Indexed OCR Text

Pages 121-140

حجران ، فإِذا رمت بتلك مَضَتْ ، وطلعت أُخرى . فلا يقع حجرٌ من حجارتهم
تلك على بِطنٍ إِلا خَرَقَه ، ولا عظمٍ إِلا أَوْهاهُ وثقَبَه(٢٤٨). وثَابَ أَبويكسوم
راجعاً قد أصابته بعض الحجارة ، فجعل كلما قَدِمَ أَرضاً انقطع منه فيها إِرْبٌ ،
حتى إِذا انتهى إلى اليمن ولم يبق منه شيءٌ إِلا بأدُّه، فلما قَدِمَها انصدَع
صدرُه، وانشق بطنه ، وهلك(٢٤٩). ولم يُصَب من خثعم والأشعريين أَحدٌ .
وذكّرَ ما قالوا في ذلك من الشعر، قال(٢٥٠): وقال عبد المطلب وهو
يرتجز ، ويدعو على الحبشةٍ ، ويقول :
يا ربّ فامنع منهم حِمّاكا
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا
إنهم لن يقهروا قُوَاكا
إِنَّ عدوّ البيت من عاداكا
قلت (٢٥١): كذا قال محمد بن إسحاق بن يَسَار (٢٥٢) في شأن عبد
المطلب وأَبْرَهَة .
وقد حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ ، إملاءً، قال : حدثنا أبو زكريا
٤
العَنْبَرِيّ، قال (٢٥٣): حدثنا محمد بن عبد السلام ، قال : حدثنا إِسحاق بن
إِبراهيم ، قال حدثنا جرير ، عن قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن
عباس ، قال :
(٢٤٨) في (ص): ((نقبه)).
(٢٤٩) في (ص) و(ح): ((فهلك)).
(٢٥٠) ليست في (ح ) .
(٢٥١) في (ح): ((قال أحمد - رحمه الله - )).
(٢٥٢) الخبر رواه ابن هشام في ((السيرة)) (١ : ٤٩ - ٥١)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص (١٠٠ -
١٠٨)، ونقله الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢ : ١٧٠ - ١٧٦ )، ومشهور في تفسير
سورة الفيل في كتب التفاسير .
(٢٥٣) ليست في (ص) .
١٢١

أَقبل أصحاب الفيل ، حتى إذا دَنّوْا من مكة ، استقبلهم عبد المطلب ،
فقال لملكهم : ما جاءَ بك إِلينا؟ أَلا بعثتَ فنأتيك بكل شيءٍ أردتَ ؟ فقال :
أُخبرتُ بهذا البيت الذي لا يدخله أَحدٌ إِلا أَمن ، فجئتُ أُخيفُ أَهلَه . فقال: إِنا
نأتيك بكل شيءٍ تُريد ، فارجع . فأَبى إلا أن يدخله ، وانطلق يسير نحوه ،
وتخلَّف عبد المطلب ، فقام على جبل ، فقال : لا أَشهَدُ مَهْلِكَ هذا البيت
وأهله . ثم قال :
جِلَالَكْ
جِلالاً فَامنعِ
اللهم! إِن لكلّ إِليـ
مِحَالَكْ
أبداً (٢٥٤)
يَغْلِيَنَّ مِحَالُهُمْ
لا
اللهم! فإِن فعلت فَأَمْرٌ مَا بَدًا لَكْ
فأقبلتْ مثل السحابة من نحو البحر حتى أَظلتهم طَيْرٌ أَبَابِيل التي قال الله ،
تبارك وتعالى: ﴿ترميهم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال: فجعل الفيل يعجُ عجًا
﴿ فجعلهم كَعَصْفٍ مأكول ﴾ (٢٥٥).
وعندي في هذا قصة أخرى طويلة بإسناد منقطع ، وفيما ذكرنا فيما
قصدناه(٢٥٦) كفاية .
* أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
عبد الله بن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الله بن عباس في قوله
تعالى: ﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم﴾ قال : طير لها خراطيم كخراطيم
(٢٥٤) ( أبداً) سقطت من ( ص ) .
(٢٥٥) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢: ٥٣٥)، وقال: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه))،
ووافقه الذهبي .
(٢٥٦) في (هـ) : قصدنا .
١٢٢

الطير ، وأَكُف كأَكف الكلاب .
وحدثنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المُزَكِّي، قال: حدثنا أبو الحسن
الطَّرَائِفِي ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن
معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ظَيْراً
أَبَابِيلَ﴾ يقول: يتبع بعضُها بعضاً، وفي قوله: ﴿كَعَصْف مَأْكُول ﴾ يقول :
التبن .
* أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال : حدثنا أحمد بن عبيد ، قال :
حدثنا محمد بن العباس المُؤدِّب ، قال : حدثنا عفَّان ، قال : حدثنا حمّاد بن
سلمة ، عن عاصم ، عن زِرّ، عن ابن مسعود في قوله : ﴿كَيْراً أَبَابِيلَ﴾ قال :
فِرَقٌ .
* أخبرنا أبو نصر: عمر بن عبد العزيز بن محمد(٢٥٧) بن قتادة ، قال :
حدثنا أبو منصور ؛ العباس بن الفضل النَّضْروِي ، قال: حدثنا أحمد بن
نَجْدّة، قال : حدثنا سعيد بن منصور، قال : حدثنا خالد بن عبد الله، عن
حُصَين، عن عِكْرِمَةً في قوله: ﴿ طيراً أَبابيل﴾ يقول: كانت طيراً نشأت من
قِبَلِ البحر لها مثلٍ رؤوس السّباع، لم تُر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت
[ في ](٢٥٨) جلودهم أمثال الجُدريِّ، فَإِنَّهُ لأُوَّلُ مَا رُؤي الجدري .
قال : وحدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ،
عن أبي سفيان ، عن عبيد بن عمير اللَّيْئِي ، قال :
لما أراد الله ، عز وجل ، أَن يُهلك أَصحاب الفيل بعث عليهم طيراً نشأت
(٢٥٧) في (ح): ((عمر)).
(٢٥٨) الزيادة من ( ح)، وليست في (ص)، أو (هـ).
١٢٣

