Indexed OCR Text

Pages 1-20

دَارِ النّهُوَة
وَمَعْرفة أخَوَالِ صَاحِبِ الشّرِيعَة
لأبي بكر أحْمَدُبْنِ لُيْنِ اَلْبَيْهَقِىّ
(٣٨٤ - ٤٥٨) هـ
السفر الأول
يطبع لأول مرة عن عشر نسخ خطية
وَثْ أُصُولَهِ وَخْرَجَ حَدِيثَهُ وَعَلْقَ عَلّيَّهُ
الدكتور عبدالمعطى خلفجى
دار الكتب العلمية
١
بيروت - لبنان
للتراث
دار الـ

الطبعة الأولى
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
جميع الحقوق محفوظة
يطلب من
دار الريان للتراث
الادارة : ٣٥٠ شارع الأهرام - الجيزة تليفون / ٨٥٤٦٨٧ - ٨٥٢٠١١
القاهرة : ١٧٧ شارع الأهرام - تليفون - ٥٣٦٥٩٩
معرص ٨ بجراج الأوبرا
٤٣ أ شارع رمسيس
١ شارع البورصة من شارع قصر النيل تليفون / ٧٧٧٥٩١
١ شارع أحمد سعيد - بالعباسية .
ميدان أحمد عرابى - سفنكس - المهندسين .
مصر الجديدة : ٢٢ شارع الأندلس - حلف المريلاند - تليفون / ٢٥٨٢٠١٤
الاسكندرية: سيدى بشر - طريق الكورنيش - درج رامادا ( الدور الأول )

السفر الأول
من دلائل النبوة
ومعرفة أحوال صاحب الشريعة
يشمل :
١ - التقدمة وترجمة المصنف ونسخ الكتاب المخطوطة .
٢ - المدخل إلى دلائل النبوة .
٣ - جماع أبواب مولد النبي بعض﴾.

.بِيْداللّ الرَّحِينَ الرحيمْ

المقدمة
أقوال العلماء في الإِمام البيهقي
قال ابن ناصر: ((كان واحد زمانه ، وفرد أقرانه حفظاً وإِتقاناً وثِقَةً، وهو
شیخُ خراسان)» .
قال إمام الحرمين: (( ما من شافعيِّ إلا وللشافعيِّ فضلٌ عليه غير
البيهقي ، فإِنَّ له المنة والفضل على الشافعيِّ لكثرةٍ تصانيفه في نصرة مَذْهَبهٍ،
وبَسْطِ موجزه ، وتأييد آرائه)).
قال ابن خلكان: (( الفقيه الشافعي الحافظ الكبير المشهور، واحد
زمانه ، وفرد أقرانه في الفنون ، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله البيع في
الحديث ، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم)).
قال ابن الجوزي : ((كان واحد زمانه في الحفظ والإتقان ، وحسن
التصنيف وجمع علم الحديث ، والفقه ، والأصول ، وهو من كبار أصحاب
الحاكم أبو عبد الله، ومنه تخرج، وسافر، وجمع الكثير، وله التصانيف الكثيرة
الحسنة )).
قال الذهبي: ((لو شاء الذهبي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه لكان قادراً على
ذلك لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف)).
قال السبكي: ((كان الإِمام البيهقي أحد أئمة المسلمين ، وهداة

٦
. المقدمة
المؤمنين ، والداعي إلى حبل الله المتين ، فقيه ، جليل ، حافظ ، كبير،
أصولي ، نحرير ، زاهد ، ورع قانت لله ، قائم بنصرة المذهب أصولاً وفروعاً،
جيل من جبال العلم )) .
قال ابن تيمية: (( البيهقي أعلم أصحاب الشافعي بالحديث ، وأنصرهم
للشافعي )» .
قال ابن كثير: ((كان أوحد زمانه في الإتقان ، والحديث ، والفقه ،
والتصنيف ، وكان فقيهاً محدثاً ، أصولياً .. وجمع أشياء كثيرة نافعة، لم يُشْبق
إلى مثلها، ولا يُذْرك فيها، وكان فاضلاً من أهل الحديث ، مرضي الطريقة)).

