Indexed OCR Text

Pages 21-40

يلبث حتى جاء النبي، وَلجر، والإِبل فاعتنقه عبد المطلب، وقال: يا بُني، لقد
جزعت عليك جزءاً لم أجزعه على شيءٍ قط ، والله لا بعثتك في حاجة أبداً ، ولا
تفارقني بعد(٢) هذا أبداً (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ : قال : حدّثنا أبو صالح : خلف بن محمد
الكَرَابِيسِيّ ، ببخارى ، إِملاء ، قال : حدثنا أبو عبد الله : محمد بن الفضل
المُفسِّر، قال : حدّثنا أحمد بن الفضل ، قال: حدّثنا عيسى الفُنَجَار، قال :
حدّثنا خارجة ، عن بَهْز بن حكيم ، عن أبيه ، عن معاوية بن حَيْدَة ، قال : خرج
حَيْدَةُ بن معاوية في الجاهلية معتمراً، فإِذا هو بشيخٍ عليه مُمَصّرتان ، وهو يطوف
بالبيت وهو يقول :
ربّ رَدّ إِليّ راكبي محمّداً رُدُّهْ عليَّ واصطنع عندي يَدَا
قلت : من هذا؟ قالوا : سيد قريش وابن سيدها ، هذا عبد المطلب بن
هاشم بن عبد مناف . قلت : فما محمد هذا منه ؟ قالوا : هذا ابن ابن له ، وهو
أحب الناس إِليه ، وله إِبِلٌ كثيرة ، فإِذا ضلّ منها بعث فيها بنيه يطلبونها ، وإِذا(٤)
أُعْيى بنوه بعث ابن ابنه ، وقد بعثه في ضالَّةٍ أُعيى عنها بنوه ، وقد احتبس عنه .
فوالله ما برحت البلد(٥) حتّى جاءَ محمّد وجاءً بالإِبل.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار، قال : حدّثنا يونس بن بكير ، عن
(٢) في ( ص) و (م): ((بعدها)).
(٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك (٢: ٦٠٣ - ٦٠٤)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ،
ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي، والخبر في طبقات ابن سعد (١: ١١١)، كما ذكره أبو حاتم الرازي
(٣ : ٢ : ١٧٣).
(٤) في (م) : ((فإذا)).
(٥) ليست في (ح ).
٢١

محمّد بن إسحاق بن يسار، قال :
وكان رسول الله، وَ لجر، مع جدّه عبد المطلب. فحدَّثني العباس بن عبد
الله بن معبد ، عن بعض أهله قال :
كان يوضع لعبد المطلب، جدّ رسول الله، وَّ*، فراش في ظل الكعبة ،
فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إِجلالاً له، وكان رسول الله، وَ#، يأتي حتى
يجلس عليه ، فيذهب أعمامه يؤخرونه ، فيقول جده عبد المطلب : دعوا أبني .
فيمسح على ظهره ويقول : إِن لبنيّ هذا لشأناً . فتوفى عبد المطلب ورسول
الله(٦)، *، ابن ثمان سنين ، بعد الفيل بثمان سنين .
قال ابن اسحاق : وكان عبد المطلب فيما يزعمون يوصي أبا طالب برسول
الله، وَ﴿، وذلك أَنَّ عبد الله وأَبا طالب لُأُمّ . فقال عبد المطلب فيما يزعمون ،
فيما يوصيه به ، واسم أبي طالب عبد مناف :
أُوصيك يا عبد مناف بعدي بموحّد بعد أبيه فَرْدٍ
فكنتُ كالأمَ له في الوَجْد
فارقه وهو ضجيعُ المَهْدِ
وذكر أَبياتاً أُخر ، وقال فيهنّ :
قد علمت عُلَّم أَهل العهد
بل أحمدُ رجوته(٧) للرّشد
يعلو على ذي البدن الأشد
أنَّ الفتى سيّد أُهل نجدٍ
وقال أيضاً :
أُوصيت من كَنّيْتُه بطالبٍ عبد مناف وهو ذُو تجاربِ
بابنِ الذي قد غاب غير آيبٍ
(٦) في (م): ((والنبي)).
(٧) في (م) و(ص) و(ح): ((وجدته)).
٢٢

وذكر أبياتاً أُخر ، وقال فيهنَّ :
بأَنْ يحقِّ الله قولَ الراهبِ(٨)
فلست بالآيس غير الراغب
فيه وأن يفضل آل غالب
من كلّ حَبْرٍ عالم وكاتبٍ
إنّي سمعت أعجب العجائب
من حَلِّ بِالأَبْطَحِ والأخاشِبِ
هذا الذي يَقْتَادُ كالجَنّائِبِ
من ساكنٍ للحرمِ أَو مُجَانِبٍ
أيضاً ومن تّابَ إِلى المَثَاوِبِ
-
(٨) في (ح): ((الرايب)).
٢٣

