Indexed OCR Text
Pages 201-220
بسم الله الرحمن الرحيم جماع أبواب غزوة أحد(١) باب ذكر التاريخ لوقعة أحد أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا الحجاج بن أبي منيع ، قال : حدثنا جدي عن الزهري عن عروة ، قال: ثم كانت وقعة أحدٍ في شوال على رأس سنةٍ من وقعة بدرٍ، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب(٢). وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : حدثنا يعقوب بن سفیان ، قال : حدثنا أحمدُ ابن الخلیل البغدادي بنیسابور ، قال : حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا شيبان ، عن قتادة، قال: واقع نبيُّ اللّهِوَ # يوم أُحُدٍ من العام المقبل بعد بدرٍ في شوال يوم السبت لإِحدى عشرة ليلةٌ مضت من شوال وكان أصحابه يومئذ سبعمائة والمشركون ألفين أو ما شاء الله من ذلك(٣). (١) انظر في غزوة أحد: ابن سعد (٢: ٣٦)، مغازي الواقدي (١: ١٩٧)، وسيرة ابن هشام (٣: ٣)، وصحيح البخاري (٥: ٩٣)، ومسلم بشرح النووي (١٢: ١٤٧)، وتاريخ الطبري (٢ : ٤٩٩)، وأنساب الأشراف (١: ١٤٨)، وابن حزم (١٥٦)، والدرر في اختصار المغازي والسير (١٤٥) وعيون الأثر (٢: ٥)، وتاريخ ابن كثير (٤: ٩)، والنويري (١٧: ٨١)، والسيرة الحلبية (٢ : ٢٨٤)، والسيرة الشامية (٤ : ٢٧١). (٢) البداية والنهاية (٤ : ٩). (٣) قول قتادة في البداية والنهاية (٤: ٩). ٢٠١ قلت : وقال ابن إسحاق للنصف من شوال(٤) هـ. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن المؤمَّل، قال : حدثنا الفضل بن محمد الشعراني، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا موسى بن داود ، قال : سمعتُ مالك بن أنس ، قال : كانت بدر لسنةٍ ونصف من مقدم النبي ◌َّل﴿ المدينة وأُحُد بعدها بسنةٍ (٥) هـ. وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى (٦)، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا مالكٌ، قال: كانت أُحُدٌ على أَحَدٍ وثلاثين شهراً في شوال، من مقدم النبي ◌َّه المدينة مهاجراً، قال: وكان القتال يوم أحدٍ في أول النهار. (٤) تاريخ ابن كثير (٤ : ٩) عن ابن إسحاق. (٥) قول مالك نقله ابن كثير في التاريخ (٤ : ٩). (٦) رسمت ي (أ): ((الاعلا)). ٢٠٢ ءُ باب ذكر ما ارِىَ رسول الله * في منامه من شأن الهجرة وأُحُدٍ وما جاء الله به من الفتح بعد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عَمْروٍ قالا : حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي ، قال: حدثنا أبو أسامة عن بُرَيِّد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ◌َّ ، قال : أُريتُ في المنام أَني أُهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلِيَ (٧) إلى أنها اليمامة أو هَجَرٌ ، (٨)، فإِذا هي المدينة : يُثْرب . ورأيت في رُؤْيَاى هذه أني قد هزَزَتُ سيفاً فانقطع صدره فإذا هوما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد، ثم هززته أخرى فعادّ أحَسنَ مما كَانَ ، فإِذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضاً بَقَراً(٩) والله خَيْرٌ(١٠) فإِذا (٧) (وهلي) بتسكين الهاء وفتحها = أي : وهمي ، واعتقادي . (٨) (هجر) : مدينة معروفة ، وهي قاعدة البحرين. (٩) (ورأيت فيها بقرأ): قد جاء في غير مسلم زيادة في هذا الحديث : ورأيت بقرأ تنحر ، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا بما ذكر، فنحر البقر هو قتل الصحابة - رضي الله عنهم - الذين قتلوا باحد . (١٠) (والله خيرٌ): قال القاضي عياض: قد ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: والله خَيْرٌ، على المبتدأ والخبر. ٢٠٣ هُمُ النفر من المؤمنين يومَ أُحُد ، وإذا الخَيْرِ ما جاء الله به من الخَيْرِ وثواب الصدق الذي آتانا بعد يوم(١١) بدرٍ . أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح ، عن أبي كريب، عن أبي أسامة(١٢). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبوالعباس: محمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا عبد الله بن وَهْب ، قال : أخبرني ابن أبي الزَّنادِ ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: تنفَّل رسول اللّه وَّر سيفه ذا الفقار يوم بدرٍ ، قال ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أُحُد، وذلك أن رسول اللّه ◌َوَّ لما جاءهُ المشركون يوم أُحُد كان رَأْىُ رسول اللّهِ وَلهو أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها، فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدراً: يخرج بنا رسول الله مصر اليهم نقاتلهم بأُحُد، (١١) (بعدُ يومَ بدر) : ضبط بضم دال بَعْدُ ، ونصب يومّ، قال : وروي بنصب الدال ، قالوا : ومعناه ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين ، لأن الناس جمعوا لهم وخوفوهم فزادهم ذلك إيماناً وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ، لم يمسسهم سوء ، وتفرّقَ العدو عنهم هيبة لهم. وقال أكثر شراح الحديث : معناه ثواب الله خير، أي صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا . (١٢) الحديث أخرجه مسلم في: ٤٢ - كتاب الرؤيا (٤) باب رؤيا النبي *، الحديث (٢٠)، ص (١٧٧٩ - ١٧٨٠). وأخرجه البخاري مقطعاً في غير موضع من المغازي ، في (٢٦) باب من قُتِلَ من المسلمين يوم أحد، الحديث (٤٠٨١)، عن أبي كريب = محمد بن العلاء ، فتح الباري (٧ : ٣٧٤ - ٣٧٥)، وفي كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، وفي كتاب التعبير ، (باب) إذا رأى بقراً تُنْحر، و(باب) إذا رأى انه أخرج الشيء من كورة فأسكنه موضعاً آخر، كلاهما عن أبي كريب. كما أخرجه ابن ماجة في كتاب تعبير الرؤيا ، باب تعبير الرؤيا، عن محمود بن غيلان، عن أبي اسامة . ٢٠٤ ورجَوْا أَنْ يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدرٍ، فما زالوا برسول اللّه وَل حتى لَيِس أَدَاته، ثم نَدِموا وقالوا: يا رسول الله! أقم فالرأي رأيك، فقال رسول الله . **: ما ينبغي لنبي أن يضع أَدَاتُهُ بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه، قالوا : وكان مما قال لهم رسول الله ( يومئذ قبل أن يلبس الأداة : إني رأيت أني في درع حصينة فأوَّلْتُهَا المدينة ،، وإني مردفٌ كبشاً فأَوَّلته كَبش الكتيبة، ورأيت أن سيفي ذا الفَقارِ فُلَّ فأوَّلْتُهُ فَلَّ فيكم، ورأيت بَقّراً تُذْبَحُ فبقرٌ والله خيرٌ، (١٣) فَبَقَّرٌ والله خيرٌ (١٤) . أخبرنا علي بن أحمد بن عَبْدَان، قال: أخبرنا أحمد بن عُبَيْدٍ، قال : أخبرنا ابن ناجيةً ، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث ، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس: أن رسول اللّهِ وَله قال: رأيت فيما يرى النائم، كأني مردفٌ كبشاً، وكأنَّ ◌ُبَّةَ سيفي انكسرت فأوَّلت أني أقتُلُ كبشأُ لقومٍ، وأوَّلت كَسْر ◌ُبَةً سيفي : قتل رجل من عترتي (١٥) حَمزةٌ، وقُتِلَ طلحة بن أبي طلحة وكان صاحب اللواء(١٦). (١٣) تقدم شرح معناها بالحاشية (١٠) من هذا الباب. (١٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١ : ٢٧١)، عن ابن عباس . (١٥) في (هـ) (عثرتي))، وهو تصحيف. (١٦) نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤ : ٢٧٤) وعزاه للإِمام أحمد، والطبراني، والحاكم ، والبيهقي، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٦: ١٠٧ - ١٠٨)، وقال : رواه الطبراني ، واللفظ له ، والبزار ، واحمد ، ولم يكمله ، وفيه : علي بن زيد وهو سيء الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح . ووقع في الأصل، ومجمع الزوائد: ((وقتل رسول الله (بسيطة، طلحة، وكان صاحب اللواء)) وفي السيرة الشامية: (٤ : ٢٧٥): ((وقتل طلحة بن أبي طلحة، وكان صاحب اللواء)). وفي سيرة ابن هشام (٣ : ٦٧): ((وقال ابن إسحاق: وقتل من المشركين يوم أحد : من قريش، ثم من بني عبد الدار بن قصي من أصحاب اللواء : طلحة بن أبي طلحة .... قتله علي بن ابي طالب - رضي الله عنه - ٢٠٥ باب سیّاق قصَّةٍ خروج النبي ◌َّ﴿ إلى أُحُدٍ وكيف كانت الوقعة أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال : أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الله بن عتّاب ، قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا اسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة (ح). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في المغازي، قال: أخبرنا اسماعيل بن محمد ابن الفضل ، قال: حدثنا جدّي، قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب وهذا لفظ حديث اسماعيل، عن عمه : موسى بن عقبة قال : ورجعت قريشٌ فاستجلبوا من استطاعوا من مشركي العرب ، وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من العام المقبل من وقعة بدر، حتى طلعوا من بثْر الحماوَيْنِ، ثم نزلوا ببطن الوادي الذي قبل أحد، وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بَذْراً ندموا على ما فاتهم من سابقة بدرٍ وتمنّوْا لقاء العدو وليبلُوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر ، فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أُحُد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بذراً، بِقُدوم العدوّ عليهم، وقالوا: قد ساق اللّه الينا بأُمْنِيّتنَا، ثم أن رسول الله ﴿* أُرِيّ ليلة الجُمُعةِ رُؤيَا، فأصبح فجاءه نفرٌ من أصحابه، فقال : رأيت ٢٠٦ البارحة في منامي بَقَرأ واللّه خَيْرٌ ، وفي رواية ابن فُليح بَقَرأْ تُذْبح ، ورأيت سيفي ذا الفقار انفصَم من عند ظُبَّتِهِ - أو قال: به فُلولٌ فكرهته وهما مضبََّتان - ورأيتُ أني في درع حصينةٍ وأني مُردِفٌ كبشاً، فلما أخبرهم رسول اللّه ◌ُ﴾ برؤ یَاهُ، قالوا : يا رسول الله! ماذا أَوّلت رؤ ياك؟ قال : أوّلت البَقَرّ الذي رأيتَ نفراً فينا وفي القوم ، وكرهت ما رأيت بسيفي، ويقول رجالٌ : وكان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه ، فإِنَّ العدوّ أصابوا وَجْهَهُ يومئذٍ، وفصموا رباعيته، وخرقوا شَفْتُه يزعمون أن الذي رَمّاه عتبةُ بن أبي وقاص ، وكان البقر من قُتِلَ يومئذٍ من المسلمين ، وقال : أوَّلْتُ الكبش انه كبش كتيبة العدو فقتله ، وفي رواية ابن فليح : يقْتُلُهُ اللّه ، وأوّلت الدرع الحصينة : المدينة، فامكثوا واجعلوا الذَّراريَّ في الآطام، فإِن دخل علينا القومُ في الأزقة قاتلناهم وَرُمُوا مِنْ فوق البيوت وكانوا قد شكُوا أزقة المدينة بالبنيان، حتى كانت كالحصن، فقال الذين لم يشهدوا بدراً كُنّا يا نبي الله نتمنى هذا اليوم وندعوا الله، فقد ساقه اللّه إِلَيْنَا، وَقَرَّبَ المسير. وقال رجالٌ من الأنصار : متى نقاتلهم يا نبيَّ اللّه لم نقاتلهم عند شعبنا ؟ وقال رجال ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يُزْرَّْع. وقال رجالٌ قولاً صدقوا به ومضوا عليه ، منهم : حمزة بن عبد المطلب ، قال : والذي أنزل عليك الكتاب لنُجَالِدَنَّهم . وقال يَعْمر بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالمٍ ، يا نبيَّ اللّه ! لا تحرمنا الجنة ، فوالذي نفسي بيده لأدخُلُنَّها، فقال له رسول اللّهِ م ◌ْ﴾ بم ؟ قال بأني أُحبُّ الله ورسوله ولا أفرُ يوم الزحف، فقال له رسول الله صلصلة : صدقت، فاستشهد يومئذٍ . وأبى كثير من الناس الّ الخروج إلى العدُوِّ، ولم يتناهوا الى قول رسول اللهَ﴾ ورأيه، ولو رَضُوا بالذي أمرهم به كان ذلك، ولكن غَلَبَ القضاءُ ٢٠٧ والقدرُ ، وعامَّةُ مَنْ أشارَ عليه بالخروج رجالٌ لم يشهدوا بدراً ، قد علموا الذي سَبَق لأصحاب بدرٍ من الفضيلةِ، فلما صلى رسول الله ◌َّ الجمعة وعظ الناس وذكّرَهم ، وأمرهم بالجِدّ والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته ، فدعًا بالَّلَأَمَةِ فلبسها ، ثم أُذُّن في الناس بالخروج . فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله وَر أن نمكث بالمدينة ، فإن دخل علينا العدو قاتلناهم في الأزقة ، وهو أعلمُ بالله وما يريدُ ويأتيه الوحيُ من السماءِ ، ثم اشخصناه ، يا نبيَّ الله امكثْ كما أَمَرْتَنا ، قال رسول الله له: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وآذن بالخروج إلى العدوّ أن يرجع حتى يقاتل ، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلّ الخروج ، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البّأس إذا لقيتم العدو انظروا ما آمُرُكُمْ بهِ فافعلوه ، فخرج رسول الله والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم ألفُ رجلٍ والمشركون ثلاثة آلافٍ، فمضى رسول اللّه وَّ حتى نزلَ بأُحُد، ورجع عنه: عبد الله بن أبي بن سلول في ثلثمائة فبقيَ رسول الله وتثير في سبع مائة ، فقال كعب بن مالكٍ الأنصاريُّ : إنّا بهذا الجذع لو كان أهله سوانا لقد ساروا بليل فَأَقْشّعوا(١) جلادٌ على ريب الحوادث لا ترى على هالكٍ عَيْنأُ لنا الدهر تَدْمَعُ(٢) (١) في سيرة ابن هشام (٣ : ٧٤) ورد بيت الشعر كما يلي : وإنّا بِأَرْضِ الخَوْفِ لو كان أَهْلُها سوّانا لَقْدْ أَجْلَوْا بِلَيْرٍ فَأَقْشَعوا ومعنى أقشعواء فروا، وذلوا . (٢) جلاد : جمع جليد ، وهو الصبور . ٢٠٨ ثلاث مِيْنٍ أن كَثُرْنَا وَأَرَبَعُ(٣) ثلاثة آلاف ونحن نّصبَّةٌ غَمَامُ هراقت مَاءَهَا الريحُ تُقْلِعُ(٤) فراحوا سراعاً مُؤْجفين كأنهم أسودٌ على لحمٍ بِبيشةَ ظُلَّعُ(٥) ورحنا وأُخْرانا بِطَاءٌ كأَنَّنَا فلما رجع عبد الله بن أبي بالثلاث مائة ، سُقِط في أيدي الطائفتين من المسلمين، وهَمِّتَا