Indexed OCR Text
Pages 301-320
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده قصة طويلة في هذه الهجرة .
وهي فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي
وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال:
حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن
إسحاق، قال : حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بنْ
هشام عن أم سلمة زوج النبي ◌َّ أنها قالت (( لما ضاقت علينا مكة وأوذيّ
أصحاب رسول اللّه وَّ ر، وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم وأن
رسول اللّه وَّ# لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول اللّه رَّلل في منعة من قومه
ومن عمه ، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله
*: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل اللّه
لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه ، فخرجنا إِليها أُرسالاً حتى اجتمعنا بها فنزلنا
بخير دار وإِلى خير جار آمناً على ديننا ، ولم نخش منه ظلماً.
فلما رأت قريش أنا قد أصبنا داراً وأَمْناً اجتمعوا على أن يبعثوا إِليه فينا
فيخرجنا من بلاده ، وليَرَدُّنا عليهم ، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي
ربيعة فجمعوا له هدايا ولبطارقته ، فلم يدعوا منهم رجلاً إِلا هيئوا له هدية على
حدة ، قالوا لهما : ادفعوا إِلى كل بَطْريق هديته قبل تتكلموا فيهم ، ثم أدفعوا
هداياه وإن استطعتما أن يَرُدّهم عليكم قبل أن يكلمكم فافعلوا .
فقدما علينا فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إِليه هديته وكلموه فقالوا له
إنا قدمنا علي هذا الملك في سفهاء من سفهائنا فارقوا أقوامهم في دينهم ولم
يدخلوا في دينكم فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم فإِذا نحن كلمناه فأشيروا
عليه بأن يفعل فقالوا نفعل ثم قدموا إِلى النجاشي هداياه وكان من أحب ما يهدى
إليه من مكة الأدَمُ فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له أيها الملك إِن فتية من
٣٠١
سفهائنا (٤٣) فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه
وقد لجأوا إلى بلادك، فبعَثْنَا إِليك فيهم عشائرهُمُ آباؤهم وأعمامهم وقومهم
لتَرُدُّهم عليهم فهم أعلاهم (٤٤) عَيْناً فقالت بطارقته صدقوا أيها الملك لو رددتهم
عليهم كانوا أعلاهم عيناً(٤٥). فإنهم لم يدخلوا في دينك فتمنعهم بذلك فغضب
ثم قال لا لعمر الله لا أَرُدُّهم إليهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم . قوم
لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري ، فإن كانوا كما تقولون
رددتهم عليهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ، ولم أخل ما بينهم وبينهم ولم
أُنْعِمْهم عيناً .
فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن
العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم فلما جاءهم رسول
النجاشي ، اجتمع القوم فقال ماذا تقولون فقالوا وماذا نقول نقول والله ما نعرف
وما نحن عليه من أمر ديننا وما جاءنا به نبينا وَ ر كائن في ذلك ما كان. فلما
دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب فقال له النجاشي ما هذا
[ الدين ](٤٦) الذي أنتم عليه فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا
نصرانية فما هذا الدين ؟ فقال جعفر أيها الملك كنا قوماً على الشرك نعبد الأوثان
ونأكل الميتة ونسيء الجوار ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء
وغيرها لا نُحل شيئاً ولا نحرمه ، فبعث الله إِلينا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه
وصدقه وأمانته ، فدعانا إِلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ،
ونحسن الجوار ، ونصلي لله ، ونصوم له ، ولا نعبد غيره .
(٤٣) في (ص): ((منا سفهاء)).
(٤٤) في (ص): ((أعلابها)).
(٤٥) في (ص): ((كانوا هم اعلى بهم عيناً)).
(٤٦) ليست في (ص).
٣٠٢
قال فقال : فهل معك شيء مما جاء به وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا
المصاحف حوله فقال له جعفر نعم فقال هلم فاتل عليَّ ما جاء به فقرأ عليه
صدراً من كهيعص ، فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته ،
حتى اخضلوا مصاحفهم ، ثم قال : إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء
بها عيسى ، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أَنْعِمُكم عينا.
فخرجنا من عنده وكان أبقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة فقال عمرو
ابن العاص : والله لآتينه غداً بما أستأصل به خضراءهم فلأخبرنه (٤٧) انهم
يزعمون ان إِلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عَبْدٌ فقال له عبد الله بن ربيعة لا
تفعل فإِنهم وإن كانوا خالفونا فإِن لهم رحماً ولهم حقاً فقال والله لأفعلن .
فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولاً
عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عنه فبعث إليهم ولم ينزل بنا مَثَلُها فقال بعضُنا
لبعضٍ ماذا تقولون له في عيسى إِن هو سألكم عنه فقال نقول والله الذي قال الله
تعالى فيه والذي أمرنا به نبينا وعليه أن نقول فيه.
فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ماذا تقولون في عيسى بن مريم : فقال له
جعفر : نقول عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول،
فدلى النجاشي يده إلى الأرض وأخذ عُوَيداً بين إِصبعيه فقال ما عدا عيسى بن
مريم ما قلت هذا العُويد ، فتناخرت بطارقته ، فقال : وإِن تناخرتم والله. اذهبوا
فأنتم سُيومٌ في أُرضي والسيومِ الأمنون . مَنْ سَبَّكُم غَرِمَ ثم مَنْ سبّكم غَرِمِ ثم من
سبَّكُم غَرِمِ ثلاثاً ما أُحِبُّ أَنَّ لي دَبْراً وأني آذنيت رجلاً منكم والدَّبْرُ بلسانهم
الذهب فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه ولا
أَطاع الناس فيَّ فأُطيع الناس فيه، رُدُّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها
(٤٧) في (ص): ((ولأخبرنه)).
٣٠٣
فاخرجا(٤٨) من بلادي ، فرجعا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاء به .
فأقمنا مع خير جار وفي خير دار فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة
ينازعه في ملكه فوالله ما علمنا حزناً حَزَّناً قط كان أشد منه فرقاً من أن يظهر ذلك
الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه ، فجعلنا ندعو الله
[ ونستنصره ](٤٩) للنجاشي فخرج إِليه سائراً، فقال أصحاب رسول الله (وَال﴾
بعضهم لبعض : من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر ما يكون ، فقال
الزبير - وكان من أحدثهم سناً - أنا فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم خرج
يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس فحضر
الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه ، فجاءنا الزبير فجعل
يليح إِلينا بردائه ويقول : ألا ابشروا فقد أظهر الله النجاشي، فوالله ما علمنا فَرِحْنَا
بشيء قط فَرَحْنًا بظهور النجاشي (٥٠).
ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعاً إلى مكة وأقام من أقام )).
قال الزهري فحدثت بهذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة ، فقال
عروة : هل تدري ما قوله ما أخذ اللّه مني الرشوة حين رد عليٍّ ملكي فآخذ
الرشوة فيه ، ولا أطاع الناس فيَّ فَأَطيعَ الناس فيه ؟ قال فقال لا إِنما حدثني بذلك أبو
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أم سلمة .، فقال عروة : فإِن عائشة
حدثتني أن أباه كان ملك قومه وكان له أخ من صلبه اثنا عشر رجلاً ، ولم يكن
لأبي النجاشي ولدٌ غيرِ النجاشي ، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: إِنا إِن قتلنا
أبا النجاشي ، وملكنا أخاه فإِن له اثنى عشر رجلاً من صلبه فتوارثوا الملك لبقيت
الحبشة عليهم دهراً طويلاً لا يكون بينهم اختلاف ، فعدوا عليه فقتلوه ، وملكوا
(٤٨) في (ص): ((واخرجا)).
(٤٩) الزيادة من (ص).
(٥٠) الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (١ : ٣٥٧ - ٣٦١). والبداية والنهاية (٣: ٧٢ - ٧٥)
٣٠٤
أخاه ، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه فلا يدبر امره غيره وكان لبيباً فلما.
رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا لقد غلب هذا الغلام أمر عمه ، فما نأ من أن
يملكه علينا وقد عرف أنا قد قتلنا أَباه فإن فعل لم يدع منا شريفاً إلا قتله، فكلُّموه
فيه فلنقتله، أو نخرجه من بلادنا فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى
منك وقد عرفت أنا قد قتلنا أَباه وجعلناك مكانه وإنا لا نأمن أن تملكه علينا
فيقتلنا ، فإما أن نقتله وإما أن تخرجه من بلادنا ! قال : فقال ويحكم قتلتم أباه
بالأمس وأقتله اليوم ؛ بل أُخرجه من بلادكم .
فخرجوا به فوقفوه بالسوق فباعوه من تاجر من التجار فقذفه في سفينة
بستمئة درهم او بسعمائة درهم .. فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من
سحاب الخريف فجعل عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى
ولده فإِذا هم محمقين(٥١) ليس في أحدٍ منهم خير. فمرج (٥٢) على الحبشة
أمرهم، فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح امركم
غيره لَلَّذِي يعتم بالغداة فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب .
فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره
وملكوه ، فقال التاجر : ردوا عليَّ مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا لا نعطيك
فقال إذاً [ والله ](٥٣) أكلمه فقالوا وَإِنْ. فمشى إليه فكلمه فقال أيها الملك إِني
ابتعت غلاماً فقبضوا مني الذي باعونيه ثمنه ثم عدَمْوا على غلامي فنزعوه مِنْ
يدي ولم يردوا عليَّ مالي فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال لَترُدُّنَّ
عليه ماله أَو لَيُجْعَلَنَّ غلامه يده في يده فليذهبن به حيث شاء فقالوا بل نعطيه ماله
(٥١) ((محمق)): الذي يلد الحمقى.
(٥٢) (مرج ) : قلق واضطرب .
(٥٣) من (ح).