باب
ما جاء في خروج النبي وَطالت ،
مع أبي طالب حين أراد الخروج إلى الشام تاجراً ، ورؤية بَحِيرَى(١)
الراهب من صفته وآياته ما استدل به على أنه هو النبي الموعود في
("[ 二]‘承认
أخبرنا أبو القاسم : طلحة بن علي بن الصقر البغدادي ، بها ، قال : أخبرنا
أبو الحسين : أحمد بن عثمان بن يحيى الآدمي ، قال حدثنا عباس بن محمد
الدُّوري. ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر : أحمد بن الحسن
القاضي ، وأبو سعيد بن أبي عمرو؛ قالو : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا العباس بن محمد ، قال : حدثنا قُرَادٌ ، أبو نوحِ،
[ قال ](٣): أخبرنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي
موسى ، قال :
خرج أبو طالب إلى الشام، فخرج معه رسول الله ، و# في أشياخ ، من
قريش . فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلُّوا رحالهم ، فخرج إليهم الراهب .
وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت . قال : فهم يحلّون
رحالهم، فجعل يتخلَّلهم حتى جاءَ فَأُخذ بيد رسول الله، وَّر، وقال: هذا سيد
العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، [ هذا يبعثه الله رحمة للعالمين](٤). فقال له
(١) في (م): ((بَجيرا))، وفي (ص): ((بُحْيْرا)).
(٢) لم ترد في (م) و(ص).
(٣) ليست في (م).
(٤) في (ص) و(م): ((هذا ابتعثه الله - عز وجل - رحمةً ((للعالمين)).
٢٤

أشياخ من قريش : ما علمك ؟ قال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمر بشجرة
ولا حجر إِلا خَرَّ ساجداً ، ولا يسجدان(٥) إِلَّ لنبي، وإني أعرفه، خاتم النبوَّة في
أَسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجعٍ فصنع [لَهُمْ)(٦) طعاماً ، فلما
أتاهم به ، وكان هو في رعية الإِبل ، قال : أرسلوا إِليه . فأقبل وعليه غمامةٌ
تُظلَّه ، فقال : انظروا إليه ، عليه غمامة تظلّه ، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه
إلى في الشجرة فلما جلس مال فَيْءُ الشجرة عليه ، فقال : انظروا إِلى فيءٍ
الشجرة مال عليه .
قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا (٧) به إِلى الروم ، فإِن
الرُّوم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذاهو بتسعة- وفي رواية الأصم بسبعة -
نفر قد أَقبلوا من الروم ، فاستقبلهم فقال : ما جاءَ بكم ؟ قالوا : جئنا إِلى هذا
النبي خارج في هذا الشهر ، فلم يبق طريق إلا بعث إِليه ناس ، وإِنا اخبرنا خبره
فبعثنا إِلى طريقك هذا . فقال لهم : هل خلفتم خلفكم أحداً هو خير منكم ؟
قالوا: لا . إِنا أخبرنا خبر طريقك هذا: قال : أفرأيتم أمراً أراد الله ، عزَّ وجل ،
أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس ردَّه ؟ قالوا : لا . قال : فتابعوه وأقاموا معه .
قال: فأتاهم، فقال : أنشدكم اللّه أَيُّكم وَلِيُّه؟ فقالوا(٨): أبو طالب . فلم يزل
يُنَاشِدُه حتى ردَّه، وبعث معه أبو بكر ، رضي الله عنه، بلالاً، وزوَّده الراهب من
الكعك والزيت(٩).
(٥) في (هـ): ((يسجدان))، وفي (ص) و (م): ((يسْجُدْن)).
(٦) في (هـ) و ( ح): ((فصنع له)).
(٧) في (م): ((ألا يذهبوا)).
(٨) في ( م): ((قالوا)).
(٩) أخرجه الترمذي في ((جامعه))، فى: ٥٠ - كتاب المناقب (٣) باب ما جاء في بدء نبوة النبي المله،
الحديث (٣٦٢٠)، صفحة (٥ : ٥٩٠ - ٥٩١)، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه
إلا من هذا الوجه)».
٢٥

قال أبو العباس : سمعت العباس يقول : ليس في الدنيا مخلوق يحدث به
غير قُرَاد(١٠). وسمع هذا أحمد ويحيى بن معين من قُرَاد .
قلت : وإنما أراد به بإسناده هذا موصولا . فأما القصة فهي عند أهل
المغازي مشهورة (١١) .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، قال : قال
محمد بن إسحاق :
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢: ٦١٥ - ٦١٧)، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه))، وقال الذهبي (اظنه موضوعاً، فبعضه باطل)).
ونقله ابن كثير في «البداية والنهاية)) (٢: ٢٨٥ - ٢٨٦)، عن المصنف، وعن الحاكم ، والترمذي،
وابن عساكر، وعقب عليه بقوله: ((فيه من الغرائب : انه من مرسلات الصحابة، فإن ابا موسى
الاشعري إنما قدم في سنة خيبر - سنة سبع من الهجرة - ولا يلتفت الى قول ابن إسحاق في جعله له من
المهاجرة الى ارض الحبشة من مكة ، وعلى كل تقدير فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت ، ولرسول الله
** ، من العمر ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي (128، فيكون أبلغ، أو من بعض كبار
الصحابة ، أو كان مشهوراً مذكوراً اخذ من طريق الاستفاضة، وفيه : ان الضمامة لم تذكر في حديث
اصح من هذا ». أ. هـ.
(١٠) هو : عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي، ابو نوح المعروف بقراد : روى عنه: يحيى بن معين،
وأحمد بن حنبل، وغيرهما ، واخرج له البخاري ، والاربعة سوى ابن ماجة ، ووثقه : علي بن
المديني ، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة ، وابن سعد، وابن حبان ، وقال: ((كان يخطىء))، وروى
له الدارقطني في غرائب مالك ، وقال : اخطأ فيه قراد، وقال الخليلي: ((قراد : قديم ، روى عنه
الأئمة، ينفرد بحديث عن الليث لا يتابع عليه))، وقال الدارقطني ((ثقة، وله افراد)»، تهذيب التهذيب
(٦ : ٢٤٧ - ٢٤٩).
(١١) خبر بحيرا في سيرة ابن هشام (١: ٢٠٣). ودلائل النبوة لأبي نعيم (١٢٥)، والوفا (١: ١٣١).،
والإكتفا (١: ١٩١)، وشرح المواهب (١: ١٩٠)، والخصائص الكبرى (١: ٨٥).
٢٦

