Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤١٣
خيرٌ من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحيةُ أهل الجنة، قال أما والله يا محمد
إن كنتُ لحديث عهد بها، فقال: فما ذاك (١) يا عمير؟ قال: جئتك لهذا
الأسيرِ الذي في أيديكم فأحسِنوا فيه، قال فما [ بال](٢) السيفِ في
عنقك؟ قال قبَّحَها اللَّهُ من سيوفٍ وهل أغنتْ شيئاً؟ قال أَصدقني ما الذي
جئتَ له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال رسول الله وَّل بل قعدتَ أنتَ
وصفوان بن أمية في الحِجْر فذكرْتما أصحاب القَليب من قريش، ثم قلت
لولا دينٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقتل محمداً، فتحمَّل لك صفوانُ
بدينِك وعيالك على أن تقتلني، واللَّهُ حائل بينك وبين ذلك، قال عمير:
أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قد كنا نكذِّبك بما كنت تأتينا به من
خبرِ السماء وما ينزِل عليك من الوحي، وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا
وصفوان، فوالله إني لأعلم أنه ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني
للإِسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهَّد بشهادة الحق، فقال رسول
الله ◌َّ: فقّهوا أخاكم في دينه واقرِئوه القرآنَ وأطلقوا له أسيره، قال
ففعلوا، ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهداً على إطفاءِ نورِ اللَّه، شديدَ
الأذى لمن كان على دين الله، وإنني أحب أن تأذنَ لي فأقدمَ مكّة فأدعوهم
إلى الله وإلى الإِسلام لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم كما أوذي
أصحابَك، قال: فأذن له رسول الله وَّر، فلحق بمكة، وكان صفوان حين
خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوْقعَةٍ تأتيكم الآن في أيامٍ
تنسيكم وقعةً بدرٍ، وكان صفوان يسأل الركبان حتى قدم راكب فأخبره
بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبداً، ولا ينفعَه بنفعٍ أبداً، فلما قدم عميرٌ
(١) في السيرة ((فما جاء بك)).
(٢) من السيرة.

٤٨٢
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤١٤
مكة أقام بها يدعو إلى الله، ويؤذي من خالفَه إيذاءً شديداً، فأسلم على
یدیہ ناس کثیر.
ومن الأخبار في غزوة أحد من الدلائل :
٤١٤ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أبو شعيب الحراني ثنا أبو جعفر
النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني ابن شهاب الزهري عن
عبدالله بن كعب بن مالك قال:
كان كعبٌ أول من عرفَ رسول الله وَّهِ بعد الهزيمةِ وقولِ الناسِ
قُتِل رسول الله وَِّ، قال كعب: عرفتُ عينيه تزهران من تحتِ المِغْفَر،
فناديتُ بأعلى صوتي: يا معشرَ المسلمين أبشروا هذا رسولُ اللهِ وَلآ ،
فأشار إليَّ أن أنصت، فلما عرفوا رسول الله نهضوا به معهم نحوَ الشِّعب
ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصِّمّة في رهط من
المسلمين، ولما أُسنِد رسولُ الله ◌َّ في الشعب أدركه أبيّ بن خلف وهو
يقول: يا محمد لا نجوْتُ إِن نجوْتَ، فقال القوم: أيعطف عليه يا رسول الله
رجلٌ منا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناولَ رسولُ الله وَِّ الحَرْبَةَ من الحارث
ابن الصِّمة، يقول بعضُ القوم فيما ذكِرَ لي: فلما أخذها رسولُ الله وَه
انتفَضَ بها انتفاضةً تطايرنا عنه تطايُرَ الشُّعْرِ (١) عن ظهر البعير إذا انتفض،
ثم استقبله فطعنه بها طعنةً تدأدأ(٢) منها عن ظهر فرسِه مراراً.
(ح/٤١٤) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٨٣/٢ عن ابن شهاب عن كعب بن مالك
وأخرجه البيهقي ٥٨/٢ ((مخطوطة حلب)) من طريق ابن اسحاق كما أخرجه ابن إسحاق ٨٤/٢
من طريق صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم أيضاً كما أخرجه
من طريقه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبدالله بن كعب بن مالك عن أبيه به.
وأخرجه أيضاً من طريق معمر عن مقسم به - انظر: الخصائص ٥٣١/١ -.
(١) الشُّعر: ذباب زرق تقع على الإِبل والحمير فتأذى بها كثيراً.
(٢) تدأدأ: سقط وتدحرج.

٤٨٣
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤١٥ - ٤١٦
٤١٥ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني قال
ثنا أبي ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال:
كان أُبَيُّ بِنُ خَلَف أخو بني جُمَحِ حَلَفَ وهو بمكة ليقتلَن رسول
الله ◌ََّ، فلما بلغَتْ حِلْفَتُه رسولَ اللهِوَّه قال رسول الله وَّهِ أَنا أَقْتُلُه إن
شاء الله، فأقبل أبي مقنَّعاً في الحديد يقول لا نجوتُ إن نجا محمدٌ، فحمل
على رسول الله وَلّه يريد قتلَه فاستقبله مصعبُ بن عُمير أخو بني عبد الدار
يتقي رسول الله وَله بنفسه، فقُتِل مصعب بن عمير وأبصَر رسولُ اللهِلَّهِ تَرْقُوَةَ
أُبَيّ بن خلف من فرجة بين سابغةِ الدرع والبيضةِ، فطعنه بحربته فوقع أُبيِّ
عن فرسِه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتوه أصحابُه فاحتملوه وهو يخور
خُوارَ الثَّورِ، فقالوا: ما أجزَعَك؟ إنما هو خَدْش، فذكر لهم قولَ
النبيِ وَله: (أَقْتُلُ أَبيًّ) ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان الذي بي بأهل
ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات.
٤١٦ - حدثنا أبو بكر بن خلاد قال ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا يوسف
ابن بهلول ثنا ابن أدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان
عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان:
(ح/٤١٥) أخرجه البيهقي في الدلائل ٤٧/٢ - مخطوط حلب - عن عروة بن الزبير
وأخرجه أيضاً من طريقه موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ثم قال: ورواه
أيضاً عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، ومن هذه الطريق
أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤٦/٢ - وانظر: الخصائص ٥٣٠/١ - وأخرجه الحاكم في
المستدرك ٣٢٧/٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(ح/٤١٦) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٨٢/٢، قال ابن حجر في الإصابة ٢١٧/٣
وأخرجه الدارقطني وابن شاهين والبغوي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٣/٦ وأخرجه
الطبراني وفي إسناده من لا أعرفهم، وقال في ٢٩٨/٨ وأخرجه أبو العلي وفي إسناده يحبى
الحماني وهو ضعيف، وأخرج الحاكم القصة عن محمد بن عمر بدون إسناد ٢٩٥/٣ وأخرجه
البيهقي في الدلائل ٦٥/٢ وما بعدها - مخطوطة حلب -.