٣٠٥
فأعطَوْه أياه فلذلك يقول ما أُخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة منه حيث (٥٤) رد
عليَّ ملكي وما أُطاع الناس فيَّ فَأَطِيعهم فيه))(٥٥).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا : حدثنا أبو
العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس
ابن بكير عن ابن إسحاق قال حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ،
قال : إِنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس [ بن بكير ](٥٦) عن أبي إسحاق؛
قال: ((ثم قدم على رسول الله وَالر عشرون رجلًا وهو بمكة أو قريب من ذلك
من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة فوجدوه في المجلس فكلموه وساءلنوه ،
ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله
** عما أرادوا، دعاهم رسول الله وَّه إِلى الله عز وجل وتلاعليهم القرآن، فلما
سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما
كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في
نفر من قريش ، فقالوا : خيبكم الله من ركب : بعثكم من وراكم من أهل دينكم
ترتادون لهم ، فتأتونهم بخبر الرجل فلم نطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم
دينكم وصدقتموه بما قال لكم ، ما نعلم ركباً أحمق منكم أو كما قالوا لهم ،
فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألوا أنفسنا خيراً .
فيقال إِن النفر النصارى من أهل نجران)) والله اعلم أيّ ذلك كان . ويقال والله
أعلم أن فيهم نزلت هؤلاء الآيات ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبل هم به يؤمنون
(٥٤) في (ص): ((حين)).
(٥٥) سيرة ابن هشام (١: ٣٦٢ - ٣٦٣)؛ والبداية والنهاية (٣ : ٧٥ - ٧٦).
(٥٦) من (ص) .
٣٠٦
إلى قوله لا نبتغي الجاهلين ﴾ (٥٧).
· أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي ، قال :
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال : حدثنا هلال بن العلاء الرقي ، قال :
حدثنا أبي العلاء بن هلال ، قال : حدثنا أبي هلال بن العلاء ، عن أبيه ، عن
أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: ((قدم وفد النجاشي على النبي وقّ فقام
يخدمهم ، فقال أصحابه نحن نكفيك ، فقال : انهم كانوا لأصحابنا مكرمين
وإني أحب أن أكافئهم )).
وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال أخبرنا أبو سعيد بن
الأعرابي [ قال ](٥٨) حدثنا هلال بن العلاء قال حدثنا أبي قال حدثنا طلحة بن
يزيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة قال (( قدم وفد
النجاشي على رسول الله وَ * فقام يخدمهم فقال أصحابه نحن نكفيك يا رسول
الله قال إِنهم كانوا لأصحابنا مُكرمين وإِني أحب أن أكافئهم )) تفرد به طلحة بن
زيد عن الأوزاعي .
أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال حدثنا
حنبل بن إسحاق قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو قال (( لما
قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم فقالوا ما
شأنه ماله لا يخرج. فقال عمرو: إِن أَصْحَمَةَ يزعم أن صاحبكم نبي)).
(٥٧) الآية الكريمة (٥٥) من سورة القصص، والخبر نقله ابن كثير (٣: ٨٢) عن المصنف .
(٥٨) الزيادة من ( ص).
٣٠٧
باب
ما جاء في كتاب النبي ◌َّ إِلى النجاشي
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : هذا
كتاب من النبي محمد ويّله إلى النجاشي ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من
محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة سلام على من اتبع الهدى
وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبةٌ ولا
ولداً وأن محمداً عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله (٥٩) فإِني أنا رسوله فأَسلم
تسلم . يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم : ألا نعبد إلا الله ، ولا
نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله - فإن تولوا فقولوا أَشهدوا
بأنا مسلمون(٦٠) . فإن أبيت فعليك اثم النصارى من قومك(٦١) ..
(٥٩) في (ص): ((الإسلام)).
(٦٠) [ آل عمران - ٦٤ ].
(٦١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢: ٦٢٣)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية)) (٣:
٨٢) عن المصنف، وقال: ((هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة ، وفي ذكره هاهنا نظر،
فإِن الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو الى النجاشي صاحب جعفر واصحابه ، وذلك حين كتب الى
ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبيل الفتح كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام ، وإلى
كسرى ملك الفرس ، وإلى صاحب مصر ، وإلى النجاشي ، قال الزهري : كانت كتب النبي #1
إليهم واحدة ، يعني نسخة واحدة ، وكلها فيها هذه الآية ، وهي من سورة آل عمران ، وهي مدنية =
٣٠٨
وفي كتاب عن أبي عبد الله الحافظ في الجزء الذي أجاز لي روايته عنه ،
قال : أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الله الفقيه ، بمرو، قال : حدثنا حماد
ابْن أَحمد، قال حدثنا محمد بن حُمّيْد ، قال حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد
ابن إسحاق، قال: ((بعث رسول الله ول# عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي
في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه كتاباً: (( بسم الله الرحمن.
الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة سلام عليك
فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم
روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من
روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه ، وإني أدعوك إِلى الله وحده لا شريك له
والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني فإني رسول الله ،
وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين فإذا جاءوك فاقرهم ودع
التّجَبُّر فإني أدعوك وجنودك إِلى الله وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام
على من اتبع الهدى )).
