Indexed OCR Text

Pages 381-400

باب
ما ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جَمَلٍ جابر بن عبد الله
الأنصاري رضي الله عنه
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد بَالُوْية
قال : حدثنا (١) موسى بن هارون قال: حدثنا محمد بن المثنى [قال ](٢):
حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن وهب بن كيسان ، عن
جابر بن عبد الله، قال: خرجت مع رسول اللّه ◌َ ل في غزاةٍ فابطأ بي جملي
وأعْيَا(٣) فَأَتَّى عَليَّ رسول اللّهِمَ ه فقال لي: يا جابر، قلت: نعم ، قال: ما
شأنك ؟ قلت أبطأ بي جملي فأعيا وتخلف ، فحجنه بمحجنهٍ (٤)، ثم قال :
اركب فركبت فلقد رأيتني أكُفَّهُ(٥) على رسول اللّهِ وَله، فقال: أتزوجت؟ قلت:
نعم ، قال بكراً أم ثيباً ؟ فقلت: بل ثيبٌ، قال : فهلّ جاريةً تلاعبها وتلاعُبك ؟
قلت إنَّ لي أخواتٍ أحببتُ أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطُهُنَّ وتقوم عليهن،
قال: أَمَا أنك قَادِمٌ فإِذا قدمت فالكَيْسَ الكَيْسَ، ثم قال : أتبيعُ جملك ؟ قلت :
(١) (ح): (( حدثني)).
(٢) ليست في (ح) .
(٣) ( وأعيا ) = يعني عجز عن السير .
(٤) ( فحجنه بمحجنه ) = المحجن عصا فيها تعقف يلتقط بها الراكب ما سقط منه .
(٥) ( أكفّه) = أمنعه حتى لا يتقدم على النبي # بالسبق.
٣٨١

نعم ، فاشتراه مني بأوقية، ثم قدم رسول الله وّ ر قَبْلي وقدمت بالغداة ، فجئت
المسجد فوجدته على باب المسجد فقال: الآن حين قدمت ؟ قلت: نعم، قال
فدع جملك وادخل فصلّ ركعتين، قال: فدخلت فصليت ركعتين فأمر بلالاً أن
يزنَ لي أَوَقِيَّة، فَوَزَنَ لي بلالٌ فَأَرْجَحَ الميزانَ، قال : فانطلقت فلما وَلَّيت، قال:
ادْعُ لي جابراً، فدُعيت، فقلت الآن يردُّ علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إليّ
منه ، فقال: خذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثمنه .
رواه البخاري في الصحيح ، عن بندار ، عن عبد الوهاب الثقفي(٦).
رواه مسلم، عن محمد بن المثنى(٧) .
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار [ قال ] : (٨) حدثنا يونس بن بكير،
عن ابن اسحاق قال : حدثنا(٩) وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال خرجنا
مع رسول الله (185 في غزوة ذات الرقاع من نخل فلما قفل الناس وكنت على
جمل لي قد أبطأ عليّ، فجعلت الرفاق تمضي حتى أدركني رسول اللّه وَله،
فقال : مالك يا جابر؟ فقلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، فقال رسول
اللّهِ وَّهُ أَنِخْهُ فأنختُه، وأناخ رسول الله وَّه فقال: أعطني هذه العَصَا التي في
يدك فأعطيته اياها أو قطعت له عُصَيَّةٌ من شجرة فأعطيته اياها فَنْخَسَهُ بها
نَخَسَّاتٍ، ثم قال : اركب يا جابر، فركبت فَخَرَجَ والذي بعثه بالحق يُواهِقُ ناقته
مواهقة(١٠)، وتحدثت مع رسول اللّه وَير، فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟
(٦) البخاري عن بندار في: ٣٤ - كتاب البيوع - (٣٤) باب شراء الدواب والحمير ، فتح الباري
( ٤ : ٣٢٠ ) .
(٧) أخرجه مسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع (١٦) باب استحباب نكاح البكر، الحديث (٥٧)، ص
(١٠٨٩) عن محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب الثقفي .
(٨) ليست في (ح) .
(٩) في (ح): ((حدثني)).
(١٠) (المراهقة) = المسابقة والمجاراة في المشي والسرعة .
٣٨٢

فقلت : بل أَهْبُه لك يا رسول الله، فقال لا ، ولكن بعنيه (١١) فقلت: نعم، ٠ان
شئت يا رسول الله، قال: فبكم هو؟ فقلت : سُمْني، فقال: قد أخذته بدرهم ،
قلت : لا، والله يا رسول الله، فلم يزل يرفع لي حتى قال أوقيَّةٌ فقلت قد
رضيت، قال : نعم ، قلت هو لك فقال : هل تزوجت يا جابر؟ قلت: نعم :
فقال: بكراً أو ثِيْباً؟ فقلت: ثَيِّياً. فقال: هلَّ(١٢) جارية تلاعبها وتلاعبك؟
فقلت : يا رسول الله ! إن أبي قُتْل يوم أُحُد، وترك سبع بناتٍ فنكحت امرأة
جامعةٌ تجمع رؤوسَهُنَّ، وتقوم عليهنّ، وتغسل ثيابهن ، فقال: أحسنتْ
وأصبت، إِمَّا إِنَّا لو قَدِمْنا (١٣) صراراً(١٤) لأقمنا بها يوماً ونحرنا بها جَزوراً
وسَمِعَتْ بنا فَنَفَضَتْ نمارقَها(١٥) ، فقلت : والله مالنا نمارقٌ، فقال: إنها ستكون
ثم ذكر باقي الحديث(١٦).
(١١) (ص): ((تبيعنيه)).
(١٢) في (أ) رسمت: ((هل لا )).
(١٣) في السيرة: ((لو جئنا)).
(١٤) ( صرار) = موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق .
(١٥) ( النمارق ) = الوسائد .
(١٦) الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (٣ : ١٦٠ - ١٦١).
٣٨٣