من البحر كأنها الخَطَاطِيف، بُلْقٌ ، كل طير منها (٢٥٩) معه ثلاثة أحجار مُجْزَّعة ،
في منقاره حجر، وحجران في رجليْه، ثم جاءت حتى صفّتْ على رؤوسهم،
ثم صاحَتْ ، وأَلْقَتْ ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع منها على
رُجُلٍ إلا خرج من الجانب الآخر: إِن وقع على رأسه خرج من دُبُره ، وإِن
وقع على شيءٍ من جسده خرج من جانب آخر .
قال : وبعث الله ريحا شديدة ، فضربت أرجلها ، فزادها شدة، فأهلكوا
جميعا(٢٦٠).
* وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال : حدثنا أحمد بن عبيد، قال :
حدثنا أبو عمران التَّسْتَرِي ، قال: حدثنا عبد الله بن معاوية الجُمْحِيّ ، قال :
حدثنا ثابت بن يزيد ، قال : حدثنا هلال بن خبّاب، عن عكرمةُ ، عن ابن
عباس ، قال :
جاءً أصحاب الفيل حتى نزلوا الصِّفَاحَ(٢٦١)، فجاءَهم عبدُ المطلب، جدّ
النبي، وَّ*، فقال: إِن هذا بيتُ اللّه، تعالى، لم يسلط الله عليه أحداً .
قالوا: لا نرجعُ حتى نَهْدِمَهُ. قال: وكانوا لا يُقَدِّمون فِيلَهم إِلا تَأَخَّر. فدعا الله
الطيرَ الأَبابِيلَ، فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حَاذَتْهُم (٢٦٢) رَمَتْهُمْ،
فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحِكَّةُ ، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إِلا تساقط
لحمه .
(٢٥٩) ليست في ( ص ) .
(٢٦٠) ص (١٠٧) دلائل النبوة لأبي نعيم .
(٢٦١) في (ح): ((الصفا))، وهو خطأ، حيث أن الصفاح موضع بمكة. معجم ما استعجم (٣ :
٨٣٤ ) .
(٢٦٢) في (ح) و(ص): ((حاذت بهم)).
١٢٤

* أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران العدْل، ببغداد، قال: حدثنا (٢٦٣) ابو
٤
الحسن : علي بن حسن المصري (٢٦٤)، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل
السُّلْمي ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثني اللَّيْث، قال : حدثني عبد
الرحمن بن خالد بن مُسافِرٍ (٢٦٥)، عن ابن شهاب ، عن محمد بن عروة ، عن
عبد الله بن الزّبير، أنَّ رسول اللّه جيج، قال:
((إِنما سمّى اللّه البيت: العتيق؛ لأن الله، تعالى، أعتقه من الجبابرة ، فلم
يَظْهَرْ عليه جَبَّارٌ قطّ))(٢٦٦).
*** أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن
محمد بن إسحاق ، قال :
حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم(٢٦٧)، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن بن
أَسعد بن زُرَارَةً، عن عائشة: زوج النبي، {* ، قالت :
لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أَعْمَيَيْن مُفْعَدَين، يَسْتَطْعِمانِ بمكة (٢٦٨).
٤
(٢٦٣) في (ح) و(ص): ((أخبرنا )).
(٢٦٤) في (ح): ((البصري)).
(٢٦٥) في ( هـ ) : عبد الرحمن بن خالد عن ابن مسافر .
(٢٦٦) الحديث أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة الحج (٥ : ٣٢٤) ، وقال أبو
عيسى: ((هذا حديث حسن صحيح))، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢: ٣٨٩)،
وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه)).
(٢٦٧) في (ح ) : حازم ، تصحيف .
(٢٦٨) الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٥٩): ((يستطعمان الناس))، ونقله الحافظ ابن كثير في
((البداية والنهاية)) ( ٢: ١٧٤ ) .
١٢٥

باب
ما جاء في ارتجاس ایوان كسرى
وسقوط شُرفه ، ورؤيا الموبذان ، وخمود النيران ،
وغير ذلك من الآيات، ليلة ولد رسول الله، وله
* أخبرنا أبو سعد (٢٦٩): عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد ، رحمه الله ،
قال : أخبرنا أبو أحمد: الحسين بن علي التميمي (ح)(٢٧٠). وحدثنا أبو عبد
الرحمن : محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السّلمي ، قال : أخبرنا
الحسين بن علي بن محمد بن يحيى ، ومحمد بن محمد بن داود ، وإِبراهيم
ابن محمد النَّصْرَابَاذِيّ - واللفظ للحسين - قالوا: حدثنا(٢٧١) عبد الرحمن بن
محمد بن إدريس ، قال : حدثنا علي بن حَرْب(٢٧٢) المَوْصِلِّي ، قال : حدثنا
أبو أيوب : يعلى بن عِمْرَانَ - من ولد جرير بن عبد الله البجلي - قال : حدثنا
مخزوم بن هانىء المخزومي ، عن أبيه - وأتت عليه مائةٌ وخمسون سنةً - قال :
لما كانت الليلةُ التي ولد فيها رسول الله، بَّه، آرْتَجَسَ إِيوانُ كِسْرى،
وسقطَّتْ منه أربعَ عشرةَ شرفة(٢٧٣) . وخمدت نارُ فارِسَ ، ولم تخمُدْ قبلَ ذلك
(٢٦٩) في (ح): ((أبو سعيد)).
(٢٧٠) حاء التحويل سقطت من (ح) .
(٢٧١) في (ح): ((أخبرنا )).
(٢٧٢) في (ص): ((الحرب)).
(٢٧٣) في (ص) ((شرفاً))، وفي (هـ): ((شرافة)).
١٢٦