وكان أبو طالب هو الذي [يلي](١٢) أمر رسول الله، وَّه، بعد جدِّه،
كان إِليه ومعه . ثم إِن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجراً ، فلما تهيأ للرحيل
وأجمع السير ضَبَّ به(١٣) رسول الله، وَّه، فأخذ بزمام ناقته ، وقال: يا عم،
إلى من تُكِلُني؟ لا أُب لي ولا أُم لي ؟! فَرَقُّ له أبو طالب ، وقال: والله لُأخرجن
به معي ، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً، أو كما قال :
قال : فخرج به معه ، فلما نزل الركب بُصْرَى من أرض الشام ، وبها راهب
يقال له : بَحِيرَاءُ في صومعة له ، وكان أعلم أهل النصرانية ولم يزل في تلك
الصومعة قط راهب يصير علمهم عن كتاب فيه ، فيما يزعمون ، يتوارثونه كَابِراً عن
كابِر . فلما نزلوا ذلك العام ببحيراء ، وكانوا كثيراً مما يمرُّون به قبل ذلك لا
يكلمهم ولا يعرض لهم ، حتى إذا كان ذلك العام ، نزلوا به قريباً من صومعته ،
فصنع لهم طعاماً كثيراً ، وذلك فيما يزعمون عن شيءٍ رآه وهو في صومعته في
· الركب حين أَقبلوا ، وغمامةٌ بيضاء تظلُّه من بين القوم . ثم أقبلوا حتى نزلوا بظر
شجرة قريباً منه ، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وشمرت(١٤) أغصان
الشجرة على رسول الله، وَلّمُ، حتى استظل تحتها . فلما رأى ذلك بحيراء ، نزل
من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام فصنع ، ثم أرسل إليهم فقال : إني قد صنعت
لكم طعاماً يا معشر قريش ، وأنا أحبُّ أن تحضروا كلكم ، صغيركم وكبيركم ،
وحُرَّكم وعبدكم . فقال له رجل منهم(١٥) يا بحيراء ، إِن لك اليوم لَشَأْناً ما كنت
تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمُّ بك كثيراً فما شأنك اليوم ؟(١٦) فقال له بحيراء.
(١٢) ((يلي)) سقطت من (م)؛ وفي (ح): ((ولي)).
(١٣) ضب به : تعلق وتشبث ، ورويت: صبَّ به : أي مال اليه ورقِّ عليه، ويروى: وضبث به : أي
امسك .
(١٤) في (هـ): ((تهصَّرت)).
(١٥) في (ح): ((فقال له الرجل منهم)).
(١٦) كذا في (م)، وفي (هـ): ((فما شأنك؟)).
٠ ٢٧

صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنكم ضَيْفُ ، وقد أحببت أن أكرمكم وأُصنع لكم
طعاما تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله، وَّ* [ من ](١٧) بين
القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة . فلما نظر بحيراء في القوم ولم
ير الصفة التي يعرف ويجد عنده ، فقال: يا معاشر قريش(١٨)، لا يتخلف أحد
منكم عن طعامي هذا. فقالوا له(١٩): يا بحيرى(٢٠)، ما تخلف عنك أَحد ينبغي
له أن يأتيك إِلا غلام وهو أحدث القوم سناً، تخلّف في رحالهم. قال .: فلا
تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم . فقال رجل من قريش مع القوم :
واللات والعزى ، إِن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن
الطعام من بيننا . قال : ثم قام إليه فاحتضنه ، ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم .
فلما رآه بحيراء جعل يلحظه لَحْظاً شديداً، وينظر إلى أشياءَ من جسده قد كان
يجدها عنده في صفته ، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا ، قام بحيراء فقال
له : يا غلام ، أسألك باللات والعزى إِلَّ أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له
بحيراء ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما. وزعموا أن رسول الله، وَّر، قال
له : لا تسلني باللات والعزّى شيئاً ، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئاً قطُّ . فقال له
بحيراءُ : فبالله إِلا ما أخبرتني عما أسألك عنه . فقال : سلني عما بدا لك . فجعل
يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله، وَلتر ،
يخبره ، فيوافق ذلك ما عند بحيراء من صفته . ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة
بين كتفيه على موضعه ، من صفته التي عنده . قال : فلما فرغ منه أقبل على عمه
أبي طالب ، فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ فقال : ابني . فقال له بحيراء : ما هو
بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً . قال ، فإنه ابن أُخي . قال : فما
(١٧) الزيادة من (هـ ).
(١٨) في (م) و(ص): ((يا معاشر)).
(١٩) في (م) و(ص): ((قالوا له)).
(٢٠) في (م) رسمت: ((بحيرا)).
٢٨