باب
غزوة بدر الآخرة(١)
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد [ قال]: (٢) أخبرنا أبو بكر
محمد بن عبد الله بن عتاب [ العبدي قال ]: (٣) حدثنا القاسم بن عبد الله بن
المغيرة ، قال : حدثنا اسماعيل بن أبي أويسٍ [ قال:] حدثنا اسماعيل بن
ابراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة (ح).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرنا اسماعيل بن محمد بن الفضل
الشعراني قال : حدثنا جدي [ قال ]: حدثنا إبراهيم بن المنذر [ قال ] (٤): حدثنا
محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب، وهذا لفظ حديث
اسماعيل، عن عمه موسى ، قال : ثم ان رسول اللّه مَّ استنفر المسلمين لموعد
أبي سفيان بدْراً، وكان أهلاً للصدق والوفاءِ وخل، فاحتمل الشيطان أولياءه من
(١) من مصادر هذه الغزوة انظر: طبقات ابن سعد (٢: ٥٩)، وسيرة ابن هشام (٣ : ١٦٣)،
وأنساب الأشراف ( ١ : ١٦٣)، وتاريخ الطبري (٢ : ٥٥٩)، وابن حزم صفحة (١٨٤ )،
وعيون الأثر (٢ : ٧٤)، البداية والنهاية (٤ - ٨٧)، السيرة الحلبية (٢: ٣٦٠)، السيرة
الشامية ( ٤ : ٤٧٨ ) .
(٢) ليست في (ح) .
(٣) ما بين الحاصرتين ليست في (ح) .
(٤) الزيادة من (ص) و(أ). وكذا في باقي الخبر.
٣٨٤

الناس ، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا قد أخبرنا وأنتم أن قد جمعوا لكم مثل
الليل من الناس يَرجُون أن يوافقوكُم فينتهبوكم فالحذر الحذر لا تغدوا ، فَعَصَم
الله عز وجل المسلمين من تخويفِ الشيطان، فاستجابوا لِلَّهِ ولرسوله، وخرجوا
ببضائع لهم ، وقالوا : ان لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وان لم نَلْقَهُ ابتعنا
ببصائعنا ، وكان بدرٌ متجراً يُوافَى في كلُّ عام، فانطلقوا حتى أتّوْا موسم بَدْرٍ،
فقضَوْا مِنُه حاجتهم ، وأُخْلَفَ أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابُه،
وأقبل رجل من بني ضمرة بينه وبين المسلمين حِلْفٌ، فقال: والله ان كنا لقد
أُخبرنا انه لم يبق منكم أحدٌ فما أعملكم الى أهل هذا الموسم ؟ فقال رسول الله
وَ* وهو يريد ان يَبْلُغَ ذلك عدوَّه مِنْ قريش: أعملنا اليه مَوْعد أبي سفيان
وأصحابه وقتالهم، وإن شئت مع ذلك نبذنا اليك والى قومك حِلْفَكُمْ ثم
جالَّدْناكم قبل أن نبرح منزلنا هذا . فقال الضَّمْرِيُّ : معاذ الله بل نُكُفُّ أيدينا
عنكم ونمسك بحلفكم، وزعموا انه مرّ عليهم ابن حُمّامٍ فقال : من هؤلاء ؟
قالوا رسول اللّه وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش ، فَخَرَجَ يرتجز :
إِذْ نَفَرَتْ من رُفقتي محمد(٥)
تَهْوى على دين أبيها الأَعْلَدِ
إذ جعلتْ ماءَ قُدَيْد مَوْعِدْ(٦)
وعجوةٍ موضوعة كالجلمد
وصبَّحت مياهها ضُحى الغَدِ(٧)
فذكروا ان ابن الحمام قدم على قريش فقال : هذا محمد وأصحابه
(٥) تهوى : تسرع، والأتلد : القديم .
(٦) قديد : اسم موضع .
(٧) جاء الرجز في سيرة ابن هشام هكذا :
وَعَجْوَةٍ مِنْ يشْرِبٍ كَالْعَنْجِدِ
قَدْ نَفَرتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدٍ
قَدْ جَعَلتْ ماءَ قذيّد موْعِدِي
تَهْوى عَلَى بِينٍ أَبيها الْأعْلْدِ
ومَاءٍ ضَجْنَانَ لَهَا ضحَى الْغُد
٣٨٥
( م ١٣ - دلائل النبوة جـ ٣)