بأَلْفٍ عامٍ، وغَاضَتِ بُخَيْرَةُ سَاوَةٍ، ورأَى المُوبِذَان إِبلا صِعَاباً ، تقود خيلا
◌ِرَاباً ، قد قطعت دِجْلَةً وانتشرت في بلادها .
فلما أصبح كسرى أَفزَعه ذلك ، وتصبّر عليه تشجُّعاً ، ثم رأى أن لا يدّخر
ذلك عن وزرائه ومَرَازِيَتِهِ حين عِيلَ صَبْرُه ، فجمعهم ، ولبس تاجه ، وقعد على
سريره ، ثم بعث إليهم ، فلما اجتمعوا عنده ، قال : أتدرون فيما بعثت إِليكم ؟
قالوا : لا ، إِلا أَن يُخْبِرنا الملك بذلك . فبيناهم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار
فارس ، فازداد غمًّا إِلى غمّه، ثم أخبرهم بما هَالَهُ. فقال المُوْبِذَان: وأَنا -
أصلح الله الملك - قد رأيت في هذه الليلة . ثم قصّ عليه رؤياه في الإِبل .
قال : أي شيءٍ يكون هذا يا مُوبِذّان - وكان أعلمهم في أنفسهم - قال: حَدَثٌ
[ يكون ](٢٧٤) من ناحية العرب. فكتب كسرى عند ذلك: (( من مِلَكِ الملوك
كسرى إِلى النعمان بن المنذر. أما بعد : فوجِّه إِليَّ برجل عالم بما أُريد أن
أَسأَله عنه)) فوجه إِليه بعبد المَسِيح بنِ عَمْرو بنِ حِيّان بن بُقَيَِّةَ (٢٧٥) الغَسَّاني.
فلما قدم عليه ، قال : أَلك علم بما أُريد أن أسألك عنه؟ قال: يسألني ، أو
يخبرني ، الملك ، فإِن كان عندي منه علم أخبرته ، وإِلا دَلَلْتُه على من يعلمه .
قال : فأخبره بما رأى. قال: علم ذلك عند خال لي يسكن مَشَارِفَ الشَّام ،
يقال له : سَطِيح . قال : فاذهب إِليه فاسأله وائتني بتأويل ما عنده . فنهض عبد
المسيح حتى قدم على سَطِيح ، وقد أَشْفَى على الموت ، فسلّم عليه وحيّاه ،
فلم يحر (٢٧٦) جواباً، فأنشد عبد المسيح يقول :
(٢٧٤) الزيادة من (ح ) .
(٢٧٥) في (ص): ((نفيلة))، وهو تصحيف
(٢٧٦) في (ص): ((يحذ )).
١٢٧

أَصُمِّ(٢٧٧) أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ (٢٧٨) الْيَمَنْ
يا فَاصِلَ الخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ وَمَنْ
أَتَاكَ شَيْخُ الحَيِّ مِنْ آلٍ سَنَنْ
أَزْرَقُ بَهْمُ النَّابِ صَوَّارُ (٢٨٢) الُأُذُن
رسولُ قَيْلِ العُجْمِ يَسْرى بالرَّسَنْ (٢٨٣)
أُمْ فَادَ فَازْلَمِّ(٢٧٩) به شَأُوُ العَنَّنْ (٨٠
وكاشفَ الكُرْبةِ عَنْ وَجْهٍ غَضِنْ(٢٨١)
وأُمّه من آلِ ذِئْبٍ بن حَجَنْ
أَبيضُ فَضْفَاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ
لا يرهب الرّعْدَ ولا رَيْبَ الزَّمن
تَرْفَعُنِي وَجْناً وَتَهْوِي بِي وَجْنْ
تجوب بي الأَرْضَ عَلَنْدَاةٌ شَزَنٌ
تَلُفُّه فِي الرِّيحِ بَوْغَاءٌ (٢٨٥) الدِّمَنْ
حتى أَتى عاري الجآجي (٢٨٤) والقَطَنْ
كأَنَّمَا حُثْحِثَ مِنْ خِضْنَيْ ثَكّنْ
قال: ففتح سطيح عينيه ، ثم قال: عبد المسيح (٢٨٦)، على جمل
مُسِيح، إِلى سَطِيح ، وقد أوفى على الصريح ، بعثك ملك بني ساسان ،
لارتجاس الإيوان، وخمودِ النيران، ورؤ يا المُوبِذّان، رأَى إِبلا صِعَاباً ، تقود
خَيْلاً عِرَاباً ، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها . يا عبد المسيح ، إذا كثرت
التُّلاوة، وظهر صاحبُ الهِرَارةَ، وفاض وادي السَّمَاوة، وغَاضَت بُخَيْرَة سَاوَة ،
وخمدت نار فارس - فليس الشام لِسَطِيح شَاماً ، يملك منهم ملوك وملكات ،
(٢٧٧) ( أصُمُّ ) : بهمزة الإستفهام ثم بضم الصاد المهملة فتشديد الميم = مبني للمفعول .
(٢٧٨) (الغطريف ) : السيد .
(٢٧٩) ( ارلمٌ ) : أسرع .
(٢٨٠) ( العنن ) : الموت .
(٢٨١) في (ص): ((الغضن)).
(٢٨٢) في (ص): ((ضرار)) وهو تصحيف .
(٢٨٣) في (ص): ((الوسن)).
(٢٨٤) ( الجآجي ) : عظام الصدر .
(٢٨٥) (البوغاء): ((التراب الناعم)).
(٢٨٦) في (ح): ((يا عبد المسيح)).
١٢٨