٧
المقدمة
أقوال العلماء في (( دلائل النبوة ))
قال تاج الدين السبكي: أما كتاب ((دلائل النبوة)) وكتاب (( شعب
الإِيمان)) وكتاب ((مناقب الشافعي)) فأقسم ما لواحدٍ منها نظير)).
قال الحافظ ابن كثير :
((دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي من عيون ما صُنِّفَ في السيرة
والشمائل)).

المقدمة
٩
٠٠
بسم الله الرحمن الرحيم
التقدمة
﴿إن الله وملائِكَتَهُ يُصلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يأَيُّها الّذِينَ آمُنُوا صَلّوا عَلَيْهِ
وسَلّمُوا تَسْلِيماً﴾.
(٣٣ : الأحزاب : ٥٦ )
﴿هو الّذِي أَرْسلِ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودين الحق لِيُظْهره علَى الدّينِ كُلِّهِ﴾ .
( ٩: التوبة: ٣٣ و٤٨: الفتح: ٢٨ و٦١ الصف : ٩)
﴿مَحَمَّدٌ رَّسُولُ الله، والّذين معه أَشِداءُ عَلَى الْكُفَّار رحماءُ بَيْنِهُم تريْهُم
رُكُّعاً سجّداً يَبْتغونَ فضلاً مِن اللّهِ ورضْواناً سيماهمْ في وجوهِهِم مِنْ أَثَر
السُّجود﴾ .
(٤٨: الفتح : ٢٨ )
﴿والذين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وءامَنُوا بما نُزِّل على محمَّدٍ وهو الحقُّ
مِن ربِّهمْ كفّر عنهُم سيئاتهم وأُصْلح بالهم﴾ .
( ٤٧ : محمد : ٢ )
﴿مَا كَانَ محمَّدٌ أبا أُحدٍ من رجالِكُمْ وَلكِن رَّسُولَ اللهِ وخَاتَمِ النُّبين وكان

١٠.
المقدمة
الله بكل شيء علِيماً﴾ .
(٣٣ : الأحزاب : ٤٠ )
﴿وما أَرْسلناك إِلَّ رحمة لِلْعَالِمِين﴾.
( ٢١ : الأنبياء : ١٠٧ )
اللهم صَلِّ على سيدنا محمد ، وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على
سيدنا إبراهيم ، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .
وبعد ،
لم تعد مسألة إثبات وجود الله سبحانه وتعالى بالمشكلة الدينية فوجود الله
مركوز في الفطرة الإِنسانية ، واطراد التقدم العلمي يزيده إثباتاً كل يوم .
﴿سَتُريهم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفسهم﴾ [ فصلت - ٥٣ ]
﴿وَفي أَنْفُسِكُمْ أفلا تُبْصرون﴾ [ الذاريات - ٢١].
بيد أن المسألة الأساسية في الدين هي إثبات رسالة الرسول ، ويعنينا هنا
إثبات نبوّة سيدنا محمد ولد .
فالإِيمان بالنبوة - أو الصلة بين الله تعالى ومجتمع الإِنسان عن طريق
الأنبياء - من خصائص هذا الدين ، والنبي هو الإِنسان الذي يختاره الله ليقوم
بأداء رسالة معينة ، وقد وُجِدَتْ مذاهب تؤمنُ بالله وتنكرُ النيّات ، وتزعم أنه لا
حاجّةً لوجودِ النِّّ، لأنَّ ما أتى به الأنبياءُ موافقٌ للعقلِ ، ففي العقلِ غنى عنه ،
أو مخالف له فلا حاجة لنا به ، فالعقل طريق الاستدلال ولكننا لا نستطيع
بالمنطق التجريبي ، والرياضي التوصل إلى حقائق ما وراء المادة ، فالعلم
الصحيح بذات الله ، وصفاته ، وحساب الآخرة ، من ثواب وعقاب ، وكل ما
يتعلق بعالم الغيب ، كل ذلك لا يُعْرّف إلا عن طريق الأنبياء .
وقد تمت الصلة بين الله والأنبياء بوسائل متعددة ، وقد قصَّ علينا القرآن