٤٨٤
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤١٧ - ٤١٨
أنه سقطت عينُه يوم أحد فردَّها رسول الله وَلّ فكانت أحسن عينيه
وأحَدَّهما.
قال محمد بن إسحاق وردّ ید خبیب بن یساف وضُرب یوم بدر على
حبل العاتق فردها فلم نر منه إلا خطاً.
٤١٧ - حدثنا سليمان بن أحمد إملاءً ثنا الوليد بن حماد الرملي من كتابه ثنا
عبدالله بن الفضل بن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان بن زيد الأنصاري قال ثنا أبي
الفضل عن أبيه عاصم عن أبيه عمر عن أبيه قتادة بن النعمان بن زيد قال:
أُهدِيَ إلى رسولِ الله ◌َّ قوسٌ فدفعها إليّ يوم أحد، فرمیت بها بين
يدي النبي ◌َّ حتى اندَّقَتْ سِيَتُها (١)، ولم أزُلْ في مقامي نُصْبَ وجهِ
رسول الله وَ﴿ أُتّقي السهامَ ووجهي دونه، فكان آخرُها سهمٌ ندَرت(٢) منه
حدقتي، فأخذتها، وانهزموا، فأخذتُ حدقتي بيدي فسعيتُ بها في كفّي إلى
رسول الله ◌َ﴿ فلما رأى رسولُ الله ◌َّل حدقتي في كفي دمعت عيناه فقال
(اللهم قِ قتادة كما وقى نبيَّك عليه السلام بوجهه، فاجعلها أحسنَ عينيه
وأحَدَّها نظراً) وفي حديث منصور بن أحمد المعدل: فردّها النبي ◌َّ بيدِه
فكانت أصحَّ عينيه وأحَدَّهما.
٤١٨ - حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق ثنا سعد بن يحيى
(ح / ٤١٧) أخرجه الطبراني: وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٣/٦ وفي إسناده من لا
أعرفه .
(ح/٤١٨) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٧٥/٢ وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢١٤/٣
وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه السراج في مسنده والبيهقي كلهم عن طريق ابن
إسحاق - انظر: الخصائص ٥٣٨/١ - قال ابن حجر: وروى الطبراني وغيره من حديث ابن
عباس بإسناد لا بأس به عنه قال أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة فذكره ثم قال: غريب في
ذكر حمزة - ر: فتح الباري ٤٥٥/٣ - وقال في مجمع الزوائد ٢٣/٣ بعد أن أخرج حديث ابن
عباس : إسناده حسن.
(١) السّيّة من القوس: ما عطف من طرفها.
(٢) ندرت: سقطت.

٤٨٥
ح / ٤١٩
الفصل الخامس والعشرون
الأموي قال حدثني أبي قال: قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن
الزبير عن أبيه عن جده قال:
كان حَنْظَلة بن أبي عامر الثقفي تبارزَ هو وأبو سفيان، فلما علاه
حنظلة رآه شَدّاد بن الأوس وكان يقال له أبو شَعوب(١) فعلاه شَدّاد بالسيف
فقتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان. فقال رسول الله وَلتر (إن صاحبكم لتغسله
الملائكة) فسألوا صاحبته(٢) فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة(٣)
فقال رسول الله وَله: لذلك غسَّلته الملائكة.
٤١٩ - وذكر الواقدي قصة حنطلة بزيادة ألفاظ قال:
كان حنظلة بن أبي عامر قد تزوج جميلة بنت عبدالله بن أبيّ بن
سَلول وأدْخِلت عليه في الليلة التي صبيحتها قتالُ أحُدٍ وكان قد استأذن
رسولَ الله ◌َِّ أن يبيتَ عندها فأذِنَ له، فلما صلى الصبحَ غدا يريدُ
النبيَّ وَ﴿، فلزمته جميلةٌ، فعاد فكان معها، فأجنَبَ منها، ثم أراد
الخروج، وقد أرسلت قبل ذلك إلى أربعةٍ من قومها فأشهدتهم علیه أنه قد
دخَل بها، فقيل لها لمّ أشهدتِ عليه؟ قالت: رأيت كأن السماء فُرجت له
فدخل فيها، ثم أطبقت، فقلت هذه الشهادة، فأشهدتُ عليه أنه دخل بي،
(ح/٤١٩) لم أجده بهذا اللفظ عند غير أبي نعيم ولكن أخرج الحاكم ٢٠٤/٣ بإسناد
مظلم - كما قال الذهبي - أن حنظلة بن أبي عامر تزوج، فدخل بأهله الليلة التي كانت صبيحتها
يوم أحد، فلما صلى الصبح لزمته جميلة، فعاد، فكان معها فأجنب منها ثم إنه لحق برسول
الله ◌َلّ، وأخرجه ابنُ سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه بلفظ: إني رأيت الملائكة تغسل
حنظلة بين السماءِ والأرض بماءِ المُزْن في صحاف الفضة. قال أبو أَسَيْد الساعدي: فذهبنا
فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماءً، وفيه: أن امرأته قالت: رأيت كأن السماءَ فَرجت له فدخل فيها
ثم أطبقت، فقلت هذه الشهادة - انظر: الخصائص ٥٣٨/١ -.
(١) في السيرة ((شداد بن الأوس وهو ابن شعوب)).
(٢) صاحبته: زوجته.
(٣) الهائعة: الصيحة التي فيها الفزع.

