصحيح عن إسحاق بن نصر ، ورواه مسلم عن أبي
بكرٍ بن أبي شيبة ، كلاهما عن حسين بن علي الجعفي (٥) .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالا : حدثنا أبو
العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا
يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، قالت : قال لي
رسول اللّهَ وَّ﴾ في مرضه: مروا أبا بكرٍ يصلّي بالناس. فَقُلتُ: يا رسول الله إن
أبا بكرٍ إذا قام في مقامك ، لم يفهم الناس قرآنه من البكاء . فمُرْ عمر فليصل .
فقال : مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس . فَقُلتُ لحفصة : قولي له ، إن أبا بكر إذا
قام في مقامك لم يفهم الناس قرآنه من البكاء ، فُمر عمر فليصل ، فقالت له
ذلك ؛ فقال رسول اللّه بِحَئية: اسكتن لعمري إنكنّ صاحبات يوسف. فقالت لي
حفصة : لعمري ما كُنتُ لأصيب منك خيراً ، فصلَّى أبو بكر بالناس .
أخرجه البخاري في الصحيح من حديث مالك ، عن هشام(٦).
(٥) أخرجه البخاري في : ١٠ - كتاب الأذان، (٤٦) باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة ، الحديث
(٦٧٨)، فتح الباري (٢ : ١٦٤ ).
وأخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، باب استخلاف الإِمام، الحديث (١٠١)، ص ( ١ :
٣١٦ ) .
(٦) أخرجه البخاري في الموضع السابق ، فتح الباري (٢ : ١٦٤)، الحديث (٦٧٩).
١٨٨
باب
ما جاء في آخر صلاة صلّها رسول الله وَلي بالناس، من أولها إلى
آخرها ، وأول صلاة أمر أبا بكر الصديق أن يصليها بالناس ، والصلاة
التي حضرها حين وجد من نفسه خفّة وصلاة أبي بكر بهم فيما بينهما
أياماً
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب من
أصله قالا : حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار املاءً، قال : حدثنا عبيدٌ
ابن شريك ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدثنا الليث بن
سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن بن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن
ابن عباس ، عن أم الفضل بنت الحارث أنها قالت: سمعتُ رسول الله وَله يقرأ
في المغرب ﴿بالمرسلات عُرفا﴾ .. ما صلّى لنا بعدها ، حتى قبضه الله .
رواه البخاري في الصحيح(١) عن آبن بكير .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصغانى ، قال : حدثنا يوسف بن بهلول ،
قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن عبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن أمه أم الفضل قالت :
خرج إلينا رسول اللّه وص﴿ وهو عاصبٌ رأسه في مرضه، فصلّى بنا
(١) أخرجه البخاري عن يحيى بن بكير في : ٦٤ - كتاب المغازي (٨٣) باب مرض رسول الله ووفاته ،
الحديث (٤٤٢٩) فتح الباري (٨: ١٣٠).
١٨٩
المغرب، فقرأ ﴿بالمرسلات عُرفا .. ﴾ فما صلّى بعدها حتى لَقِيَ الله(٢).
قُلتُ: وإنَّما أرادت - والله أعلم - بالناس مبتدأ بها. فإِنما توفي راَلّ
نهاراً .
أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ،
قال : حدثنا إسماعيلُ بن إسحاق ، قال : حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا
زائدة بن قُدامة ، قال : حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله ،
قال: دخلتُ على عائشة، فقُلت: ألا تحدثيني عن مّرَضٍ رسول اللّهَ وَّل
فقالت: بلى! ثَقُلَ رسول اللّهِ وَله فقال: أَصَلّى الناس؟ فقلنا: لا، هم
ينتظرونك يا رسولَ الله . فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب(٣)، قالت :
ففعلنا ؛ فاغتسل ثم ذهب لينوء(٤) فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : أصلّى الناس ؟
فقلنا : لا . هم ينتظرونك يا رسول الله ، فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب ،
قالت : ففعلنا ، ثم ذهب لينوء ، فأغمي عليه ، ثم أفاق ، فقال: أصلَّى
الناس؟ فقلنا : لا . هم ينتظرونك يا رسول اللّه . فقال: ضعوا لي ماءً في
المخضب . قالت: ففعلنا؛ فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق ،
فقال: أصلَّى الناس ؟ فقلنا: لا . وهم ينتظرونك، والناسُ عكوف(٥) في
المسجد ينتظرون رسول الله (لا صلاة العشاء. قالت: فأرسل رسول الله(ال اله
إلى أبي بكر يُصلي بالناس، قالت: فأتاه الرسول. فقال: إن رسول الله وَال
يأمرك أن تُصلِّي بالناس . فقال أبو بكر ، وكان رجلاً رقيقاً، يا عمرُ صلِّ
(٢) أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة ، (٣٥) باب القراءة في الصبح ، الحديث (١٧٣)، ص
(١ : ٣٣٨) .
(٣) ( المخضب ) : إناء يُغسل فيه .
(٤) ( ليسوء ) : أي ليقوم وينهض .
(٥) (عكوف): مجتمعون منتظرون لخروج النبي وية.
١٩٠
بالناس : فقال له عُمر : أنت أحقُّ بذلك مني . قالت: فصلى بهم أبو بكرٍ تلك
الأيام .
ثم إن رسول الله (ص8* وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدُهما
العباس ، لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس . قالت : فلما رآه أبو بكرٍ ذهب
ليتأخّر ، فأومأ إليه النبي ◌َّ ر أن لا يتأخر. وقال لهما : أُجْلِساني إلى جنبه ،
فأَجْلَساه إلى جنب أبي بكرٍ ، قالت : فجعل أبو بكرٍ يُصلي وهو قائمٌ بصلاة
رسول اللّه 18َ، والناس يصلون بصلاة أبي بكرٍ والنبيُّ بَّهِ قاعدٌ.
قال عبيدُ اللّه: فدخلتُ على عبد الله بن عباس؛ فقُلتُ: ألا أعرضُ
عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله وَّر؟ قال: هاتٍ. فعرضتُ عليه
حديثهما . فما أنكر منه شيئاً، غير أنه قال: سَمَّتْ لك الرَّجلُ الآخر الذي كان
مع العباس؟ قال : قُلْتُ : لا . قال : هو عليٍّ رضي الله عنه .
رواه البخاريّ ، ومسلم في الصحيح ، عن أحمد بن يونس(٦).
وفي هذه الرواية الصحيحة ، أن النبي ◌َّ تقدَّم في تلك الصلاة، وعلّق
أبو بكرٍ رضي الله عنه صلاته بصلاته . وكذلك رواه الأسود بن يزيد ، وابن أختها
عروة بن الزبير ، وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل ، عن عبد الله بن عباس . وقد
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي ، قال: أخبرنا أبو حامد بن
الشرقي ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال : حدثنا شبابة بن سوَّار ،
قال : حدثنا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن
عائشة : قالت : صلى رسول الله ص84* في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر
قاعداً، وكذلك روى عن الأسود ، عن عائشة في إحدى الروايتين عن
الأعمش .
(٦) الحديث أخرجه البخاري في : ٥١ - كتاب الهبة ، (١٤) باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها ،
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، (٢١) باب استخلاف الامام. الحديث (٩١) ص (١ : ٣١٢).
١٩١
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان ببغداد ، قال : أخبرنا عبد الله بن
جعفر بن درستويه ، قال : حدثنا يعقوبُ بن سفيان ، قال : حدثنا مسلم بن
إبراهيم ، قال : حدثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم، عن
الأسود، عن عائشة: أن النبيّ نَّ هِ صلّى خلف أبي بكرٍ وكذلك روى حميد ،
عن أنسٍ بن مالك ويونس عن الحسن، عن النبي وثّ مرسلاً.