ينتظرونكم لموعدكم ، فقال أبو سفيان: قد والله صدق فنفروا وجمعوا الأموال،
فمن نشِط منهم قوُّوه ، ولم يقبل من أحدٍ منهم دون أوقية، ثم سَار حتى أقام
بِمَجَنَّة من عُسْفان ما شاء الله أن يقيم ، ثم ائتمر هو وأصحابه ، فقال أبو
سفيان : ما يصلحُكم إلا عامُ خِصْبٍ تَرْعَوْنَ فيه السُّمُرَ وتشربون من اللبن ، ثم
رجع إلى مكة وانصرف رسول الله وَ ل﴿ الى المدينة بنعمةٍ من اللّه وفضلٍ، فكانت
تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السَّويق، وكانت في شعبان سنة ثلاثٍ(٨).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي [ قال ] : حدثنا
محمد بن عمرو بن خالد قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن لهيعة [ قال ]: حدثنا
أبو الأسود، عن عروة، قال: ثم ان رسول اللهصل استنفر المسلمين إلى مَوْعد
أبي سفيان ببئر فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس ، فذكر الحديث بمعنى
حديث موسى بن عقبة (٩) الا أنه قال : وسمع بذلك معبد بن أبي معبد الخزاعي
وكان رجلاً شاعراً فعمد الى مكة ، فقال في ذلك السفر شعراً، فذكر معنى تلك
الأبيات، قال : ويزعم ناسٌ أن قائلَها حُمامٌ .
فلما قدم الخزاعي مكة استخبروه عن موسم بدرٍ فأخبرهم وحدثهم شأن
محمدٍ وأصحابه وحضورهم موسم بَدْرٍ ومجادلتهم الضَّمْريُّ ، فأفزعهم ذلك
وأخذوا في الجمع والنفقة وذكر الحديث ولم يذكر التاريخ .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن ابن اسحاق
قال: فلما قدم رسول اللّه ◌َلتر من غزوة ذات الرقاع [قال ] (١٠) اقام بقية جمادي
(٨) مختصر هذا الخبر في ((الدرر في اختصار المغازي والسير)) ص (١٦٨)، وفي (( البداية والنهاية))
(٤: ٨٩)، وقال: ((قول موسى بن عقبة أنت في شوال سنة ثلاثة وهم ، فإن هذه تواعدوا إليها
من أحد ، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث)).
(٩) نقل ابن كثير طرفاً منه في البداية والنهاية ( ٤ : ٨٩ ).
(١٠) ليست في (ح) .
٣٨٦

الأولى وجمادي الآخرة ورجباً ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان،
حتى نزله ، وأقام عليه ثمان ليال ينتظر أبا سفيان، وَخَرَجَ أبو سفيان في أهل مكة
حتى نزل بناحية الظهران، وبعض الناس يقول : قد بلغ عُسْفان ثم بدا له
الرجوع، فقال : يا معشر قريش انه لا يصلحكم إلا عامٌ خِصْبٍ تَرْعَوْن فيه
الشجر وتشربون فيه اللبن.، وان عامكم هذا عام جدبٍ ، وإني راجع فارجعوا،
فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون انما خرجتم تشربون
السويق ، قال: وأقام رسول اللّه ◌َ له ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مَخشيُّ بن
عمرٍو الضمريُّ، وهو الذي كان وادَعَهُ على بني ضمرة في غزوة وَدّان ، فقال :
يا محمد ! جئت لِلِقَاءِ قريش على هذا الماء ؟ فقال : نعم يا أخا بني ضمرة ،
فإِنْ شِئْتَ مع ذلك رَدَدْنا إليك ما كان بيننا وبينك ، فقال: لا، والله يا محمد مالنا
بذلك منك حاجة، وأقامَ رسولُ اللّهِ وَله ينتظر أبا سفيان، فمرّ به مَعْبُد بن أبي
معبد الخزاعي فقال - وقد کان رأی مکان رسول الله (ٹ# وناقته تھوی به - :
قَدْ تَفَرَتْ مَنْ رُفْقَتِي مُحَمَّدٍ
تهوى على دين أبيه الأنلدِ
وعجوة من يثرب كالعُنجُدِ
وماء ضَجْنَان لها ضحى الْغَدِ
قد جَعَلتْ ماءَ قُدَيْدٍ مَوْعدي
ثم ذكر أبياتاً لابن رواحة ولحسان في خُلْفِ أبي سفيان ميعاده(١١)، قال :
(١١) منها قول عبد الله بن رواحة :
وَعَدْنا أبا سفيان بدراً فلم نجد
فَأْقْسِمُ لَوْ وَافَيْتْنَا فَلْقِيتْنَا
تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةٌ وَابْنِهِ
عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ
فَإِنِّي، وإنْ عَنَّفْتُمُونِي، فَقَائِلٌ
أَطَعْنَاهُ لَمْ تَعْدِلْهُ فِينًا بِغَيْرِهِ
لميعاده صدقاً وما كان وافياً
لُأَبْتَ ذَمِيماً وافْتَقَدْتُ الْمَوالِيًا
وَعَمْراً أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيًّا
وَأَمْرِكُمْ السَّيْءِ الَّذِي كَانَ غَاوِيًا
فِدَى لِرَسُولِ اللّهِ أَهْلِي وَمَالِيّا
شِهَاباً لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيًا
٣٨٧

