Indexed OCR Text

Pages 21-40

المقدمة
٢١٠
أما بعد ، فإِن محمداً ممن لا يوزّنُ به فتى من قريش ، إلا رَجَحَ به : شرفاً
ونبلاً، وفضلاً وعقلًا، وإِن كان في المال قلّ ، فإِن المال ظل زائل ، وعاريه
مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك)) .
ورضي عمرو ، وقال :
(( هو الفحل لا يُقْدع أنفه)) .
وعندما رجع إليها من غار حراء، وهو يقول: ((زَّمِّلوني زمِّلوني فزمَّلوه،
حتى ذهب عنه الرَّوع، فقال: (( يا خديجة! مالي، فأخبرها الخبر)) . كان هذا
شأناً جديداً عليه وتغيراً محسوساً ، وعندما سألته عن جلية الخبر ، قال :
((لقد خشيت على نَفْسي!)).
قالت له : ((كلا ، والله ما يخزيك الله أبداً، إِنَّكَ لتصل الرحم وتَصْدقُ
الحديث ، وتحملُ الكلَّ وتعينُ على نوائب الحقِّ )).
لقد غمرت خديجة قوة نورانية عجيبة ، وثقَهُ واضحة جلية ، واتجهت إلى
زوجها بقوة المسؤولية ، وأخذت تمسح عن وجهه ، وتقول :
(( أبشر، فوالله لقد كنتُ أعلم أنَّ الله لن يفعل بك إلا خيراً، وأشهد أنك
نبيُّ هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي ، وبحيرى
الراهب )) .
ولم تزل برسول الله وَّر حتى طعم وشرب وضحك .
فلما ضحك رسول الله صل﴿ ، قامت فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت من
مكانها فأتت غلاماً لقيه ربيعة بن عبد شمس نصرانياً من أهل نينوى ، يقال له
عداس . فقالت له :
يا عداس ، أذكّرك بالله ، إلا ما أخبرتني : هل عندك علم من جبريل ؟

٠٢٢
٠٠٠٠
. المقدمة
فقال: قُدُّوسٌ !! قُدُّوس !! ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها
أهل الأوثان .
فقالت : أخبرني بعلمك فيه .
قال: إنه أمين الله بينه وبين النبيين .. وهو صاحب موسى وعيسى عليهما
السلام .
ثم ذهبت إلى راهب بجوار مكة ، فلما دنت منه وعرفها ، قال : مالك يا
سيدة نساء قريش ؟ .
فقالت : أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل .
فقال : سبحان الله ! ربنا القدوس : ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد
التي يعبد أهلها الأوثان ، جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله ..
وهو صاحب موسى وعيسى .
فرجعت خديجة من عنده ، فجاءت ورقة بن نوفل ، وكان ورقة قَدْ كَرِهَ
عبادة الأوثان ، فسألته عن جبريل ، فقال لها مثل ذلك، ثم سألها، ما الخبر ؟
فأحلفته أن يكتم ما تقول له ، فحلف لها ، فقالت :
إن محمداً ذكر لي - وهو صادق - أحلف بالله ما كَذَبَ ولا كُذِبَ - أنه نزل
عليه جبريل بحراء ، وأنه أخبره أنه نبيُّ هذه الأمة ، وأقرأه آيات أرسل بها .
قال : فذعر ورقة لذلك ، وقال :
قدوس ، قدوس ، والذي نفس ورقة بيده لئن كنتِ صدقتيني يا خديجة إنه
لنبيّ هذه الأمة ، وإِنَّهُ ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى - عليه السلام -
فقولي له فليثبت . ولكن يا خديجة أرسلي إليَّ ابن عبد اللّه أسأله وأسمع من
قوله ، فإني أخاف أن يكون غير جبريل ، فإِن بعض الشياطين يتشبه به ، ليفسد
بعض بني آدم ، حتى يصير الرجل بعد العقل مدلهاً .

٢٣٠٠
المقدمة
فقامت من عنده، وهي واثقة أن لا يفعل بصاحبها إلا خيراً .
وانطلقت خديجة بمحمد ◌َ ل# إلى ورقة، فقالت له خديجة :
يا ابن عم ! إسمع من ابن أخيك .
فقال له ورقة : يا ابن أخي ! ماذا ترى ؟.
فقصَّ عليه رسول الله وَ ر خبره ...
فقال له ورقة :
والذي نفسي بيده. إنه ليأتيك الناموس٣ الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنك
نبي هذه الأمة، ولتؤذينٌّ ، ولتقابَلَنَّ، ولتُنْصرَنَّ، ولئن أنا أدركتُ ذلك لأنصرنك
نصراً يعلمه الله .
ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه ، ثم انصرف إلى منزله ، وقد زاده الله من
قول ورقة ثباتاً ، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم .
أما ورقة ، فقد قال :
وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحيّ يشرح الصدر مُنْزَلُ
أما خديجة فقد أحبت أن تضع جبريل موضع الاختبار ، لتتبين أمره في
وضوح ، فقالت خديجة لرسول الله # فيما تثبته - فيما أكرمه الله به في نبوّته :
يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟
فقال : نعم .
فقالت : إذا جاءك فأخبرني .
فبينا رسول الله وَل# عندها إذ جاء جبريل، فرآه رسول الله وليه، فقال: يا
خديجة ! هذا جبريل .
فقالت : أتراه الآن ؟
قال : نعم .
(١) الناموس هو جبريل، وهو صاحب سر الخير . ومنه الجاسوس: صاحب سر الشر.