على عدد الشَّرفات ، وكل ما هو آت آت . ثم قضى سطيح مكانه ، فنهض عبد
المسيح إلى رحله وهو يقول :
لا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ
شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الهَمِّ شِمِّيرُ
فَإِنَّ ذَلِكَ أَطْوَارِ دَهَارِيرٌ (٢٨٧)
إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بنِي ساسان أَقْرَطَهُمْ
يهاب صولّتَهَا الْأُسْدُ المَهَاصِيرُ (٢٨٨)
فَرُبَّمَا رُبَّمَا أَضْحَوْا بِمَنْزِلةٍ
والهُرْمُزَانِ وَسَأُبُورٌ وَسَابُورُ
منهم أَخُوِ الصَّرْحِ بَهْرَامٌ وإخوته
أَنْ قد أَقَلَّ فَمَحْفُورٌ وَمَهْجُورُ (٢٨٩)
والنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّتٍ فَمَنْ عَلِمُوا
فَذَاكَ بالغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ
وهم بنو الأُمّ، إِمّا إِن رَأَوْا نَشَبأ
والخير مُتَّبَعْ والشَّرُّ مَحْذُورُ
والخيرُ والشَّرُّ مَقْرُونَانٍ فِي قَرَن
قال : فلما قدم عبد المسيح على كسرى فأخبره بقول سَطِيح ، فقال : إِلى
أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور. فملك منهم عشرة في أربع
سنينٍ ، والباقون إِلى أن قتل [ عثمان بن عفان ](٢٩٠) رضي الله عنه(٢٩١).
· قلت : ولسطيح قصة أخرى في إِنْبَارِه ، حين قدم مكة ، مَنْ لقيه مِن
قريش - منهم عبد مناف بنُ قصي - بأحوال النبي، وَّر، وخلفائه بعده.
(٢٨٧) ( دهارير ) : جمع دهر .
(٢٨٨) ( المهاصير) : جمع مهصار وهو الأسد
(٢٨٩) ( أولاد علات ) : أبوهم واحد ، وأمهاتهم شتى .
(٢٩٠) الزيادة من (ح)، وفي (ص): ((عثمان رضي الله عنه)).
(٢٩١) القصة في سيرة ابن هشام (١ : ١١ - ١٤)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص (٩٦ - ٩٩)، والوفا
(١ : ٩٧)، وتاريخ الطبري (٢: ١٣١ - ١٣٢)، وشرح المواهب اللدنية (١ : ١٢١)،
والبداية والنهاية (٢: ٢٦٨ - ٢٦٩)، والخصائص الكبرى للسيوطي (١ : ٥١)، وغيرها.
وهذا حديث ليس بصحيح، وذِكْرُهُ في كل هذه الكتب على سبيل التسهيل لتمحيصه لا لصدقه .
١٢٩

وله قصة أخرى. ولشق في تأويل رؤ يا ربيعة بن نصر اللُّخْمِي (٢٩٢).
(٢٩٢) في هامش (هـ): عند اللوحة (٢٥ / أ): ((بلغ شيخنا أبو الاقبال الطائي الحنفي ، ورضوان
جاويش ، وعبد الرحمن أفندي حلوات ، والذين ذكروا قبل هذا المجلس ، وثبت بقراءة السيد
أبي الصلاح الحسين بن عبد الرحمن الشيخوني في يوم الأربعاء ١٣ رمضان سنة ١١٩١ ، وكتب
محمد مرتضى ، حامداً الله ومصلياً ومسلماً)) .
١٣٠

باب
ذكْرُ رَضاع النبي، وَىْـ
ومرضعته وحاضنته(٢٩٣)
* أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو
(٢٩٣) جملة من قيل إنهن أرضعن رسول اللّه ** عشر نسوة:
( الأولى ) : أمه # أرضعته سبعة أيام .
( الثانية): ثُويبة مولاة أبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي و # ملين ابنها مسروح،
وكان رسول الله 8# وخديجة يكرمان ثويبة، وكان رسول الله # يبعث إليها من المدينة بكسوة
وصِلّة ، حتى ماتت بعد فتح خيبر، فسأل عن ابنها ((مسروح)) فقيل : قد مات ، فسأل عن
قرابتها، فقيل: ((لم يبق منهم أحد)).
( الثالثة ) : امرأة من بني سعد غير حليمة ، على ما ذكر ابن سعد في الطبقات ( ١ : ١٠٩) رواه
ابن سعد ، عن ابن أبي مليكة : أن حمزة كان مسترضعاً له عند قوم من بني سعد بن بكر ، وكانت
أم حمزة قد أرضعت رسول الله 18 ، وهو عند أمه حليمة .
( الرابعة ) : خَوْلة بنت المنذر : أم بردة الأنصارية : ذكر بعض المؤرخين أنها أرضعت النبي
*، والصحيح أنها أرضعت ابنه ابراهيم كما ذكر ابن سعد .
( الخامسة ) أم أيمن : بركة ذكرها القرطبي ، والمشهور أنها من الحواضن لا من المراضع .
( السادسة والسابعة والثامنة) قال القرطبي: إنه ﴿ مُرَّ به على نسوة ثلاث من بني سُلِيمٌ فرضع
منهن .
( التاسعة ) : أم فروة ذكرها المستغفري .
( العاشرة): حليمة بنت أبي ذؤيب بن عبد الله بن سجنة بن رزام بن ناصرة .
١٣١

العباس : محمد بن يعقوب ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبّار ، قال : حدثنا
يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال :
فَدُفِعَ رِسول الله، وَ، إِلى أُمّه، والتُمِسَ له الرُّضَعَاءُ، واسْتُرْضِعَ له من
حليمةَ بنت أبي ذُويبٍ . وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن شِجْنَة (٢٩٤) بن
جابر بن رِزَام بن نَاصِرَة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن
قيس عيلان بن مضر .
واسم أبي رسول الله، وَ﴿، الذي أَرضعه: الحارثُ بن عبد العُزَّى بن
رفاعة بن مَلَّن(٢٩٥) بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هَوَازِن .
وإخوتُه من الرضاعة : عبدُ الله بن الحارث، وأُنَيْسَةُ بنت الحارث ،
وحُذَافَةُ بنت الحارث - وهي الشَّيْمَاءُ ، غلب عليها ذلك فلا تُعْرَفُ في قومها إِلا
به. وهي لحليمة بنت أبي نُؤيب، أم رسول الله، وَ يَ (٢٩٦).
وذكروا(٢٩٧) أَن الشَّيْماءَ كانت تحضُن رسول الله، وَّ، مع أُمّه إِذ(٢٩٨)
كان عندهم .
* وأخبرنا أبو عبد الله [الحافظ ]، قال : حدثنا أبو العباس ، قال:
حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، قال : حدثنا ابن
إسحاق ، قال :
(٢٩٤) كذا في الأصول ، وسيرة ابن هشام ، ورويت : سجنة بسين مهملة مكسورة ، وجيم ساكنة ،
فنون مفتوحة ، سبل الهدى والرشاد ( ١ : ٤٦١).
(٢٩٥) في (ح) و(هـ): فلان: وأثبت ما في (ص) وهو موافق لما في سيرة ابن هشام (١ :
١٧٢ ) .
(٢٩٦) الخبر في سيرة ابن هشام ( ١ : ١٧٣ ).
(٢٩٧) في السيرة لابن هشام: ((ويذكرون)).
(٢٩٨) في (هـ): ((إذا)).
١٣٢