ثم انصرف رسول الله ﴿ قافلاً الى المدينة فأقام بها أشْهراً حتى مضى ذو الحجة
وَوَلَىَ تلك الحَجَّة المشركون سنّةً أربع من مَقَدَم رسول اللهِوَِّ المدينة(١٢).
وزعم الواقدي أنه انتهى في هذه الغزوة إلى بذر هلال ذي القعدة على
رأس خمسة وأربعين شهراً، وخرج في ألف وخمس مائةٍ من أصحابه، وقول
موسى بن عقبة انها كانتْ في شعبان أصح(١٣) والله أعلم .
= وقول حسان بن ثابت :
جَلَادٌ كَأَفْوَاءِ الْمَخَاضِ الأوّارك
وأَنْصَارِهِ حقًّا وأيْدِي الْمَلائِكِ
فَقُولاَ لَهَا لَيْسَ الطَّرِيقُ هُنَالِكِ
بِأَرْعنْ جَرَّارٍ عرِيضِ الْمَبَارِك
وَقُبِّ طِوال مُشْرِفَاتِ الْحَوّارِكِ
مَنْاسِمُ أَخْفَافِ الْمَطِيْ الرِّوَاتِك
فُرَاتٌ بِنْ حَيَّانِ يَكُنْ وَهْنَ مَالِك
يُزَدّ فِي سَوَادٍ لَوْنِهِ لَوْنُ حَالِك
فَإِنَّكَ مِنْ شَرِّ الرَّجَالِ الصَّعَالِك
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا
بِأَيْدِي رجال هَاجَرُوا نَحْو رَبِّهِمْ
إِذَا سَلْكَتْ لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ.
أَقْنَا عَلَى الرَّسِّ النُّزُوعِ ثَمَانِياً
بِكُلِّ كُمَيْتِ جَوْزُهُ نِصْفُ خَلْقِهِ
تَرَى العَرْفَجِ الْعَامِيِّ تُذْرِي أَصُولَهُ
فإِنْ نَلْقَ في تَطْوَافِئًا وَالْتِمَاسِنَا
وَإِنْ نَلْقْ قَيْسَ بْنَ امْرِىءِ الْقَيْسِ بَعْدَهُ
فَأَبْلِغْ أَبًا سُفْيَانٌ عَنِّى رِسالَةٌ
(١٢) الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٦٣ - ١٦٨)، ونقل بعضه ابن كثير في التاريخ (٤ : ٨٧ -
٨٨ ) .
(١٣) قال ابن كثير: ((الصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من السنة الرابعة ، ووافق قول
موسى بن عقبة، أنها في شعبان ، لكن قال : في سنة ثلاث وهذا وهم ... )) وراجع الحاشية
(٨) من هذا الباب .
٣٨٨

باب
غزوة دُوْمةِ الجندل الأولى(١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [ قال ](٢) حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن
(١) راجع في غزوة دومة الجندل :
- طبقات ابن سعد ( ٢ : ٦٢ ).
- سيرة ابن هشام (٣ : ١٦٨ ).
- أنساب الأشراف ( ١ : ١٦٤ ).
- تاريخ الطبري ( ٢: ٥٦٤) .
- مغازي الواقدي ( ١ :٤٠٢ ) .
- ابن حزمْ ص ١٨٤ .
- عيون الأثر ( ٢ : ٧٥).
- البداية والنهاية ( ٤ : ٩٢ ).
- النويري ( ١٧ : ١٦٢ ).
- السيرة الحلبية ( ٢ : ٣٦٢).
- السيرة الشامية ( ٤ : ٤٨٤) .
.وتقع دومة الجندل في شمال نجد وهي طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها
وبين المدينة خمس عشرة ليلة .
(٢) ليست في (ح) وكذا في سائر الخبر .
٣٨٩

إسحاق، قال: ثم غَزّا رسولُ اللّهِمَ ◌ّ دُومة الجَنْدَل، ثم رجع قبل أن يصل
إليها ، ولم يَلْقِ كَيْدَاً، فَأَقَامَ بالمدينة بقية سنته(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني ، قال :
حدثنا أبو الحسن بن الجهم ، قال : حدثنا الحسين بن الفرج ، قال : حدثنا
الواقدي ، قال : حدثنا (٤) ابن أبي سَبْرَةً، عن عبد الله بن أبي لبّيْد، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن ، قال الواقدي : وحدثنا(٥) عبد الرحمن بن عبد العزيز ،
عن عبد الله بن أبي بكر [ فكلاهما قد حدثنا بهذا الحديث ](٦) ، يزيد أحدهما
على الآخر، وغيرهما قد حدثني أيضاً، قالوا: أرادَ رسول الله { له أن يَدْنو إلى
أدنى الشام ، وقيل له : إنها طَرَفٌ مِنْ أفواه الشام ، فلو دَنْتَ مِنْها كان ذلك مما
يُفزع قَيْصَرَ ، وذُكر له أنَّ بدومة الجندل جمعاً كثيراً ، وأنّهم يظلمون من مَرَّ بهم
[ من الضافطة ](٧)، وكان بها سوقٌ عظيمٌ، وهم يريدون أن يدنوا مِنْ المدينة ،
فَنَذَبَ رسول اللّه محطة الناس، فخرج في ألف من المسلمين ، فكان يسير الليل
ويَكْمُنُ النهار ومعه دليل له من بني عُذْرة ، يقال له : مَذْكور ، هادٍ خِرِّيتٌ ،
[ فخرج رسول الله (ص مغذاً السير، ونكب عن طريقهم ](٨) فلما دنا من دَوْمَةٍ
الجندل، أخبره دليله بسوائم(٩) تميم، فسارَ حَتّى هَجَمَ على ماشيتهم ورغّائهم
(٣) سيرة ابن هشام ( ٣ : ١٦٨).
(٤) في (ح) : (( حدثني)).
(٥) ح . (( وحدثني)).
(٦) الزيادة من مغازي الواقدي .
(٧) ( الضافطة ) = جمع ضافط ، وهو الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن .
(٨) الزيادة من مغازي الواقدي .
(٩) في المغازي: ((قال له الدليل: يا رسول الله! إن سوائمهم ترعى، فأقم حتى أطلع لك، قال
رسول الله بحث : نعم، فخرج العذري صليعةُ حتى وجد آثار النَّعم والشَّاء، وهم مغرِّبون، ثم
رجع إلى النبي *، فأخبره ، وقد عرف مواصفهم)).
٣٩٠

فأصابَ من أصاب، وهرّبَ مَنْ هَرَبَ من كل وجه، وجاء الخبر أهل دَوْمَة
[ الجندل] فتفرقوا ونزل رسول اللّه وَّيجر في ساحتهم، فلم يجد بها أحداً ، فأقام
بها أياماً ، وبثّ السرايا ، ثم رجعوا وأخذ محمّد بن مسلمة رجلاً منهم ، فَأَتَّى به
النبي ◌ّ فسأله عن أصحابه، فقال: هربوا أمس، فَعَرَضَ عليه رسول اللهِله
الإِسلام ، فأسلم، ورجع النبي إلى المدينة(١٠).
(١٠) الخبر في مغازي الواقدي (١ : ٤٠٣ - ٤٠٤) ، ونقل الحافظ ابن كثير طرفاً منه في البداية
والنهاية ( ٤ : ٩٢).
٣٩١

جَماع أبْوَاب غزوة الخندق(١) وهي الأحزاب
باب التاريخ لغزوة الخندق
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [قال ](٢) أخبرنا إسماعيل بن محمد بن
الفضل الشعراني ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال :
حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب (ح ) .
(١) أنظر في غزوة الخندق ، وفي غزوة الأحزاب :
- طبقات ابن سعد ( ٢ : ٦٥).
- سيرة ابن هشام ( ٣ : ١٦٨).
- أنساب الأشراف ( ١ : ١٦٥ ).
- تاريخ الطبري ( ٢: ٥٦٤) .
- صحيح البخاري ( ٥ : ١٠٧ ).
- صحيح مسلم بشرح النووي ( ١٢ : ١٤٥ ).
ابن حزم ص ( ١٨٤ ).
- عيون الأثر ( ٢ : ٧٦).
- البداية والنهاية ( ٤ : ٩٢ ).
- النويري ( ١٧ : ١٦٦ ).
- السيرة الحلبية ( ٢ : ٤٠١) .
- السيرة الشامية ( ٤ : ٥١٢ ) .
(٢) في (ح) بدون قال ، وكذا في سائر الخبر .
٣٩٢

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله
ابن عتاب قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال : حدثنا إبن أبي أويس
قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة ، في
مغازي رسول اللّه# ، قال : قاتل يوم بدر في رمضان سنة اثنتين ، ثم قاتل يوم
أُحُدٍ في شوال سنة ثلاث ، ثم قاتل يوم الخندق وهو يوم الأحزاب وبني قريظة
في شوال سنة أربع(٣).
(٣) قال الحافظ ابن كثير :
وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن اسحاق وعروة بن
الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه
قال : ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع ، وكذلك قال الامام مالك بن أنس فيما رواه
أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه ، قال البيهقي : ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم
أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس ، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد
واعدوا المسلمين الى بدر العام القابل ، فذهب النبي ه وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع
ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين ،
فتح الخندق في شوال من سنة خمس والله أعلم . وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد
أحد بسنة ولا خلاف أن أحداً في شوال سنة ثلاث الا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من
محرم الثانية لسنة الهجرة ، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول الى آخرها كما
في البيهقي ، وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي وقد صرح بأن بدراً في الأولى ، وأحداً في
ثنتين ، ويدر الموعد في شعبان سنة ثلاث ، والخندق في شوال سنة أربع . وهذا مخالف
الجمهور فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة
وعن مالك من ربيع الأول سنة الهجرة ، فصارت الأقوال ثلاثة والله أعلم. والصحيح الجمهور أن
أحداً في شوال سنة ثلاث ، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم فأما الحديث
المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال : على رسول
اللّه ** يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن خمس
عشرة فأجازني ، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بأنه عرض عليه يوم أحد في أول
الرابعة عشرة ، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة . قلت : ويحتمل أنه لما عرض عليه في
يوم الأحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان يبقى على هذا زيادة
عليها . ولهذا لما بلَّغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال : ان هذا بين الصغير والكبير .
ثم كتب به الى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء والله أعلم .
٣٩٣

