Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٢ ١ إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ١٩٢ - حدثنا محمد بن أحمد (١) بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال ثنا عبد الحميد بن صالح قال ثنا محمد بن أبان عن إسحاق بن عبدالله عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس قال: سألتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه: لأي شيء سُميت ((الفاروق)» قال: أسلم حمزةُ قبلي بثلاثة أيام وخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان بن فلان المخزومي، قلت له أرغبتَ عن دين آبائِك واتبعتَ دين محمد؟ قال إن فعلتُ فقد فعلَه من هو أعظمُ حقاً مني عليك، قلت من هو؟ قال خَتَنُك(٢) وأختُك، قال، فانطلقتُ فوجدت البابَ مغلقاً، وسمعت همهمة، قال، ففُتح لي الباب فدخلت، فقلت: ما هذا الذي أسمع عندكم؟ قالوا: ما سمعتَ شيئاً، فما زال الكلامُ بيني وبينهم حتى أخذتُ رأسَ خَتَنِي فضربتُه ضربةً فأدميته، فقامت أختي فأخذَتْ برأسي فقالت: قد كان ذلك (ح/١٩٢) قال ابن حجر رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه وأبو نعيم من طريقه - ر: الإصابة ٣٧٠/٤ وفتح الباري ٤٧/٨ - قلت: وفيه إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة وهو متروك كما في تقريب التهذيب، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٤٠/١ بسنده. (١) في الأصل ((أحمد بن محمد)) والصواب ما ذكرناه كما مرَّ في أحاديث كثيرة، وكذا في الحلية لأبي نعيم ٤٠/١. (٢) الختن: زوج الأخت. ٢٤٢ وما يدخل في الباب ح / ١٩٢ على رغم أنفِك، قال: فاستحييت حين رأيتُ الدماءَ، فجلست وقلتُ: أروني هذا الكتابَ، فقالت أختي: إنه لا يمسُّه إلا المُطَهَّرون، فإن كنت صادقاً فقم فاغتسل، قال فقمتُ واغتسلتُ، وجئت فجلستُ، فأخرجوا إليّ الصحيفة فيها ﴿ بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم﴾ قلتُ: أما ظاهره طَيِّب ﴿طَّ* ما أُنْزَلْنا عليكَ القُرآنَ لِتَشْقَى﴾ إلى قوله تعالى ﴿لهُ الأسْماءُ الحُسْنِى﴾ - طه ١ وما بعدها - فتعظمت في صدري وقلت: من هذا أفَرَّتْ قريشٌ؟! ثم شرح الله صدري للإِسلام فقلت ﴿لا إله إلا هُوَ لهُ الأسْماءُ الحُسْنِىْ﴾ قال: فما في الأرض نَسَمَة أحبُّ إليَّ من رسول الله وَله، قلت: أينَ رسولُ الله ◌َيّ؟ قالت عليك عهدُ الله وميثاقُه أن لا تجبهه بشيءٍ يكرهُه؟ قلت: نعم، قالت: فإنه في دار أرْقَم بن أبي أرقم في دارٍ عند الصَّفا، فأتيت الدارَ وحمزةُ في أصحابه جلوسٌ في الدار، ورسول الله وَّ في البيت، فضربتُ البابَ، فاستجمعَ القومُ، فقال لهم حمزةُ ما لكم؟ قالوا عمر بن الخطاب، قال افتحوا له الباب فإن قَبِلَ قَبِلْنا منه، وإن أدبَر قتلْناه، فسمعَ ذلك رسولُ اللّه ◌َلّ فقال: ما لكم؟ فقالوا عمر بن الخطاب، قال، فخرجَ رسولُ الله وَّرَ فأخذه بمجامع ثيابه، ثم نترَه نترةً فما تمالك أن وقع على ركبتيه على الأرض، قال ما أنت بمنتَهٍ يا عُمَر، قال قلت: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال فكبر أهلُ الدار تكبيرةً سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسولَ الله ألسنا على الحق إن متْناً وإن حيينا؟ قال: بلى - والذي نفسي بيده - إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم، قال، فقلت: ففيم الاختفاءُ؟! والذي بعثكَ بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين حمزةُ في أَحَدِهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين(١) حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرَتْ إليَّ قريشٌ، وإلى حمزة (١) يعني أنهم يثيرون الغبار أثناء مشيهم. : ٢٤٣ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٣ فأصابتهم كآبةٌ لم يصبهم مثلُها، فسماني رسولُ الله وَ لَّ الفاروق، أفرق بين الحق والباطل. ١٩٣ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عمر بن خالد الحراني قال ثنا أبى قال ثنا ابن لهيعة قال ثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير في خروج جعفر بن أبي طالب وأصحابِه إلى الحبشةِ، قال: فبعثَتْ قريش في آثارهم عُمَارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص السَّهمي وأمروهما أن يُسرعا السير حتى يسبقاهم إلى النجاشي، ففعلا، فقدِما على النجاشي فدخلا عليه، فقالا له: إن هذا الرجل الذي بين أظهُرِنا، وأفسد فينا، تناولَك ليُفسد عليك دينك، ومُلكَّك وأهلَ سلطانك، ونحن لك ناصحون، وأنت لنا عَيْبَةُ صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف، ويأمَنُ تاجرُنا عندك، فبعثَنا قومُنا إليك لنْذِرك فسادَ مُلْكِك، وهؤلاء نفرٌ من أصحاب الرجل الذي خرج فينا، ونخبرك بما نعرف من خلافِهم الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى ابن مريم، أحسبه قال (إلَهاً) ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك، فادفعهم إلينا فلنكفيكهم. فلما قدم جعفر وأصحابُه وهم على ذلك من الحديث وعمرو وعُمَارة عند النجاشي، وجعفر وأصحابه على ذلك الحال، قال، فلما رأوا أن الرجلين قد سبقا ودخلا، صاح جعفر على الباب: يستأذن حزب الله، فسمعها النجاشي، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فلما دخلوا وعمرو وعُمارة عند النجاشي، قال أيكم صاحَ عند الباب؟ فقال جعفر: أنا هو، فأمره فعادَ لها، فلما دخلوا وسلموا تسليم أهلِ الإِيمان، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد ألم نُبين لك خبرَ القوم، فلما سمع النجاشي ذلك أقبل عليهم، فقال أخبروني أيها الرَّهطُ ما جاء بكم؟ وما (ح/ ١٩٣) هذا حديث مرسل وفيه ابن لهيعة وهو صدوق ولكنه خلط بعد احتراق كتبه. ٢٤٤ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٣ شأنكم؟ ولم أتيتموني ولستم بتجار، ولا سُؤَال؟ وما نبيكم هذا الذي خرج؟ وأخبروني ما لكم، لَم لا تحيُّوني كما يُحيِّيني من أتاني من أهلِ بلدكم؟ وأخبروني ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقام(١) جعفر بن أبي طالب وكان خطيبَ القوم فقال: إنما كلامي ثلاث كلمات، إن صدقتُ فصدِّقني وإن كذبتُ فكذِّبني، فآمُرْ أحداً من هذين الرجلين فليتكلم ولينصت الآخر، قال عمرو: أنا أتكلم، قال النجاشي: أنت يا جعفر فتكلم قَبْله. فقال جعفر: إنما كلامي ثلاثُ كلمات، سل هذا الرجل أعبيد نحن أبقنا من أربابنا؟ فاردُدنا إلى أربابنا. فقال النجاشي : أعبيدٌ هم يا عمرو؟ قال عمرو: بل أحرار كرام. قال جعفر: سل هذا الرجل هل أهرقْنا دماً بغير حقّه؟ فادفعنا إلى أهل الدم. فقال: هل أهرقوا دماً بغير حقه؟ فقال: ولا قطرة واحدة من دم. ثم قال جعفر: سل هذا الرجل أخذنا أموال الناس بالباطل؟ فعندنا قضاء . فقال النجاشي: يا عَمرو إن كان على هؤلاء قنطارٌ من ذهبٍ فهو عليّ . فقال عمرو: ولا قيراط. فقال النجاشي: ما تطالبونهم به؟ (١) في الأصل ((فقال)) ولعل الصواب ما أثبتناه. ٢٤٥ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٣ قال عمرو: فكنا نحن وهم على دينٍ واحدٍ وأمرٍ واحد فتركوه، ولزمناه . فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه فتركتموه وتبعتم غيره؟ فقال جعفر: أما الذي كّا عليه فدينُ الشيطانِ وأمرُ الشيطان، نكفرُ بالله ونعبدُ الحجارَة، وأما الذي نحن عليه فدينُ الله عز وجل، نخبرك: إن الله بعثَ إلينا رسولاً كما بعث إلى الذين مِنْ قبلنا فأتانا بالصدق والبرّ، ونهانا عن عبادة الأوثان فصدّقناه وآمنا به، واتبعناه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومُنا، وأرادوا قتل النبيِّ الصادق، وردَّنا في عبادة الأوثان، فقررنا إليك بديننا ودمائنا، ولو أقرَّنا قومُنا لاستقررنا، فذلك خَبَرُنا. وأما شأن التحية: فقد حييناك بتحية رسول الله وَير، والذي يحبي به بعضنا بعضاً، أخبرنا رسولُ الله ◌َّ أن تحية أهل الجنة السلام فحييناك بالسلام، وأما السجود، فمعاذ الله أن نسجد إلا لله وأن نعدِلَك بالله . وأما في شأن عيسى ابن مريم: فإن الله عزَّ وجَلّ أنزلَ في كتابه على نبينا أنه رسولٌ قد خَلَت من قبله الرسل، ولدته الصدّيقة العَذْراء البتولُ الحِصان(١) وهو روحُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وهذا شأن عيسى ابن مریم . فلما سمع النجاشي قولَ جعفر أخذ بيده عوداً ثم قال لمن حوله: صدقَ هؤلاء النفر، وصدق نبيُّهم، والله ما يزيدُ عيسى ابن مريم على ما يقول هذا الرجل ولا وزنَ هذا العود، فقال لهم النجاشي: امكثوا فإنكم سيُومٌ - والسيوم: الآمنون - قد منعكم الله، وأمر لهم بما يصلحهم، فقال النجاشي: أيكم أدْرَسُ للكتاب الذي أنزل على نبيكم؟ قالوا: جعفر، فقرأ عليهم جعفرُ سورةَ مريم، فلما سمعها عرف أنه الحق، وقال النجاشي : (١) أي المحصنة الشريفة. . ٢٤٦ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٤ زدنا من الكلام الطيِّب، ثم قرأ عليه سورة أخرى، فلما سمعها عرف الحقَّ، وقال صدقتم وصدقَ نبيكم وََّ، أنتم والله صدّيقون، امكثوا على اسم الله وبركته آمنين ممنوعين، وألقيَ عليهم المحبةٌ من النجاشي. فلما رأى ذلك عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص سُقِط في أيديهما، وألقى الله بين عمرو وعمارة العداوة في مسيرهما قبل أن يُقدما على النجاشي ليدركا حاجتهما التي خرجا لها من طلب المسلمين، فلما أخطأهما ذلك رجَعا بشرِّ ما كانا عليه من العداوةَ وسوءِ ذات البين، فمكر عَمرو بعُمارة، فقال: يا عُمارة إنك رجلٌ جميلٌ وسيمٌ فأت امرأة