وكتب النجاشي إلى رسول اللّه وَالقر بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد
رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبيَّ الله من الله ورحمة
الله وبركاته لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإِسلام ، فقد بلغني كتابك يا رسول
الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إِن عيسى ما يزيد على ما
ذكرت ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأُشهد إنك
رسول الله صادقاً مصدقاً وقد بايعتك وبايعت(٦٢) ابن عمك وأسلمت على يديه الله
= بلا خلاف، ... فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الاول، وقوله فيه: إلى النجاشي الأصحم، لعل
الأصحم مقحم فيه من الراوي بحسب ما فهم ، والله اعلم .
وانسب من هذا هاهنا ما ذكره البيهقي ايضاً عن الحاكم ... وهي الرواية التالية ، أنه ارسل
الكتاب مع ابن عمه جعفر بن أبي طالب .
(٦٢) في (ص): "((تابعتك، وتابعت ابن عمك)).
٣٠٩
رب العالمين وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر فأَني لا أملك إلا
نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق))(٦٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق
قال كان اسم النجاشي مصحمة ، وهو بالعربية عطية ، وإنما النجاشي اسم
الملك كقولك كسرى هِرَقْل كذا في هذه الرواية مصحمة والذي روینا عن يونس
عن ابن إسحاق في الكتاب أصحم أصح ففي حديث جابر بن عبد الله ((أن
رسول الله # صلى على أصحمة النجاشي))(٦٤).
(٦٣) البداية والنهاية (٣: ٨٣ - ٨٤).
(٦٤) من حديث جابر بن عبد الله اخرجه البخاري في كتاب الجنائز ، باب التكبير عن الجنائز اربعاً ،
وفي كتاب المناقب ، باب موت النجاشي، والنسائي (٤: ٦٩) في الجنائز، باب الصفوف على
الجنازة ولفظ البخاري: ((مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم اصحمة)).
وفي الباب روايات من حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين ، وحذيفة بن أسيد، ومجمع بن
حارثة ، وعبد الله بن عمر، وجرير بن عبد الله .
٣١٠
باب
دخول النبي ◌َّليل مع من بقي من أصحابه
شِعبَ أبي طالب ، وما ظهر من الآيات في صحيفة المشركين
التي كتبوها على بني هاشم وبني المطلب حين منعوا
رسول الله وسلّ ممَّنْ أراد قتله
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال : أخبرنا أبو بكر بن عتاب ،
قال : حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ،
قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، عن عمه موسى بن عقبة .
(ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال : أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل
الشعراني ، قال : حدثنا جدي ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال : حدثنا
محمد بن فُلَيح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهري، وهذا لفظ
حديث القطان ، قال: (( ثم إِن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا،
حتى بلغ المسلمين الجهد ، واشتد عليهم البلاء ، واجتمعت قريش في مكرها
أن يقتلوا رسول الله وسلّر علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد
المطلب وأمرهم أن يُدْخِلوا رسول الله وَلَّ شِعْبَهم، ويمنعوه ممن أراد قتله ،
فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم ، فمنهم من فعله حمية ، ومنهم من فعله
إيماناً ويقيناً فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله وصية واجتمعوا على
ذلك، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم
ولا يَدْخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله وَلهر للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة
وعهوداً ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صلحاً ولا تأخذهم به رأفة حتى
٣١١
يسلموه للقتل فلبث بنو هاشم في شعبهم يعني ثلاث سنين(١) واشتد عليهم البلاءُ
والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا طعاماً يَقْدَمُ مكة ولا بيعاً إلا بادروهم
إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفكَ دم رسول الله وَّر .
وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله وَّر فاضطجع على
فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكراً به واغتياله ، فإذا نَوَّمَ الناس أمر أحد بنيه أو
إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صله، وأمر رسول الله صل# أن
يأتي بعض فرشهم فينام عليه ، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني
عبد مناف ومن بني قصي ، ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني
هاشم ، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق ، واجتمع أمرهم من ليلتهم
على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه وبعث الله عز وجل على
صحيفتهم التي المكر فيها برسول الله وَّةِ الأَرَضَة (٢) فلحست كلما كان فيها من
عهد وميثاق .
ويقال كانت معلقة في سقف البيت ، ولم تترك اسماً لله عز وجل فيها إلا
لحسته ، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلمة أو قطيعة رحم ، وأطلع الله - عز
وجل - رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله وَال# لأبي
طالب ، فقال أبو طالب : لا والثواقب(٣) ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة(٤)
من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد ، وهو حافل من قريش فلما رأوهم
(١) كان هذا العقد والحصار لبني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف في ليلة هلال المحرم سنة سبع من
البعثة ، وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، وقيل : بل إلى السنة التاسعة .
(٢) ( الأَرَصّنة ): دويّة تأكل الخشب.
(٣) (الثواقب): ((النجوم، جمع ثاقب، وهو النجم المضيء)).
(٤) ( العصابة ) : الجماعة .