أخبرنا أبو الحسن عليٌّ بن محمد المقرىء ، قال : أخبرنا الحسن بن
محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب ، قال : أخبرنا أبو الربيع ،
قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا يونس ، عن الحسن ، قال : وأخبرنا حميدٌ
عن أنس بن مالك أن رسول اللّه ◌َ﴿ خرج، وأبو بكر يُصلِّي بالناس ، فجلس
إلى جنبه وهو في بُردةٍ قد خالف بين طرفيها ، فصلّى بصلاته . وأخبرنا عليٍّ بن
أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمدُ بن عبيد ، قال : حدثنا عبيدٌ بن شريك،
قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا حميدٌ
أنه سمع أنساً يقول: آخر صلاة صلّها النبيُّ ◌َة مع القوم في ثوب واحد
ملتحفاً به خلف أبي بكر .
كذا قاله محمد بن جعفر بن أبي كثير . ورواه سليمان بن بلالٍ عن حُميد
عن ثابت البنانيّ ، عن أنس بن مالك ، وكذلك قاله يَحْيِى بن أيوب عن حميد .
أخبرنا أبو سعيدٍ محمد بن موسى بن الفضل ، قال : حدثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، قال : حدثنا بن
أبي مريم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوبٍ قال: حدثنا حميدٌ الطويل عن ثابت
البناني ، حدَّثْهُ عن أنس بن مالك أن رسول الله وَّهِ صلّى خلف أبي بكرٍ رضي
اللّه عنه في ثوبٍ واحد بردٍ مخالفاً بين طرفيه . فلما أراد أن يقوم ، قال : آدُع لي
أسامة بن زيد ، فجاء فأسند ظهره إلى نحره . فكانت آخر صلاة صلاها . وفي
هذا دلالة على أن هذه الصلاة ، التي صلاها خلف أبي بكرٍ كانت صلاة
١٩٢
لصبح . فإِنها آخر صلاة صلاها ، وهي التي دعا أسامة بن زيدٍ حين فرغ منها ،
بأوصاه في مسيره بما ذكره أهل المغازي .
قُلْتُ: فالذي تدلُّ عليه هذه الروايات مع ما تقدم، أن النبي صل# صلى
خلفه في تلك الأيام التي كان يُصلي بالناس مرة . وصلَّى أبو بكرٍ خلفه مرة .
وعلى هذا حملهما الشافعيّ ( رحمه الله ) في مغازي موسى بن عقبة ، وغيره ،
بيان الصلاة التي صلَّى رسول الله 18 بعضها خلف أبي بكرٍ ، وهي صلاةُ الصبح
من يوم الاثنين .
وفيما روينا عن عبيد اللّه عن عائشة ، وابن عباس بيان الصلاة التي صلاها
أبو بكر خلفه بعدما افتتحها بالناس . وهي صلاة الظهر من يوم السبت ، أو
الأحد ، فلا يتنافيان .
١٩٣
( م ٧ - دلائل النبوة حـ ٧ )
باب
ما جاء في تقرير النبي ◌َ لّ أبا بكر على آخر صلاة صلاها بالناس في
حياته وإِشارته إليهم بإتمامها خلفه . وارتضائه صنيعهم ، وذلك في
صلاة الفجر من يومِ الإِثنين ، وهو اليوم الذي توفي فيه ، وقول من
زعم أنه خرج ، فصلّى منها ركعة خلف أبي بكر بعدما أمره بالتقدم ثم
صلى لنفسه أخرى
أخبرنا محمدٌ بن عبد اللّه الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن .
يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، وأخبرنا أبو الحسين بن
الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يعقوب بن
سفيان، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرني شعيبٌ عن الزهري ، قال :
أخبرنا أنسٌ بن مالك الأنصاري، وكان تبعَ النبيّ ◌َ چ عشر سنين ، وخدمه
وصحبه ، أن أبا بكر الصديق كان يُصلي لهم في وجع النبيّ م الذي توفي
فيه ، حتى إذا كان يوم الاثنين - وهم صفوف في الصلاة - كشف النبيّ صل ستر
الحجرة، ينظرُ إليهم وهو قائمٌ كأنَّ وجهَهُ ورقة مصحف(١) ، ثم تبسم يضحكُ ،
قال : فَهَمْنا أن نفتتنُ ونحنُ في الصلاة من فرح برؤية رسول الله بخ له، ونكص
أبو بكرٍ على عقبيه ليصل الصف، وظنّ أنّ النبيّ ◌َ ◌ّ خارجٌ إلى الصلاة ، قال :
فأشار إلينا رسول الله { # بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل النبيُّ م ـ وأرخى
الستر ، فتوفي من يومه ذلك .
لفظُ حديث القطان ، رواه البخاري في الصحيح ، عن أبي اليمان(٢)،
(١) عبارة عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته .
(٢) أخرجه البخاري في: ١٠ - كتاب الأذان، (٤٥) باب من صلَّى بالناس وهو لا يريد إلا أن يُعلمهم
صلاة النبي به، الحديث (٦٨٠) عن أبي اليمان، فتح الباري ( ٢: ١٦٤).
١٩٤
وأخرجه مسلمٌ من حديث صالحٍ بن كيسان ، ومعمر ، وابن عُيَيْنة عن
الزهري(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن
يوسف الحافظ ، قال : حدثنا عليٌّ بن الحسن ، قال: حدثنا أبو مُعَمِّرٍ ، قال :
حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال :
لم يخرج إلينا رسول الله حيه ثلاثاً(٤) فأقيمت الصلاة . فذهب أبو بكر
يصلي بالناس فرفع النبيُّ * الحجاب . فما رأينا منظراً أعجب إلينا منه ، حين
وضح لنا وجه رسول الله فيومىء رسول الله ( إلى أبي بكر أن يتقدم.
فأرخى نبيُّ اللّه يُ الحجاب. فلم يوصل إليه حتى مات .
رواه البخاريُّ في الصحيح ، عن أبي معمر ، وأخرجه مسلم ، من حديث
عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه(٥) .
· فهذان عدلان شهدا بذلك على أنس بن مالك ، وقد روى عبد الله بن
عباس ابن عم رسول اللّه 0 ما يؤكد رواية أنس ، ويشهد لها بالصحة .
أخبرنا أبو الحسين عليٍّ بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد
الصفار ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا
(٣) أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، (٢١) باب استخلاف الإِمام ، الحديث (٩٨)، ص (١ ٠
٣١٥ ) .
(٤) ( ثلاثاً) أي ثلاثة أيام . جرى اللفظ على التأنيت لعدم المميز. كما في قوله تعالى: ﴿يترتّصن
بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ .
(٥) أخرجه البخاري في: ١٠ - كتاب الأذان، (٤٦) باب أهل العلم والفضل أحق بالإِمامة .
وأخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة (٢١) باب استخلاف الإِمام، الحديث (١٠٠)، ص (١ :
٣١٥ - ٣١٦) .
١٩٥
سفيان بن عيينة ، عن سليمان بن سحيم ، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد ،
عن أبيه ، عن ابن عباس أن رسول اللّه ◌َّهل كشف الستارة والناسُ صفوف خلف
أبي بكرٍ فقال : أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ،
يراها المسلمُ أو ترى له ، ألا وإِني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً . فأما الركوع
فعظُّموا فيه الرب ، وأما السجودُ فاجتهدوا في الدعاء . فَقمن(٦) أن يستجاب
لكم .
رواه مسلم في الصحيح عن سعيد بن منصور ، وغيره ، عن سفيان(٧).