النجاشي فتحدث عندها إذا خرج زوجها، تصيبها فتعيننا على النجاشي، فإنك ترى ما وقعنا فيه من أمرنا لعلنا نُهلك هؤلاء الرهط. فلما رأى ذلك عُمارة انطلق حتى أتى امرأة النجاشي، فجلس إليها يحدثها، وخالف عمرو بن العاص إلى النجاشي فقال: إني لم أكن أخونُك في شيء علمته إذا طلعتُ عليه، وإن صاحبي الذي رأيت لا يتمالك عن الزنا إذا هو قدر عليه، وإنه قد خالف إلى امرأتك، فأرسلَ النجاشي إلى امرأته، فإذا هو عندها، فلما رأى ذلك أمر به فنفخ في أحليله سحر، ثم ألقي في جزيرة البَحْر فعادَ وحشِياً مع الوحش، يرد ويصدر معها زماناً، حتى ذُكِرَ لعشيرته، فركب أخوه، فانطلق معه بنفر من قومه، فرصدوه حتى إذا وردَ أوثَّقوهُ فوضعوه في سفينة ليخرجوا به، فلما فعلوا به ذلك مات، وأقبل عَمرو إلى مكة قد أهلك الله صاحبه ومنع حاجته. ١٩٤ - حدثنا محمد بن أحمد أبو أحمد قال ثنا عبدالله بن محمد بن شيرويه (ح/١٩٤) قال في مجمع الزوائد ٢٧/٦ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع أ. هـ. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١١٥/١ وأخرجه البيهقي ٩/٩ من طريق ابن إسحاق وأخرجه ابن إسحاق في السيرة ٣٣٦/١ قال حدّثني محمد بن مسلم الزهري فذكره . ٢٤٧ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٤ قال ثنا إسحاق بن ابراهيم قال ثنا وهب بن جرير قال حدثني أبي عن محمد بن إسحاق عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. عن أمِّ سلمة بنت أبي أمية ابن المغيرة زوج النبي ◌َّ قالت: لما نزلنا أرضَ الحبشة جاوَرْنا خير جارٍ، النجَّاشي، أمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنا الله عز وجل، لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جَلْدين، وأن يُهدى للنجاشي هدايا مما يُستطرَف مِنْ متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدْم، فجمعوا له أُدْماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارٍقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبدالله بن [ أبي ](١) ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السَّهمي وأمَروهما (٢) أمْرَهم وقالوا لهما: ادفعا(٣) إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما(٤) النجاشي فيهم، ثم قدِّما(٥) إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه(٦) أن يسلّمهم إليكما، قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار، وعند خيرِ جار، فلم يبق من بطارقته بطريقٌ إلا دفعا إليه هديته قبل أن يُكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: قد ضوى إلى بلد الملك مِنّا غلمانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مُبتَدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعث أشرافُ قومهم ليردوهم (٧) إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن (١) ما بين الحاصرين من سيرة ابن هشام ومجمع الزوائد. (٢) في الأصل ((وأمرهما)) والصواب ما أثبتناه كمافي السيرة. (٣ و٤ وه و٦) في الأصل كلها بصيغة الجمع ((إدفعوا، تكلموا، قدموا، سلوه)) والصواب ما أثبتناه كما في سيرة ابن هشام ومجمع الزوائد. (٧) في السيرة ومجمع الزوائد ((وقد بُعِثْنا إلى الملك فيهم)). ٢٤٨ وما يدخل في الباب ح / ١٩٤ يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما(١) نعم، ثم أنهما قَرَّبا هداياهما إلى النجاشي، فقبلها، ثم كلماه، فقالا: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك غلمانٌ سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك (٢) وجاءوا بدين مُبْتَدَعٍ لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثتْ إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، قالت: ولم يك شي أبغض إلى النجاشي أن يسمع كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صَدَقوا أيها الملك، قالت: فغضب النجاشي ثم قال: هؤلاء وأيمُ الله إذاً لا أسلمُهم إليكما ولا أكاد، قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوَهم وأسألَهم ما يقول هذان في أمرهم(٣)، ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله وَ﴿ فدعاهم، فلما جاءَهُم رسولُه اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه (٤) قالوا: نقول والله ما عَلِمِنا، وما أمرَنا به رسول الله وَلِّ كائنٌ في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوه وقد دعا النجاشي أساقفتّه فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك كنا قوماً أهلَ جاهلية نعبدُ الأصنامَ، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحِشَ، ونقطعُ الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيفَ، فكنا