٢٤
. المقدمة
قالت : فاجلس إلى شقي الأيمن ، فتحول فجلس ، فقالت : هل تراه
الآن ؟ قال : نعم .
قالت : فاجلس في حجري .
فتحول رسول الله ومقر فجلس .
فقالت : هل تراه الآن ؟
قال : نعم .
فتحسِّرت رأسها، فألقت خمارها ، ورسول الله صل9 جالس في حجرها ،
فقالت : هل تراه الآن ؟
قال : لا .
قالت : ما هذا شيطان ، إن هذا لمَلَكٌ يا ابن عم ، فاثبت وأبشر ، ثم
آمنت به ، وشهدت أن الذي جاء به الحق)).
. قال البيهقي (٢ : ١٥٢) بعد أن سرد الخبر :
(( هذا شيء كانت خديجة تصنعه تستثبت به الأمر احتياطاً لدينها
وتصديقها، فأما النبي و### فقد كان قد وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات))
أ. هـ.
هكذا أسلمت خديجة ، فكانت أول من اعتنق الإسلام بعد رسول
الله ◌َ، ولم يدعها رسول الله وَله إلى الإسلام، ولم تكن لتحتاج إلى دليل
خارج عن حال رسول الله و# وخلقه .
٤ - دلائل النبوة في إسلام أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
قال ابن خلدون في المقدمة عن أبي بكر الصديق حال إسلامه .
(( لم يحتاج في أمره وَله إلى دليلٍ خارج عن حاله وخلقه)) أ. هـ.
فكيف أسلم أبو بكر الصديق ؟

٢٥
المقدمة
قال البيهقي (٢: ١٦٣ - ١٦٤): ((ثم إن أبا بكر الصديق - رضي الله
عنه - لقيَ رسول الله وَّر، فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك
آلهتنا ، وتسفيهك عقولنا ، وتكفيرك آباءنا ؟
فقال رسول الله وَلچر :
بلى ، إني رسول الله ونبيه ، بعثني لأبلِّغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق ،
فوالله إنه للحق ، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ، ولا تعبد غيره ،
والموالاة على طاعته ، وقرأ عليه القرآن .
فأسلم وكفر بالأصنام ، وخلع الأنداد ، وآمن بحق الإِسلام، ورجع أبو بكر
وهو مؤمن مصدق .
قال رسول الله وَله: (( ما دعوتُ أحداً إلى الإِسلام إلا كانت منه كَبْوَةٌ وتردد
ونظر ، إلا أبا بكر ما تردّد فيه )) .
قال البيهقي: ((وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة النبي نوحعليه ويسمع آثاره، قبل
دعوته ، فحین دعاه كان قد سبق فيه تفكره ونظره وما تردد فيه )).
دلائل النبوة في إسلام أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه -
أخرج مسلم في الصحيح ، في فضائل أبي ذر، ونقله البيهقي (٢ :
٢٠٨) قال أبو ذر : كنت ربع الإِسلام ، أسلم قبلي ثلاثة نفر، وأنا الرابع ،
أتيت رسول الله وسير، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمداً رسول الله، فرأيتُ الاستبشار في وجه رسول الله وَّته .
وحديث إسلام أبي ذر ، رضي الله عنه ، حديثٌ مستفيض جليل : رّوته
كتب السنة الموثوق بها ، أمثال البخاري ومسلم ، وغيرهما .
ولقد روته هذه الكتب في زواياه المختلفة ، الثرية بالغبر والمواعظ :
وذلك: أنه لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله وَ لاغير ، قال لأخيه أنيس :