حدثني جَهْم بن أبي جَهْم - مولى لامرأة من بني تميم ، كانت عند
الحارث بن حَاطِب ، فكان يقال : مولى الحارث بن حاطب - قال : حدثني مَنْ
سمع عبد الله بن جَعْفر بن أبي طالب ، يقول :
حُدِّثت عن حليمة بنت الحارث(٢٩٩)، أُم رسول الله، وَّر، التي
أرضعته ، أنها قالت(٣٠٠):
قدمتُ مكّة في نسوة من بني سعد بن بكر ، ألتمس (٣٠١) بها
الرُّضّعاء (٣٠٢ ، وفي سنة شَهْبَاءَ(٣٠٣)، فَقَدِمْتُ على أَتَانٍ (٣٠٤) لِي قَمْرَاءَ كانت
أَذَمَّتْ(٣٠٥) بالركب، ومعي صبيٍّ لنا، وشَارِفٌ لنا، والله ما تَبِضُّ بِقَطْرة ، وما
ننام ليلنا ذلك أجمعَ مع صَبِّنا ذاك ، ما يجد في ثدييّ ما يُغْنِيه ، ولا في
شَارِفِنَا(٣٠٦) ما يُغَذِّيه، فقدمنا مكّة، فوالله ما عُلِمَتْ منا امرأةٌ إِلا وقد عُرِضٍ
عليها رسولُ الله، ﴿، فَتَأْبَهُ، إِذا قيل: إِنه يتيم تركناه ، قلنا: ماذا عسى أن
تَصْنع إِلينا أمُّه؟ إِنما نرجو المعروف من أب الوليد، وأَما أُمُّه فماذا عسى أَن
تصنع إِلينا. فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إِلا أخذت رضيعاً غيري . فلمّا لم
أجد رضيعاً غيره قلت لزوجي الحارث بن عبد العُزَّى : والله إني لأكره أن أرجع
(٢٩٩) في هامش (ص): ((بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله {###)) .. كذا وقع في ابن هشام.
(٣٠٠) الخبر في سيرة ابن هشام (١: ١٧٣ - ١٧٥)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص (١١١ - ١١٣)،
والوفا لابن الجوزي (١: ١٠٨) ((والبداية والنهاية)) ( ٢: ٢٧٣).
(٣٠١) في (ص ) : نلتمس . ( وألتمس ) : أطلب .
(٣٠٢) ( الرضعاء ) : جمع رضيع ، وأراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ لأنهم إذا وحدوا له
مرضعة ترضعه ، فقد وجدوا له رضيغاً يرضع معه .
(٣٠٣) ( سنة شهباء ) : يعني سنة القحط والجدب لأن الأرض تكون فيها بيضاء .
(٣٠٤) ( أتان ) : الأنثى من الحمير .
(٣٠٥) ( أذمُت ) : إذا أعيت وتأخرت عن الركب .
(٣٠٦) ( الشارف ) : الناقة المسنّة .
١٣٣

من بين صواحبي ليس معي رضيع ، لأَنْطَلِقَنَّ إِلى ذلك اليتيم فلاخُذَنَّهُ . فقال :
لا عليكِ . فذهبتُ فأخذتُه ، فوالله ما أَخذتُه إلا أني لم أَجد غيره ، فما هو إلّ
أن أُخذتُهُ فجئتُ به إلى رحلي (٣٠٧)، فأقبل عليه ثَذْيَايَ بما شاءً من لبنٍ ،
فَشْرِبَ حتى رَوِي ، وشرِبَ أَخوه حتى رَوِيَ ، وقام صاحبي إِلى شَارِفِنًا تلك ،
فإذا إِنها لَحَافِلٌ (٣٠٨) ، فيحلب ما شرب ، وشربتُ حتى روينا . فيتنا بخير ليلة ،
فقال صاحبي : يا حليمةُ ! والله إني لأراكِ قد أَخَذْتِ نَسَمَةٌ مباركةٌ ، أَلم تَرَي ما
بتنا(٣٠٩) به الليلة من الخير والبركة حين أَخَذْنَاه؟ فلم يزلِ الله - عز وجل -
يزيدنا خيراً حتى خرجنا راجعين إِلى بلادنا ، فوالله لَقَطَّعَتْ أَتَانِي بالرِّكْبِ حتى ما
يتعلَّق بها حمارٌ ، حتى إِن صَوَاحِبَاتي يقلن: ويلك يا ابنة أبي نُؤَيب ، أُهذه
أَتَتُكِ التي خرجْتِ عليها معنا؟ فأقول : نعم ، والله إنها لهي . فيقلن : والله إِن
لها لشأنا . حتى قدمنا أرض بني سعد ، وما أعلم أرضاً من أرض الله ، تعالى ،
أَجْدَب منها، فإِن كانت غنمي لَتَسْرَحُ، ثم تروح شبَاعاً لُبِّناً( ٣١٠) ، فنحلب ما
شئنا ، وما حولنا أحد تَّبِضُّ له شاةٌ بقطرة لبن ، وإِن أَغنامهم لتروح جِيّاعاً ، حتى
إنهم ليقولون الرعيانهم(٣١١): ويحكم !! انظروا حيث تسرح غنم ابنة(٣١٢) أبي
تُؤيب ، فاسرَحوا معهم . فيسرحون مع غنمي حيث تسرح ، فيُريحون أغنامهم
جياعاً ما فيها قطرة لبن ، وتروح غنمي شِبَاعاً لُبِّناً نحلب ما شئنا(٣١٣). فلم يزل
الله ، تعالى ، يرينا البركة ونْتَعرَّفها حتى بلغ سَنَتَيْه، فكانَ يَشِبُّ شباباً لا يشبّه
(٣٠٧) (الرَّحْل) : سكن الشخص ، المنزل والمأوى .
(٣٠٨) (الحافل): الممتلئة الضَّرع من اللبن، والحفّل: اجتماع اللبن في الضرع.
(٣٠٩) في (ص): ((ما شأنه )) وهو تصحيف .
(٣١٠) (لُبِّن ) : أي غزيرات اللبن .
(٣١١) في (ص): ((لرعاتهم)).
(٣١٢) في (ص): ((أبنتٍ)).
(٣١٣) في (ص): ((نحلب ما شئنا من اللبن)).
١٣٤