على ذلك، حتى بعثَ الله إلينا رسولاً مِنا نعرفُ نَسَبَه وصدقَه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبدُ نحن وآباؤنا من (١) في الأصل ((لهم)) فصححناه من السيرة ومجمع الزوائد. (٢) في الأصل ((دينكم)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام. (٣) في الأصل ((هذان أهرهم)) وما أثبتناه هو الصحيح كما في السيرة ومجمع الزوائد. (٤) في السيرة ومجمع الزوائد ((جئتموه)). ٢٤٩ ح / ١٩٤ ومما يدخل في الباب الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن قول(١) الفواحش، وقول الزورِ، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنةِ، وأمرنا أن نعبدَ الله ولا نشركَ به شيئاً، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام، قالت: فعدد عليه أمورَ الإِسلام، فصدَّقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله عز وجل، فعبدْنا الله وحدَه فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم الله، وأحللنا ما أحلَّ الله، فعدا علينا قومُنا فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادَةٍ الأوثان من عبادة الله، وأن نستحِلَ ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قَهَرونا وظَلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادِك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارِك، ورجونا أن لا نُظْلَم [ عندك ](٢) أيها الملك. قالت، فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيءٍ، قال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي فاقرأ عليّ، قالت فقرأ صدراً من ((كهيعص)) قالت: فبكى والله النجاشيُّ حتى اخضلّت لحيتُه، وبكت الأساقفةُ حتى اخضَلوا مصاحفَهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والحقَّ الذي جاء به موسى ليخرجُ من مشكاةٍ واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلِمهم إليكما، ولا أكاد، قال النجاشي: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبدالله ورسولُه وروحهُ وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قال، فضرب بيده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى مما قلتَ وزنَ هذا العود، فتناخرَتَ (٣) بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن (١) في السيرة ومجمع الزوائد ((عن الفواحش)). (٢) ما بين الحاصرين من السيرة ومجمع الزوائد. (٣) نخر: صَوَّت بخياشيمه. ٢٥٠ وما يدخل في الباب ح / ١٩٥ نَخَرْتم والله، اذهبوا سيوم(١) بأرضي - والسيوم: الآمنون - من سَبَّكم غرِمِ، ثم من سبكم غرِم، ثم من سبكم غرِم، ما أحب أن لي دبر ذهب وإني آذيتُ رجلاً منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل - ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليَّ مُلْكي، فَآخذٌ الرشوة فيه، وما أطاع الناسُ فيّ فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحَّيْن مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا بخيرِ دارٍ، مع خير جار، حتى قدمنا على رسول الله رَله بالمدينة. ١٩٥ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى قال ثنا أحمد بن محمد قال ثنا إبراهيم بن سعد قال قال محمد بن إسحاق قال محمد بن مسلم فحدثت(٢) عروة ابن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الله عن أم سلمة زوج النبي صل# فقال: هل تدري ما قولُ النَّجاشي ((ما أخذَ اللَّهُ مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذُ الرشوة فيه، وما أطاَعَ الناسُ فيَّ حتى أطيعهم فيه)) قال قلت: لا ، قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه کان ملك قومه، ولم یکن له ولد إلا النجاشي، وکان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلاً، وکانوا أهل بيتٍ مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام وملّكنا أخاه فإن له من صلبه اثني عشر رجلاً فيتوارثون ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهراً فعدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوا أخاهُ، فمكثوا على ذلك حيناً ونشأ النجاشيّ مع عمه، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فغَلَبَ على أمرِ عمه ونزلَ منه كل منزلة، فلما رأت الحبشةُ مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلَبَ هذا الفتى (ح/ ١٩٥) أخرجه ابن إسحق في السيرة ٣٣٩/١. (١) في السيرة ومجمع الزوائد ((فأنتم سيوم)). (٢) في الأصل ((فحدث)) والصواب ما أثبتناه كما في سيرة ابن هشام. ٢٥١ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٦ على عمه، وإنا لنتخوّف أن يملكه علينا ولئن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا قتلنا أباه، فمشوا إلى عمه فقالوا له: إما أن تقتل هذا الغلام وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا، فقال: ويلكم قتلتم أباه بالأمسِ وأقتلهُ اليوم، لا، بل أخرجوه من بلادكم، قالت، فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجلٍ من التجارٍ بستمائة درهم، ثم قذفه في سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشاءُ من ذلك اليوم هاجت سحابةٌ من سحابِ الخريف، فخرج عمّه يستمطرِ تحتها، فأصابته صاعقةٌ فقتلته، قالت، ففزِعَتِ الحبشةُ إلى ولدهِ فإذا هم حُمْقٌ ليس في ولده خيرٌ، فمَرَجَ على الحبشة أمرُهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملِكَكُم الذي لا يقيم أمرَكم غيرُه الذي بِعتم، فإن كان لكم بأمرِ الحبشة حاجة فأدركوا الغلام، قالت، فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي اشتراه، فأدركوه فأخذوه، ثم جاؤوا به فعقَدوا عليه التاجَ وأقعدوه على سرير المملكة فملَّكوه، فجاءهم التاجرُ الذي كانوا باعوه منه، فقال لهم: إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمه، قالوا: فدونك، قالت، فجاءه فجلس بين يديه فقال: أيها الملك ابتعتُ غلاماً من قوم في السوق بستمائة درهم، فأسلموا إليَّ غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرتُ بغلامي أدركوني فأخذوا غُلامي ومنعوني دراهمي فقال: إما تردّون عليه دراهَمه أو لُسلَمَنّ إليه غلامهُ يده في يده فليذهب به حيث يشاء، قالوا بل نعطيه دراهمه، قالت، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناسُ فيّ فأطيع الناسَ فيه، فكان ذلك أول ما اختبر من صلابته في دينه وعدله في حکمه. ١٩٦ - وحدثنا أبو أحمد قال ثنا عبدالله بن محمد بن شيرويه قال ثنا إسحاق (ح/١٩٦) أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح - ر: مجمع الزوائد ٣١/٦ - وأخرجه = ٢٥٢ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٦ ابن إبراهيم قال ثنا عبدالله بن موسى قال ثنا إسرائيل كلهم عن ابن إسحاق عن أبي بردة عن أبيه قال: أمرَنا رسولُ اللهِ وَّ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرضِ الحبشة فبلغ ذلك قريشاً فبعثوا عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية فقدما على النجاشي، فأتياه بالهدية فقبلها، ثم قال عمرو ابن العاص: إن ناساً من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم بأرضك، فبعث إلينا فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهيت إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعُمارة عن يساره والقِسّيسون والرُّهْبان سِمَاطين(١)، قد قال لهم عَمرو وعُمارة: إنهم لا يسجدون، فلما انتهينا بدَرَنا مَنْ عِنده من القِسّيسين والرهبان: اسجدوا للملك، فقال لهم جعفر: لا نسجد إلا لله عز وجل، قال له النجاشي : وما ذاك؟ قال: إن الله عز وجل بعثَ فينا رسولاً، الرسول الذي بَشِّرَ به عيسى عليه السلام، فأمرنا أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر فأعجبَ النجاشي ذلك، وذكر نحواً من القصة الأولى، وقال فيه النجاشي: وأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بَشِّرَ به عيسى، ولولا ما أنا فيه من المُلك لأتيته حتى أُقبّل نعله، امكثوا ما شئتم، وأمر لنا بالطعام والكسوة، وقال رُدّوا على هذين هديتَهما، وكان عمرو بن العاص رجلاً قصيراً، وكان عُمارة رجلاً جميلاً، وكانا أقبلا في البحر إلى النجاشي فشربوا [ يعني خمراً ](٢) ومع عمرو امرأته، فلما = أيضاً أبو نعيم في الحلية ١١٤/١ والبيهقي وقال هذا إسناد صحيح - ر: حياة الصحابة ٣٣٨/١-٠ (١) سماطين: صفين، والسماط: الصف. (٢) ما بين الحاصرين من مجمع الزوائد. ٢٥٣ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٧ شربوا قال عُمارة لعمرو: مُرْ امرأتك فلتقبِّني، فقال له عمرو: ألا تستحي، ! فأخذ عمارة عمرواً فرمى به في البحر، فجعل عمرو یناشدُه حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو ذلك، فقال عمرو للنجاشي إنك إذا خرجتَ خلفك عُمارةُ في أهلك، فدعا النجاشي عُمارة فنفخَ في إحليله فطارَ معَ الوحشِ . قال الشيخ: قلت، فكان بين خروج المهاجرين إلى الحبشة وبين وقعة بدر على ما دَوَّنه أهلُ السير خمسُ سنين وأشهُر، والله أعلم. وكل هذه الروايات عمن لا يدفع عن صدق وفهم، فهذا يدل على أن قريشاً بعثت عمرو بن العاص دفعتين، مرة مع عمارة بن الوليد، ومرة مع عبدالله بن أبي ربيعة. ذكر إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: ١٩٧ - حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا بشر بن موسى قال ثنا أبو عبد الرحمن المقري قال ثنا سليمان بن المغيرة