١١
المقدمة
الكريم طرفاً من ذلك .
ففي أمْرٍ إبراهيم بذبحِ ابنه إسماعيل: ﴿فلمّا بَلَغَ معه السعي ، قال : يا
بُنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحكَ ، فانظر ماذا ترى ، قال : يا أبت افعل ما
تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [ الصافات - ١٠٢] فهذه الرؤية
الصادقة .
وقد يكون الاتصال بأن يكلم الله تعالى النبي مباشرة كما حصل لموسى -
عليه السلام - ﴿فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من
الشجرة : أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ [القصص - ٣٠، ٣١].
والواسطة العادية في حصول الوحي أن يكون عن طريق جبريل - عليه
السلام - ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي
مبين﴾ [الشعراء - (١٦٣ - ١٦٥ )].
وأحياناً كان جبريل ينزل مجسداً يراه المسلمون كما حصل في حديث
أركان الإيمان والإسلام والإحسان ، وأشراط الساعة ، الذي روي عن عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - وفي ختامه: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)).
وحين يدعي إنسان أنه يتصل باللّه ويحمل منه إلى الناس رسالة ترتّبُ
عليهم تكاليف وواجبات ، فإِن من الطبيعي أن يطالبه الناس بالدليل على
صدقه ، ولم ير القرآن في هذا أمراً خارجاً عن المعقول ، فالتساؤل حتى للتعليم
مطلوب ﴿وإذ قال إبراهيمُ ربِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحِي المَوْتَى؟ قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ؟
قالَ : بَلى، ولكن ليطمئنَّ قلبي﴾ [البقرة - ٢٦٠ ] .
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يثبت النبوة

٠١٢
المقدمة
طُرق في إثبات النبوة
طريقة القرآن في إثبات النبوة :
الطريقة القرآنية في إثبات النبوة هي إيراد أدلة كثيرة تتكاتف لتؤدي إلى
اليقين .
فالقرآن الكريم تحدى العرب والعجم ، والإِنس والجن أن يأتوا بمثله ، أو
بسورة من مثله ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من
مثله .. ﴾ [ البقرة - ٢٣ ]
وقد بُعث رسول ﴿ فيهم أربعين عاماً ، فلم يحدثهم بنبوة ولا برسالة !
فهذا الأمر يخضع لمشيئة الله فقط .
﴿قل لو شاء الله ما تلوْته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثتُ فيكم عُمُراً من
قبله أفلا تعقلون﴾ [يونس - ١٦]. فهذا النبي وَّر قد نشأ بينهم، وترعرع على
مرأى ومسمع منهم بل كانوا يعرفونه بالصدق والأمانة ، ورجاحة العقل ، ولم
يعهدوا عليه كذباً ، قال تعالى :
﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفُرادى، ثم تتفكروا ما
بصاحبكم من جنّة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [ سبأ - ٤٦].
فلم الشك في أمره مع أنه قد تجرد عن كل مطمع دنيوي . ﴿قل ما
سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد﴾
[ سبأ - ٤٧ ] .
ولم الشك في أمره وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، ولا يمكن أن يستمدَّ من
كتاب .
﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ، ولا تخطه بيمينك إذاً لا ارتاب

١٣٠٠
المقدمة
المبطلون﴾ [ العنكبوت - ٤٨ ].
١ - طريقة الغزالي في اثبات النبوة:
وللإمام الغزالي في منقذه من الضلال ظريقة في إثبات النبوة ، قال :
(( فإِذا وقع لك شك في شخص معين : أنه نبي أم لا ؟ فلا يحصل اليقين إلا
بمعرفة أحواله :
إما بالمشاهدة، أو بالتواتر، والتسامع .
فإنك إذا عرفت الطب ، والفقه ، يمكنك أَنْ تَعْرِفَ الفقهاءَ ، والأطباء ،
بمشاهدةٍ أحْوالهم ، وسماعٍ أَقْوالهم وإِن لم تُشاهدهم .
ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون (( الشافعي )» - رحمه الله - فقيهاً وكون
((وجالينوس)) طبيباً، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير ، بل بأن تتعلم شيئاً
من الفقه والطب ، وتطالع كتبهما وتصانيفهما ، فيحصل لك علم ضروري
بحالهما .
فكذلك إذا فهمت معنى النبوة ، فأكثرت النظر في القرآن ، والأخبار
يحصل لك العلم الضروري بكونه چ# ، على أعلى درجات النبوة واعضد ذلك
بتجربة ماقاله في العبادات ، وتأثيرها في تصفية القلوب وكيف صدق رسول
الله ﴾﴾ في قوله :
((من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم)).
وكيف صدق في قوله :
((من أعان ظالماً سلطه الله عليه)).
وكيف صدق في قوله :