الغِلمان ، فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلاماً جَفْراً(٣١٤) ، فَقَدِمْنا به على أُمه
ونحن أَضَنُّ شيءٍ به مما رأينا فيه من البركة. فلما رأته أمه ، قلنا لها : يا
ظِئْر(٣١٥)، دعينا نرجع بِبُنِيِّنا هذه السنة الأخرى، فإِنا نخشى عليه وباء مكة ،
فوالله ما زلنا بها حتى قالت : فنعم ، فسرّحَتْه معنا، فأَقمنا به شَهْرَيْنِ أَو ثلاثةً ،
فبينا هو خلفَ بيوتنا مع أخٍ له من الرّضاعة في بَهْمٍ (٣١٦) لنا، جاءَنا أُخوه
ذلك (٣١٧) يشتد ، فقال: ذاك أُخي القرشيُّ، قد جاءَه رجلان عليهما ثياب
بياضٍ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقًّا بَطْنَه. فخرجت أَنا وأبوه نَشْتَدُّ نحوه، فَنَجِدُه قائماً
مُنْتَقِعاً لونه، فاعْتَنَقَّهُ أَبوه ، فقال: أَي بُنِّي! ما شَأْنُكَ؟ فقال(٣١٨) جاءَّني
رجلان عليهما ثيابُ بياضٍ ، فَأَضجعاني ، فشقًا بطني ، ثم استخرجا منه شيئاً ،
فطرحاه ، ثم ردًّاه كما كان . فرجعنا به معنا ، فقال أبوه : يا حليمةُ ، لقد
خشيتُ أن يكون ابني قد أُصيبَ ، فانطلقي بنا ، فَلْنَرُدَّ إِلى أَهله قبل أن يظهرَ
فيه ما نَتَخَوَّفُ . قالت حليمة: فاحتملناه، فلم تُرَعِ أُمُّه إِلا به قد قَدِمنا به
عليها ، فقالت : ما ردَّكما به ؟ فقد كنتما عليه حريصين ، فقلنا لها : لا والله يا
ظِئْرِ ، إِلا أَن الله، تعالى، قد أَدَّى عنا، وقَضَيْنا الذي علينا، فقلنا (٣١٩) نخشى
الإِثْلَافَ والأَحْدَاث نردّه على (٣٢٠) أَهله، قالت: ما ذاك بكما ، فاصْدقَاني
شأنكما ، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبّره . قالت : أَخشيتما عليه الشيطان ؟
كلا ، والله ما للشيطان عليه سبيل ، وإنه لكائن لابني هذا شأن ، ألا أُخبركما
(٣١٤) ( جفراً ) : شديداً .
(٣١٥) ( الظئر) : المرضعة .
(٣١٦) ( البهم) : بفتح الموحدة ، جمه بهمه وهي ولد الضأن .
(٣١٧) في (ص ) : ذاك .
(٣١٨) في (ص): ((قال)).
(٣١٩) في (ح): ((وقلنا)).
(٣٢٠) في (ص): ((إلى)).
١٣٥

خبره ؟ قلنا : بلى ، قالت : حملتُ به ، فما حملت حملاً قطّ أَخفَّ منه ،
فأريت في المنام حينَ حملت به كأَنه خرج مني نورٌ أَضاءَت له قصورُ الشام ، ثم
وقع حين ولدتُهُ وقوعاً ما يقعه المولود ، معتمداً على يديه ، رافعاً رأسه إلى
السماءِ ؛ فدعاه عنكما(٣٢١).
(٣٢١) حادث شق الصدر ورد في كتب السيرة باتفاق، فهو في سيرة ابن هشام (١ : ١٧٦ )، وطبقات
ابن سعد (١: ١١٢)، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص (١١١)، والبداية والنهاية (٢: ٢٧٥)،
والخصائص الكبرى للسيوطي ( ١ : ٥٤)، وقد أشارت إليه كتب التفسير، في تفسير قوله
تعالى : ﴿ألم نشرح لك صدرك ﴾ .
وهذا الحادث الذي يسرده المصنف، والذي وقع لرسول الله ﴿ منذ الطفولة المبكرة ،
واستخرج جبريل منه العلقة قائلاً: ((هذا حظ الشيطان منك .. )) قد تكرر لما كان النبي 83* ابن
عشر سنين .
فقد روى الإِمام أحمد ، وابن حبان ، وابن عساكر ، عن أبي بن كعب أن أبا هريرة سأل رسول
الله : يا رسول الله! ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فقال النبي وَله: «إني لفي صحراء ، ابن
عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: ((أهو هو؟))، قال : نعم ،
فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط ، وأرواح لم أجدها من خلق قط ، وثياب لم أرها على أحد
قط ، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي : لا أجد لأحدهما هامساً، فقال
أحدهما للآخر : أضجعه ، فأضجعاني بلا قسْرٍ ولا هَصْرٍ ، وقال أحدهما لصاحبه : افلِقْ صدره،
فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع ، فقال له : أدخل الرأفة والرحمة ، فإِذا
مثل الذي أدخل يشبه الفضة ، ثم هز إبهام رجلي اليمنى ، فقال : اغد واسلم . فرجعت بها أغدو
رقة على الصغير ، ورحمة للكبير .
وقد تكررت حادثة شق الصدر مرة أخرى والنبي # رسول جاوز الخمسين من عمره ، فعن مالك
ابن صعصعة أن رسول الله و : حدثهم عن ليلة أسري به ، قال: (( بينما أنا في الحطيم - أو قال في
الحجر ـ مضطجع بين النائم واليقظان ، أتاني آت ، فشق ما بين هذه إلى هذه - يعني من ثغرة
نحره إلى شعرته - قال : فاستخرج قلبي ، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً ، فغسل قلبي ،
ثم أحشائي ثم اعيد .. )) [ أخرجه مسلم، وأحمد (٣: ١٢١)، والحاكم (٢: ٦١٦)].
وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله - عز وجل - نبيه * عن مزالق الطبع الإنساني ،
ووساوس الشيطان ، وهو حصانة للرسول الكريم التي أضفاها الله عليه .
١٣٦