٤٨٦
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٠
وعَلِقَتْ بعبدالله بن حنظلة، فلما قتل حنظلة أتوه وهو مقتولٌ إلى جنب
حمزة بن عبد المطلب، مُثِّل بأصحابه ولم يُمثَّل به، فقالَ
رسول الله وسلم: (إني رأيت الملائكةَ تغسلُ حنظلةَ بن أبي عامر بين السماءِ
والأرضِ بماءِ المُزنِ في صحافِ الفضة). قال أبو أُسيْد الساعدي: فنظرنا
فإذا رأسُه يقطرُ ماءً، قال أبو أُسَيْد: فرجعتُ إلى النبي ◌َِّ فأخبرتَه فأرسلَ
إلى امرأته فسألها، فأخبرتَه: أنه خرج وهو جُنب.
٤٢٠ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا يحيى
ابن معين ثنا عبد الوهاب بن عطاء ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال:
افتخَرَ الحَيّان: الأوسُ والخزرج، فقال الأوس منا أربعة، وقال
الخزرج منا أربعة: فقال الأوس: منا من اهتزَّ لَه عرشُ الرحمن: سعدُ بن
معاذ، ومِنّا مَنْ عُدِلَتْ شهادتُه بشهادة رجلين: خُزَيْمةُ بن ثابت، ومنا من
غسلته الملائكةُ: حنظلةُ بن الراهب، ومنا من حمته الدَّبْرُ(١): عاصِم بن
ثابت أبي الأقلح.
وقال الخزرج: منا أربعةٌ جمعوا القرآن على عهد رسول الله وَّي لم
يجمعهُ غيرُهم(٢) أبيُّ بن كعبٍ، ومعاذُ بن جَبَل، وزيدُ بن ثابت، وأبو زيد؟
قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي(٣).
(ح / ٤٢٠) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤ /٨٠ وقال صحيح وأخرجه أبو يعلى والبزار
والطبراني ورجالهم رجال الصحيح، قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٢/٢ وقال: في الصحيح
منه الذين جمعوا القرآن فقط - قلنا هو في البخاري - انظر: فتح الباري ٤٢٦/١٠ و١٢٨/٨ -.
(١) الدبر: جماعة النحل.
(٢) ليس فيما ذكره البخاري عبارة «لم يجمعه غيرهم)) ولعل ذلك أكثر صحة، لأن الذين جمعوا
القرآن غير هؤلاء الأربعة كثير، أو يحمل قوله ((لم يجمعه غيرهم)) على أنه لم يجمعِ القرآنَ
جمعاً حوى الوجوه والقراءات وحذف ما نسخت تلاوته غير هؤلاء الأربعة.
(٣) أبو زيد: اختلف في اسمه ولعل أصحها: قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام =

٤٨٧
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢١ - ٤٢٢ - ٤٢٣
٤٢١ - حدثنا أبو عمرو بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن خلاد
قال ثنا بَهْز بن أسد ثنا حماد ثنا ثابت عن أنس قال:
إن أبا طلحة قال رفعتُ رأسي يوم أحدٍ وإذا ليس أحدٌ منهم إلا وهو
تحت جفنه(١) يميدُ من النَّعاس وذلك قوله عز وجل ﴿ إذ يُغَشِّيِكُمُ النُّعَاسَ
أمَنَةً﴾ - الأنفال ١١ - وذلك قوله تعالى ﴿ ثم أَنزَلَ عليكُمْ مِنْ بعدِ الغَمِّ أمَنَةً
نُعاساً﴾ - آل عمران ١٥٤ -.
٤٢٢ - أخبرناه محمد بن علي في كتابه ثنا يحيى بن صاعد ثنا علي بن أحمد
الحواري الواسطي ثنا يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري قال ثنا إسماعيل بن يعقوب
التيمي عن عبد الرحمن بن عبدالله عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزهري:
أنهم(٢) كانوا جلوساً مع النبي ◌َّهَ يوم أُحُد في أصل الجَبَل حتى
أُرسِل عليهم النعاسُ أمَنَة منه، إنهم لَيَغُطّون حتى أن حَجَفَهم لتنتطح في
أيديهم والعدوّ تحتهم.
٤٢٣ - حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا محمد بن أحمد بن
(ح/ ٤٢١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٩٧/٢ من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن
أنس عن أبي طلحة وقال صحيح على شرط مسلم وأخرجه البيهقي ٧٣/٢ - مخطوط حلب - من طريق
الحاكم، وقال ابن حجر: أخرجه أحمد أيضاً - ر: فتح الباري ٣٦٥/٨ - وفي صحيح البخاري
عن أبي طلحة قال كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً يسقط
فآخذهـ ر: فتح الباري ٣٦٧/٨ -.
(ح/٤٢٢) لم نجده عند غير أبي نعيم.
(ح/٤٢٣) قال السيوطي في أسباب النزول ٥٨ أخرجه ابن راهويه عن الزبير وأخرجه
البيهقي في الدلائل ٧٤/٢ - مخطوط حلب - من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق.
= الأنصاري النجّاري، ويرجحه قول أنس: أحد عمومتي. فإنه من قبيلة بني حرام - ر: فتح
الباري ١٢٨/٨ -٠
(١) في المستدرك ودلائل البيهقي ((حَجَفه)) والحجَفَة: الترس من الجلود بلا خشب ولا رباط من
عصب .
(٢) أي أن الصحابة.