٣١٢
عامدين لجماعتهم ، أنكروا ذلك ، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوا(٥)
ليعطوهم رسول اللّه ◌َلير، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم
نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم
صلح ، وإنما قال . ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا
بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول اللّه وَّر مدفوعاً إليهم ، فوضعوها
بينهم وقالوا : قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم ، فإنما قطع
بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطراً لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم ، فقال
أبو طالب : إنما أتيتكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نَصَفّ(٦) ، إن ابن أخي قد
أخبرني ولم يكذبني : أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في
أيديكم ، ومحا كل اسم هو له فيها ، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم
علينا بالظلم ، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا ، فوالله لا
نسلمه أبداً حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي قال باطلًا دفعناه إليكم
فقتلتم أو استحييتم .
قالوا : قد رضينا بالذي يقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق
المصدوق # قد أخبر خبرها ، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب ، قالوا :
والله ! إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم ، فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا
عليه من كفرهم والشدة على رسول الله وَالر وعلى المسلمين رهطه ، والقيام بما
تعاهدوا عليه ، فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب : إن أولى بالكذب
والسحر غيرنا فكيف ترون فإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى
الجِبْتِ والسحر من أمرنا ، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم
(٥) في (ص): فأتوهم))، في (هـ): ((وأتوهم)).
(٦) ( نَصَفّ ): في الأصل هو المرأة بين الحدثة والمسنة، أي في أمر وسط بيننا وبينكم لا فيه خَيْفُ عليها ولا
عليكم .
٣١٣
وهي في أيديكم طمس الله ما كان فيها من اسم وما كان من بغي تركه أفنحن
السحرة أم أنتم ؟ فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من
قريش ولدتهم نساءً [ من](٧) بني هاشم منهم: أبو البختري، والمُطْعِمُ بن
عديٍّ ، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة ، وزمعة بن الأسود ، وهشام بن عمرو ،
وكانت الصحيفة عنده وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من أشرافهم
ووجوههم : نحن برآء مما في هذه الصحيفة . فقال أبو جهل : هذا أمر قضي
بليل ، وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمتدح النفر الذين تبرأوا
منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي ))، وذكر موسى بن عقبة تلك
الأبيات(٨) وهكذا ذكر شيخنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله هذه القصة عن أبي
جعفر البغدادي عن محمد بن عمرو بن خالد عن أبيه عن ابن لهيعة عن أبي
الأسود عن عروة بن الزبير(٩).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن
إسحاق قال: ((فلما مضى رسول اللّه ◌َ # على الذي بعث به ، وقامت بنو هاشم
وبنو المطلب(١٠) دونه وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه
(٧) الزيادة من (ص) و(هـ).
(٨) الأبيات في سيرة ابن هشام (١ : ٣٧٣) من قصيدة مطلعها :
أَلَمْ تُعْلموا أَنَّا وَجَدْنا مُحَمَّداً
نَبِيّأْ كموسىْ خُطَّ فِي أَوَّلِ الكُتْبِ
(٩) أنظر في تعاقد قريش على بني هاشم، وبني المطلب وكتابتهم صحيفة هذا العقد : ابن هشام (١ :
٣٧١)، وابن سعد (١: ١ : ١٣٩)، والطبري (٢: ٣٣٥)، وابن كثير (٣: ٨٤)، والنويري (١٦ :
٢٥٨)، والسيرة الحلبية (١: ٤٤٩)، والدُّرر في اختصار المغازي والسير (٥٣)، وسبل الهدى
والرشاد (٢ : ٥٠٢).
(١٠) في (ص) و(هـ): ((وبنو عبد المطلب))، وهو تحريف ظاهر من الناسخ، فهم بنو المطلب بن عبد
مناف .
٣١٤
إلا أنهم أنفوا أن يُسْتَذَلَّوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعلت ذلك بنو
هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمدٍ[ *](١١) معهم
اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوهم
ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها
بالكعبة ثم عدّوْا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد(١٢) البلاء عليهم
وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالاً شديداً ثم ذكر القصة بطولها في دخولهم شعب أبي
طالب ، وما بلغوا فيه من الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم
يتضاغون من وراء الشِعْب من الجوع وحتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا
كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة وذكر أن الله عز وجل برحمته أرسل على صحيفة
قريش الأرضة فلم تدع فيها اسما هو لله [ تعالى](١٣) إلا أكلته وبقي فيها الظلم
والقطيعة والبهتان فأخبر الله عز وجل بذلك رسول ويّه وأخبر الرسول أبا طالب ثم
ذكر قصة أبي طالب معهم وما جرى بينهم في نقض الصحيفة - بمعنى ما روينا
عن موسى بن عقبة وأتم منه .
قال موسى بن عقبة : فلما أفسد الله عز وجل صحيفة مكرهم خرج
النبي (8 ورهطه فعاشوا وخالطوا الناس (١٤).
(١١) من (ص ).
(١٢) في (ص): (( واشتدوا )).
(١٣) من ( ص ).
(١٤) سيرة ابن هشام (١ : ٣٧١) وما بعدها .