٠٢٦
المقدمة
( أركّبْ إلى هذا الوادي، فاعْلَم لي علمَ هذا الرجل : الذي يزعم أنه
نبي ، يأتيه الخبر من السماء ، فاسمع من قوله ، ثم اثتني .
فانطلق ((أنيس)) إلى مكة وسمع من كلام الرسول ◌َليل، ثم رجع إلى أبي
ذر فقال له: ((رأيته يأمر بمكارم الأخلاق)). فقال له أبو ذر: ما يقول الناس
له ؟ قال : يقولون : إنه شاعر ، وساحر - وكان أنيس شاعراً - وتابع أنيس حديثه
قال :
لقد سمعتُ الكهان فما يقول بقولهم ، وقد وضعت قوله على أنواع
الشعر، فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق ، وإِنهم
لكاذبون ..
فقال أبو ذر لأخيه : هل أنت كافيَّ حتى أنطلق ؟ قال : نعم ، وكنْ من
أهل مكة على حَذّر ، فإِنّهم قد شنعوا له ، وتجمعوا له .
فتزود وحمل شنة له فيها ماء ، حتى قدم مكة ، فأتى المسجد ، فالتمس
رسول الله ﴿، وهو لا يعرفه ، واتبع نصيحة أخيه في أن لا يسأل عنه ، وأن
يحذر أهل مكة ، حتى أدركه بعض الليل ، فاضطجع لينام ، فرآه سيدنا علي
فعرف أنه غريب ، فدعاه إلى المبيت عنده ؛ فتبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه
عن شيء حتى أصبح ، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد ، وظل ذلك اليوم ،
فلم ير النبي صل# ، حتى أمسى ، فعاد إلى مضجعه ، فمر به علي فقال :
أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟ وسار به إلى المنزل : لا يسأل واحد منهما
صاحبه عن شيء ، ومرّ اليوم الثالث على هذه الكيفية .
فلما كان في البيت ، سأله علي رضي الله عنه قائلاً:
ألا تحدثني بالذي أقدمك ؟
قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لَيُرشِدَنَّني، ففعلت .... ففعل، فأخبره .

٢٧٠
المقدمة
وفي الصباح ذهبا - على حذر - إلى رسول الله صلجر، وأخذ أبو ذر يستمع
إلى القرآن الكريم ، فأسلم في جلسته ، فقال له النبي ◌َّ :
ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري ، فقال :
(( والذي بعثك بالحق، لأصرُخْنَّ بها بين ظهرانيهم .. فخرج حتى أتى
المسجد فنادى بأعلى صوته :
(( أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ... فقام إليه
الحاضرون فاشتبكوا معه في معركةٍ ، حامية ، واستمروا به حتى رموه أرضاً ،
فأتى العباس وأنقذه منهم ... ولكنه عاد في الغد إلى مثلها ، وعادوا إلى مثل
مافعلوا ، وأنقذه من جديد العباس ، وعاد أبو ذر إلى أخيه ، وأعلن إسلامه ،
فأسلم أخوه ، وذهبا إلى أمهما فأعلنت إسلامها ، وأخذ أبو ذر يبشر الإِسلام في
قومه . رضي الله عنه .
دلائل النبوة في إِسلام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه
قال طلحة بن عبيد الله : (( حضرتُ سوق بصرى فإِذا راهبٌ في صومعته ،
يقول : سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم ؟
قال طلحة : قلت نعم أنا .
فقال : هل ظهر أحمد .
قلت : ومن أحمد
قال : ابن عبد اللّه بن عبد المطلب ، هذا شهره الذي يخرج فيه ، وهو
آخر الأنبياء ، مخرجه من الحرم ، ومهاجره إلى نخل وحرَّةٍ وسباخٍ ، فإياك أن
تُسْبَق إليه .
قال طلحة : فوقع في قلبي ماقال ، فخرجت مسرعاً حتى قدمت مكة ،
فقلت :
هل كان من حدث ؟

٢٨
المقدمة
قالوا : نعم ، محمد بن عبد الله تنبّأ ، وقد تبعه ابن أبي قحافة .
قال : فخرجت حتى دخلت على أبي بكر ، فقلت : أتبعت هذا الرجل ؟
قال : نعم ، فانطلِقْ إليه فأدْخلْ عليه فاتَّبِعْهُ ، فإِنه يدعو إلى الحق .
فأخبره طلحة بما قال الراهب ، فخرج أبو بكر بطلحة ، فدخل به على
رسول اللّه وَه﴿، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله وَّه بما قال الراهب، فسرَّ
رسول الله # بذلك .
فلما أسلم أبو بكر وطلحة ، أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدهما
في حبل واحد ، ولم يمنعهما بنو تميم ، وكان نوفل بن خويلد يدعى : أسد
قريش، فلذلك سُمّي أبو بكر وطلحة: ((القرينين)).
دلائل النبوة في إسلام النجاشي الأصحم .
قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن
المغيرة ، زوج رسول اللّه وَ لقر قالت:
(( لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي، أمِنًّا على
ديننا ، وعبدنا الله تعالى: لا نؤذي ولا نسمع شيئاً نكرهه . فلما بلغ ذلك قريشاً
ائتمروا بينهم: أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين ، وأن يُهْدُوا
للنجاشي هدايا مما يُسْتَظْرَفُ من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها
الأدم ، فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية ،
ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وأمروهما بأمرهم
وقالوا لهما : ادفعا إلي كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ، ثم قدّما
إلى النجاشي هداياه ، ثم أسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم ، قالت:
فخرجا حتى قدما على النجاشي ، ونحن عنده بخير دار عند خير جار . فلم يبق
من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته ، قبل أن يكلّما النجاشي ، وقالا لكل