١٤
المقدمة
(( من أصبح وهمومه هم واحد ، كفاه الله تعالى هموم الدنيا والآخرة فإِذا
جَرَّبْتَ في ألف ، وألفين ، وآلاف = حصل لك علم ضروري لا تتمارى فيه .
فمن هذا الطريق : اطلب اليقين بالنبوة ، لا من قلب العصا ثعبا ، وشق
القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة
عن الحصر ، ربما ظننت أنه سحر وتخييل وأنه من الله إضلال ، فإن الله تعالى :
﴿يُضِلُّ من يشاء ، ويهدي من يشاء﴾ .
وترد عليك أسئلة المعجزات ، فإِن كان مُسْتَنِداً إيمانك إلى كلام منظوم في
وجه دلالة المعجزة ، فينخرم إيمانك بكلام مرتب في وجوه الأشكال والشبهة
عليها .
فليكن مثل الخوارق ، إحدى الدلائل والقرائن في مجلة نظرك حتى
يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين كالذي يخبره
جماعة بخبرٍ متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحدٍ معين ، بل
من حيث لا يدري ، ولا يخرج عن جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد" ... فهذا هو
الإِيمان القوي العملي )» أ . هـ .
٢ - طريقة ابن خلدون في إثبات النبوة:
قال ابن خلدون في المقدمة :
(( اعلم أن الله - سبحانه - اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه،
وَفَطَرَهُمْ على مَعْرِفَتِهِ ، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده : يُعْرِفونهم بمصالحهم ،
ويحرضونهم على هدايتهم ، ويأخذون بحجزاتهم عن النار، ويدلّونهم على
طريق النجاة .
وكان - فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق
والأخبار - الكائنات، المغيبَةُ عن البشر التي لا سبيل الى معرفتها، إلا من على

١٥
المقدمة
ألسنتهم من الله بوساطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم .. قال أمير :
(( ألّ وإِني لا أعلمُ إلَّ ما علَّمني الله )).
واعلم أن خبرهم في ذلك ، من خاصيّته وضرورته الصدق ، لما يتبين لك
عند بيان حقيقة النبوة .
وعلامة هذا الصنف من البشر : أن توجد لهم - في حال الوحي - غيبة عن
الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غَشْيٌ أو إغماء في رأي العين ، وليست منهما
في شيء ، وإنما هي - في الحقيقة - استغراق في لقاء الملك الروحاني :
بإدراكهم المناسب لهم ، الخارج عن مدارك البشر بالكلية . ثم يتنزل الى
المدارك البشرية : إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه ، أو يتمثل له صورة
شخصٍ يخاطبه بما جاء به من عند الله .
ثم تنجلي عنه تلك الحال ، وقد وعى ما ألْقيَ عليه .
قال ێ* ، وقد سئل عن الوحي :
(( أحياناً يأتيني مثل صَلْصَلة الجَرَس، وهو أشدُّه عليَّ، فيفصِم عني وقد
وعيت ما قال . وأحياناً يتمثَّل إليَّ الملكُ رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول)).
ويدركه أثناء ذلك ، من الشدة والغطّ ما لا يُعبّر عنه . ففي الحديث :
(( كان مما يعالج من التنزيل شدة )) .
وقالت عائشة :
كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإِن جَبينه
ليتفصَّدُ عرقاً)) وقال تعالى: ﴿إِنا سَنُلْقِي عليكَ قولاً ثقيلاً﴾ .
ولأجل هذه الحالة في تَنَزُّلِ الوحي ، كان المشركون يرمون الأنبياء
بالجنون ، ويقولون له رئى ، أو تابع من الجن .. وإِنما أُبِّس عليهم ، بما
شاهدوه من مظاهر تلك الأحوال :