= والمغزى أعمق من أن نتجاوزه إلى المماحكات التي تشعر بضعف الإِيمان أكثر مما تشعر بنور
اليقين .
إن الله سبحانه وتعالى - وقد شاءت ارادته - منذ الأزل - أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد
سبحانه أن يجعل منه المثل الكامل للإِنسان الكامل الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب ،
وتصفية النفس .
ولما شب رسول الله وَيقر كانت مكة تعج بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذ الشهوانية الدنسة.
كانت حانات الخمر منتشرة ، وبيوت الريبة وعليها علامات تعرف بها ، وتلك المغنيات
والماجنات والراقصات ، من أمور الجاهلية التي كانت تعج في ذلك المجتمع الجاهلي ،
وتتوجها عبادة الأصنام والأوثان .
والله سبحانه وتعالى بَرَأ رسوله، واختاره من أكرم معادن الانسانية ، ثم اختاره لحمل أكمل
رسالات السماء إلى أمم الأرض، وفي ((صحيح البخاري)) قال رسول الله الاول: ((ما هممت
بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين كلتاهما عصمني الله - عز وجل - فيهما : قلت ليلةً لبعض فتيان
مكة - ونحن في رعاء غنم أهلها - فقلت لصاحبي :
((ألا تبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان ؟
فقال : بلى .
قال : فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة ، فسمعتُ عزفاً بالغرابيل والمزامير ، فقلت : ما
هذا ؟
قالوا : تزوج فلان فلانة .
فجلست أنظر ، وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مسَّ الشمس.
فرجعتُ إلى صاحبي فقال : ماذا فعلت ؟
فقلت : ما فعلت شيئاً ، ثم أخبرته بالذي رأيت .
ثم قلت له ليلة أخرى : أبصر لي غنمي حتى أسمر ، ففعل ، فدخلت ، فلما جئت مكة سمعت
مثل الذي سمعته تلك الليلة فسألت فقيل :
نكح فلان فلانة .
فحلست أنظر ، فضرب الله على أذني ، فوالله ، ما أيقظني إلا مسَّ الشمس .
فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت ؟ فقلت : لا شيء ، ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا
عدت بعدها لشيء من ذلك حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته :
هذا ما كان من أمر عبث الفتيان .
١٣٧

أما عبادة الأوثان فإن الله سبحانه عصمه منها والقصة التالية توضح ذلك .
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:
حدثتني أم أيمن قالت : كانت بُوانة صنماً تحضره قريش لتعظمه :
تنسك له النسائك ، ويحلقون رؤوسهم عنده ، ويعكفون عنده يوماً إلى الليل ، وذلك يوماً في
السنة . وكان أبو طالب يحضره مع قومه . وكان يكلم رسول 8# أن يحضر ذلك العيد مع قومه.
فيأبى رسول الله# ذلك حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد
الغضب، وجعلن يقلن :
ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيد ولا تكثر لهم جمعاً ؟!
قالت : فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ، ثم رجع إلينا مرعوباً فزعاً، فقالت له
عماته : ما دهاك ؟ قال :
« إني أخشی ان يكون بي لمم)).
فقلن : ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت ؟
قال :
((إبي كلما دنوت من صنم منها : تمثل لي رجل أبيض ، يصيح بي : وراءك يا محمد : لا
تمسَّه)) قالت :
فما عاد إلی عیدٍ لهم حتی تنبأ».
وهكذا كانت حياته ## حياة زكية طاهرة ، من الآثام التي تدنس الشباب في مجتمعاتهم ، بعيدة
عن الشرك ، لم يسجد لصنم قط ، بعيداً عن معايب الجاهلية ، ومفاسدها .
ولا يطمئنُّ بَعْضُ الجاهلينَ، ومعهم المستشرقين إلى قصة ((شَقّ الصدر)) واستخراجه، ومعالجته،
سواء التي حدثت للنبي وَّله وهو عند حليمة السعدية ، أو ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب
في معجزة الإسراء والمعراج .
وابن حبان منذ أكثر من ألف سنة يناقش الموضوع ويعتبره من معجزات النبوة ويقول: «كان ذلك
له فضيلةٌ فُضِّل بها على غيره، وانه من معجزات النبوة ، إذ البشر إذا شُقَّ عن موضع القلب منهم،
ثم استخرج قلوبهم ماتوا)). [ صحيح ابن حبان (١ : ١٤٠) من تحقيقنا ].
فإِذا كان ابن حبان يقول معبراً عن العصر الذي عاش فيه ((إذ البشر إذا شُقَّ عن موضع القلب
منهم ، ثم استُخرج قلوبهم، ماتوا)) فهذا فعلًا كان في عصر ابن حبان المتوفى (٣٥٤) هجرية، لا
بل هو إلى عهد قريب جداً .
وتَقَدَّم العلمُ، والطّبُّ، والجِراحَةُ، والتخدير، والعمليات الجراحية صارت تُجرى في غرف
معقمة ، وبوسائل مختلفة ، وتقنية جدّ ماهرة، فَأَمْكَنّ للجراحينَ اليوم من إجراء مختلف انواع =
١٣٨