المقدمة .
٢٩٠
.
بطريق منهم : إنه قد ضوى إلى بلد المَلِك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين
قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم . وقد
بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم ، فإِذا كلِّمنا الملك فيهم
فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم
بما عابوا عليهم .
فقالوا لهما : نعم ، ثم إنهما قدّما هداياهما إلى النجاشي ، فقبلها
منهما ، ثم كلّماه فقالا له:
أيها الملك ، إنه قد ضوى الى بلدك منا غلمان سفهاء : فارقوا دين
قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ،
وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ؛ لتردهم
إليهم ، فهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه ، قالت :
ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع
كلامهم النجاشي ، فقالت بطارقته حوله : صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم
عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلِمهُم إليهما ، فليردُّوهم إلى بلادهم
وقومهم ، قالت : فغضب النجاشي ، ثم قال :
الله !! إذن لا أسْلِمَهُمْ إليهما، ولا يكادُ قوم جاوروني، ونزلوا بلادي
واختاروني على من سواي حتى أدعوهم ، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم،
فإِن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم ، وإِن كانوا على غير
ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني .
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صل﴿ فدعاهم، فلما جاءهم
رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا :
نقول والله ما علِمْنا وما أمَرَنا به نبينا وَ ﴿ كائناً. ذلك ما هو كائن . فلما جاءوا -
وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله - سألهم ، فقال لهم :
( م ٢ - دلائل النبوة جـ ١ )

٠٣٠
· المقدمة
ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا في ديني ولا في
دين أحد من هذه الملل ؟ قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ، فقال
له :
أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة، ونأتي
الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . فكنا
على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ،
فدعانا إلى الله، لنوخِّده ونعبده ، ونخلعَ ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه ، من
الحجارة والأوثان .
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ،
والكف عن المحارم والدماء ؛ ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال
اليتيم، وقذف المحصنات .
وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة
والصيام .
قالت : فعدد أمور الإِسلام - فصدقناه وآمنًا به ، واتَّبعناه على ما جاء به من
اللّه، فعبدنا الله وحده، فلم نُشْرِك به شيئاً، وحرَّمنا ما حرم علينا، وأحلّلْنا ما
أحل لنا ، فعَدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان
عن عبادة الله تعالى، وأن نستحلَّ ما كنا عليه من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا
وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من
سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك ، قالت :
فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ قالت : فقال له
جعفر : نعم ، فقال النجاشي فاقرأه علي ، قالت : فقرأ عليه صدراً من
(( كهيعص )) قالت :

المقدمة .
٣١٠
فبكى والله النجاشي ، حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا
مصاحفهم ، حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال النجاشي :
إن هذا والذي جاء به عيسى ، ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا
والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون .
قالت : فلما خرجا من عنده ، قال عمرو بن العاص : والله لأتينه غداً
عنهم بما استأصل به خضراءهم .
قالت : فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - لا تفعل
فإِن لهم أرحاماً ، وإن كانوا قد خالفونا ، قال :
والله لأخبرته أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله ، قالت : ثم غدا
عليه من الغد .
فقال له : أيها الملك ! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً ،
فأرسِلْ إليهم فَسَلْهُم عما يقولون فيه .
قالت : فأرسل إليهم ليسألهم عنه . فقالت :
ولم ينزل بنا مثلها قط ، فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض : ماذا تقولون
في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا :
نقول : -والله - ( فيه) ما قال اللّه، وما جاءنا به ننهينا ، كائناً في ذلك ما
هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟
قالت: فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا وخلقه .
هو عبد الله ورسوله ، ورُوحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ،
قالت :
فضرب النجاشي بيده إلى الأرض ، فأخذ منها عوداً ثم قال :
والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العود ، قالت :

٠٣٢
المقدمة
فتناحرت بطارقته حوله حين قال ما قال ، فقال :
وإِن نخرتم ، والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم: الآمنون - من
سبكم غَرِم ، ثم قال :
من سبكم غَرِمِ ، ثم قال : من سبكم غَرِمِ ، ما أحِبُّ أنَّ لي ديراً من
ذهب ، وأني آذيت رجلاً منكم .
قال ابن هشام :
ويقال دبري من ذهب ، ويقال : فأنتم شيوم ، والدبر بلسان الحبشة
الجبل - ردُّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها ، قالت :
فخرجا من عنده مقبوحين ، مردوداً عليهما ما جاء به ، وأقمنا عنده بخير
دار مع خير جار .
قالت : فوالله ، إنا على ذلك إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في
ملكه ، قالت :
فوالله ، ما علمتُنَا حزناً حزناً قط، كان أشدَّ علينا من حُزْن حزنَّاه عند
ذلك ، تخوُّفاً أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي ، فيأتي رجلٌ لا يعرفُ من
حقنا ما كان النجاشي يعرف منه ، قالت :
وسار إليه النجاشي ، وبينهما عرض النيل ( النيل الأزرق ) .
قالت : فقال أصحاب رسول اللّه المثل :
من رجلٌ يخرج حتى يُحضّر وقيعة القوم ، ثم يأتينا بالخبر ؟
قالت: فقال الزبير بن العوام : أنا ..
قالوا فأنت - وكان من أحدث القوم سناً - قالت :
فنفخوا له قربة ، فجعلها في صدره ، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية
النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم ، قالت : فدعونا الله تعالى
للنجاشي بالظهور على عدوه ، والتمكين له في بلاده ، قالت :