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو جعفر البغدادي ، قال :
حدثنا أبو عُلَاثَة ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال : حدثنا أبو
الأسود ، عِن عُرْوَةً ، فذكره بنحوٍ من هذا قالا : وقد قالا في قصة الخندق انها
کانت بعد أُحُد بسنتين .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال: أخبرنا(٤) عبد الله بن جعفر
قال : حدثنا يعقوب بن سفيان قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثنا(*) الليث
قال : حدثنا عقيل، عن ابن شهاب ، قال: ثم كانت وقعةُ أَحُدٍ على رأس سنةٍ
من وقعة بدرٍ ، ثم كانت وقعة الأحزاب وهي بعد وقعةٍ أُحُد بسنتين ، وذلك يوم
خندق رسول الله# جانب المدينة، ورئيس المشركين يومئذٍ أبو سفيان بن
حرب، ثُمَّ سار رسول اللّهِ وَّهُ إلى قُرَيْظة فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد
ابن معاذ .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر قال :
حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا(٦) أحمد بن الخليل البغدادي بنيسابور ،
قال : حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا شيبان ، عن قتادة في ذكر مغازي
رسول اللّه وَل قال: واقع يوم بدر في شهر رمضان بعد هجرته لثمانية عشر شهراً
وواقع يوم أَحُدٍ من العام المقبل في شوال ، قال : وواقع يوم الأحزاب وكان بعد
أحد بسنتين لأربع سنين من هجرته ، وأصحاب النبي # يومئذ فيما بلغنا ألف ،
والمشركون أربعة آلاف أو ما شاء الله من ذلك، وذكر لنا أن نبيَّ اللهِلَّ، قال:
لن يغزوكم المشركون بعد اليوم .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن
(٤) (ح): ((حدثنا)).
(٥) (ح): ((حدثني)).
(٦) في (ح) ((حدثني)).
٣٩٤

يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
ابن إسحاق ، قال : كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس(٧).
قلت : لا اختلاف بينهم في الحقيقة ، وذلك لأن رسول الله هو قاتل يوم
بدرٍ لسنةٍ ونصف من مقدمة المدينة في شهر رمضان ، ثم قاتل يوم أُحُد من السنة
القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال ، ثم قاتل يوم الخندق بعد أُحُد
بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمة المدينة ، فمن قال سنة أربع :
أراد بعد أربع سنين ، وقبل بلوغ الخمس ، ومن قال : سنة خمس أراد بعد
الدخول في السنة الخامسة وقبل انقضائها والله أعلم .
فأما الحديث الصحيح الذي أخبرناه أبو محمد بن أبي حامد المقرىء ،
قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا الحسن بن علي بن
عفان ، قال : حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي.، عن عبيد الله بن عمر ، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: عرضني رسول اللّه وَ ل* يوم أحد في القتال وأنا ابن
أربع عشرة فلم يُجِزني ، فلما كان يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرةً
فأجازني (٨).
فقدمت على عُمَرَ(٩) ، يعني ابن عبد العزيز ، وعمر يومئذٍ خليفة فحدثته
بهذا الحديث فقال إنَّ هَذا لَحَدٌّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عُمَّاله أن
افرضوا لابن خمس عشرة وما كان سوى ذلك ، فألحقوه بالعيال .
(٧) الخبر في سيرة ابن هشام ( ٣ : ١٦٨).
(٨) في هامش (ح): ((وكان قد استكمل خمس عشرة سنة، وزاد عليها عام الخندق ، فأجازه حين
عرِضَ عليه)).
(٩) القائل هنا نافع ، وهو راوي الحديث عن عبد الله بن عمر .
٣٩٥

أخرجاه في الصحيح من حديث عبيد الله بن عُمَر (١٠).
فيحتمل أن ابن عُمَرَ كان قد طعن في الرابعة عشرة يوم أُحُد فلم يُجزهُ في
القتال حين عُرِض عليه وكان قد استكمَلَ خمس عشرة سنة وزاد عليها عام
الخندق ، فأجازه حين عُرِضَ عليه إلّا أنّه نْقَلَ الخمس عشرة لتعلق الحكم بها
دون الزيادة ، وذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر هذه الرواية الصحيحة ، وحمل
قول موسى بن عقبة على ظاهره وأن أبا سفيان حين خرج لموعد النبي وم القر في
شعبان ثم انصرف ، خرج مُعدّاً للقتال عامئذٍ في شوال على رأس سنةٍ واحدة من
أُحُد ، وذلك يخالف قول الجماعة في قَدْر المدة بين بدر الآخرة والخندق ، فقد
روينا قبل هذا عن موسى بن عقبة في تاريخ خروج النبي فمثلا لموعد أبي سُفيان
أنه كان في شعبان سنة ثلاث ، والخندق في شوال سنة أربع ، وروينا عنه في
قصة الخندق انه قال : فخرج أبو سفيان في آخر السنتين يعني من أُحُد ، وقد
قال في أُحُد أنه كان في شوال سنة ثلاث ، فيكون قوله في أُحُد سنة ثلاث
محمولاً على الدخول في الثالثة قبل كمالها ، وقوله : في بدر الآخرة وهو خروج
النبي چ لموعد أبي سفيان سنة ثلاث أي بعد تمام ثلاث سنين ودخول الرابعة ،
وقوله في الخندق : سنة أربع أي بعد تمام أربع سنين والدخول في الخامسة .
هذا على قول مَنْ زعم أن مبتدأ التاريخ وقع من وقت قدوم النبي وآثار
المدينة، وَقَدْ زَعَمَ بعض أهل التواريخ أنَّ النبي صل قدم المدينة في شهر ربيع
الأول، فلم يَعُدّوا ما بقي من تلك السنّةِ ، وانما عدُّوا مبتدأ التاريخ من المحرم
(١٠) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، (٢٩) باب غزوة الخندق .
وأخرجه الترمذي في : ١٣ - كتاب الأحكام (٢٤) باب ما جاء في حدّ بلوغ الرجل والمرأة ،
الحديث (١٣٦١ )، ص (٣ : ٦٣٢ - ٦٣٣)، وقال أبو عيسى : (( هذا حديث حسن
صحيح ، والعمل به عند أهل العلم ، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق : يَرَوْن أن الغلام إذا استكمل خمس عشرة سنة فحكمه حكم الرجال ، وإن
احتلم قبل خمس عشرة سنة فحكمه حكم الرجال )» .
٣٩٦