فعل أبوه ؟ قال : مات ، وأمه حبلى به . قال : صدقت . قال : ارجع بابن أخيك
إلى بلده ، واحذر عليه اليهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا ؛
فإِنه كائن لابن أُخیك هذا شأن ، فأسرع به إِلى بلاده . فخرج به عمه أبو طالب
سريعاً حتى أَقْدَمَهُ مكة حين فرغ من تجارته بالشام . فزعَموا فيما يتحدَّثُ الناسُ :
أَن زبيراً وثَمَّاماً ودَرِيساً(٢١) ، وهم نفر من أهل الكتاب ، قد كانوا رأوا من رسول
الله، وَيّر، في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياءَ، فأرادوه فردّهم
عنه بحيراء ، وذكّرهم الله ، وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته ، وأنهم إن
أجمعوا بما أرادوا لم يخْلُصُوا إِليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدّقوه بما قال ، فتركوه
وانصرفوا. فقال أبو طالب في ذلك شعراً يذكر مَسِيرَهُ برسول الله، وَّته، وما أَراد
منه أولئك النفر، وما قال لهم فيه بحيراء (٢٢).
وذكر ابن إسحاق ثلاث قصائد من شعره في ذلك .
(٢١) في (م): ((زبيراً وتماماً))، وفي (ح): ((زبير وثمام)).
(٢٢) ينسب هذا الشعر الى ابي طالب ، وهو ظاهر الركاكة مما يدل على وضعه، ومنه :
إِنَّ ابنَ آمنة الأمين محمدا
لمَّا تعلَّق بالزِّمام رحمتُه
فارفّضَّى من عَيْنَيّ نْعٌ ذارفٌ
الأجداد
راعيتُ منه قرابةٌ موصولة
وأَمَرْتُه بالسِّير بين عمومة
ساروا لأبعد طية معلومة
حتى إذا ما القوم بُصْرى عاينوا
حَبْرا فأخبرهم حديثاً صادقاً
قوماً يهودا قد رأوا ما قد رأى
ساروا لفتك محمد فنهاهمُ
فتنى زبيراء بَجِيرٌ فانثنى
ونهى دريساً فانتهى لمّانهى
عِنْدي بمثلٍ مَنَازل الأولاد
والعِيسُ قد قَلْصْنَ بالأزواد
مثلُ الجُمَانِ مُفَرِّق الأفراد
وحفظتُ فيه وصية
أَنْجادٍ
الوجوه مصالتٍ
پِسیض
فلقد تباعد طَيّة المرتاد
لاقَوْا على شّرك من المرصاد
عنه ورَدَّ معاشر الحسَّادِ
ظل الغمامة ثاغري الأكباد
عنه وأَجْهد أحسن الاجهادِ
في القوم بعد تجَادُلٍ وتَعادِ
عن قول خَبْر ناطق بسداد
٢٩

باب
ما جاء في حفظ الله، تعالى (١)، رسوله وَله ،
في شبيبَته عن أقذار الجاهلية ومعائبها ، لما يريد به من كرامته برسالته ،
حتی بعثه رسولاً
* أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، قال :
قال ابن إسحاق :
فشبَّ رسول الله، وَهَ، يَكْلَؤُهُ الله [عَزَّ وَجَلَّ](٢) ويحفظه ويحوطه من
أقدار الجاهلية ومعائبها ، لما يريد به من كرامته ورسالته ، وهو على دين قومه ،
حتى بلغ أَن كان رجلاً أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقاً وأكرمهم مُخَالَطَّة ،
وأحسنهم جِواراً ، وأعظمهم خلقاً ، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أَمانةً ، وأبعدهم
من الفحش والأخلاق التي تدنِّسُ الرجال ، تنزها وتكرُّماً ، حتى ما اسمه في قومه
إلا الأمين؛ لما جمع الله، [تعالى](٣)، فيه من الأمور الصالحة (٤).
وكان رسول الله، و8 18 - فيما ذكر لي - يحدث عما كان يحفظه الله ، تعالى،
به في صغره وأمر جاهليته ، فحدَّثني والدي إسحاق بن يسار، عمن حدّثه ، عن
(١) في (م): ((عز وجل)).
(٢) الزيادة من (م).
(٣) ليست في ( م) ولا (ص).
(٤) أخرجه ابن هشام في السيرة (١ : ١٩٧).
٣٠

رسول الله، ◌َ﴾، أنه قال فيما يذكر من حفظ الله إِيَّهُ(٥):
إِني لَمَعَ غلمانٍ هم أَسْنَانِي قد جعلنا أُزْرَنَا على أعناقنا لحجارة ننقلها ،
نلعب بها ، إِذْ لَكَمَنِي لاكم لَكْمَةٌ شديدة، ثم قال: اشدد عليك إِزارك(٦).
أخبرنا أبو نصر : محمد بن علي بن محمد الفقيه الشيرازي ، قال : حدثنا
أبو عبد الله : محمد بن يعقوب الأخْرَم ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، قال :
أخبرنا رَوْح .
وأخبرنا أبو بكر : أَحمد بن محمد بن غالب الخُوارَزْمِيُّ الحافظ ، ببغداد ،
قال : قُرِىءَ على أبي بكر : محمد بن جعفر بن الهَيْثم ، قال: حدَّثنا محمد بن
العَوَّام ، قال : حدثنا رَوْح بن عُبَادَة ، قال : حدثنا زكريا بن إِسحاق ، قال :
حدثنا عمرو بن دينار ، قال :
سمعت جابر بن عبد الله يحدث: أن رسول اللّه، وَّل*، كان ينقل الحجارة
معهم للكعبة ، وعليه إِزار، فقال [ له ](٧) العباس عمه : يابن أخي ، لو حللت
إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة ؟ قال : فحلَّه فجعله على منكبيه
فسقط . مغشياً عليه ، فما رُؤيَ بعد ذلك اليوم عرياناً.
لفظ حديثهما سواء .
رواه البخاري في الصحيح ، عن مطر بن الفضل .
(٥) كذا في (م)، وفي بقية النسخ: ((من اللّه تعالى إياه)).
(٦) بقية الخبر: ((قال: فأخذتُه وَشَدَدْتُه عليَّ، ثم جعلت احمل الحجارة على رَقَبتي، وإزاري عليٍّ من بين
اصحابي)). سيرة ابن هشام (١ : ١٩٧).
وهذه القصة ستأتي في الرواية التالية في حين بناء الكعبة .
(٧) الزيادة من (م).
٣١

ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب، جميعاً عن رَوْحِ بن عُبَادة (٨).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو الوليد الفقيه ، قال : حدثنا
محمد بن زهير ، قال : حدثنا إِسحاق بن منصور. (ح ).
وأخبرنا أبو عبد الله، قال : أخبرني أبو عمرو بن أبي جعفر، قال :
حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن رافع ، قال : حدثنا عبد
الرزاق ، قال : حدثنا ابن جريج، قال : أخبرني عمرو بن دينار : أنه سمع جابر
ابن عبد الله ، يقول :
لما بنيت الكعبة ذهب رسول اللّه، وَل*، وعباس ينقلان الحجارة، فقال
العباس للنبي، وَّ*؛ اجعل إِزَارَكَ على عَاتِقِك من الحجارة . ففعل، فخرّ إِلى
الأرض، وطَمَحَتْ عيناه إِلى السماءِ ، ثم قام فقال: إِزاري فشدَّ عليه إِزاره .
رواه مسلم في الصحيح(٩) عن محمد بن رافع وإسحاق بن منصور.
ورواه البخاري(١٠) ، عن محمود ، عن عبد الرزاق.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ؛ قالا : حدثنا
أبو العباس : محمد بن يعقوب، قال : حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني ،
قال: حدثنا محمد بن بكير الخَضْرمَي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله
الدّشْتكي، قال : حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن سماك، عن عكرمة، قال:
(٨) الحديث أخرجه البخاري في: ٨ - كتاب الصلاة (٨) باب كراهية التِّعري في الصلاة وغيرها ، فتح
الباري (١ : ٤٧٤) من طريق مطر بن الفضل ، عن روح بن عُبادة ، وأخرجه البخاري أيضاً مختصراً
في: ٢٥ - كتاب الحج (٤٢) باب فضل مكة وبنيانها ... ، فتح الباري (٣: ٤٣٩)، وفي : ٦٣ -
كتاب مناقب الانصار (٢٥) باب أبنيان الكعبة، فتح الباري (٧: ١٤٥).
وأخرجه مسلم في : ٣ - كتاب الحيض (١٩) باب الاعتناء بحفظ العورة ، الحديث (٧٦)، ص
(٢٦٧).
(٩) صحيح مسلم ، كتاب الحيض، الحديث (٧٧)، ص (٢٦٨).
(١٠) فتح الباري (٧: ١٤٥)، وسبقت الاشارة اليه في الحاشية (٨).
٣٢

حدثنا ابن عباس عن أبيه .
أنه كان ينقل الحجارة في البيت حين بنت قريش البيت . قال : وأفردت
قريش رجلين رجلين : الرجال ينقلون الحجارة ، وكانت النسبةُ تنقل الشِّيْدَ .
قال: وكنت أَنا وابن أَخي. وكنا نحمل على رقابنا وأُزُرُنَا تحت الحجارة ، فإِذا
غشِيّنًا الناسُ اتزرنا، فبينما أَنا أُمشي، ومحمد ◌ٍَّ(١١)، أمامي، قال: فَخَرُّ
وانبطح على وجهه . قال : فجئت أسعى، وألقيت حجري وهو ينظر إِلى
السماءِ . فقلت: ما شأنك ؟ فقام وأخذ أَزاره فقال(١٢): نُهيتُ أَن أَمشي عرياناً.
فکنت أکتمها الناس ، مخافة أن يقولوا مجنون .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب
، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن ابن
إسحاق ، قال : حدثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة ، عن الحسن بن
محمد بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده علي بن أبي طالب ، قال :
سمعت رسول الله، ورَ* ، يقول :
ما هممت بشيءٍ مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساءِ إِلا ليلتين
كلتاهما عصمني الله ، تعالى (١٣)، فيهما . قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في
رعاية غنم أهلنا ، فقلت لصاحبي : أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأَسمر فيها
کما یسمر الفتيان. فقال : بلی . قال: فدخلت حتى إذا جئت اول دار من دور
مَّة سمعت عَزْفاً بالغَرَابيل والمزامير ، فقلت : ما هذا؟ فقيل تزوج فلان
فلانة. فجلست أنظر ، وضرب الله، [ تعالى ](١٤) على أذنيٍّ، فوالله ما
(١١) في (م): ((عليه السلام)).
(١٢) في (م): ((فأخذ إزاره، وقال)).
(١٣) في (م) و ( ص ) : - عز وجل.
(١٤) ليست في ( م).
٣٣
( م ٢ - دلائل النبوة جـ ٢ )