٣٣٠
المقدمة .
فوالله إنا لعَلى ذلك متوقعون لما هو كائن ، إذ طلع الزبير ، وهي يسعى
فلمع بثوبه وهو يقول :
ألا أبشروا فقد ظفِرَ النجاشي ، أهلك الله عدوه ، ومگَّن له في بلاده .
قالت : فوالله ما علمتُنَا فِرِحنا فرحةً قط مثلها .
قالت : ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوّه ، ومگّن له في بلاده ،
واستوثق عليه أمر الحبشة ، فكنا عنده في خير منزل ، حتى قدمنا على رسول
الله ◌َّر، وهو في مكة .
دلائل النبوة في إسلام زيد بن سعنة :
قال عبد الله بن سلام : إن الله عز وجل ، لما أراد هدى زيد بن سعثة،
قال زيد بن سعنة : إنه لم يبق من علامات النبوة شيء ، إلا وقد عرفتها في وجه
محمد *، حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرْهُما منه: يسبق حلمه جهله،
ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً . فكنت أتلطف له ، لأن أخالطه فاعرف
حلمه وجهله . قال: فخرج رسول الله وَله، يوماً من الحجرات ومعه علي بن
أبي طالب ، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي . فقال : يا رسول الله ، إن قرية
بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإِسلام ، فكنتُ حدثتهم : أنهم - إن اسلموا -
أتاهم الرزق رغداً ، وقد أصابتهم سنة وشدة وقحوط من الغيث . وإني أخشى يا
رسول الله أن يخرجوا من الإِسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً، فإن رأيت أن
ترسل اليهم بشيء تعينهم به؟ قال فنظر رسول الله وصلة ، إلى رجل إلى جانبه أراه
عليّاً ، فقال : ما بقي منه شيء يا رسول الله . قال زيد بن سعنة : فدنوت إليه ،
فقلت له يا محمد، هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً من حائط بني فلان إلى أجل
كذا وكذا ؟ فقال : لا يا يهودي ، ولكن أبيعك تمراً معاوماً إلى أجل كذا وكذا ،
ولا أسمي حائط بني فلان ، قال فقلت نعم ، فبايعني فأطلقت همياني فأعطيته
ثمانين مثقالاً . من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا ، فأعطى الرجل ،

٠٣٤
المقدمة
وقال : اعجل عليهم ، وأغثهم بِمَالِ زيد بن سعنة . فلما كان قبل محل الأجل
بيومين أو ثلاثة ، فخرج رسول اللّه وَّر، في جنازة رجل من الأنصار، ومعه أبو
بكر وعمر وعثمان ، في نفر في أصحابه ، فلما صلى على الجنازة ودنا من جدار
ليجلس اليه ، أتيته فأخذت بجوامع قميصه وردائه ، ونظرت إليه بوجه غليظ ،
وقلت : ألا تقضيني يا محمد حقي . فوالله ، ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا
لمطل ، وقد كان لي بخالطتكم علم . قال فنظر إليَّ عمر بن الخطاب وعيناه
تدوران في وجهه كالفلك المستدير . ثم رماني بطرفه وقال : يا عدوَّ الله، أتقول
لرسول اللّه ◌َير ما أسمع؟ وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق ، لولا ما أحاذر
قوته ، لضربت بسيفي رأسك . ورسول الله وسي* ينظر الى عمر في سكون وتؤدة
وتبسم. ثم قال: أنا وهو كنا أحوج الى غير هذا منك يا عمر)) أن تأمرني بحسن
الأداء ، وتأمره بحسن التقاضي . اذهبْ به يا عمر فاقضِهِ حقه ، وزده عشرين
صاعاً مكان ما رعته .
قال زيد فذهب بي عمر فقضاني حقي ، وزادني عشرين صاعاً من تمر ،
فقلت ما هذه الزيادة؟ فقال أمرني رسول الله وسلّر، أن أزيدك ، مكان ما رعتك.
فقلت : أتعرفني يا عمر؟ قال : لا ، فمن أنت ؟ فقلت : أنا زيد بن سعنة .
قال: الخَبر. قلت: الحبر. قال فما دعاك أن تقول لرسول الله وفض له ما قلت،
وتفعل به ما فعلت ؟ قلت يا عمر ، كل علامات النبوة قد عرفت في وجه رسول
اللّه ◌َّر، حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله، ولا
يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً . فقد أخْبرتْهُمَا . فأشهدك يا عمر إني قد
رضيت بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبياً، وأشهدك ان شطر مالي - فإني
أكثرها مالاً - صدقةٌ على أمةِ محمد ◌ِّه. فقال عمر أو على بعضهم، فإِنك لا
تسعهم كلهم . قلت : أو على بعضهم . قال : فرجع عمر وزيد إلى رسول
اللّه ◌َلّ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فآمن به
وصدقه وتابعه ، وشهد مع رسول اللّه ◌َّر، مشاهد كثيرة. ثم قتل في غزاة