أن تَقْتَتِلاً، وهما: بنو حارثة، وبنوسَلَمة كما يقال ، وصفّ رسول الله ﴿ المسلمون بأصلِ أُحُد، وصفّ المشركون بالسِّبَخّة التي قبل أُحُد وتَعبَّأَ الفريقان للقتال ، وجعل المشركون على خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة ، ومعهم مائة فرسٍ وليس مع المسلمينَ فرسٌ، وحاملُ لواء المشركين من بني عبد الدار ، واشتكى صاحب لوائهم : طلحة بن عثمان أخو شيبة بن عثمان ، وكانت لهم الحجابَةَ والندوة واللواءُ ، فقال أبو سفيان بن حرب : إن اللواءَ ضاع يوم بدر حتى قتل حوْلَهُ مَنْ قد علمتم ، وأرى أن أعارضَهُم بلواءٍ آخر ، فقالتْ بنو عبد الدار والأحلاف : ان شئتم فارفعوا لواءً آخر ، ولكن لا يرفعهُ الّ رجل من بني عبد الدار ، فقال أبو سفيان : بل عليكم بِلوائكم فاصبروا عنده . وأمر رسول الله وَ ل خمسين رجلاً من الرماةِ فجعلهم نحو خَيْل العُدوِّ ، وأمَّر عليهم عبد اللّه بن جبير أخّا خَوَّات بن جبير، وقال لهم : أيها الرماة إذا أخذنا منازلنا من القتال فإِنْ رأيتم خيل المشركين تحرّكت وانهزم أعداءُ اللّه فلا تتركوا منازلكم ، إني أتقدَّم اليكم أن لا يُفارقنَّ رجل منكم مكانه واكفوني الخيل ، فوعزّ إليهم فأبلغ ، ومن نحوهم كان الذي نزل بالنبي # يومئذ والذي أصابَهُ . (٣) النصيَّة: الخيار من القوم . (٤) (موجف) : مسرع . (٥) بيشة : اسم موضع تنسب إليه الأسود، وُلَّع: جمع ظالع ، وهو من صفة الأسود ، وفي روایة: مُلْمُ. ٢٠٩ فلما عَهَد النبيِ وَ إلى أصحابه عهدَهُ في القتال ، وكان حامل لواءٍ المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله وَ﴿ فقال: أنا عاصِمُ ان شاء الله لما معي ، فقال له طلحة - يعني طلحة بن عثمان - : هل لك يا عاصم في المبارزة ؟ قال : نعم فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله ، فكان قتل صاحب لواءٍ المشركين تصديقاً لرؤ ياً رسول الله أني مردفٌ كَبْشاً، فلما صُرع صاحب اللواء انتشر النبيِ وَّه وأصحابه ، وصاروا كتائب متفرقة ، فجاسوا العدُوَّ ضَرْباً حتى أجهضوهم عن أثقالهم ، وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مَرَّاتٍ كلِ ذلك تُنْضَحُ بالنبل فترجع مغلولةٌ ، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلاً ، فلما أَبْصَرَ الرماةُ الخمسون أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم ، قالوا : والله ما نجلس هاهنا لشيء ، قد أهلك الله العدوّ وإخواننا في عسكر المشركين ، وقال طوائف منهم: على ما نصُفُّ وقد هزم اللّه العدوَّ، فتركوا منازلهم التي عَهِدَ اليهم النبي ◌َّ ألَّ يتركوها ، وتنازعوا وفشلوا ، وعصوا الرَّسُولَ، فأوجفت الخيل فيهم قتلاً، وكان عامتهم في العسكر ، فلما أبصروا ذلك الرجال المتفرقة أن الخيل قد فعلت ما فعلت : اجتمعوا وأقبلوا وصرخ صارخٌ أُخراكم أخراكم قُتل رسول اللّه وله فسُقط في أيدي المسلمين فقُتل منهم من قتل وأكرمهم اللّه بأيدي المشركين وأصعد الناسُ في الشعْبٍ لا يَلوون على أَجِدٍ، وثبت الله - عزَّ وجل - النبي ◌ُلُّ حين انكشف عنه من انكشف من أصحابه وهو يدعوهم في أخراهم حتى جاءه من جاءه منهم إلى قريب من المهراس(٦) في الشّعْبِ، فلما فُقد رسول الله له قال رجل منهم: ان رسول اللّه ◌َ﴾ قد قُتل فارجعوا إلى قومكم فَيُؤَ منونكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم فإنهم داخلون البيوت ، وقال رجل منهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا، وقال آخرون: ان كان رسول اللّه قد قُتل أفلا تقاتلون (٦) المهراس : اسم ماء بأقصى شعب أحد. ٢١٠ عن دينكم ، وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداءَ ؟ منهم : أنس بن النضر شهد له بها سعد بن معاذ عند رسول الله وَّله، ويُقال أَحَدُ بني قُشير الذي "قال لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا . ومضى النبي ول# يلتمس أصحابه فإذا المشركون نحو وجهه على طريقه ، فلما رآهم رسول الله وَ﴿ قد استقبلوه، قال: ((اللهم أنْ تَشَأُ لا يُغلِيْكَ أحدٌ في الأرض وقال اللهم ان تشأُ لا تُعْبَد))، فانصرف المشركون والنبي ◌ِّ يدعو أصحابه مُصْعداً في الشعْب ، معهُ عصابَةٌ صبروا معه ، منهم : طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام ، وبايعوه على الموت ، وجعلوا يسترونه بأنفسهم ويقاتلون معه حتى قتلوا إلّ ستّةَ نفرٍ أو سبعةً وهم مع ذلك يمشون حول المِهرَاسِ، ويقال كان كعب بن مالك أول من عرف عين رسول الله صل ◌ّ حين فُقد من وراءِ المِغْفَرِ فنادى بصوته الأعلى: الله أكبر، هذا رسول اللّه الآن، فأشار اليه - زعموا رسول الله صل﴿ - أن اسكت، وجُرحَ رسول اللّهِ وَّ في وجهه، وكُسِرت رَباعيتَهُ(٧) . وكان أُبَيُّ بن خَلَفٍ قال حين افتدى : والله إِنَّ عندي لفرساً أعلفُهَا كل يوم فَرَقَ ذُرَةٍ ولا قْتُلَنَّ عليها محمداً. فبلغت رسول اللّهِ لَّهِ حَلْفَتَهُ فقال: بل أنا أقتلُهُ إن شاء الله . فأقبل أُبَّ مُقْنَّعاً في الحديد على فرسِه تلك يقول : لا نجوتُ إن نجا محمد، فَحَمَلَ على رسول اللّه ◌َ يُريد قتله . قال موسى بن عقبة : ، قال سعيد بن المسيب : فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله وَث﴿ فخلُّوا طريقه، واستقبلهُ مُصْعَبٌ بن عمير أخو (٧) الرَّباعية: الناب من الإِنسان يذكر ما دام له هذا الإِسم ، وهو الذي يلي الرباعيات ، وقال ابن سينا: ((ولا يجتمع في صيوان ناب وقرن معاً)). ٢١١ بني عبد الدار يقي رسول الله وَّةَ، فَقُتِلَ مصعب بن عمير، وأَبْصَرَ. رسول الله ◌َّهِ تُرْقُوَةَ أبيّ بن خلفٍ من فُرْجَةٍ بين سابغةِ البيضةِ والدرْعِ، فطعنهُ بحربتهِ ، فوقع أَبِيِّ عن فَرَسهِ ، ولم يخرج من طعنته دَمٌ ، قال سعيد: فَكَسَر ضلعاً من أضلاعه ففي ذلك نزل ﴿وما رَمَّيْتَ إِذْ رَمَّيْتَ ولكن الله رمى﴾(٨)، فأتاهُ أصحابهُ وهو يخور خوار الثور فقالوا : ما جزعُكَ إنما هو خدشٌ ، فذكر لهم قول رسول الله وَ﴾: ((بل أنا أقتُلُ أَبيًّا))، ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهْل المجازٍ لماتوا أجمعون ، فمات أُبيّ قبل أن يقدم مكة ، فلما لحق رسول الله ◌َ﴿ أصحابَهُ ونظروا اليه، ومعه: طلحةُ، والزبير، وسَهْل ابن حُنَيْفٍ، والحارث بن الصِّمَّةِ، أخو بني النجار، ظنَّ أصحاب رسول اللهِوَِّ أن النفر من عدوهم ، فوضع أحدهم سهماً على كَبِدٍ قَوْسِهِ فَأَرَادَ أن يَرمِيَ ، فلما تكلموا وناداهم رسول اللّه ◌ِ وَّ عرفوه، فكأنه لم يُصِبْهُمْ بلَاءٌ في أنفسهم قط حين عرفوا رسول الله وضّه، فبينما هم كذلك إذ عَرَّض لهم الشيطانُ نفسَه ووسوسَتْهُ وتحزينهُ حين أبصروا عدوهم قد انفرجوا عنهم ، فبينما هم كذلك يذكرون قتلاهم وإخوانهم ويسأل بعضهم بعضاً عن حميمِهِ، فيُخْبر بعضهم بعضاً بقتلاهم ، وقال : اشتد حزنهم ، أدْبَرَ الله عليهم المشركين وغَمّهم بهم ليُذْهب بذلك الحزن عنهم ، فإذا عدوهم فوق الجبل قد عَلَوْهم ، فنسوا عند ذلك الحُزْنَ والهموم على إخوانهم، ثُمَّ أَنْزَلَ الله عز وجل : ﴿على طائفةٍ من بعد الغَمّ أَمنَةُ نُعَاساً يَغْشَى طائفةٌ منكم﴾، كما قال الله عز وجل : ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يَظُنُّونَ باللّهِ غَيْرَ الحَقُّ ظَنَّ الجاهلية ، يقولون : لَوْ كَانَ لنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهنا﴾، قال الله عز وجل: ﴿قل لَوْ كُنْتُم في بيوتكم﴾ إِلى قوله : ﴿عليم بذات الصدور﴾(٩)، وكانا غَمَّيْن: فهذا الغمُّ الآخِرُ، والغمُّ (٨) الآية الكريمة (١٧) من سورة الأنفال . (٩) الآية الكريمة (١٥٤) من سورة آل عمران . ٢١٢ الأول حين اصْعَدُوا في الشعْبِ منهزمين ، فأنساهُمْ الهزيمة ما يخافون من طلبٍ العدو وقتالهم، وقال رسول اللّه وسلم: ((اللهم انه ليس لهم أن يَعْلونا اليوم، ثم دَعًا رسول اللّهِوَّه، وندبّ أصحابه، فانتدبَ منهم عصابةٌ فاصعدوا في الشعب حتى كانوا هم والعدوّ على السواءِ فراموهم بالنبل ، وطاعنوهم حتى أهبطوهم عن الجبل ، وانكفى (١٠) المشركون عنهم الى قتلى المسلمين فمثَّلوا بهم : يقطعون الآذان ، والأنوف ، والفروج ، ويبقرون البطون ، وهم يظنون أنهم قد أصابوا النبي ◌ّ وأشراف أصحابه، ثم أنهم قد اجتمعوا وصَفُّوا مُقَاتِلَتهم ، فقال أبو سفيان : يومٌ بيوم بدرٍ والحرب سجال ، إلّ أنكم ستجدون في قتلاكم شيئاً من مُثْلَةٍ ، وإني لم آمُرْ بذلك، ولم أكرَههُ، ثم قال: إعْلُ هُبَلْ ، يفخَرُ بآلهته، فقال عُمَر: إسمّع يا رسول الله ما يقول عَدُوُّ اللّه ، فقال رسول الله وَّر: نادِهِ فقل: اللّه أعلى(١١) وأجل، لا سَواءٌ: قتلانًا في الجنةِ، وقتلاهم في النار ، قالوا: إِنَّ لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم ، قال رسول اللّه ◌ِخَيرٍ: الله مولانا ولا مولى لكم ، ثم نادوا محمداً باسمه ، فلما علموا أنه حَيّ ونادوا رجالاً من أصحاب رسول اللّه وَّر أشرافً فعلموا أنهم أحياء : كبتُهُم اللّه فانكفؤوا إلى أثقالهم، لا يدري المسلمون ما يريدون، فقال رسول الله صل#1: ((إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تْبع آثار الخيل فهم يريدون أن يَدْنُوا من البيوت والآطام التي فيها الذراري والنساء ، وأقسم بالله لئن فعلوا لأواقعنهم في جَوْفها، وان كانوا ركبوا الأثقال وَجَنبوا الخيل فهم يُريدون القرار، فلما أدبروا بعثَ رسول الله ير سعد بن أبي وقاص في آثارهم فقال: إعلم لنا أمرهم ، فانطلقَ سعدٌ يسعى حتى عَلَمَ علمهم ، ثم رجع ، فقال : رأيت خيلهم تَضْربُ بأذنابها مَجْنُوبةٌ مدبرةً ، ورأيتُ القوم قد تحملوا على الأثقال سائرين ، فطابتْ أنفس (١٠) هكذا في (أ) و (ص) و(ح)، ورسمت في (هـ): ((وانكفأ)). (١١) هكذا في (ص)، وفي بقية النسخ رسمت: ((أعلا)). ٢١٣ القوم لذهاب العَدُوِّ وانتشروا يتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلاً إلا قد مَثْلُوا به ، الا حنظلة بن أبي عامر ، كان أبوه مع المشركين فَتُرك لَهُ وزَعمُوا أن أباه وقف عليه قتيلاً ، فدفع صدره برجله ثم قال ذنْبان أصبتهما قد تقدَّمْتُ إليك في مَصْرَعِكَ هذا يَا دُبَيْسُ ولَعَمْر الله إن كنتَ لواصلا للرحمِ بَرًّا بالوالد . وَوَجَدُوْا حمزة بن عبد المطلب عم النبي ◌َِّ قد بُقِرَ بطنه، وحُملَتْ كَبِدُهُ احتملها وحْشيٌ وهو قَتْلَهُ يذهب بكبده إلى هندٍ بنت عُْبَةً في نذرٍ نَذَرَتْهُ حين قَتل أباها يَوْمِ بَدْرٍ ، وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم فَدُفن حَمْزَةُ فِي نَمِرَةٍ كانت عليه إذا رُفعت إلى رأسِه بَدَتْ قدماهُ، وإذا أنزلت إلى رجليه بدًا وجهُه ، فجعلوا أعواداً من شجرٍ وَحجارةٍ فوضعوها على قدميه وغطوا وجههُ . قال موسى: قال ابن شهابٍ: فلما فرغ رسول اللّه 18ٍ لِدَفْنِ الشهداء، قال : زمِّلوهم بجراحهم فانه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ في اللّه إلا وهو يأتي يوم القيامة يَدْمَى لَوْنُهُ لون الدمِ وريحه ريحُ المسك، ثُمَّ قال رسول اللّهِوَ له: (( أَنّا الشهيد على هذا يوم القيامة،))، ثم قام رسول اللّه وََّ يُدْفَنُونَ على عيْنِيْهِ، ولم يغسّلهم ولم يُصَلِّ على أحد منهم كما يصلى على الموتى ، ولم يدفنهم في غير ثيابهم التي قتلوا فيها . قال : وهم يدفنون الرهط في الحفرة الواحدة ، أيُّ هؤلاءٍ كان أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى الرجلُ منهم قَدّمَهُ في الّحد قبل أصحابه حتى فرغ من دفنهم . وخرج نساءٌ من المهاجرات والأنصار يحملن على ظهورهن الماء والطعام وخرجت فيهم فاطمة بنت رسول الله وص له، فلما رأت أباها والذي به من الدماء اعتنقتهُ، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه ورسول الله وسلم يقول: ((اشتد غضب الله على قومٍ دَعَّوْا وجه رسول اللّه ، واشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله )). ٢١٤ وقال سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله -18: ((اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون )). قال موسى بن عقبة : قال ابن شهاب : رَمَى يومئذ رسول الله# رجل من بني الحارث بن عبد مناةً يقال له ابن قَمِثَة ، ويقال : بل رماه عُتبة بن أبي وقاصٍ ، قال : وسَعَى علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى المهراس وقال لفاطمة : امسكي هذا السيف غير ذَمِيْمَةٍ ، فَأَتى بماءٍ في مَجنّة ، فأراد رسول الله ◌َ﴿ أن يشرب منه فوجد له ريحاً فقال هذا ماءٌ آجنٌ فمضمض منه، وغَسلتْ فاطمة عن أبيها، ولما رأى رسول الله مَ له سيف عليٍّ مُخَضِّباً دَماً، قال: ان تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، والحارث بنُ الصمّة ، وسَهْل بن حُنّيْفٍ ، ثم قال : أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين ذهبوا ؟ قالوا : كفر عامّتُهم ، فقال : ان المشركين لم يصيبوا منا مثلها حتى نُبَيْحَهُمْ ، ثم أقبلوا إلى دورهم وقد كان أبو سفيان ناداهم والمشركون حين ارتحلوا أن موعدكم الموسم موسِمُ بدر ، وهي سوقٌ كانت تقوم بيدرٍ كل عام، فقال رسول الله مصادر : (( قولوا لهم نعم قد فعلنا)) ، قال أبو سفيان : فَذلِكَ الموعِدُ. وزعموا أن رسول الله و # كان عَرَضَ يومئذ سيفه، فقال: من يأخذ هذا بحقه؟ قالوا وما حَقُّهُ قال يضرب به إذا لقي العَدُوّ، فقال عمر - زَعَمُوا - : أنا آخُذُهُ فأعرض عنه، ثم عرضَهُ الثانية، فقال الزبير : أنا آخُذُهُ فأعرض عنه ، فَوَجَدَ عمر والزبير في أنفسهما من ذلك، ثم عرضه الثالثة بذلك الشرط فقال أبو دَجَانة سماك بن خَرَشة أخو بني ساعدة: أن آخُذُّه يا رسول الله بحقه ، فدفعه اليه فصدق به حين لقيَ العدوَّ وأعطى السيف بحقه . وزعموا أن كعب بن مالكٍ قال : كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مُثَلّ المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت فإذا رجل من المشركين جمع اللأمَةُ تحْوِية المسلمين ويقول استوسقوا كما تستوسِقُ جُرْدُ الغنم ، قال : وإذا ٢١٥ رجل من المسلمين قائمٌ ينتظره وعليه لأمته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدّر المسلم والكافر ببصري فإذا الكافر أفضلَهُمَا عُدَّةً وهيئة ، قال: فَلَمْ أزل أنتظرهما حتى التقيا ، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربةً بالسيف بلغت ورِگهُ ، وتفرق فرقتین ، ثم کشف المسلم عن وجهه فقال کیف تری یا كعب : أنا أبو دُجَانَةً . فلما دخل النبي # أزقة المدينة إذا النوح والبكاءُ في الدور فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذه نساء الأنصار يَبكين قتلاهم ، قال : وأقبلت امرأةٌ تحمل ابنها وزوجها على بعيرٍ قد رَبَطْهما بحَبْلٍ ، ثم ركبت بينهما، وحُمِل منهم قتلى قدُفِنوا في مقابر المدينة ، فنهاهم رسول الله # عن حملهم ، وقال: واروهم حيث أصيبوا وقال رسول الله18 حين سمع البكاء لكن حمزة لا بواكي له. واستغفر له فسمع ذلك : سعد بن معاذٍ ، وسعد بن عُبادة ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن رواحة ، فمشوا في دورهم ، فجمعوا كل نائِحَةٍ وباكية كانت بالمدينة، فقالوا: والله لا تَبْكِين قتلى الأنصار حتى تَّبْكِينَ عمّ رسول الله ◌َ# ، فإنه قد ذكر أن لا بواكي له بالمدينة ، وزعموا أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة فلما سمع رسول الله وَ﴿ البكاء قال ما هذا؟ فأخبر بما فَعَلت الأنصارُ بنسائهم فاستغفر لهم وقال لهم خيراً ، وقال : ما هذا أردتُ وما أحبُّ البكاء ، ونهى عنه، وقال النبي ﴿: ثلاث من عَمل الجاهلية لن تتركُهنّ أمتي : النياحة على الموتى ، والطعن في النسب ، وقِيلُ هذا المطرُ بِنَوْءٍ كذا وكذا وليس بنّوءٍ إنما هو عطاء الله ورزقه)»(١٢) . وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله الإ* وتحزين المؤمنين، وظهر غش اليهود ، وفارت المدينة بالنفاق فور المِرْجل (١٢) الحديث أخرجه الترمذي في: ٨ - كتاب الجنائز (٢٣) باب ما جاء في كراهية النوح ، الحديث (١٠٠١) ص (٣: ٣١٦)، وقال ابو عيسى: ((هذا حديث حسن)). ٢١٦ وأظهروا النفاق والغش عند بكاء المسلمين ما كانوا مستخفين ، وقالت اليهود : لو كان نبياً ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب ، ولكنه طالبُ مُلْكٍ تكون له الدولة مرةً وعليه مرةٌ ، وكذلك أهْلُ طلب الدنيا بغير نبوةٍ ، وقال المنافقون نحو قولهم ، وقالوا للمسلمين : لو كنتم أطعتمونا ما أصابوا الذي أصابوا منكم . وقَدِم رجلٌ من أهل مكة على رسول الله وَ ﴿ فاستخبره عن أبي سفيان وأصحابه ، فقال : نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ، يقول بعضهم لبعضٍ : لم تصنعوا شيئاً أصبتم شوكة القَوْمِ وحَدَّهُم ثم تركتموهم ولم تَبْرُوْهُمْ ؛ فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، وأمَرّ النبي ◌َّه أصحابه وبهم أشدُّ القَرْح بطلب العَدُوّ ليسمعوا بذلك ، وقال : لا ينطلقَنَّ معي إلا من شَهِد القتال ، فقال عبد الله ابن أبيّ : أنا رَاكبُ معك فقال: لا ، فاستجابوا لله ورسوله على الذي بهم من البلاءِ، فانطلقوا فقال الله عز وجل في كتابه : ﴿الذينَ استجابوا لله والرَّسولِ مِنْ بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ للذين أحسنوا منهم واتَّقَوْا أَجْرُ عظِيم﴾(١٣). قال: وأقبل جابر بن عبد الله السَّلمي إلى رسول الله وَّر ، فقال يا رسول الله ! إن أبي رَجَعني وقد خرجت معك لأشهد القتال ، فقال : ارجع وناشدني أن لا أترك نساءنا ، وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع رجاء الذي كان أصابه من القتل ، فاستشهَدُ الله ، فأراد بي البقاء لتركته ولا أحبُّ أن تَتَوجَّهَ وَجْهاً إلا كنتُ معك ، وقد كرهت أن يُطْلَبَ معك إلا من شهد القتال، فأذِنَ لي ، فأَذِنَ له رسول الله ﴿، فطلب رسول الله مَّ العدوَّ حتى بلغ حَمْراء الأسد، ونزل القرآن في طاعةٍ من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين وشأنٍ مواطنهم كلها ، ومَخْرَجٍ رسول الله ﴿ إذا غَدًا فقال جَلٍ ثناؤهُ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبوِّىءُ المؤمنينَ مَّقَاعِدَ للقتال والله سميع عليم﴾(١٤) ثم ما بعد الآية في قصة أمرهم (١٣) الآية الكريمة (١٧٢) من سورة آل عمران . (١٤) الآية الكريمة (١٢١) من سورة آل عمران . ٢١٧ حتى بلغ ﴿إِنَّ الذينَ تَوَلَّوْا مِنْكم يَوْمَ التقى الجمعان إنَّما استزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا، وَلَقَدْ عفا الله عنهم، إنَّ الله غفور حليم﴾(١٥) مع سبع آيات بعدها ، والرهط الذين تولوا رجلان من بني زريق : سعد بن عثمان ، وأخوه : عقبة بن عثمان ، ورجل من المهاجرين : تولوا حتى انتهوا إلى بئر حَزْمٍ وفي رواية ابن فليح إلى الجلْعَبِ ثم عفا الله عنهم ، ثم أن المسلمين استكثروا الذي أصابهم من البلاء يوم أُحُد ، وقد كانوا أصابوا يوم بدرٍ من المشركين ضِعْفَ ذلك ، فأنزل الله عز وجل في ذلك ﴿أَوَلِّمًّا أصَابَتْكُم مصيبة قد أصبتم مثْلَيْها قلتم أَنَّى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾(١٦) وآيات معها بعدها . ثم سَمَّى موسى بن عقبة مَنْ قُتل مع رسول الله ﴿ يوم أُحُدٍ ، وذكر فيهم : اليمانَ أبا حذيفة واسمهُ حُسَيْلُ بن جبير حليفٌ لهم من بني عَبْسٍ أصابه المسلمون زَعَموا في المعركة لا يدرون من أصابه ، فتصدق حذيفة بدمه على من أصابه . قال موسى بن عقبة : قال ابن شهاب : قال عروة بن الزبير : أخطأ(١٧) به المسلمون يومئذ فتوَشَّقوه بأسيافهم يحسبونه من العدوِّ ، وان حذيفة ليقول أبي أبي فلم يفقهوا قوله ، حتى فرغوا منه . قال حذيفة يغفر الله لكم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، قال: وَوَداهُ رسول الله وَّهِ وزاد حذيفة عنْدَه خيراً . قال: وجميع من استشهد من المسلمين يوم أحد من قريش والأنصار(١٨) (١٥) الآية الكريمة (١٥٥) من سورة آل عمران . (١٦) الآية الكريمة (١٦٥) من سورة آل عمران . (١٧) في (ص) رسمت: ((أخطاء به))؛ وفي (هـ) و (أ): ((أخطأ به ) = غير مهموز، وأثبت ما في (ح). (١٨) بداية المقابلة مع نسخة (د) ذات الرقم (١٠١٢) دار الكتب المصرية، وانظر وصفها في تقدمتنا للكتاب. ٢١٨ تسعة وأربعون رجلاً ، وَقُتِل من المشركين يوم أُحُد ستة عشر رجلاً . قد ذكرنا قصة أُحُدٍ عن مغازي موسى بن عقبة(١٩) رحمه الله ، ولِمَا ذكر منها شواهد في الأحاديث المتفرقة (٢٠) وفي بعض تلك الأحاديث زيادات لا بد من ذكرها ونحن نأتي عليها ان شاء الله في أبواب مترجمة بما تشتمل عليه(٢١). (١٩) قد ذكرها مختصرة ابن عبد البر في (الدرر في مختصر المغازي والسير))، صفحة (١٤٥ - ١٥٣)، وبعضها عند ابن سيد الناس في عيون الأثر (٢: ٥ - ٣٥)، ونقل بعضها الصالحي في السيرة الشامية (٤ : ٢٧١ - ٣٣٤). (٢٠) ستأتي في الأبواب التالية . (٢١) الى هنا انتهى الجزء الثالث من نسخة (هـ)، وبتمامه ينتهي الموجود من نسخة (هـ)، وبآخره سماعات وانظر تقدمتنا للكتاب في وصف النسخة ( هـ). ٢١٩ باب ذكر عدد المسلمين يوم أحد وعدد المشركين ، وقول الله عز وجل : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُيَوِّىُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ للقتالِ والله سميعٌ عليمِ ، إِذْ هَمَّتْ طَائِفتانٍ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا والله وليُّهما ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾(١) وقوله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْن والله أركسهم بِمَا كَسَبُوا ﴾ (٢) أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي ، قال : حدثنا يعقوب بن سفيان ، قال : حدثنا أصبَغُ بن الفرج ، قال : أخبرني ابن وَهْب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، في خروج النَّبِّ ◌َ﴿ إلى أُحُد، قال: حتى إذا كان رسول الله وص له بالشّوْط(٣) من الجبانة انخزل عبد الله بن أبيّ بقريب من ثُلث الجيش، ومضى النبي وَّه وأصحابه وهم في سبع مائة ، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلافٍ ، ومعهم مائتا فرس ، قال : جنبوها وجعلوا على ميمنة الخيل : خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها : عكرمة بن أبي جهل ، هكذا وجدته في كتابي . وأعاد يعقوب بن سفيان هذه القصّة بهذا الإسناد بعينه تُخالف هذه القصة في بعض ألفاظها ، ويقول فيها : والمسلمون يومئذ قريب من أربع مائة رجل ، والمشركون يومئذ قريب من ثلاثة آلافٍ ، وقوله الأول أشبه بما رواه موسى بن (١) الآيتان (١٢١ - ١٢٢) من سورة آل عمران. (٢) الآية الكريمة (٨٨) من سورة النساء . (٣) بين المدينة وأحد. ٢٢٠