قلت : وقد روى محمد بن زكريا الغِلابي (٣٢٢) بإسناده عن ابن عباس ،
عن حليمة ، هذه القصة بزيادات كثيرة ، وهي لي مسموعة ، إلا أن (( محمد بن
زكريا)» هذا متهم [ بالوضع ](٣٢٣) فالاقتصار على ما هو معروف عند أهل
المغازي أولى . والله أعلم .
ثم إِني استخرتُ الله ، تعالى ، في إِيرادها، فوقعت الخِيْرَة على إِلحاقه
بما تقدمه من نقل أهل المغازي ، لشهرته بين المذكورين (٣٢٤).
* أخبرنا أبو عبد الله : محمد بن عبد الله الحافظ . قال : حدثنا أبو بكر :
محمد بن عبد الله بن يوسف العماني ، قال : حدثنا محمد بن زكريا الغِلابي ،
حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، قال: حدثني
أبي ، عن أبيه : سليمان بن علي ، عن أبيه : علي بن عبد الله بن عباس ، عن
٤
عبد الله بن عباس ، قال :
كانت حليمة بنت أبي نُؤْيْب التي أَرضعتِ النبي، وَّر، تحدّث أَنها لما
فَطَمَتْ رسولَ الله، وَ﴿، تكلّم، قالت: سمعته يقول كلاماً عجيباً: سمعته
العلميات الجراحية، في كل مواضع الجسم الهدف منها استئصال الداء وطرحه حيث لم تعد تنفع
الوسائل الطبية ، جراحة القلب ... حتى أمكن الآن استخراج القلب ، وليس فقط
معالجته ، لا بل استبدال القلب التالف ، بقلب سليم من إنسان مات حديثاً، أو حتى من قلب
صناعي ... ثم تخاط طبقات الجسم ، وتعاد .... فلا يموت المريض !.
وهذا أصبح في استطاعة الإِنسان .
أفما استطاعه الإنسان لا يستطيعه الله الذي يقول للشيء. ((كن فيكون))؟!
(٣٢٢) هو محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري: ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في (( الثقات)»،
وقال: ((يعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة))، وقال الدارقطني: ((يصنع الحديث)). ((ميران
الاعتدال)» (٣ : ٥٥٠).
(٣٢٣) الزيادة من (ح).
(٣٢٤) في (ص): ((المذكرين)).
١٣٩

يقول : الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، فلما
تَرَعْرَعَ كان يخرج فينظر إلى الصبيانٍ يلعبون فيجتنبهم . فقال لي يوماً من
الأيام: يا أُمّاه! مالي لا أُرى إخوتي بالنهار؟ قلت: فَدَتْكَ نفسي، يَرْعَوْن غنماً
لنا فيروحُون من ليل إِلى ليلٍ . فَأَسْبَلَ عينيه فبكى، فقال: يا أماه ، فما أَصنَعُ
ههنا وحدي ؟ ابعثيني معهم . قلت : أوتحب ذلك ؟ قال : نعم . قالت : فلما
أصبح دهَنته، وكحِّته ، وقَمَّصْتُه، وعمدت إِلى خَرَزَةِ جَزَعٍ يَمَانِيّة فعلّقت في
عنقه من العين . وأخذ عصاً وخرج مع إخوته ، فكان يخرج مسروراً ويرجع
مسروراً ، فلما كان يوماً من ذلك خرجوا يرعون بَهْماً لنا حول بيوتنا ، فلما
انتصف النهار إِذا أَنا بابني ((ضمرة)) يَعْدُو فَزِعاً، وجبينه يَرْشَح قد علاه البُهْر
باكياً ينادي: يا أَبت(٣٢٥) يا أبه ويا أمه، الحقا أخي محمداً فما تلحقاه إِلا
ميتاً . قلت : وما قصته؟ قال : بينا نحن قيام نترامى (٣٢٦) ونلعب ، إذ أتاه رجل
فاختطفه من أوساطِنا ، وعلا به ذِرْوَة الجبل ونحن ننظر إليه حتى شقّ من صدره
إلى عانته ، ولا أدري ما فعل به ، ولا أظنكما تلحقاه أبداً إلا ميتاً. قالت :
فأقبلت أُنا وأبوه - تعني زوجها - نسْعى سعياً، فإذا نحنُ به قاعداً على ذِرْوَةٍ
الجبل ، شاخصاً ببصره إلى السماءِ ، يتبسم ويضحك ، فَأَكْبَيْتُ عليه، وقبّلت
بين عينيه ، وقلت : فدتك نفسي ، ما الذي دهاك؟ قال: خيراً يا أُمَّاه، بينا أَنا
الساعة قائم على (٣٢٧) إخوتي، إِذ أَتاني رهطٌ ثلاثة ، بيد أحدهم إبريق فضة،
وفي يد الثاني طِست من زُمُرُّدَةٍ خضراء مِلْؤها ثلج ، فأخذوني ، فانطلقوا بي إلى
ذروة الجبلِ ، فَأَضجعوني على الجبل إِضجاعاً لطيفاً، ثم شقّ من صدري إلى
عائَتي ، وأَنا أَنظر إليه، فلم أَجد لذلك حسّاً ولا أَلماً، ثم أدخل يده في
(٣٢٥) في (ح): ((يا أمه))، وفي (ص): ((يا أبه)).
(٣٢٦) في ( ص) رسمت : نتراما.
(٣٢٧) في (ص): ((معي)).
١٤٠