٣١٥
باب
قول الله عز وجل : ﴿ فآصدع بما تؤمر وأعرض عن
المشركين إنا كفيناك المستهزئين [ الذين
يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون ﴾(١٥)]
الآية وما ظهر في كفاية المستهزئین من الآيات
أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد [ بن محمش ](١٦) الفقيه رحمه الله
قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، قال : حدثنا أحمد بن يوسف
السلمي، قال : حدثنا عمر بن عبد الله بن رَزين ، قال : حدثنا سفيان عن جعفر
ابن إياس ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله عز وجل : ﴿ إنا
كفيناك المستهزئين﴾، قال: ((المستهزءون: الوليد بن المغيرة ، والأسود بن
عبد يغوث الزهري (١٧) ، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد
(١٥) الآية الكريمة (٩٤) من سورة الحجر، وفي نسخة (ح) حتى قوله تعالى: ((إنا كفيناك
المستهزئين ».
(١٦) ليست في (ص) ولا في (هـ)، وهو أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، الفقيه الشافعي عالم
نيسابور، تقدمت ترجمته في تقدمتنا للجزء الأول في باب شيوخ البيهقي .
(١٧) الأسوذ بن عبد يغوث بن وهب بن زُهْرة، وهو ابن خال رسول الله صل.
قال البلاذري: كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه: قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون مُلْك
كسرى وقَيْصر. ويقول للنبي ﴿َ: أَمَا كُلُّمت اليومَ من السماء يا محمد. وما أَشْبه هذا القول . فخرج
من عند أَهله فأَصابته السَّمُوم فاسودٌّ وَجْهُه حتى صار حبشياً ، فأَتّى أَهلّه فلم يعرفوه وأغلقوا دونه
الباب ، فرجع متلدِّدا حتى مات عطشاً .
ويقال إن جبريل 8# أوماً إلى رأسه فضربته الأكلة فامتخض رأسُه قيحاً ويقال أَوماً إلى بطنه فسقى بطنه
ومات حَبناً . ويقال إنه عطش فشرب الماء حتى انشق بطنه .
٣١٦
العزى (١٨)، والحارث بن عنطلة السهمي(١٩)، والعاص بن وائل (٢٠)، فأتاه
(١٨) الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزى.
قال البلاذريّ رحمه الله: كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي له وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك
الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر ثم يمكُون ويصفِّرون، وكلُّم رسولَ الله مَصَلَّ بكلام شقَّ
عليه فدعا عليه رسول الله # أَن يُعْمى الله بصره ويُشْكله ولده فخرج يستقبل ابنه وقد قدم من الشام .
فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة فجعل جبريل 48 يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها
خضراء وبشوك من شوكها حتى عمى فجعل يستغيث بغلامه . فقال له غلامه : ما أرى أحداً يصنع بك
شيئاً غير نفسك ويقال إن جبريل # أُوْماً إلى عينيه فعمى فشغل عن رسول الله {8#1 . ولما كان يوم بدر
قتل ابنه زمعة بن الأسود، قتله أبو دُجانة ويقال قتله ثابت بن الجذع ، قُتل ابنُّه عقيل أيضاً ، قتله حمزة
ابن عبد المطلب ، وعلي رضي الله عنهما اشتركا فيه . وقيل قتله عليُّ وحده رضي الله عنه .
(١٩) الحارث بن قيس السهمي وهو ابن العَنْطِلة يُنسب الى أَمه، وكان يأخذ حجراً يعبده فإذا رأى أحسن منه
ترکه وأخذ الأحسن.
وفيه نزلت: ((أرأيتَ من اتخذَّ إِلَهه هَواه)) أي مَهْوِيَّه قدّم المفعول الثاني لأنه أهم وجمله (( من ))
مفعول أول لأرأيت. ((أفأنت تكون عليه وكيلا)) حافظاً تحفظه من اتباع هواه لا .
وكان يقول : لقد عزَّ محمد نفسه وأصحابَه أَنْ وعدهم أَن يحيّوْا بعد الموت، والله ما يُهْلكنا إلا الدهرُ
ومرور الأيام والأحداث. فأكل حوتاً مَمْلوحاً فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدَّ بطنه ، ويقال إنه
أصابته الذبحة . وقال بعضهم : امتخضَ رأْسُه قيحاً.
قلت : القول الأول رواه عبد الرزاق وابن جرير وغيرهما عن قتادة ومِقسّم مولى ابن عباس .
(٢٠) العاصي بن وائل السُّهْمي. قال البلاذري: ركب حماراً له ويقال بغلة بيضاء فلما نزل شِعْباً من تلك
الشعاب وهو يريد الطائف ربضَ به الحمارُ أو البغلة على شِبْرقة فأصابت رجله شوكةٌ منها فانتفخت
حتى صارت كعنق البعير ومات . ويقال إنه لما ربض به حماره أو بغله لُدِغَ فمات مكانه قلت : القول
الأول رواه البلاذري والقول الثاني رواه أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عباس .
وروى الشيخان وابن إسحاق عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت قَيْناً. أي حدَّاداً - في الجاهلية فعملت
للعاصي بن وائل سيوفاً - وفي رواية سيفاً - فجئته أَتقاضاه فقال: لا أُعطيك حتى تكفر بمحمد {8#1.