٤٨٨
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٤
أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن سعد عن محمد بن إسحاق قال حدثني
يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير قال:
والله إني لأسمع قولَ معَتَّب بن قُشير أخي بني عمرو بن عوف
والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال ﴿ لو كانَ لنَا مِنَ الأمْرِ
شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هنا ﴾ - آل عمران ١٥٤ -.
قال الشيخ أبو نعيم رضي الله عنه: وفي هذه الغزوة مما ذكرناه من
الدلائل ما حقَّق اللَّهُ من قولِ النبيِ وَّهَ في أَبِّيّ بن خَلَف: بل أنا أقتلُك،
وَكَذِبَ أُبَيّ إذ قال: أنا أقتلُ محمداً.
ومنها: ما أراهم الله عز وجل من رَدِّ وَ ل﴿ حدقة قتادة بن النعمان إلى
موضعها بعد سقوطها، حتى كانت أحسن عينيه وأحدّهما، فثبتت الدلالة
فیه من وجهین.
ومنها: غسلُ الملائكة لحنظلة، وظهورُ ذلك للأنصار، فرأوا الماءَ
يقطر من رأسه رفعاً للجنابة التي كانت عليه.
ومنها: ما غشيهم من النعاس مع قرب العدوّ منهم، وما يوجب في
العادة أن لا يناموا(١) فلما كان ما وقع شيئاً خارجاً عن العادة ثبتت الدلالة
فيه والله أعلم.
٤٢٤ - حدثنا محمد بن إبراهيم قال ثنا أبو عروبة ثنا سليمان بن سيف قال ثنا
أبو عاصم عن ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة عن نافع بن عاصم قال:
(ح/ ٤٢٤) لم نجده من حديث نافع - ر: الخصائص ٥٤٢/١ - ولكن أخرج الطبراني من
حديث أبي أمامة نحوه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٧/٦ فيه حفص بن عمر العبدري
وهو ضعيف، وقال ابن حجر في الفتح ٣٧٦/٨ و ٣٦٨ أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة
كما أخرج ابن عائذ في المغازي نحوه عن الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد عن
جابر، وسنده منقطع.
(١) في الأصل ((يناموا)) والصواب ما أثبتناه كما هو ظاهر.

٤٨٩
ح / ٤٢٥
الفصل الخامس والعشرون
الذي دَمى وجهَ رسول اللهِ وَ ﴿ عبدُالله بن قمئة، رجل من هذيل،
فسلَّط الله علیه تيساً فنطحه حتى قتله.
ومن ذلك: في غزاة بني النضير ما عصم الله عز وجل به نبيه وَلي من
غدرهم وما هموا به من قتله.
٤٢٥ - حدثنا سليمان بن أحمد ثنا ابن سهل عن عبد الغني بن سعيد ثنا موسى
ابن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك عن
ابن عباس:
في قوله تعالى ﴿ يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نعمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم إِذْ هَمَّ
قومٌ أنْ يَبْسُطوا إليكم أيديَهُم فَكَفَّ أيدِيّهم عنكم﴾ - المائدة ١١ -. وذلك
أن عمر بن أمية الضَّمْري حين انصرف من بئر معونة (١) لقي رجلین کِلابیین
معهما أمان من رسول الله وَلخير، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من
النبيِ وَّه، فقداهما رسولُ الله ◌َّ ومضى إلى بني النَّضير ومعه أبو بكر
وعمر وعلي، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحباً يا أبا القاسمَ ماذا جئت له؟
قال: رجل من أصحابي قتل رجلين من كلاب معهما أمان مني طُلب مني
ديتهما، فأريدُ أن تعينوني، قالوا: نعم والحبُّ لك والكرامةُ يا أبا القاسم،
اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسولُ الله وَلِ تحتَ الحصن، وأبو بكر عن
يمينه وعمر عن يساره وعلي بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا
عليه حجراً - وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه فأخذه جبرئيل عليه السلام -
(ح/ ٤٢٥) قال السيوطي في الخصائص ٥٢٦/١ وأخرجه أبو نعيم أيضاً من طريق الكلبي
عن أبي صالح عن ابن عباس وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ويزيد بن أبي زياد وغيرهما
وأخرج نحو هذه القصة ابن إسحاق في السيرة ١٩٠/٢ عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم وغيره
من أهل العلم - انظر فتح الباري ٣٢٣/٨ - وقال: قال السيوطي في أسباب النزول ٩٤ بعد أن
ذكره من طريق عكرمة ويزيد بن أبي زياد قال: وأخرج ابن جرير نحوه عن عبدالله بن أبي بكر
وعاصم بن عمير بن قتادة ومجاهد وعبدالله بن كثير وأبي مالك.
(١) بئر معونة: في الطريق الداخلي بين مكة والمدينة.

٤٩٠
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٦
وأخبر النبيُّ بما توامر الفسقة، وما همّوا به، فقام رسول الله وَّر واتبعه أبو
بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيُّها الذينَ آمَنُوا
اذكُرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ﴾ الآية - المائدة ١١ -.
٤٢٦ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني قال
ثنا أبي قال ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال:
خرج رسولُ اللهِ وَّر في نفرٍ من أصحابه إلى بني النضير يستعينهم
في عُقْل الكلابيين، وكانوا قد دسّوا إلى قريش حين نزلوا بأحد لقتال رسول
الله ◌َُّ وأصحابه، فحضَّوهم على القتال، ودَلّوهم على العورة فلما كلّمهم
في عُقْل الكلابيين قالوا: اجلس يا أبا القاسم حتى تُطعَم وترجع بحاجتك
التي جئت لها، ونقوم(١) فنتشاور ونصلح أمرنا فیما جئت له، فجلس رسول
الله وَلُّ ومن معه من أصحابه إلى ظِلّ جدار، ينتظر أن يصلحوا أمرهم،
فلما دخلوا ومعهم الشيطان لا يفارقهم إِئتمروا بقتله، وقالوا: لا تجدونه
أقرب منه الساعة، إِستريحوا منه تأمنوا في دياركم، ويُرفعُ عنكم البلاءُ،
قال رجل منهم: إن شئتم رقيتُ على الجدار الذي هو تحته فدليت عليه
حجراً فقتلته، فأوحى الله عز وجل إليه، فقام رسول الله وَل و كأنه يريد أن
يقضيَ حاجة، وترك أصحابَه مكانهم، وأعداءُ الله في نجيِّهم، فلما فرغوا
وقضوا حاجتهم وأمْرَهم في محمد، أتوا فجلسوا مع أصحاب رسول
الله وَلّ ينتظرونه، فأقبل رجل من المدينة بعد أن راث عليهم فسألوه عنه،
فقال: لقيته عامداً المدينة، قد دخل في أزقتها، فقالوا عَجِل أبو القاسم أن
نقيم أمْرَنا في حاجته التي جاء لها، ثم قام أصحابُ رسول اللهِ وَّلـ
ورجعوا، ونزل القرآنُ على رسول الله وَّ بالذي أراد أعداءُ الله به فقال:
(ح/٤٢٦) قال في الخصائص ٥٢٥/١ أخرجه البيهقي وأبو نعيم من طريق موسى بن عقبة
عن الزهري ومن طريق عروة بن الزبير قالا فذكره.
(١) في الأصل ((نقول)) فصوبناه من شرح المواهب اللدنية.