٣٥٠
المقدمة
تبوك : شهيداً مقبلا غير مدبر رحمه الله .
دلائل النبوة في إسلام الطبيب ضماد :
أتى صماد بن ثعلبة مكة معتمراً ، فسمع كفار قريش ، يقولون .
مُحمد مجنون . فقال : لو أتيت هذا الرجل فداويته ، فجاءه فقال : يا
محمد إني أداوي من الريحِ فإن شئت داويتك لعَلَّ اللّه ينفعك ، فتشهد رسول
الله ◌َ﴿ وحمد الله وتكلّم بكلماتٍ فأعجبَ ذلك ضِماداً فقال : أعدها عليَّ
فأعادها عليه فقال : لمْ أسمعْ مثل هذا الكلام قط ، لقد سمعت كلام الكهنة
والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط ، لقد بلغ قاموس البحر، فأسلم
وبايع على نفسه وعلى قومه .
دلائل النبوة في إسلام الحبر : عبد الله بن سلام :
عن يحيى بن عبد اللّه ، عن رجل من آل عبد الله بن سلام، قال : كان من
حديث عبد الله بن سلام حين أسلم ، وكان حبّراً عالماً قال : لما سمعت رسول
الله ◌َّر، وعرفت صفته واسمه وهيئته، والذي كنا نتوقف له، فكنت مُسراً
لذلك، صامتاً عليه، حتى قدم رسول اللّه وم لير المدينة ، فلما نزل بقباء في بني
عمرو بن عوف ، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل
فيها ، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة . فلما سمعْتُ الخبر بقدوم
رسول اللّه وَ﴿ ، كُبِّرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت
سمعتَ بموسى بن عمران ما زاد؟ قال قلت : لها أي عمة ، هو والله أخو موسى .
ابن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به ، قال فقالت : يا ابن أخي ، أهو النبي
الذي كنا نُخْبر به . أنه يُبْعث مع بعث الساعة قال : قلت لها نعم . قالت فذاك
إذاً ... قال: ثم خرجتُ إلى رسول اللّه وَّه، فأسلمتُ ثم رجعتُ إلى أهل بيتي
فأمرتهم ، فأسلموا، وكتمت إسلامي من اليهود، ثم جئتُ رسول اللّه الر،
فقلت :

٠٣٦
· المقدمة
إن اليهود قوم بُهتَ ، وإِني أحب أن تُدخلني في بعض بيوتك : تغييني
عنهم، ثم تسألهم عنّي ؛ فيخبرونك كيف أنا فيهم ، قبل أن يعلموا بإِسلامي ،
فإِنهم إن علموا بذلك، بهتوني وعابوني، قال: فأدخلني بعض بيوته، فدخلوا
عليه فكلموه ، وسألوه ، قال لهم : أي رجل عبد الله بن سلام فيكم ؟ قالوا :
سيدنا ، وابن سيدنا ، وحبّرنا وعالمنا .
قال : فلما فرغوا من قولهم ، خرجت عليهم ، فقلت لهم : يا معشر
يهود ، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ،
تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، اسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله ،
وأؤمن به ، وأصدقه وأعرفه ، قالوا : كذبت .. ثم وقعوا فيّ .
قال : فقلت يا رسول اللّه، ألم أخبرك أنهم قوم بُهُتُ؟ أهل غدر ،
وكذب ، وفجور؟ قال: فأظهرت إسلامي وإِسلام أهل بيتي ، وأسلمتْ عمتي
ابنة الحارث فحسن إسلامها)).
وهذه رواية أخرى عن إسلام عبد الله بن سلام لا تناقض الأولى وإِنما
تؤيدها وتفسرها .
سمع به ( برسول اللّه وَّر) عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف
لهم منه ، فعجل أن يضع التي يحترف فيها ، فجاء ، وهي معه فسمع من نبي
الله ◌ََّ، ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله وصّ: أي بيوت أهلنا أقرب؟ قال:
فقال أبو أيوب : أنا يا نبي الله ، هذه داري ، وهذا بابي . فقال : اذهب فهيء
لنا مقيلاً. فذهب فهيأ لهما مقيلاً، ثم جاء فقال : يا نبي الله ، قد هيأت لكما
مقيلاً ، قوما على بركة الله فقيلا .
قال : فلما جاء نبي الله وَّر جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، فقال :