فقلت : لا أكفر حتى يُميتك الله ثم تُّبْعث قال : وإني لَميت ثم مبعوث؟! قلت : بلى . قال: دعني
أَموت وأبْعَث فتُؤتي مالاً وولداً فأعطيك هنالك حقك ووالله لا تكون أَنت وصاحبك يا خبّاب آثرً عند
الله مني ولا أعظم حظاً فأنزل الله تعالى فيه ((أَفرأَيْتَ الذي كفر بآياتنا)) العاصي بن وائل وقال لخباب
= ابن الأرت القائل له: تُبعث بعد الموت والمطالب له بمال: ((لُوتِينَ)) على تقدير البعث ((مالاً
وولداً)) فأقضيك. قال تعالى: ((أطّلع الغيب)) أَي أَعْلِمه وأن يوتي ما قاله، واستغنى بهمزة =
٣١٧
جبريل عليه السلام شكاهم إليه رسول الله وَّلقر فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة
فأومأ جبريل عليه السلام إلى أبجله فقال ما صنعت ؟ قال كُفِيتَهُ ، ثم أراه الأسود
ابن المطلب ، فأومأ جبريل إلى عينيه فقال : ما صنعت ؟ قال : كفيته ، ثم أراه
الأسود بن عبد يغوث الزهري ، فأومأ إلى رأسه فقال ما صنعت قال كفيته ، ثم
أراه الحارث بن غيطلة السهمي ، فأومأ إلى رأسه أو قال إلى بطنه فقال ما
صنعت ؟ قال : كفيته ، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه فقال ما
صنعت ؟ قال : كفيته ، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش
نبلاً له فأصاب أبجله فقطعها ، وأما الأسود بن المطلب فعمي ، فمنهم من يقول
عمي هكذا ، ومنهم من يقول نزل تحت سَمُرَةٍ فجعل يقول يا بني ألا تدفعون
عني قد قُتلت فجعلوا يقولون : ما نرى شيئاً ، وجعل يقول : يا بني ! ألا تمنعون
عني ، قد هلكت ها هوذا أطعن بالشوك في عيني ، فجعلوا يقولون : ما نرى
شيئاً ! فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه ، وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري
فخرج في رأسه قروح فمات منها ، وأما الحارث بن عنطلة فأخذه الماء الأصفر
في بطنه حتى خرج من فيه فمات منها ، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك
يوماً إذ دخل في رأسه شِبْرِقة (٢١) حتى امتلأت منها فمات منها وقال غيره في هذا
الحديث : فركب إلى الطائف على حمار فربض على شبرقة فدخلت في أخمص
قدمه شوكة فقتلته(٢٢) .
= الاستفهام عن همزة الوصل فحذفت (( أُم اتخذّ عند الرحمن عهدا)) بأن یوتي ما قاله (« گلا » أي لا یوتي
ذلك ((سَنَكْتب)) نأمر بكتب « ما يقول ونمدُّ له من العذاب مَدّاً)) نزيده بذلك عذاباً فوق عذاب كفره
((ونَرِثه ما يقول)» من المال والولد «ويأتينا يومَ القيامة فَرْدا)» لا مال له ولا ولد.
(٢١) الشِّبْرِقة : رطب الضّريع .
(٢٢) قال الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه: ((المستهزؤ ون كانوا خمسة ، وقال في رواية:
كانوا ثمانية )».
· = وقد عدَّهم البيهقي خمسة ، اما الثلاثة فهم: مالك بن الطملَاطِلَة بن عمرو بن غُبْشان ، ذكره ابن
الكلبي ، والبلاذري [أنساب الأشراف (١: ١٥٤)] وكان سفيهاً فدعا عليه رسول الله وَ الفر واستعاذ
بالله من شره ، فعصر جبريل بطنه حتى خرج خلاؤه من بطنه ، فمات.
=
٣١٨
(والسابع ): الحكم بن أبي العاص بن أمية :
=
قال البلاذري: كان ممن يؤذى رسول الله * يشتمه ويُسْمعه ما يكره، وكان رسول الله وَلال يمشي.
ذات يوم وهو خلفه يَخْلج بأنفه وفمه فبقى على ذلك، وأظهر الإِسلام يوم الفتح وكان مغموصاً عليه في
دينه، - فاطِّع يوماً على رسول الله و18 وهو في بعض حُجَر نسائه فخرج إليه بِعَزة وقال : من عَذِيري
من هذا الوزَّغَة ؟ لو أدركته لفقأْت عينه أو كما قال ◌َّ ولعنه وما ولّد وغرَّبه من المدينة فلم يزل خارجاً
منها إلى أن مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قلت : وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رجل خلف النبي 8#
يحاكيه ويَلْمض فرآه النبي # فقال كذلك كن . فرجع إلى أهله فلُبط به مغشياً عليه شهراً ثم أَفاق حين
أَفاق وهو كما يحاكى رسولُ الله ◌َ﴾. وهذا المُبُهَم الظاهر أنه الحَكّم .
أما الأخير فهو ابو لهب وكان من أشد الناس عداوة للنبي ◌َ.
قال البلَاذُريّ: وكان يَطْرح القّذّر والنتن على باب رسول الله وله، فرآه حمزة بن عبد المطلب وقد
طرح من ذلك شيئاً فأخذه وطرحه على رأسه ، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول : صابىء أحمق .