٤٩١
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٧
﴿ يا أيُّها الذين آمنوا اذكروا نعمةَ اللَّهِ عليكم إذْ همَّ قومٌ أن يَبْسُطوا إليكم
أيديهم﴾ الآية - المائدة ١١ - وأمر رسول الله وَّ بإجلائهم، لِمَا أرادوا
برسول الله وَ﴿، فلما أخذَهُم بأمْرِ الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم
فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا قال: إلى الحَشْر.
٤٢٧ - وذكر الواقدي ما ذكره عروة والزهري ومحمد بن إسحاق وزاد
تفصيلاً وأشياء في جُملَتِها بيان ظهورِ أمرِ رَسول الله وَّل عند اليهود، وثبوت
نعته وصفته في التوراة عندهم، وقال: لما أتاهم رسول الله وَيّ قالوا: نفعل
يا أبا القاسم ما أحببت، قد آن لك(١) أن تزورَنا وأن تأتينا، اجلس
نطعمك، ورسولُ اللهِ وَلِّ مستندُ إلى بيتٍ من بيوتهم.
ثم خلا بعضهم إلى بعض فتناجَوا، فقال حُبَيّ بن أخْطَب: يا معشر
اليهود قد جاء محمد ◌َ ل﴿ في نفيرٍ من أصحابه لا يبلغون عشرة، وكان معهم
أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وأسَيْد بن حُضَير وسَعْد بن
عبادة، فاطرحوا علیه حجارةً من فوق هذا البيت فاقتلوه، فلا تجدونه أخلی
منه الساعة، فإنه إن قُتِلَ تفرَّق أصحابُه، فلحق من كان معه من قريش،
وبقي من كان ها هنا من الأوس والخزرج، فالأوسُ حلفاؤكم، فما كنتم
تريدون أن تصنعوا يوماً من الدهر فمن الآن.
قال عمرو بن جِحَاش بن كعب النضيري أنا أُظهَرُ على هذا البيت،
فأطرحُ عليه صخرةٍ.
قالَ فقال سَلَام بن مِشْكم: يا قومٍ أطيعوني هذه المرة وخالفوني
(ح/٤٢٧) أخرجه الواقدي في المغازي ٢٨٢ بسنده قال: حدثني محمد بن عبدالله
وعبدالله بن جعفر ومحمد بن صالح ومحمد بن يحيى بن سهل وابن أبي حبيبة ومعمر بن راشد
في رجال ممن لهم اسمهم فكل قد حدثني ببعض هذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من
بعض وقد جمعت كل الذي حدثوني قالوا: فذكره بطوله.
(١) في الأصل ((فدالك)) وصححناه من شرح المواهب ومغازي الواقدي.

٤٩٢
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٧
الدهرَ، والله لئن فعلتم (١) فإن هذا نقضٌ للعهد الذي بيننا وبينه، فلا تفعلوا
فوالله إن فعلتم الذي تريدون ليقومن بهذا الدين منهم قائمٌ إلى قيامٍ
الساعة، فيذل اليهود، ويظهر دينه، وقد هيأ عمر بن جِحَاش الصخرةَ
ليرسِلَها على رسول اللهِوَّهِ ويدحرجها، فلما أشرفَ بها جاء رسولَ الله عَليه
الخبرُ بما همُّوا به، فنهض رسولُ اللهِ وَّهِ سريعاً كأنه يريد حاجةً، وتوجه
إلى المدينة، وجلس أصحابُه يتحدثون، وهم يظنون أنه قامَ يقضي
حاجته، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر: ما مُقامُنا ها هنا لشيء، لقد توجه
رسولُ الله وَلِ لِأُمْرٍ .
قال حُبيّ بن أخطَب عَجِل أبو القاسم، كنا نريد (٢) أن نقضي حاجته
ونغدیّه.
وندمَت اليهودُ على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صُوَرْيا هل تدرون
لِمَ قام محمد؟ قالوا: لا والله ما ندري؟ ولا تدري أنتَ قال: بلى والتوراة،
إني لأدري قد أُخْبِر محمدٌ بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم،
والله إنه لرسول الله، وما قام إلا أنه أُخبِرَ بما هممتم به، وإنه لآخر الأنبياء،
كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله الله عز وجل حيث شاءَ،
وإن كُتبنا والذي درسنا في التوراة التي لم تُغيَّر ولم تُبدل أن مولده بمكة،
وأن هجرته بيثرب، وصفتها بعينها ما تخالفُ ما في كتابنا، ولكأني أنظر
إليكم ظاعنين(٣) تتناغى صبيانكم، قد تركتم دوركم خَلوفاً، وأموالكم إنما
هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين والثالثة لا خير فيها.
(١) في شرح المواهب ومغازي الواقدي ((لئن فعلتم ليُخبّرن بأنا قد غدرنا به، وإن هذا نقض
للعهد».
(٢) في الأصل ((لما يريد)) وصححناه من شرح المواهب ومغازي الواقدي.
(٣) ظعن: ارتحل.