١٦
المقدمة
﴿ومن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن هادٍ﴾.
ومن علاماتهم أيضاً : أنه يوجد لهم - قبل الوحي - خُلقُ الخير والزكاة ،
ومجانبة المذمومات والرجس أجمع .
وهذا هو معنى العصمة . وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات والمنافرة
لها . وكأنها منافيةٌ لجبلَّته .
وفي الصحيح : أنه حمل الحجارة وهو غلام ، مع عمه العباس ؛ لبناء
الكعبة ، فجعلها في إزاره ، فانكشف ، فسقط مغشياً عليه ، حتى استتر بإِزاره ،
ودعى إلى مجتمع وليمة فيها عُرْس ولَعِب . فأصابه غَشْيُ النوم إلى أن طلعت
الشمس ، ولم يحضرْ شيئاً من شأنهم ، بل نزّهه الله عن ذلك كله ، حتى إنه -
بجبلّته - يتنزه عن المطعومات المستكرهة. فقد كان وسهله، لا يَقرب البصل
والثوم ، فقيل له في ذلك، فقال: ((إني أناجي من لا تناجونَ )).
وانظر، لَّمَّا أخبر النبي ◌َّه خديجة رضي الله عنها ، بحال الوحي أول ما
فجأهُ وأراد اختباره .
فقالت : اجعلني بينك وبين ثوبك ؛
فلما فعل ذلك ، ذهب عنه .
فقالت : إنه مَلَّك، وليس بشيطان ؛
ومعناه : أنه لا يقرب النساء .
وكذلك سألته عن أحبّ الثياب إليه أن يأتيه فيها .
فقال البياض والخضرة .
فقالَتْ : إنه المَلَك .
يعني : أن البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة . والسواد من ألوان.
الشر والشياطين ، وأمثال ذلك .

١٧٠
المقدمة.
ومن علاماتهم أيضاً : دعاؤهم إلى الدين والعبادة من : الصلاة والصدقة
والعفاف .
وقد استدلت خديجة رضي الله عنها ، على صدقه # بذلك ، وكذلك أبو
بكر ، ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه .
وفي الصحيح أن هرقل - حين جاءه كتاب النبي ◌ّي يدعوه إلى الإِسلام -
أحضر من وُجِدّ ببلده من قريش، وفيهم أبو سفيان ، ليسألّهم عن حاله . فكان -
فيما سأل - أن قال :
بم يأمركم ؟ فقال أبو سفيان : بالصلاة ، والزكاة ، والصلة والعفاف ، إلى
آخر ما سأل . فأجابه فقال : إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي ، وسيملك ما تحت
قدمي هاتين » .
والعفاف الذي أشار إليه أبو سفيان ، هو العصمة .
فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلاً على صحة
نبوته ، ولم يحتج إلى معجزة ، فدل على أن ذلك من علامات النبوة !!
ومن علاماتهم أيضاً : أن يكونوا ذوي حسب في قومهم .
وفي الصحيح: (( ما بَعَث اللّه نبياً، إلا في مَنْعَةٍ من قومه)).
وفي رواية أخرى: (( في ثروةٍ من قومه)).
استدركه الحاكم على الصحيحين .
وفي مساءلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال :
« کیف هو فیکم )» ؟
قال أبو سفيان :
((هو فينا ذو حسب)).
فقال هرقل :
(( والرسل تُبْعَثُ في أحساب قومها )).

١٨
. المقدمة
ومعناه : أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار ، حتى يبلغ
رسالة ربه ، ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته .
٣ - دلائل النبوة في إسلام خديجة - رضي الله عنها - :
ويتحدث ابن خلدون عن إسلام خديجة بنت خويلد ، وعن إسلام أبي
بكر الصديق ، ويتعرض الإِسلام ورقة بن نوفل وإسلام غيرهم مستدلاً بيقينهم
على دلائل نبوته اَا .
فكيف أسلمت خديجة ؟
إن رسول الله سي لم يَدْعها إلى الإِسلام!
إنه قصَّ عليها قصة الوحي ، وهو يقول : زمِّلوني ، زمِّلوني فزمَّلوه حتى
ذهب عنه الرَّوع .
وهذه صورة لم تشهدها خديجة - من قبل - على محمد ﴾ ولقد عرفته
شاباً يعمل في مالها متاجراً به .
ومن هذه العلاقة - عرفت فيه الصدق والأمانة ، والخصال الإِنسانية
الكاملة ، والمثل الأعلى ...
ولقد سمعت من مَيْسَرة حديثاً يبعث شجون النفس ، والإِعجاب .
وكانت خديجة امرأةً حازمة شريفةً لبيبة ، ذات شرف ومال ، تستأجر
الرجال في مالها ، وتضارِبُهُم إياه بشيء تجعل لهم منه ، فلما بلغها عن رسول
اللهمَ﴿ ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه، بعثت إليه ،
فعرضت أن يخرج في مالها تاجراً إلى الشام ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي
غيره ، مع غلام لها يقال له: (( ميسرة )).
فلما أخبرها ((ميسرة)) عن قول الراهب ، وعما كان يرى من إظلال
الملكين إياه في حرِّ الهاجرة، وسموِّ صحبته ، وحُسْن خُلقه ، وصدق حديثه