أيقظني إلا مَسُ الشمس فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت ؟ قلت : ما
فعلت شيئاً . ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: ابصر لي غنمي
حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك
الليلة، فسألت ، فقيل فلان نكح فلانة ، فجلست أنظر، وضرب الله على أذنيًّ،
فوالله ما أيقظني إلا مَسُّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟
فقلت: لا شيء. ثم أُخبرته الخبر، فوالله ما هَمَمْتُ ولا عدت بعدها لشيءٍ من
ذلك، حتى أكرمني الله ، عز وجل ، بنبوته (١٥).
. حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال : أخبرنا أبو العباس : محمد بن يعقوب،
قال : حدثنا (١٦) الحسن بن علي بن عفّان العامري، قال :. حدثنا أبو أسامة،
قال : حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، ويحيى بن عبد الرحمن بن
حاطب ، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة، قال: كان صنم من نحاس يقال
له: إِسَافٌ، أَو نَائِلَة، يتمَسَّحُ به المشركون إِذا طافوا. فطاف رسول الله، دَّته ،
فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله، وَلخير: لا تمسه! فقال
زيد: فطفت(١٧) فقلت في نفسي لأمّسَّنَّهُ حتى أُنظر ما يكون، فمسحته، فقال
رسول الله، وَلتر، ألم تنه ؟
قلت : زاد فيه غيره عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد : فوالذي هو
أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنماً حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأُنزل
عليه(١٨).
(١٥) الخبر في دلائل النبوة لأبي نعيم. ص (١٤٣)، وفي البداية والنهاية لابن كثير (٢: ٢٨٧)،
والخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٨٩)، وسبل الهدى (٢: ١٩٩ - ٢٠٠)، وقال: «رواه إسحاق
ابن راهويه ، والبزار، وابن حبان، وإسناده متصل)).
(١٦) في (م) و(ص) ((اخبرنا)).
(١٧) في (هـ): ((فطفنا)).
(١٨) البداية والنهاية (٢: ٢٨٧)، والخصائص الكبرى (١: ٨٩).
٣٤

وروينا في قصة بَحِيرَاء الراهب حين حلف باللات والعُزَّى متابعة لقريش
، فقال النبي، بَل﴿،: لا تسألني باللات والعزَّى شيئاً ، فوالله ما أبغضت بغضهما
شيئاً قط .
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، قال : حدثنا (١٩) أبو القاسم الطبراني ،
٤
قال : حدثنا المعمري، قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة . ح.
وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني(٢٠) قال: أخبرنا أبو أحمد بن
عدي الحافظ ، قال : حدثنا إبراهيم بن أُسْبَاط ، قال : حدثنا عثمان بن أبي
شَيْبَة ، قال : حدثنا جرير ، عن سفيان الثَّوري ، عن عبد الله بن محمد بن
عقيل ، عن جابر بن عبد الله، قال :
كان النبي، وَالر، يشهد مع المشركين مشاهدهم. قال: فسمع ملكين
خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم (٢١) خلف رسول اللّه، الم.
قال : كيف نقوم خلفه ، وإِنما عهده باستلام الأصنام قُبَيْل ؟ قال : فلم يعد بعد
ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم (٢٢).
(١٩) في (م): ((اخبرنا)).
(٢٠) في بقية النسخ: ((اخبرنا ابو سعد الماليني)) ..
(٢١) في (م): «حتى نقومَنَّ)).
(٢٢) رواه ابو يَعْلى، وابن عدي، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله، وقال الحافظ ابن حجر في المطالب
العالية . ((هذا الحديث انكره الناس على عثمان بن أبي شيبة، فبالغوا ، والمنكر منه قوله عن الملك:
(عهده باستلام الأصنام)) فإن ظاهره انه باشر الاستلام، وليس ذلك مراداً، بل المراد أنه شهد
مباشرة المشركين استلام اصنامهم)). أ. هـ.
وقال ابن كثير: (( انكره غير واحد من الأئمة على عثمان بن أبي شيبة )).
وقد ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ، في ترجمة عثمان بن أبي شيبة (٣ : ٣٥)، ونقل قول العقيلي
تضعيف الحديث ، وقول الأزدي: رأيت اصحابنا يذكرون ان عثمان روى احاديث لا يتابع عليها)) ..
عقب الذهبي بقوله: ((عثمان لا يحتاج الى متابع، ولا ينكر له ان ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد=
٣٥

قال أبو القاسم : تفسير قول جابر : وإِنما عهده باستلام الأصنام ، يعني
أنه شهد مع من استلم الأصمام ، وذلك قبل أن يوحى إليه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ . قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب،
قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن هشام بن
عروة، عن أبيه ، عن عائشة، [ رضى الله عنها ](٢٣) قالت:
كانت قريش ومن يدين دينها وهُم الحُمْسُ(٢٤) يقفون عَشِيّةً عرفة بالمُزْدَلِفَة
يقولون : نحن قطنُ البيت(٢٥). وكانت بقية الناس والعرب يقفون بعرفات، فأُنزل
اللّه، عز وجل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾(٢٦) فتقدّموا، فوقفوا مع
الناس بعرفات (٢٧).
=يغلط ، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما ... )).
وقد أولى الصالحي في السيرة الشامية ما ورد بالحديث : ((فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين
مشاهدهم )) بأن المراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوها لا مشاهد استلام الاصنام. سبل
الهدى (٢ : ٢٠٣).
(٢٣) ليست في ( م) و( ص).
(٢٤) الحُمْس : جمع أحمس ، وهو الشديد الصلب ، مأخوذ من الحماسة التي هي الشدة ، وإنما سموا
الحمس لأنهم اشتدوا في دينهم - في زعمهم -.
(٢٥) في سيرة ابن هشام: نحن قُطّان مكة ، وساكنها نحن بنو إبراهيم ، واهل الحرمة ...
(٢٦) الآية الكريمة (١٩٩) من سورة البقرة
(٢٧) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير - تفسير سورة البقرة، (٣٥) باب «ثم افيضوا من حيث أفاض
الناس))، فتح الباري (٨: ١٨٦)، عن علي بن عبد الله المديني، ومسلم في: ٢٥ - كتاب الحج ،
(٢١) باب في الوقوف وقوله تعالى: ((ثم افيضوا من حيث أفاض الناس))، الحديث (١٥١)، ص
(٨٩٣ - ٨٩٤)، عن يحيى بن يحيى .
وأخرجه أبو داود في المناسك عن هناد بن السري ، والنسائي في المناسك، وفي التفسير كلهم عن أبي
معاوية الضرير.
٣٦