فأقصر عما كان يفعل ، لكنه كان يدّس من يفعله.
قال: وروى ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عائشة قالت، قال رسول الله {﴾ كنت بین شرّ
جارين ، بين أبي لهب ، وعُقْبة بن أبي مُعَيْط، إِن كانا ليأتيان بالفُروث فيطرحانها على بابي .
قالت : وكان رسول الله # يقول: يا بني عبد مناف أيّ جِوَاد هذا؟ ثم يُميطه عن بابه.
قالوا : وبعث أبو لهب ابنه عتبة بشيءٍ يؤذي به رسول الله ير فسمعه يقرأ ((والنجم إذا هوى)) فقال:
أنا كافر برب النجم. فقال رسول الله #: سلط الله عليك كلباً من كلابه ، فخرج في تجارة فجاء
الأسد وهو بين أصحابه نائم بحُوران من أرض الشام فجعل يهمس ويشمّ حتى انتهى إليه فمضغه
مضغة أتتْ عليه ، فجعل يقول وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمداً أَصْدَّق الناس ؟ ثم مات.
قلت : صوابه عُتَيْبة بالتصغير كما سيأتي بسط ذلك في أبواب إجابة دعواته .
ومات أبو لهب بداء يعرف - بالعَدَسة ، كانت العرب تتشاءم به وتفرّ ممن ظهر به ، فلما أَصاب أبا لهب
تركه أَهلُه حتى مات ومكث مدة لا يُدْفن حتى خافوا العار فحفروا له حفرة فرموه فيها . كما سيأتي بیان
ذلك .
وكانت امرأته أُم جميل ابنة حرب تؤذي رسولَ الله ﴿ كثيراً وهي حَمَّالة الحطب ، وإنما سماها الله
تعالى بذلك لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه بالليل على طريق رسول الله :﴿ حيث يمرّ هو وأصحابه
لتعْقرّهم بذلك، فبينا هي ذات يوم تحمل حزمةٌ أَعْيَتْ فقعدت على حَجر تستريح أَتاها ملك فجذّبها
مِن خلفها بالحبل الذي في عنقها فخنقها به .
وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله# لما نزلت ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) =
٣١٩
صعد رسول الله 38 على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عدي لبطون من قريش، حتى
اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً ينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال
رسول الله ﴾: أرأيتكم لو أخبرتكم أَن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أَكنتم مُصَدِّقيُّ ؟ قالوا : نعم
ما جرِّبْنا عليك إلا صدقاً قال : فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تَبِأَ لك سائِرٌ
اليوم ألهذا جمعتنا !
فأنزل الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ((تَبِّتْ)) خَسِرت. والتباب : الخسران المفْضِي إلى
الهلاك ((يدا أَبى لهب)) جُمْلته، وعبر عنها باليدين مجازاً لأن أكثر الأفعال تُدَاول بهما، وكنى بأبي
لهب لحسنه وجماله وإنما كناه لأنه كان مشتهراً بكنيته دون اسمه وقيل لأن اسمه عبد العزی فلا يناسب
في القرآن عَبْديّة شخص إلى غير الله تعالى وهذه الجملة دعاء ((وَتَبَّ)): خسر هو ، وهذه خبر كقولهم
أُهْلَكه الله وقد أُهْلَكه.
ولمّا خوفه النبي 8# بالعذاب قال : إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فإني أفتدى منه بمالي وولدي ، نزل
(( ما أَغْنَى عنه ماله وما ◌َكَسَب)) وكسبه: أَي ولده وأُغْنَى بمعنى يُغْنى ((سَيُصلّى ناراً ذاتٌ لهب)) أي
تلّب وتوقد فهي مآل تكنيته ((وامرأَتُه)» : عطف على ضمير يصلي سَوَّغه الفصل بالمفعول وصفته
وهي أُم جميل ((حَمَّالةٌ)) بالرفع ((الحطب)) الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي 8#1: « في
جيدها)): عنقها ((حَبْلٌ من مَسد)) أي ليف وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته
أَو خبر مبتدأ مقدر.
وذكر البلاذري ممن كان يؤذي رسولَ الله : أَبو الأصْدَاء وكان يقول لرسول الله # إنما يعلمك
أهلُ الكتاب أساطيرهم ويقول للناس هو معلّم مجنون فدعا عليه رسول الله و # فإنه لعلى جبل إذ
اجتمعت عليه الأزْوَى فنطحَتْه حتى قتلته .
*
وذكر ابن اسحاق فيهم : أمية بن خَلّف الجمحي .
قال ابن إسحاق: وكان إذا رأى رسولَ الله 8# همَّزه ولمزّه فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿ويلٌ لكلِّ
همزة لُمَّزة الذي جَمع مالاً وعَدِّدَه ﴾.
قال ابن هشام: الهُمْزة: الذي يشتم الرَّجُلّ علانيةً ويَكْسِر عينه عليه ويغمز به وجمعه هُمّزات.
والُلمّزة : الذي يعيب الناس سرّاً ويؤذيهم .
والنضر بن الحارث.
قال ابن إسحاق : ابن كَلدة بَن عَلْقَمة.
٣٢٠