٣٧٠
المقدمة
أشهد أنك رسول الله حقاً ، وإِنك جئتَ بحق ، ولقد علمتْ يهود أني
سيدُهم، وابن سيدهم ، وأعلمهم وابن أعلمهم ، فادعهُم فسلْهم عني قبل أن
يعلموا أني قد أسلمت ؛ فإِنهم إن يعلموا أني قد أسلمت ، قالوا فيّ ما ليس
فيّ، فأرسل نبي الله وَّه إليهم، فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله وَار: يا معشر
يهود ، ويلكم اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول
الله حقاً، وإني جئتكم بحق، أسلموا !!!
قالوا : ما نعلمه . فأعاد ذلك عليهم ثلاثاً ، ثم قال : فأي رجل فيكم عبد
الله بن سلام ؟ قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا ، وابن أعلمِنا .
قال : أفرأيتم إن أسلم ؟ قالوا: حاش الله ، ما كان ليسلم .
قال : يا ابن سلام ، أخرج عليهم ! فخرج عليهم ، فقال : يا معشر
يهود ، ويلكم ، اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو ، إنكم لتعلمون أنه رسول
الله حقاً، وأنه جاء بحق. فقالوا: ((كذبت، فأخرجهم رسول الله (صّـ)).
وعن الترمذي وابن نافع وغيرهما بأسانيدهم : أن عبد الله بن سلام قال :
لما قدم رسول اللّه وَلغز المدينة ، جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن
وجهه ليس بوجه كذاب .
سلمان الفارسي يبحث عن الحقيقة :
عن محمد بن إسحاق قال : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود
ابن لبيد ، عن ابن عباس قال : حدثني سلمان الفارسي قال :
كنت رجلاً من أهل فارس، من أهل أصبهان من قرية يقال لها: ((جي)»
وكان أبي دهقان أرضه . وكان يحبني حباً شديداً ، لم يحبه شيئاً من ماله ولا
ولده . فما زال به حبه إياي حتى حبسني في بيت كما تحبس الجارية ،
واجتهدت في المجوسية ، حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها ولا يتركها تخبو

٠٣٨
. المقدمة
ساعة . فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلا ما أنا فيه . حتى بنى أبي
بُنياناً له ، وكانت له ضيعةٌ فيها بعض العمل ، فدعاني فقال : أي بني ، إنه قد
شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه ، ولا يد من اطلاعها ، فانطلِقْ إليها،
فمرهم بكذا وكذا ، ولا تحتبس عني ، فإنك إن احتبست عني ، شغلتني عن كل
شيء ، فخرجت أريد ضيعته ، فمررت بكنيسة النصارى ، فسمعت أصواتهم
فيها ، فقلت : ما هذا؟ فقالوا هؤلاء النصارى يصلون . فدخلت انظر ،
فأعجبني ما رأيت من حالهم ، فوالله ما زلت جالساً عندهم حتى غربت
الشمس ، وبعثَ أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت ، ولم أذهب
إلى ضيعته ، فقال أبي : أين كنت ؟ ألم أكن قلت لك لا تحتبس عني ،
فقلت :
يا أبتاه ! مررت بناس يقال لهم : النصارى ، فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم
فجلست أنظر كيف يفعلون ؟
فقال : أي بني ، دينك ودین أبائك خير من دينهم .
فقلت : لا والله ، ما هو بخير من دينهم ، هؤلاء قوم يعبدون الله ،
ويدعونه ويصلون له ، ونحن إنما نعبد ناراً نوقدها بأيدينا ، إذا تركناها ماتت
فخافني ، فجعل في رجليَّ حديداً، وحبسني في بيت عنده ، فبعثت إلى
النصارى ، فقلت لهم :
أين أصلُ هذا الدين الذي أراكم عليه؟ فقالوا : بالشام . فقلت : فإِذا
قدم عليكم من هناك ناس فأذُنُوني . فُقالوا : نفعل . فقدم عليهم ناس من
تجارهم ، فبعثوا إليَّ أنه قد قدم علينا تجار من تجارنا فبعثت إليهم إذا قضَوْا
حوائجهم وأرادوا فأذنوني الخروج فقالوا : نفعل . فلما قضَوْا حوائجهم وأرادوا
الرحيل ، بعثوا إليّ بذلك ، فطرحت الحديد الذي في رجليّ ، ولحقت بهم .
فانطلقت معهم حتى قدمت الشام ، فلما قدمتها سألت : من أفضل أهل هذا