وأخبرنا أبو الحسن ، عليٌّ بن محمد بن علي المقرىء ، قال : حدثنا
الحسن بن محمد بن اسحاق ، قال : حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، قال :
حدثنا أبو الربيع ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، قال : حدثنا سليمان بن
سحيم ، مولى العباس ، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس ، بن عبد
المطلب، عن أبيه ، عن عبد الله، عن ابن عباس قال: كشف رسول الله الصريخ
الستر ورسول اللّه ◌َ﴾ معصوبٌ في مرضه الذي مات فيه . فقال: اللهم هل
بلغت ثلاث مرات أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا ، يراها العبد الصالح
أو ترى له ، ألا وإني قد نهُيت عن القراءة في الركوع والسجود . فإِذا ركعتم
فعظموا الله، وإِذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء . فإِنه قَمَنُ أن يستجاب لكم .
رواه مسلم في الصحيح ، عن يحيى بن أيوب، عن إسماعيل بن
جعفر(٨) .
(٦) ( قمن ) : جدير وحقيق .
(٧) أخرجه مسلم في : ٤ - كتاب الصلاة (٤١) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود،
الحديث (٢٠٧) عن سعيد بن منصور ، ص ( ١ : ٣٤٨ ).
وأخرجه أبو داود في الصلاة، والنسائي في التطبيق، والإِمام أحمد في ((مسنده)) (١: ١٥٥).
(٨) أخرجه مسلم في : ٤ - كتاب الصلاة (٤١) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ،
الحديث (٢٠٧)، ص (١ : ٣٤٨ ).
١٩٦
الذي يدلُّ عليه حديث أم الفضل بنت الحارث ، ثم حديث عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة ، عن عائشة وابن عباس . ثم حديث عبد العزيز بن صهيب ،
عن أنسٍ بن مالك أن أبا بكر رضي الله عنه صلّى بالناس صلاة العشاء الآخرة ،
ليلة الجمعة . ثم صلى بهم خمس صلوات يوم الجمعة ، ثم خمس صلوات يوم
السبت ، ثم خمس صلوات يوم الأحد ، ثم صلى بهم صلاة الصبح يوم
الاثنين ، وتُوفي النبيُّ ◌َ من ذلك اليوم، وكان قد خرج فيما بين ذلك - حين
وجد من نفسه خفة - لصلاة الظهر إما يوم السبت ، وإما يوم الأحد ، بعدما افتتح
أبو بكر صلاته بهم . فافتتح صلاته ، وعلقوا صلاتهم بصلاته ، وهو قاعدٌ وهم
قيام ، وصلَّى مرة أخرى خلف أبي بكرٍ في رواية نُعيمٍ بن أبي هند ومن تابعه ،
فيكون جملة ما صلى بهم أبو بكر في حياة النبي ◌َّ مع ما افتتحها قبل خروجه
سبع عشرة صلاة .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني ، قال :
حدثنا الحسن بن الجهم ، قال : حدثنا الحسين بن الفرج ، قال : حدثنا
الواقديُّ، قال : سألتُ أبا بكرٍ بن أبي سَبْرة كم صلى أبو بكر بالناس ؟ قال :
سبع عشرة صلاة . قلت : من أخبرك ؟ قال : أيوب بن عبد الرحمن بن أبي
صعصعة ، عن أبيه ، عن رجل من أصحاب رسول اللّه الشيخٍ .
قُلت: وقد ذهب موسى بن عقبة، في مغازيه، إلى أنّ النبيّ بَُّ خرج في
صلاة الصُّبح من يوم الاثنين ، حتى وقف إلى جنب أبي بكر ؛ فصلى خلفه
ركعة ، فلما سلم أبو بكرٍ أتم رسول اللّه م## الركعة الآخرة. وكذلك هو في
مغازي أبي الأسود ، عن عروة .