أخرجاه في الصحيح عن هشام (٢٨).
وأخبرنا أبو عبد الله [ الحافظ ](٢٩)، قال : حدثنا أبو العباس، قال :
حدثنا أحمد ، قال: حدثنا يونس [ بن شَبِيب ](٣٠) عن ابن إسحاق ، قال :
حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن نافع بن جُبَيْر
[بن مُطْعِم، عن أبيه جُبَيْر](٣١)، قال :
لقد رأيت رسول الله، صل1، وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير
له ، بعرفات ، من بين قومه ؛ حتى يَدْفَعَ معهم ، تَوْفِيقاً من الله ، عز وجل ،
له(٣٢) .
قلت: قوله: ((على دين قومه)) معناه: على ما كان قد بقي فيهم من
إِرْثِ إبراهيم وإسماعيل ، في حجّهم ومناكحهم وبيوعهم ، دون الشرك ، فإِنه
لم يشرك بالله قط .
وفيما ذكرنا من بغضه اللّت والعُزَّى دليل على ذلك.
أخبرنا أبو سعد : أَحمد بن محمد المَاليني ، قال : أخبرنا أبو أحمد بن
عدي الحافظ ، قال : حدثنا يحيى بن علي بن هشام(٣٣) الخَفَّافُ، قال: حدثنا
أبو عبد الرحمن الأذرمي ، قال . حدثنا(٣٤) إِسماعيل بن عُلَيَّة ، عن عبد الرحمن بن
(٢٨) في (م) و(ص): ((من حديث هشام)).
(٢٩) لم ترد في (م) و( ص).
(٣٠) سقطت من (ح ).
(٣١) ما بين الحاصرتين ليست في (هـ).
(٣٢) السيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٩٠)، وقال: اخرجه ابن إسحق، والبيهقي ، وأبو نعيم.
(٣٣) في (م): ((هاشم)).
(٣٤) في (م): ((اخبرنا))، وكذا في (ص).
٣٧

إسحاق، عن الزهري ، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم ، عن أبيه عن عبد الرحمن
ابن عوف ، قال :
قال رسول الله، وَّ: شهدت مع عمومتي ((حلف المُطِّين)) فما أُحب أَن
أَنْكُثَهُ - أَو كلمة نحوها - وأَن لي حُمْرَ النَّعم(٣٥) وكذلك رواه بشر بن المفضَّل
عن عبد الرحمن .
وأخبرنا أبو نصر بن قتادة ، قال : حدثنا(٣٦) أبو عمرو بن مطر ، قال :
حدثنا أبو بكر أحمد بن داود السِّمْنَاني، قال : حدثنا مُعَلَّى بن مهدي ، قال : حدثنا
أبو عَوَانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، قال :
قال رسول الله، ﴿َّ: ما شهدت حِلْفاً لقريش إِلا حلف المُطَيِّبِين، وما
أُحبّ أَنَّ لي حُمر النَّعم وأني كنتُ نقضته .
قال : والمطيبين : هاشم ، وأمية ، وزهرة ، ومخزوم .
كذا روى هذا التفسير مُدرجاً في الحديث، ولا أُدري قائله. (٣٧).
(٣٥) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ١٩٠، ١٩٣).
(٣٦) في (م) و(ص): ((اخبرنا)).
(٣٧) وقال المصنف في السنن الكبرى (٦: ٣٦٦) بعد أن ذكر الحديث: ((لا ادري: هذا التفسير من قول
ابي هريرة او مَنْ دونه ، وبلغني أنه إنما قيل : حلف المطيبين ، لأنهم غمسوا أيديهم في طيب يوم
تحالفوا ، وتصافقوا بأيمانهم ، وذلك حين وقع التنازع بين بني عبد مناف وبني عبد الدار، فيما كان
بأيديهم من السقاية والحجابة والرفادة واللواء والندوة ، فكان بنو أسد بن عبد العزى في جماعة من
قبايل قريش تبعاً لبني عبد مناف ، وقد سماهم محمد بن إسحاق بن يسار، فقال : المطيبون من قبائل
قريش : بنو عبد مناف : هاشم. والمطلب ، وعبد شمس ، ونوفل ، وبنوزهرة ، وبنو أسد، ابن عبد
العزى، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر خمس قبائل. قال الشافعي: وقال بعضهم : هم حلف
الفضول )).
٣٨