٣٩٠٠
المقدمة .
الدين ؟ فقالوا : الأسقف صاحب الكنيسة ، فجئته ، فقلت له : إني أحببت أن
أكون معك في كنيستك ، وأعبد الله فيها معك ، وأتعلم منك الخير . قال: فكن
معي . قال : فكنت معه ، وكان رجل سوء كان يأمرهم بالصدقة ، ويرغبهم
فيها ، فإِذا جمعها إليه اكتنزها ولم يعطها المساكين حتى جمع سبع قلال من
ذهب وورق ، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيت من حاله ، فلم ينشَبْ أن مات ،
فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم : إن هذا رجل سوء ، وكان يأمركم بالصدقة
ويرغبكم فيها ، حتى إذا جمعتموها إليه ، اكتنزها ولم يعطها المساكين ، فقالوا:
وما علامة ذلك ؟ فقلت: أنا أخرج لكم كنزها ، فقالوا : فهاته ، فأخرجتُ لهم
سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً ، فلما رأوا ذلك ، قالوا: والله لا يُدفن أبداً ..
فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة، وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه فلا والله - يا
ابن عباس - ما رأيت رجلاً قط لا يصلي الخمس . أرى أنه أفضل منه وأشد
اجتهاداً ولا زهادة في الدنيا ، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه ، ما أعلمني أحببت شيئاً
قط قبله حبه . فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة ، فقلت : يا فلان قد حضرك ،
ماترى من أمر الله ، وإني والله ما أحببت شيئاً قط حبك ، فماذا تأمرني ؟ وإِلى
من توصيني ؟ فقال لي : أي بني ، والله ما أعلمه إلا رجلاً بالموصل فأته ، فإِنك
ستجده على مثل حالي ، فلما مات وغيب ، لحقت بالموصل فأتيت صاحبها
فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا ، فقلت له : إن فلاناً
أوصى بي إليك أن آتيك وأكون معك ، قال : فأقم أي بني ، فأقمت عنده على
مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة ، فقلت له : إن فلاناً أوصى بي إليك وقد
حضر لك من أمر الله ما ترى ، فإِلى من توصيني ؟ قال : والله ما أعلمه أي
بني ، إلا رجلاً بنصيبين ، وهو على مثل ما نحن عليه ، فألحق به ، فلما دفناه
لحقت بالآخر ، فقلت له : يا فلان ، إن فلاناً أوصى بي إلى فلان وفلان أوصى
بي إليك . قال : فأقم يا بني ؟ .
فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة . فقلت له : يا فلان ،

٤٠
المقدمة
إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى ، وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان ، وأوصى
بي فلان إلى فلان ، وأوصى بي فلان إليك ، فقال : أي بني ، والله ما أعلم
أحداً على مثل ما نحن عليه إلا رجلاً بعمورية من أرض الروم ، فأتِهِ ، فإِنك
ستجده على مثل ما كنا عليه ، فلما واريته خرجت حتى قدمت على صاحب
عمورية ، فوجدته على مثل حالهم، فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غُنْيْمَةٌ
وبقرات . ثم حضرته الوفاة ، فقلت : يا فلان أن فلاناً ( كان) أوصى بي إلى
فلان ، وفلان إلى فلان ، وفلان إليك ، وقد حضرك ما ترى من أمر الله
(تعالى ) فإِلى من توصيني ؟ قال : أي بني ، والله ما أغلمه بقي أحد على مثل
ما كنا عليه، آمرك أن تأتيه. ولكنه قد أظلك زمانه نبي يُبْعث من الحرم، مهاجره
بين حراثين إلى أرض سبخة ذات نخيل ، وإِن فيه علامات لا تخفى : بين كتفيه
خاتم النبوة ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك
البلاد فافعل ، فإِنه قد أظلك زمانه .
فلما واريناه ، أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب . فقلت
لهم تحملوني معكم إلى أرض العرب ، وأعطيكم غُنَيْمَتي هذه وبقراتي ؟ قالوا
نعم ، فأعطيتهم إياها وحملوني ، حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ، ظلموني
فباعوني عبداً من رجل من يهود بوادي القرى . فوالله ، لقد رأيت النخل وطمعت
أن يكون البلد الذي نُعِتَ لي صاحبي . وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني
قريظة من وادي القرى ، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده ، فخرج بي حتى
قدم بي المدينة ، فوالله ، ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعتها ، فأقمت في رقي مع
صاحبي ، وبعث الله رسوله # بمكة، لا يذكر لي شيء من أمره ، مع ما أنا فيه.
من الرق، حتى قدم رسول اللّه وسيره قباء ، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له ،
فوالله رجل منهم على قدر ما عنده، فقال لي رسول اللّه وَّه فقر لهما، فإِذا
فرغت فآذني ، حتى أكون أنا الذي أضعها بين يدي ، ففقرتها وأعانني
أصحابي. يقول : حفرت لها حيث توضع - حتى فرغنا منها ، ثم جئت رسول