٤٩٣
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٧
قالوا: ما هما؟.
قال: تُسْلِمون وتدخلون مع محمد بَ لَ فتأمنون على أموالكم
وأولادِكم، وتكونون من عِلْيَة أصحابه، وتبقى بأيديكم أموالُكم، ولا
تُخرجون من دِیارکم.
قالوا: لا نفارقُ التوراةَ وعهدَ موسی .
قال: فإنه مرسِل إليكم أخرجوا من بلدي، فقولوا نعم، فإنه لا
يستحل لكم دماً ولا مالاً، فتبقى أموالكم، إن شئتم بعتم وإن شئتم
أمسکتم.
قالوا: أما هذه فنعم.
قال: أما والله إن الأخرى خيرهن لي.
قالوا: ما هي؟
قال أما والله، لولا أني أفضحكم أسلمت، ولكن لا تعير الشَّعثاء
بإسلامي أبداً حتى يصيبني ما أصابكم - والشعثاء ابنّتُه التي كان حسان بن
ثابت یشبب بحسنها _(١).
وقال سَلَّم بن مِشْكم: قد كنتُ لِمَا صنعتم كارهاً، وهو مرسِل إلينا:
أن اخرجوا من داري، فلا تعقّب يا حُبَيَّ كلامَه، وأنعم له بالخروج،
فأخرج من بلاده، فقال أفعلُ.
فلما رجع رسول الله وَّه إلى المدينة تبعه أصحابُه فلقوا رجلاً خارجاً
من المدينة، فسألوه: هل لقيتَ رسولَ الله وَلاَ؟ فقال: نعم، لقيته داخلاً.
فلما انتهى أصحابُه إليه وجدوه وقد أرسل إلى محمد بن مسلمة
(١) في الأصل ((من حسنها)) وما ذكرناه هو الصواب، وفي مغازي الواقدي ((يشبب بها)).

٤٩٤
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٧
يدعوه، فقال أبو بكر: قمتَ يا رسول الله ولم نشعر.
فقال رسول الله وَ له: هَمَّتِ اليهودُ بالغدرِ بي فأخبرني الله تعالى
بذلك.
وجاء محمد بن مَسْلَمة، وقال(١): إِذهب إلى يهود بني النضير فقل
لهم: إن رسول الله ◌َ﴿ أرسلني إليكم برسالةٍ ولست أذكرُها لكم حتى
أعرِّفَكم بشيء تعرفونه.
قالوا ما هو؟
قال: أنشدكم بالتوراة التي أنزلَ الله تعالى على موسى عليه السلام،
هل تعلمون أني جئتكم قبلَ أن يُبعث محمد ◌َله وبينكم التوراة فقلتم في
مجلسكم هذا يا ابن مَسْلَمة إن شئت أن نغديك غدَّيناك، وإن شئت نهوّدك
هُوَّدناك، فقلت: غَدّوني ولا تهوِّدوني، والله لا أتهوَّد أبداً، فغدًّيتموني في
صحفة، لكأني أنظر إليها، فقلتم لي: ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود،
لكأنك تريد الحنيفية التي سمعتَ بها، أما إن أبا عامر الراهب ليس
بصاحبها، إنما صاحبُها الضَّحوك القَّال في عينيه حمرةٌ، ويأتي من قِبَلِ
اليمن، ويركب البعير، ويلبس الشَمْلة، ويجزىء بالكسرة، وسيفه على
عاتِقه، ليس معه آية، ينطق بالحكمة، والله ليكونن بقريتكم هذه سَلْبُ
ومُثَلٌ وقْلٌ.
قالوا: اللهم نعم، قد قلنا ذلك، ولكن ليس به.
قال محمد بن مسلمة: إذن قد عرفتُم أنه رسول الله وَله، قد أرسلني
إليكم، يقول لكم: قد نقضتم الذي جعلتُ لكم بما هممتم من الغدرِ بي،
وأخْبَرَهُم بما كانوا ارتأوا من الرأي وظهور عمرو بن جحاش لطرح
(١) أي: قال له رسول الله .

٤٩٥
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٧
الصخرة، فأُسْكِتوا، فلم يقولوا حرفاً، ويقول: اخرجوا من بلدي فقد
أجَّلتكم عشراً فمن بقيَ بعد ذلك ضربتُ عُنُقَه.
وساق الحديث إلى أن قال:
فقال حُبيّ: أنا أرسل إلى محمد أنّا لا نخرج من ديارنا وأموالنا
فليصنع ما بدا له.
وقال سلَّم بن مِشْكم: مَنَّتْكَ نفسُك يا حُبَيّ بالباطل، إني والله لولا
أن أسفّه رأيك وأن يُزرى بك لاعتزلتك بمن أطاعني من اليهود، فلا تفعل
يا حُبّي، فوالله إنك لتعلم، ونعلم معك، أنه لرسول الله، وإن صفته
عندنا، وإن لم نتبعه حَسَدْناه حين خرجَتِ النبوةُ من بني هارون(١)، فتعال
فلنقبل ما أعطانا من الأمن ونخرجْ من بلاده، فقد عرفتَ أنك خالفتني في
الغدرِ به، فإذا كان أوانُ الثَّمَر جئنا، أو جاءه من جاء منا إلى ثمرِه فباعها
وصنع ما بدا له ثم انصرف إلينا، فكأنما لم نخرج من بلادنا إذا كانت أموالُنا
بأیدینا .
وساق الحديث إلى أن ذكر أمْرَ رسولِ الله وَلّ بقطع نخيلهم.
وقالوا: نحن نعطيك الذي سألتَ ونخرج من بلادك، فقال رسولُ
الله ◌َيِّ لا أقبلُه اليومَ، ولكن اخرجوا منها، ولكم ما حملَت الإِبلُ
والَّلأمة(٢).
فقال سلَّام بن مِشْكم: اقبل، ويحك، قبل أن يَعملَ شراً من هذا.
قال حُبّي: ما يكونُ شرٌّ من هذا!
(١) يعني خرجت النبوة من بني هارون إلى العرب.
(٢) اللأمة: أدوات الحرب كلها.