من السنة القابلة ، فتكون غزوة بدر في السنة الأولى وأحُد في الثانية، وغزوة بدر
الآخرة في الثالثة والخندق في الرابعة .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان [ قال ](١١) أخبرنا عبد الله بن جعفر
ابن دَرَسْتَوَيْه النحوي ، قال : حدثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان قال : قَدِم
رسول الله ◌َو المدينة شهر ربيع الأول وأقام بها الى الموسم، وكانت غزوة بدر
يوم الجمعة صبيحة سبعَ عشرة ليلة من شهر رمضان على رأس سبعة عشر شهراً
من مّقْدَم رسول الله وَّ المدينة، وهي أوّل سنة أُرّخت، ثم كانت غزوة أُحُد
يوم السبت لاحدى عشرة خلت من شوال من السنة الثانية ، ثم كانت غزوة بدرٍ
الآخرة في شعبان سنة ثلاث لموعِدٍ قريشٍ ، ثم كانت غزوة الخندق في شوال
من سنة أربعٍ ، ثم كانت غزوة بني لحيان في سنة خمس يُريد بني المصطلق ،
ثم كانت غزوة الحُديْبَيّة في ذي القعدة من سنة ستُّ ، ثم كانت عمرَةُ القضاءِ في
ذي القعدة سنة سبع ، ثم كانت غزوة الفتح فتح مكَّة في شَهْرٍ رمضان سنة
ثمان ، وأقام الحج للناس سنة ثمانٍ عَتَّاب بن أُسَيْد ، وأقام الحج للناس سنة
تسع أبو بكر رضي الله عنه، وأقام الحج للناس سنة عشرٍ رسول الله (983 وهي
حجة الوداع، ثم صدر رسول الله وعليه إلى المدينة فأقام بها بقية ذي الحجة
والمحرم وصفراً ، ثم قبضه الله اليه في شهر ربيع الأول في يوم الاثنين صلوات
اللّه عليه وعلى آله .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو بكر بن المؤمَّلِ قال :
حدثنا الفضل بن محمد الشعراني قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا
موسى بن داود قال : سمعت مالك بن أنس قال : كانت بدرٌ لِسنةٍ ونصف من
مقدم رسول اللّه وَلجر المدينة وأُحُد بعدها بسنةٍ، والخندق سنة أربع، وبني
المصطلق سنة خمس ، وخيبر سنة ستٍ ، والحديبية في سنة خيبر ، والفتح في
سنة ثمان ، وقريظة فى سنة الخندق .
(١١) ليست في (ح) ، وكذا في سائر الخبر .
٣٩٧

باب
سیاق قصة الخندق من مغازي موسی
ابن عقبة (١) رحمه الله
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، [ قال: ](٢) أخبرنا إسماعيل بن محمد بن
الفضل بن محمد الشعراني قال : حدثنا جدي قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحَزاميُّ قال : حدثنا(٣) محمد بن فُليحٍ ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب
(ح) .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، واللفظ له ، قال : أخبرنا
أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتّاب العبديُّ قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن
المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ، قال : حدثنا اسماعيل بن إبراهيم بن
عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة ، قال : خرج أبو سفيان وقريش ومن اتبعهم من
مشركي العرب معهم حُبِيّ بن أخطَب ، واستمدُّوا عُيينة ابن [ حصن بن حذيفة
بن ](٤) بدرٍ ، فأقبل بمن أطاعه من غطفان وبنو أبي الحقيق كنانة بن الربيع بن
أبي الحقيق سعى في غطفان وحضهم على القتال على أن لهم نصف ثَمّر
(١) اختصرها ابن عبد البر في ((الدرر في اختصار المغازي والسير)) ص (١٦٩ - ١٧٧).
(٢) ليست في (ح) .
(٣) في (ح): ((حدثني)).
(٤) الزيادة من الدرر ص (١٦٩) .
٣٩٨

خيبر ، فزعموا أن الحارث بن عَوّف أخا بني مُرّة ، قال : لعيينة بن بدر ،
وغطفان : يا قوم أطيعوني ودَعُوا قتال هذا الرجل وخُلُّوا بينه وبين عدوّه من
العرب ، فَغَلَبَ عليهم الشيطانُ وقطع أعناقهم الطمع ، فانقادوا لأمر عُيَيْنَة بن
بدرٍ، على قتال رسول اللّه وَ لتر، وكتبوا إلى حلفائهم من. أسَدٍ فأقبل طليحة
فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان : أسدٌ وغطفان وكتبت قريش الى رجال من
بني سُلَيْم أشرافٍ بينهم وبينهم أرحامٌ فأقبل أبو الأعور فيمن اتبعه من بني سليم
مَدَداً لقريش ، فخرج أبو سفيان في آخر السنتين فيمن اتبعه من قبائل العرب ،
وأبو الأعور فيمن اتبعه من بني سُلَيْم ، وعيينة بن بدرٍ ، في جمعٍ عظيم ، فهم
الذين سماهم الله الأحزاب .
فلما بلغ خروجهم النبي ◌َّ﴿ أَخَذّ في حفر الخندق ، وخرج معه المسلمون
فوضع رسول الله وَ ليز يده في العمل معهم ، فعملوا مستعجلين يبادرون قدوم
العدوِّ، ورأى المسلمون أنَّمَا بَطَشَ رسول الله وَّر معهم في العمل ليكون أجَدَّ
لهم وأقوى لهم بإذن الله عزّ وجلّ ، فجعل الرجل يضحك من صاحبه إذا رأى منه
فترةٌ، وقال النبي ◌ََّ لا يغضب اليوم أحدٌ من شيء آرْتُجِزَ به ما لم يقل قول
كعب أو حسّان فإنهما يجدان من ذلك قولاً كثيراً ونهاهما(*) أن يقولا شيئاً
يحفظان به(٦) أَحَداً فذكروا أنه عرض لهم حَجَرٌ في محفرهم، فَأَخَذَ رسولُ الله
* مِعْولاً من أحدهم فضربه به ثلاثاً فَكَسَرَ الحجر في الثالثة ، فزعموا أن سلمان
الخير الفارسي أَبْصَر عند كل ضربةٍ بَرْقَةٌ ذهبت في ثلاث وجوهٍ كُلَّ مرةٍ يُتْبِعُها
سلمَانُ بَصَرَهُ، فذكر ذلك سَلْمَان لرسول اللّهِ وَّه، فقال: رأيت كهيئة البرق أو
موج الماء عن ضربةٍ ضربتها يا رسول الله ذهبتْ إحداهُنَّ نحو المشرق ،
والأخرى نحو الشام ، والأخرى نحو اليمين، فقال النبي ◌َله: وقد رأيت ذلك يا
(٥) في (ص): ((ونهاهم)).
(٦) في (ص): ((يخفضان)).
٣٩٩

سلمان؟ قال : نعم ، قد رأيت ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله وَاليه فإنه
أُبِيْضَ لي في إِحداهُنَّ مدائن كِسْرَى ومدائن من تلك البلاد ، وفي الأخرى مدينة
الروم ، والشام وفي الأخرى مدينة اليمن وقصورها ، والذي رأيت النّصر يبلغُهُنَّ
إن شاء الله، وكان سلمان يذكر ذلك عن رسول الله ال * .
قال: وكان سلمان رجلاً قويّاً فلما وَكَّلَ رسول اللهِ وَلّ بكل جانب من
الخندق ، قال المهاجرون : يا سلمان احفر معنا ، فقال رجل من الأنصار : لا
أحدٌ أحقُّ به مِنَّا، فبلغ ذلك رسول الله وَ له، فقال رسول الله وصله: (( إنّما سلمانُ
منا أهل البيت)»(٧).
وقال عبد الله بن عباس : لما قَتَلَ الأسود العَنْسِيَّ كذَّابَ صنعاء فيروز
الديلمي وقدِم قَادِمُهُم على رسول الله وَّ قد أسلموا قالوا: يا رسول اللّه من
نحن ؟ قال : أنتم الينا أهل البيت ومنَّا، فلما قَضَوْا حفر خَنْدَقّهم ، وذلك في
شوال سنة أربع ، وهو عام الأحزاب .
وعام الخندق أقبل أبو سفيان بن حرب ومن معه من مشركي قريش ومن
اتبعه من أهل الضلالة فنزلوا بأعلى (٨) وادي قناة من تلقاء الغابة، وغَلّقت بنو
قُرَيْظَةً حصنهم، وتَأَشَّموا بحُنِيٍّ بن أَخْطَب ، وقالوا : لا تكونوا من هؤلاء القوم
في شيء فإِنكم لا تدرون لمن تكون الدِّبْرَة ، وقد أهلك حُبِيٌّ قومَه فاحْذّرُوه ،
وأقبل حُبِيٌّ حَتّى أتى باب حِصْنهم ، وهو مغلق عليهم وسَيِّدُ اليهود يومئذ كعب
ابن أسْدٍ فقال حُبِيٍّ : أَثَمَّ كعب؟ قالت امرأته: ليس هَا هُنا ، خَرَجَ لبعض
حاجاته فقال حُبِيٍّ : بل هو عندك مَكَثَ على جشيشته(٩) يأكل منها فكره أن
(٧) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣: ٥٩٨)، وقال الذهبي: ((سنده ضعيف)).
(٨) رسمت في (أ): ((بأعلا)).
(٩) ( الجشيشة) : طعام يصنع من الجشيش ، وهو البر يطحن غليظاً .
٤٠٠