١٩٠
المقدمة .
تبلورت فكرة الزواج بمحمد ◌ّر في ذهنها .
وقد ذهبت إلى ورقة بن نوفل - ابن عمها - وذكرت له ما سمعته وما لاحظته
من صفات محمد رَلير وأحواله ، فقال ورقة :
(( لئن كان هذا حقاً يا خديجة إنّ محمداً لنبيّ هذه الأمة ، وقد عَرَفْتُ أنه
كائنٌ لهذه الأمة نبيُّ يُنْتَظر ... هذا زمانه)).
فعادت خديجة من عند ورقة وقد اختمرت في ذِهْنِها فكرة الزواج
بمحمد * وأصبحت الفكرة أكثر جاذبية وإشراقاً .
ولم تكن الجاذبية هدف خديجة في زواجها ، وإِن كان محمد أحسن
الناس خَلْقاً ، ولا الثروة ، فلم يكن محمد صاحب ثروة إنما صاحب سمات
خلقية كريمة ، وروحانية شفافة ظاهرة، واشراق أخاذ وسمو كريم .
وقد نقل ابن حجر عن الفاكهي في كتاب مكة أن النبي ◌َّ# كان عند أبي
طالب فاستأذنه ان يتوجه إلى خديجة فأذن له ، وبعث بعده جارية يقال لها :
نبعة ، فقال : انظري ما تقول له خديجة .
قالت نبعة : فرأيت عجباً، ما هو إلا أن سَمِعَتْ به خديجة ، فخرجت إلى
الباب ، وكان مما قالت: أرجو أن تكون أنت النبي الذي سَتُبْعَث ، فإِن تكن هُوّ
فاعرف حقي ومنزلتي ، وادع الإِله الذي يبعثك لي .
فقال لها :
(( والله لئن كنت أنا هو، قد اصطفت عندي ما لا أخيِّبه أبداً ، وإِن يكن
غيري فإن الإِله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيِّعَكِ أبداً)).
لقد أصبحت الفكرة جد متبلورة في عقل خديجة ولم يكن هناك إلا
تنفيذها .
فأرسلت نفيسة بنت منبه دسيساً إلى محمد وي # بعد عودته من الشام .

٢٠
المقدمة
قالت : يا محمد ! ما يمنعك أن تتزوج ؟
قال : ما بيدي ما أتزوج به .
قالت : فإِن كُفيتَ ذلك، ودُعيتَ إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا
تجيب ؟
قال : فمن هي ؟
قالت : خديجة .
قال : وكيف لي ذلك ؟
قالت : عليَّ .
قال : فأنا أفعل .
قال عمار بن ياسر :
(أنا أعلم الناس بتزويج النبي ◌َّه خديجة، إني كنت له تِرْباً وكنت له إلْفاً
وخِدْنا، وإني خرجت مع رسول الله وَّ حتى إذا كنا بالحَزْوَرَة - سوق مكة -
أُجْزنا على أخت خديجة، وهي جالسة على أدمٍ تبيعها ، فنادتني ، فانصرفت
إليها، ووقف لي رسول الله وَ اليه، فقالت: (( أما لصاحبك هذا من حاجة في
تزويج خديجة؟ » .
قال عمار : فرجعت إليه فأخبرته .
فقال : بلى ، لعمري .
قال عمار: فذكرت لها قول رسول الله صل ﴿ ، فقالت: اغدوا علينا إذا
أَصْبَحْنا .
. وجاء آل عبد المطلب وعلى رأسهم حمزة - رضي الله عنه - وأبو طالب إلى
بيت خديجة ، وكان في استقبالهم عم خديجة : عمرو بن أسد ، وابن عمها :
ورقة بن نوفل .
وقام أبو طالب خطيباً ، فكان مما قال :