٤٩٦
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٨
قال سلام: يسبي الذرية، ويقتلُ المقاتِلة.
فأبى حُبِّي أن يقبلَ يوماً أو يومين، فلما رأى ذلك يامين بن عُمَيْر وأبو
سعد بن وهب قال أحدهما لصاحبه: والله إنّا لنعلم أنه لرسول الله، فما
ننتظر أن نُسلِم، فنأمن على دمائنا وأموالنا، فنزلا من الليل فأسلما وأحرزا
أموالهما .
٤٢٨ - قال محمد بن عمر حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال:
لما أخرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سُعْدى فأطاف
بمنازلهم فرأى خراباً(١)، فتفكر ثم رجع إلى بني قُرَيْظَةَ فوجدهم في
الكنيسة في صلاتهم، قد نفخ في بوقهم، فاجتمعوا، فقال الزبير بن باطا:
أين كنت يا أبا سعد؟ منذ اليوم لم نرك - وكان لا يفارق الكنيسة، وكان
يتأله(٢) في اليهود -.
قال رأيتُ اليوم عِبَراً قد عبرنا بها، رأيت دوراً خالية خراباً بعد العزّ
والجد والشرف والرأي الفاضل والعقل البارع، وقد تركوا أموالهم ومَلَكها
غيرُهم، وخرجوا خروج ذُل، فلا والتوراة ما سلَّط الله على قومٍ هذا أبداً
وله بهم حاجة، وقد أُوقِعَ بابنِ الأشْرَفِ بياتاً في بيته، وأُوقِع بابني شيبة
سيرهم وأنجزهم وأحذرهم، وأُوقِعَ ببني قَيْتُقاع وأجلاهم، جد اليهود،
وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، يا قوم أطيعوني، فقد رأيتم ما رأيتم، تعالوا
نتبع محمداً، والله إنكم لتعلمون إنه نبي قد بشرَنا به علماؤنا ابنُ الهَيّان
(ح/٤٢٨) أخرجه البيهقي من طريق الواقدي عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه - انظر
الخصائص ٥٢٦/١ -.
(١) في الخصائص (خرابها).
(٢) أي دائم الالتجاء إلى الله والعبادة له.

٤٩٧
ح / ٤٢٨
الفصل الخامس والعشرون
وأبو عمير بن جواس(١) وهما أعلم اليهود، جاءا من بيت المقدس يتوكَّفان
قدومه، ثم أمرانا باتباعه وأن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما،
ودفناهما في حَرَّتنا هذه، قال، فأُسْكِتَ القومُ لا يتكلم منهم أحد، فأعادَ
الكلامَ أو نحوه، وخوَّفهم الحربَ والسبيَ والجلاء.
فقال الزبير بن باطا: قد قرأتُ التوراة ورأيتُ صفتّه في كتاب باطا
التوراة التي أنزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدَثْنا(٢).
قال: فقال له كعب بن أسد(٣) فما يمنعك يا أبا عبدالرحمن من اتباعه؟
قال: أنت؟!
قال: ولِمَ؟ والتَّوْراةِ (٤) ما حُلتُ بينك وبينه قط.
قال الزبير: أنت صاحبُ عهدِنا وعقدنا، فإن اتبعتَه اتبعناك(٥) وإن
أبیت أبینا.
قال، فأقبل عمرو بن سُعْدَى على كعب فقال أما والتَّوْراةِ التي نزلت
على موسى يوم طورٍ سيناء إنه للعزّ والشرف في الدنيا، وإنه لعَلى منهاج
موسى، وينزل معه وأمته في منزله غداً في الجنة، قال كعب: نُقيم على
عهدِنا وعقدِنا لا يخفِرُ لنا محمد ذمته، وننظر ما يصنع حُبِيّ، فقد أخْرِج
إخراجَ ذُلَّ وصَغار، فلا أراه يقرُّ حتى يغزوَ محمداً، وإن ظفر بمحمدٍ و(٦)
ما أردنا، أقمنا على ديننا، وإن ظُفِرَ بحُبَيٍّ فما في العيش خيرٌ بعده.
(١) كذا - وفي الخصائص ((ابن الهيبان أبو عمرو وابن جواس)).
-
(٢) المثاني: هي ((المثناة)) التي يرويها اليهود عن موسى مدعين أنها من كلامه - وهي تقابل
السنة عند المسلمين - وشرح ((المثناة)) هو ((الجيمار)) ومجموع المثناة والجيمارا يؤلف
((التلمود».
(٣) في الأصل ((أسيد)) والصواب ما أثبتناه.
(٤) يُقْسِم بالتوراة.
(٥) في الخصائص ((اتبعناه)).
(٦) كذا في الأصل ولعل الصواب ((وهو ما أردنا)).

٤٩٨
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٢٩
قال عمرو بن سُعْدَى: وَلِمَ تؤخرُ الأمرَ وهو مُقبل؟
قال كعب: ما على هذا فَوت، متى أردتُ هذا من محمدٍ أجابني
إليه .
قال عمرو: بلى والتوراة إن عليه لفوتاً، إذا سار إلينا محمدٌ لتحصَّنّا
في حصوننا هذه التي جذعتنا، فلا نفارق حصوننا حتى ننزلَ على حكْمه،
فيضرب أعناقنا.
قال كعب بن أسد: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي
أن أصير تابعاً لقول هذا الإِسرائيلي، لا يعرف فضلَ النبوّة ولا قدرَ الفِعال.
قال، قال عمرو بن سُعْدَى: بلى ليعرفَن ذلك.
قال، فهُمْ على ذلك لم يرعُهم إلا مقدِّمة النبيّ وَّ قد حلَّت
بساحتهم، فقال: هذا الذي قلتم.
قال الشيخ: وإنما سقنا هذه الأقاصيص ليُعلم ما اشتهر عند علماء
اليهود من صفته في التوراة التي لم تُغَيَّر ولم تُبَدل، وإن ذلك دلالة على
بطلان ما في أيديهم من التوراة اليومَ من الأشياء المستحيلة، وتسميتهم
التي في أيديهم أنها المثاني المبدلَّة المحرفة، وفيه أيضاً: ما أطلع الله عز
وجل نبيه 18 من غدر اليهود، وعصمة الله عز وجل من القتل الذي كانوا
هموا به.
ومن الأخبار في غزوة الخندق:
٤٢٩ - حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا أحمد بن عيسى ثنا
ابن وهب عن جبير عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبدالله بن عمرو بن العاص:
(ح/٤٢٩) أخرجه الطبراني بإسنادين في أحدهما حييّ بن عبدالله وثقه ابن معين وضعفه
جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح - ر: مجمع الزوائد ١٣١/٦ -.