وزعم بعض أهل السير (٣٨) أَنه أَراد حلف الفُضُول(٣٩) ، وأَن النبي،
(٣٨) اشار ابن إسحق الى حلف المطيبين وهو اختلاف قريش بعد قصي، وهم بنو عبد مناف بن قصي، :
عبد شمس، وهاشم، والمطلب، ونوفل، وبنو عبد الدار بن قصي . وقد تحالف كل فريق مع
انصاره ، واخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءةً طيباً ، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثم
غَمَسَ القوم ، أيديهم فيها ، فتعاقدوا، وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً
على انفسهم فسمّوا المُطَيِّبِينَ.
وتعاقد بنو عبد الدار، وتعاهدوا وحلفاؤهم عند الكعبة حلفاً مؤكداً على أن لا يتخاذلوا ، ولا يُسْلم
بعضهم بعضاً ، فسمُّوا الأحلاف.
ثم سونِدٌ بين القبائل، ولُزَّ بَعْضَها ببعض، فَعُبِّتْ بنو عبد مناف لبني سهم، وعبيت بنو أسد لبني عبد
الدار، وُبِّيَتْ بنوزهرة لبني جُمَح، وعُبِّيَت بنو الحارث بن فهر لبني عَدِيٍّ بن كعب ، ثم قالوا: لتفر
کل قبيلة على من اسند اليها .
فبينا الناس على ذلك قد اجمعوا للحرب إذ تداعَوْا الى الصلح، على ان يعطوا بني عبد مناف السِّقاية
والرِّفادة ، وان تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت ، ففعلوا، ورضي كل واحد من
الفريقين بذلك ، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، فلم يزالوا على ذلك حتى
جاء اللّه تعالى بالإِسلام، فقال رسول الله ﴿ ﴿﴿ ((مَا كانَ من حِلْفٍ في الجاهلية، فإنَّ الإِسْلامَ لم يَزْدُه
إلا شِدَّةٌ)).
وفرق ابن هشام بينه وبين حلف الفضول ، وكذا فإن المصنف قد ذكره مرة أخرى في السنن الكبرى
(٦ : ٣٦٧)، واشار الى ان بعض أهل السير ويقصد ابن قتيبة حيث نقل قوله ((إن حلف المطيبين هو
حلف الفضول)) عقب البيهقي بقوله: ((إن قوله حلف المطيبين انما هو حلف الفضول غلط ، وذلك
ان النبي # لم يدرك حلف المطيبين، لان ذلك كان قديماً قبل ان يولد بزمان)). أ. هـ.
ومن سياق قصة تكوين حلف المطيبين يتبين أنه في زمان هاشم أبي عبد المطلب جدا الرسول اليه .
٣٩ الفضول: اختلفوا فيه فقيل سمى بذلك لأنه كان قد سبق قريشاً فيما قاله ابن قتيبة الى مثل هذا الحلف
جُرْهم في الزمن الأول فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم أحدهم : الفضل بن فضالة. الثاني
: الفضل بن ودّاعة. والثالث: الفضل بن الحارث. هذا قول القُتّبي. وقال الزبير: الفضل بن
شراعة والفضل بن قضاعة فلما أُشْبه حلف الآخر فِعْل هؤلاء الجُرْهميين سمى حلف الفضول ،
والفضول جمع فَضْل وهي اسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم .
قال السهيلي : وهذا الذي قاله ابن قتيبة حَسَنٌ ولكن في الحديث ما هو أقوى منه . روى الحميدي =
٣٩

= عن سفيان عن عبد الله بن محمد وعبد الرحن بن أبي بكر قالا: قال رسول الله وَله: ((لقد شهدت في
دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً لو دُعيت به في الإِسلام لَّ جَبْتُ تحالفوا أن يردُّوا الفضولَ على أهلها ولا
يُعزَّ ظالم على مظلوم .
قلت : الظاهر ان قوله : تحالفوا الی آخرہ۔ مُذرّج من بعض رواته ولیس بمرفوع ، فلا دلالة حينئذ
فيه .
كان هذا القول الحلف في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة مُنْصَرف قريش من الفِجَار ولرسول الله
** يومئذ عشرون سنة. وكان اكرم حِلْف سُمع به وأَشْرفَه في العرب.
وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله (28ٍ وكان سببه ان رجلاً من زبيد
قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل السِّهْمي وكان ذا قَدْر وشرف بمكة فحبس عنه حقه
فاستعدى عليه الزبيديُّ الأَحلاف عبد الدار ومخزوماً وجُمّحاً وسَهْما فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي
ابن وائِل وزبروه ونَهروه فلما رأَى الزبيدي الشرَّ رَقى على أبي قُبَيْس عند طلوع الشمس وقريش في
أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته :
ببطَنْ مكة نائي الدار والنفر
يا آل فِهْر لمظلوم، بضاعته
يا لَلرجال وبين الحِجْر والحجّرِ
ومُخْرمٍ أَشعت لم يقض عُمْرَتّه
ولا حرام لشوب الفاجر والغدر
إِنَّ الحرام لمَن تمَّت مكارمه
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا مَتْرك؟ فاجتمعت هاشم وزُهْرة وتيم في دار عبد الله بن
جُدْعان فصنع لهم طعاماً فحالفوا في القعدة في شهر حرام قياماً فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة
مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بَلَّ بَحْر صوفة وما رَسَاحَرَاء وثَبِير، مكانهما وعلى
التّآسي في المعاش . فسمّت قريش ذلك الحلفيحلف الفضول وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فُضول
من الأمر، ثم مشوا إلى العاصي بن وائل. فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه.
وروى ابن اسحاق عن طلحة بن عبيد الله وابن سعد والبيهقي عن جبير بن مطعم رضي الله عنهما قالا
قال رسول الله وَ له: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً ما أُحبُّ أَن لي به حُمر النَّعم ولا دُعي
به في الإِسلام لأجبتُ )).
وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه تعالى أن رسول الله { ﴾ قال: ما شهدتُ حلفاً لقريش إلا
جِلْف المطيّين شهدته مع عمومتي وما احب أن لي به حمر النعم وأني كنت نقَضْتُه.
قال بعض رواته : والمطيبون هاشم وزُهْرة ومَخْزوم .
قال البيهقي : كذا روى هذا التفسير مُذْرَجاً ولا أدري من قاله . وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف
الفضول فإن النبي # لم يُذْرك حلف المطيِّين.
والجلْف : بكسر الحاء المهملة وإسكان اللام وهو العهد والبيعة .
٤٠