وذلك يوافق ما رويناه عن حميد ، عن ثابت ، عن أنس في صلاة النبيِّ
مثير خلف أبي بكرٍ ، ورواية نُعيم بن أبي هند ، وغيره في حديث عائشة ، ولا
ينافي ما روينا ، عن الزهري وغيره ، عن أنسٍ ، ويكون الأمر فيه محمولاً على
١٩٧
أنه رآهم وهم صفوف خلف أبي بكر في الركعة الأولى من صلاة الصبح ، فقال
ما حكى هو وابن عباس ، ثم خرج فأدرك معه الركعة الآخرة ، أو خرج فصلى ،
ثم قال ما حكيا ، فنقلا بعض الخبر ، ونقل غيرهما ما تركاه ، كما نقل أحدهما
فيما روياه ما ترك صاحبُه . وبالله التوفيق(٩) .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ،
قال : حدثنا يعقوبُ بن سفيان ، قال : حدثنا إبراهيمُ بن المنذر ، قال : حدثنا
محمدٌ بن فليحٍ عن موسى بن عقبة ، قال : قال ابن شهاب (ح) .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أخبرنا أبو بكرٍ محمد بن عبد
الله بن أحمد بن عتاب العبديّ ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة،
قال : حدثنا إسماعيلُ بن أويس ، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ،
عن عمه موسى بن عقبة ، قال :
(٩) نقل الخبرين ابن كثير في ((البداية)) ( ٥: ٢٣٥)، وعقب عليهما بقوله :
(( والعجب أن الحافظ البيهقي أورد هذين الحديثين من هاتين الطريقين ، ثم قال ما حاصله : فلعله -
عليه السلام - احتجب عنهم في أول ركعة ، ثم خرج في الركعة الثانية ، فصلى خلف أبي بكر ،
كما قال عروة وموسى بن عقبة وخفي ذلك على أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن
آخره. وهذا الذي [ ذكره ] أيضاً بعيد جداً لان انساً قال: فلم يقدر عليه حتى مات . وفي رواية
قال : فكان ذلك آخر العهد به . وقول الصحابي مقدم على قول التابعي والله أعلم . والمقصود أن
رسول الله 58 قدم أبا بكر الصديق أماماً للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الاسلام
العملية . قال الشيخ ابو الحسن الأشعري : وتقديمه له امر معلوم بالضرورة من دين الاسلام . قال :
وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين
العلماء . أن رسول الله بيئة قال: يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم
بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً ، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلماً قلت وهذا
من كلام الاشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في
الصديق رضي الله عنه وأرضاه وصلاة الرسول : خلفه في بعض الصلوات كما قدمنا بذلك الروايات
الصحيحة لا ينافي ما روى في الصحيح ان أبا بكر ائتم به عليه السلام لأن ذلك في صلاة أخرى كما
نص على ذلك الشافعي وغيره من الأئمة رحمهم الله عز وجل .
١٩٨
قدم رسول اللّه ◌َير المدينة ، يعني من حجة الوداع، فعاش بالمدينة حين
قدمها . بعد صَدَرة المحرم ، واشتكى في صفر ، فوعك أشد الوعك ، واجتمع
إليه نساؤه كُلُّهن يمرِّضْنَه . وقال نساؤه : يا رسول الله إنه ليأخذك وعكٌ ما وَجَدْنا .
مثله على أحدٍ قط [غيرك)](١٠). فقال رسول اللّهِ وَّهُ: كما يُعظّمُ لنا الأجر،
كذلك يشتدُّ علينا البلاء .