٤٩٩
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٣٠ - ٤٣١
أن رسول الله وَل خرج يوم الخندق وهم محدقون حول المدينة
فتناولَ رسولُ الله ◌َِّ الفأسَ فضرب بها ضربةً فقال: هذه الضربة يفتحُ الله
تعالى بها كنوزّ الروم، ثم ضرب الثانية فقال: هذه الضربة يفتح الله تعالى
كنوزَ فارس، ثم ضرب الثالثة فقال: هذه الضربة يأتيني الله عز وجل بأهلِ
اليمن أنصاراً وأعواناً.
٤٣٠ - وحدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا بشر بن موسى قال ثنا هوذة بن خليفة
ثنا عوف بن ميمون قال حدثني البراء بن عازب قال:
لما كان يومُ الخندق أمرنا رسولُ الله ێ بحفر الخندق، وعرضت لنا
في بعضِ الخندق صخرةٌ عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتکینا
ذلك إلى رسول الله وَ﴾، فجاء، فلما رآها النبي ◌َّ ألقى ثوبَه وأخذ
المعولَ فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثَها، وقال الله أكبر
أعطيتُ مفاتيحَ الشام، والله إني لأنظر قصورَها الحمرَ الساعة، ثم ضربَ
الثانيةَ فقطع ثلثَها الآخر، فقال: الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني
لأنظر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله، فقطع بقيةً
الحجر، وقال الله أكبر أعطيتُ مفاتيحَ الیمن، والله إني لأنظر إلى صنعاء
من مكاني هذه الساعة، وإني لأنظر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة.
٤٣١ - حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى ثنا أحمد بن محمد بن
أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال حدثني سعيد بن ميناء أنه حُدّث أن
ابنة لبشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير قالت:
دعتني عَمْرة بنت رواحة (١) فأعطتني حفنةً من تمرٍ في ثوبي ثم
(ح / ٤٣٠) أخرجه البيهقي وأحمد وفيه ميمون أبو عبدالله وثقه ابن حبان وضعفه جماعة،
وبقية رجاله ثقات - انظر: مجمع الزوائد ١٣١/٦ والخصائص ٥٧٠/١ -.
(ح/ ٤٣١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٢١٨/٢ وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق -
انظر: الخصائص ٥٧١/١ - قلنا: سعيد بن ميناء ثقة، لكن الإِسناد منقطع.
(١) هي زوج بشير بن سعد - الإِصابة -.

٥٠٠
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٣٢
قالت: يا بُنية اذهبي إلى أبيك وخالِك عبدالله بن رواحة بغدائهما، قالت،
فأخذتها، فانطلقتُ بها، فمررت برسول الله وَّ وأنا ألتمس أبي وخالي؛
فقال: تعالي يا بُنية، ما هذا معك؟ فقلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به
أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبدالله بن رواحة يتغديان به، قال:
هاتيه، فصبيته في كفّيْ رسولِ الله وَ فما ملأهما، ثم أمر بثوبٍ قُبُسط،
ثم دحا التمرَ عليه فتبدَّد فوق الثوب، ثم قال الإِنسان عنده: اصرخ في أهلِ
الخندقِ هلمَّ إلی الغداء، فاجتمع أهلُ الخندق علیه، فجعلوا يأكلون منه،
وجعل يزيدُ حتى صدَرَ أهلُ الخندَق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
٤٣٢ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا الحسين بن إسحاق التستري قال ثنا
وَهْب بن بقية قال ثنا خالد بن عبدالله عن أبي سعد البقال عن إبراهيم التيمي عن أبيه
عن حذيفة بن اليمان قال:
كنّا في المسجدِ فقال فتى من القوم: لو أدركتُ النبيِّي وَالـ
لخدمته، ولفعلتُ وفعلتُ، فقال حذيفة: لقد رأيتُني ليلة الأحزاب ونحن
مع رسول الله ﴿ فكان رسول الله وَليلةٍ قائماً يصلي في ليلةٍ باردة لم أرَ
كذلك البرد قبله ولا بعده برداً أشدّ منه، فحانت مني التفاتة فقال: ألا رجلٌ
يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم فأدْخِلُه مَدْخَلي يومَ القيامة؟ فما قام منا
أحد، وأسْكِتوا، ثم عاد، فأسْكِتوا، فقال: يا حُذيفة، فقلتُ: لبيك،
(ح/ ٤٣٢) أخرجه مسلم في غزوة الأحزاب من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه
عن حذيفة فذكره مختصراً، وأخرجه البزار من حديث حذيفة ورجاله ثقات - انظر مجمع الزوائد
١٣٦/٦ - والحاكم ٣١/٣ وصححه، وهما بلفظ قريب من لفظ حديث الباب وقال ابن حجر في
الفتح ٤٠٣/٨ روى البيهقي في الدلائل من طريق زيد بن أسلم ومن طريق عمرو بن سريع
أملاهما عن حذيفة وذكر نحو رواية الباب. وقال السيوطي في الخصائص ٥٧٥/١ أخرجه
البيهقي من أربع طرق نذكر من كل منها طرفاً ثم قال وأخرجه الحاكم وصححه وأبو نعيم وأخرج
ابن إسحاق في السيرة ٢٣٧/٢ نحوه قال حدثني يزيد بن زياد عن كعب القرظي فذكره، وأخرجه
الواقدي في المغازي ٢٩٣ .