واشتدّ عليه الوعك أياماً، وهو في ذلك ينحازُ إلى الصلوات حتى غُلِبَ
فجاءه المؤذِّن فَأَذَّنَه بالصلاة فَنَهَض ، فلم يستطع من الضعف ، ونساؤه حوله ،
فقال للمؤذن : اذهب إلى أبي بكرٍ فَأَمره فليصلِّ فقالت عائشة : يا رسول الله إن
أبا بكرٍ رجلٌ رقيق : وإِنه إن أقام في مقامك بكى فَأُمُرْ عُمَرَ بن الخطاب فليصلِّ
بالناس . فقال : مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس . قالت : فعدتُ فقال : مروا أبا
بكر فليصلِّ بالناس ، إنكن صواحب يوسف . قالت : فصُمتُ عنه ، فلم يَزَلْ أبو
بكر يصلي بالناس ، حتى كانت ليلة الإثنين من شهر ربيع الأول ، فَأَقْلَعَ عن
رسول اللّه ◌َيّ الوعك، فأصبح مفيقاً؛ فغدا إلى صلاة الصبح يتوكأ على
الفضل بن عباس ، وغلام له يدعى نوبا ورسول الله صل# بينهما، وقد سجد
الناس مع أبي بكر من صلاة الصبح ، وهو قائمٌ في الأخرى ، فتخلص رسول
اللّه اليه الصفوف، يفرجون له، حتى قام إلى جنب أبي بكر، فاستأخر أبو بكر
عن رسول الله المضي فأخذ رسول الله بص لل بثوبه، فقدمه في مصّلاه فصُفا جميعاً،
ورسول الله الصا جالسٌ، وأبو بكرٍ قائمٌ يقرأ القرآن ، فلما قضى أبو بكرٍ قرآنه ،
قام رسول الله 3* فركع معه الركعة الآخرة (١١)، ثم جلس أبو بكر حين قضى
سجوده، يتشهد والناس جلوسٌ ، فلما سلَّم ، أتم رسول اللّه مث الركعة الآخرة،
ثم انصرف إلى جزعٍ من جزوع المسجد ، والمسجد يومئذٍ سقفه من جريد ،
(١٠) سقطت من ( ف ) .
(١١) في (ف): ((الأخيرة)).
١٩٩
وخوص ، ليس على السقف كثير (١٢) طينٍ ، إذا كان المطرُ إمتلأ المسجدُ طيناً،
إنما هو كهيئة العريش .
وكان أسامة بن زيد قد تجهّزّ للغزو، وخرج في نقله إلى الجُرُف ، فأقام .
تلك الأيام بشكوى رسول اللّه وَلجر، وكان رسول الله صل قد أمَّره على جيشٍ
عامتهُم المهاجرون، فيهم عمرُ بن الخطاب، وأمره رسول اللّه وَلي أن يُغيرَ على
مؤتة ، وعلى جانب فلسطين - حيث أصيب زيدٌ بن حارثة ، وجعفرٍ بن أبي
طالب ، وعبد الله بن رواحة - فجلس رسول الله ومه إلى ذلك الجذع، واجتمع
إليه المسلمون يسلمون عليه، ويدعون له بالعافية ، ودعا رسول الله وقال: أسامة
ابن زيد فقال : أَغْدُ على بركة الله ، والنصر والعافية، ثم أغر حيث أمرتك أن
تُغير. قال أسامة : يا رسول الله قد أصبحت مفيقاً، وأرجو أن يكون الله عز وجل
قد عافاك ، فائذن لي ، فأمكث حتى يشفيك اللّه ، فإِني إن خرجْتُ وأنت على
هذه الحال ، خرجت وفي نفسي منك قرحة ، وأكره أن أسأل عنك الناس ؛
فسكت عنه رسول اللّه الر، وقام، فدخل بيت عائشة، ودخل أبو بكرٍ على ابنته
عائشة ، فقال: قد أصبح رسول اللّه وَله مفيقاً، وأرجو أنْ يكون الله عز وجل قد
شفاه ، ثم ركب فلحق بأهله بالسّناح ، وهنالك كانت امرأته حبيبة بنت خارجة بن
أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج ، وانقلبت كلّ امرأة من نساء رسول الله
مث إلى بيتها. وذلك يوم الاثنين، ووعك رسول اللّه الله حين رجع أشد
الوعك . واجتمع اليه نساؤه ، وأخذ بالموت ، فلم يزل كذلك حتى زاغت
الشمس من يوم الاثنين يُغمّى ، زعموا عليه الساعة ، ثم يفيق ، ثم يشخص
بصرُه إلى السماء ، فيقول : في الرفيق الأعلى ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا﴾ قال ذلك - زعموا
مراراً - كلما أفاق من غشيته ، فظنّ النّسوة أن الملكَ خيَّرهُ في الدنيا ، ويُعطى
(١٢) في (أ) و( ح ) ((كبير )).
٢٠٠