عن حُمَيْد بن هلال عن عبدالله ابن الصامت عن أبي ذرِّ الغفاري رضي الله عنه قال: خرجنا من قومنا غِفَار وكانوا يُحِلون الشهرَ الحرامَ، قال، فخرجت أنا وأخي أنيس وأُمُّنا فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا، فأكرمَنا خالُنا وأحسن إلينا، فحسدَنا قومُنا، وقالوا له: إنك إذا خرجتَ من أهلك خالف إليهم أنيس، فجاء خالُنا فنثى(١) علينا ما قيل له، فقلت له: أما ما مضى من معروفِك فقد كَدَّرت ولا جِماع لك فيما بعد، قال: فقرّبنا صِرْمَتَنا (٢) (ح/١٩٧) أخرجه البخاري ومسلم في فضائل الصحابة، فضل أبي ذر. (١) في الأصل ((فثنى)) فصححناه من صحيح مسلم، ومعنى ((نثى)) أشاع وأفشى. (٢) الصرمة: الإِبل. ٢٥٤ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٧ فاحتمَلْنا عليها، وتغطى خالُنا بثوبه يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة - وقد صليتُ يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله و سافر بثلاث سنين، فقلت: لمن؟ فقال: لله، قلتُ: أين توجّه؟ قال: أتوجه حيث وجهني الله، أصلي عِشاءً حتى إذا كان من السحر ألقيت كأني خفاء - يعني خباء - حتى تعلوني الشمس فقال أنيس: إن لي حاجةً بمكة، فاكفني حتى آتيك، فانطلق أنيس فراثَ عليَّ - يعني أبطأ - ثم جاء فقلت له: ما حَبَسَك؟ قال لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعمُ أن الله أرسله، قال، قلت له: فما يقول الناس له؟ قال يقولون شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحدَ الشعراء، قال أنيس: والله لقد سمعتُ قولَ الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قولَه على أقراءِ الشعراء(١) فما يلتئم على لسانِ أحدٍ يقري(٢) أنه شعر، والله إنه الصادق، وإنهم لكاذبون، فقلت: اكفني حتى أذهب فأنظر، قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذرٍ، فإنهم قد شنفوا له(٣) وقد تجهَّموا له. قال: فانطلقت، وقدمت مكة فاستضعفت(٤) رجلاً منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابىء؟ فأشار إليَّ وقال: الصابىء؟ قال: فمال عليَّ أهلُ الوادي بكل مَدَرَة وعَظْمٍ فخررتُ مغشياً علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبُ أحمر، فأتيتُ زمزمَ، فشربت من مائها، وغسلت عني الدماء، فلبثت بها - يا ابن أخي - ثلاثين من بين يوم وليلة، ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عُكَنُ (٥) بطني، وما وجدت على بطني سَخْفَة (١) أقراء الشعراء: طرقهم. (٢) في مسلم ((بعدي)). (٣) شنفوا له: تآمروا عليه وحقدوا وأبغضوا. (٤) في مسلم ((فتضعفت)). (٥) العكنة: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً. ٢٥٥ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٧ جوع(١)، فبينا أهلُ مكة في ليلة قمراء إضْحِيان(٢) إذ ضَرب الله على أَسْمِخَتِهِم (٣) فما يطوف بالبيت أحدٌ غير امرأتين، فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافاً ونائلة (٤)، قال، قلت: أنْكِحا إِحَدَهما الأخرى، قال، فما تنَاهَتَا عن قولهما، قال، فأتتا عليّ فقلت هَنٌ (٥) مثلُ الخشبة، غير أني لم أُكْن، فانطلقتا تولولان: وتقولان لو كان ها هنا أحد من أنفارنا، فاستقبلهما رسول الله ◌َ لّ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل، فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابىء بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لَكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم، قال فجاء رسول الله پر وصاحبهُ فاستلم الحجر وطاف بالبيت، فأتيتُه حین قضى صلاته، فكنتُ أولَ من حيّاه بتحية الإِسلام، قال: وعليكَ ورحمة الله، ممن أنت؟ قلت: من غِفار، فأهوى بيده إلى جبهته هكذا، فقلتُ في نفسي: كره أن انتميتُ إلى غِفار، فذهبت لآخذ يده فدفعني(٦) عنه صاحبه، وكان أعلم به مني، فقال: متى كنتَ ها هنا؟ فقلت: كنت ها هنا منذ ثلاثين من بين يوم وليلة، قال: فمن كان يطعمُك؟ قلت ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزمَ، فسمنتُ حتى تكسّرت عُكَنُ بطني، وما وجدت على بطني سَخْفَةَ جوع، فقال رسول الله وَّر: إنها مباركة، إنها طعام طُعْم، فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة، قال: ففعل، فانطلق النبي ﴿ وأبو بكر وانطلقتُ معهما، ففتحَ أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال أبو ذر: فذلك أول طعام أكلتُه بها، قال: فغَبَرْتُ ما (١) سَخفة الجوع: ما ينشأ من رقة وهزال. (٢) إضحيان: مضيئة. (٣) أسمِخَتهم: آذانهم. (٤) إساف ونائلة: إِسمان لصنمين. (٥) هَنْ: آلة التناسل عند الرجل، القضيب. (٦) في مسلم ((فقدعني صاحبه)) أي منعني وكفني . ٢٥٦ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٧ غَبَرْتُ، فلقيت رسول الله وَّةِ فقال: إني وُجّهتُ إلى أرضِ ذاتِ نخلٍ ولا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلّغٌ عني قومَك عسى أن ينفعهم الله بك، ويأجرك فيهم، قال: فانطلقت حتى لقيت أخي أنّيْساً، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلَمْتُ وصَدّقت، قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمتُ وصدّقت، قال: فأتينا أمَّنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدَّقت، قال: فاحتملنا فأتينا قومَنا، فأسلم نصفُهم قبل أن يقدم رسول الله _﴿ المدينة، وكان يؤمهم إيماءُ بنُ رَحَضَة، وكان سيدُهم، وقال بقيّتُهم: إذا قدم رسولُ اللهِ وَّرَ أسلمنا، فقدم رسولُ اللهَ وَّ فأسلم بقيّتُهم، وجاءت أسْلَمُ فقالوا: يا رسول الله نسلم على الذي أسلم عليه إخوتنا، فأسلموا، فقال رسول الله وَله: (غِفارُ غَفر الله لها وأسْلَم سالمَها الله). وفي رواية ابن عباس: فخرج فنادى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال المشركون صَبَأ الرجلُ، صَبَأ الرجل، فضربوه حتى سقط، فمر به العباس بن عبد المطلب فأكبّ عليه وقال: يا معشر قريش، إنكم تجّار وإن طريقكم على غِفار، تريدون أن تقطع الطريقَ عليكم؟ فأمسكوا عنه، فلما كان اليوم الثاني عاد لمثل مقامه فعادوا لضربه، فمرّ به العباس فقال لهم تلك، فأمسكوا. قال الشيخ: فسَّر النضر بن شميل وغيره غريبَ الألفاظ. قوله: ألقيت كأني خفاء: يعني كساءً غليظاً يتخذ من وبر. شنفوا: أبغضوا. وتجهّموا: أسمعوه ما يكره. والنّصب: حجر يذبحون عليه. سخفة جوع: خفته. ٢٥٧ ح / ١٩٨ ومما يدخل في الباب الصابىء: الذي لا عقل له. الأنفار: جمع نفر. ذكر إسلام عمرو بن عَبَسَة السلمي وما أخبره أهل الكتاب من بعث النبي صلى الله عليه وسلم: ١٩٨ - حدثنا علي بن هارون بن محمد قال ثنا جعفر بن محمد الفِرْیابي قال ثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي الحمصي قال ثنا إسمعيل بن عياش عن يحيى بن عمرو السيباني عن أبي سلام الدمشقي وعمرو بن عبدالله الشيباني أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يحدث حديثَ عمرو بن عَبَسَة السُّلمي قال: رغبتُ عن عبادة آلهة قومي في الجاهلية، ورأيت أنها الباطل، يعبدون الحجارةَ لا تضرّ ولا تنفع، قال، فلقيت رجلاً من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدّين؟ فقال: يخرجُ رجلٌ من مكة يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، وهو يأتي بأفضل الدين، فإذا سمعتَ به فاتبعه، فلم يكن لي همَّ إلا مكة، آتيها فأسأل: هل حدث فيها أمر؟ فيقولون: لا، فأنصرفُ إلى أهلي، وأهلي من الطريقِ غير بعيد، فأعترضُ الركبان خارجة من مكة، فأسألُهم: هل حدث فيها خبرٌ أو أمْر؟ فيقولون: لا، فإني لقاعدٌ على الطريق إذ مرَّ بي راكبً فقلت: من أين جئت؟ قال: من مكة، قلت: هل حدث فيها خبر؟ قال: نعم، رجلٌ رغبَ عن آلهةِ قومِه،ودعا إلى غيرِها، قلتُ: صاحِبي الذي أريد، فشددْتُ راحلتي، فجئت منزلي الذي كنتُ أنزل فيه، فسألتُ عنه، فوجدته مستخفياً بشأنه، ووجدتُ قريشاً عليه (ح/١٩٨) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢١٧/٤ من طريق شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة به أ. هـ. وأخرجه ابن عبد البرّ في الاستيعاب ٤٩٢/٢ من طريق أحمد بن الحسين عن جعفر بن محمد الفريابي بسند حديث الباب ومتنه ورجاله كلهم ثقات غير عمرو بن عبدالله وهو مقبول كما أن شيخ أبي نعيم لم أجده. وأخرج مسلم في صحيحه ٢٠٨/٢ أصل القصة من طريق شداد بن عبدالله أبو عمار عن أبي أمامة. كما أخرجه الحاكم في المستدرك ٦١٧/٣ وصحح طرفاً من الحديث من طريق أبي أمامة عن عمرو بن عبسة. ٢٥٨ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٩ جرآء(١) فتلطفْتُ له حتى دخلتُ عليه، فسلمتُ عليه، فقلت: ما أنْتَ؟ قال نبيُّ اللَّهِ، قلت: وما نبي الله؟ قال: رسول الله، قلت: ومن أرسلك؟ قال: اللَّهُ تعالى، قلت: وبماذا أرسَلك؟ قال أن توصَلَ الرحمُ، وتحقَنَ الدماءُ، وتؤمن السبيل، وتُكسرَ الأوثان، وتعبدَ الله لا تشركُ به شيئاً، قال، قلت: نعمَ ما أرسلك به أُشْهدك أني آمنتُ بك، وصدَّقت، أفأمكث معك؟ أم ماذا ترى؟ قال: قد ترى كراهيةً الناس لما جئتُ به، فامكث في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجتُ مخرجاً فاتبعني، فلما سمعتُ به خرج إلى المدينة سرتُ حتى قدِمت عليه، ثم قلت: يا نبيَّ الله أتعرفُني؟ قال: نعم: أنت السُّلمي الذي جئتني بمكة، فقلتُ لك: كذا وكذا، وقلتَ لي: كذا وكذا، فقمت من ذلك المجلس فعرفت أنه لا يكون الدهر أفرغ منه في ذلك المجلس فقلت: يا نبي الله أيَّ الساعاتِ أسمعُ للدعاء؟ قال: جوفُ الليل الآخرِ والصلاة مشهودَةٌ متقبلة. ذكر إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه: ١٩٩ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة وثنا أبو عمرو بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان قالا ثنا مسروق بن المَرْزُبان الكِنْدي قال ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال ثنا محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني سلمانُ حديثه مِنْ فيه إليَّ قال: كنت رجلاً فارسياً من أهل أُصْبَهان من أهل قرية يقال لها ((جَيّ)) وكان أبي دِهْقَانَ قريته، وكنت من (ح/١٩٩) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٢١٤/١ من طريق حديث الباب، وأخرجه ابن سعد في الطبقات من طريقه ٧٥/٤ وكذا البيهقي - ر: الخصائص ٤٨/١ - وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٩/٩ وأخرجه أحمد ٤٣٨/٥ و٤٤١ والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع. (١) في الأصل ((حسراً) فصححناه من صحيح مسلم. ٢٥٩ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٩ أحب الخلق إليه، فمن حُبِّه إياي حبسني في بيتٍ كما تُحبس الجارية، وكنت قد اجتهدت في دار المجوسية حتى كنت قَطْن النار(١) أوقِدُها، لا أتركها تخبو (٢) ساعة، اجتهاداً في ديني، وكان لأبي ضيعةٌ في بعض عمله، وكان يعالج بنياناً له في داره، فدعاني فقال: أي بُني؟ إنه قد شغلني بنياني كما ترى، فانطلق إلى ضيعتي هذه ولا تحتبس عني، فإنك إن احتبستَ علي كنتَ أهم إليّ من ضيعتي ومن كلِّ شيءٍ، وشغلتَني عن كل شيء من أمري، قال: فخرجتُ أريدُ الضيعةَ التي بعثني إليها، قال، فمررت بكنيسةٍ من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم وهم يصلّون، وكنت لا أدري ما أمرُ الناسِ لحبسٍ أبي إياي في بيته، فلما سمعتُ أصواتهم دخلتُ عليهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتُهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خيرٌ من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما برحتُهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي فلم آتِها، ثم قلت لهم: أين أَصْلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال، ثم رجعت إلى أبي، وقد بعثَ في طلبي، فشغلتُه عن عمله كما قال، فلما جئته قال يا بنيّ أين كنت؟ ألم أكن أعهدْ إليك ما عهدت؟ قال، قلت: يا أبتِ مررتُ بناس يُصَلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني، ليس في ذلك خير، بل دينُك ودين آبائك خير، قلت: كلا والله، إنه خيرٌ من ديننا، قال: فخافَني، فجعل في رجلي قيداً ثم حبسني في بيتٍ، قال، وبعثتُ إلى النصارى فقلت: إذا قدِم عليكم ركبُ من الشام فأخبروني، قال، فقدم عليهم ركب من الشام تجارٌ من النصارى، قال، فأخبروني، قال، قلت: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا (١) قطن النار: خادمها. (٢) خبت النار: إذا طفئت. ٢٦٠ وما يدخل في الباب ح / ١٩٩ الرجْعَة إلى بلادهم فآذنوني، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أعلموني بهم، قال، فألقيت الحديد عن رجلي ثم خرجتُ معهم حتى قدِمْتُ الشامَ، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علماً؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئتُه فقلتُ له: إني قد رغبتُ في هذا الدين، وأكون معك أخدمُك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلّي معك، قال فافعل، فادخل، فدخلتُ معه، قال، وكان رجل سوءٍ يأمر بالصدقة ويرغّبُهم فيها، فإذا جمعوا له شيئاً منها اكتنزَه لنفسه، ولم يعطِ المساكينَ شيئاً، فأعلمتهم بذلك بعد موته: فقالوا لي وما عِلمُك بذلك، قلت: أنا أدلكم على كنزه فقالوا لي: دُلنا عليه، قال، فأرَيتُهم موضعه فاستخرجوا سبع قِلال مملوءة ذهباً وورِقاً، فلما رأوها قالوا: لا والله لا ندفنه، فصلبوه، ثم رموه بالحجارة، ثم جاءوا برجل آخر، قال، فجعلوه مكانه. قال، يقول سلمان: فما رأيتُ رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، فحببته حباً لم أحب شيئاً كان مثله، فأقمتُ معه زماناً ثم حضرتْهُ الوفاةُ، فقلت يا فلان إني قد كنتُ معك وأحببتك حباً لم أحب شيئاً كان قبلك، وقد حضركَ ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي؟ وبم(١) تأمرني؟ قال أي بني، والله ما أعلم أحداً اليومَ على ما كنت عليه، لقد هلك الناسُ وبدّلوا كثيراً مما كانوا عليه، إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه، فالْحَقْ به، قال، فلما غُيِّبَ(٢) لحقتُ بصاحب الموصل، فقلت: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، فقال أقم عندي، قال، فأقمت عنده فوجدتُه خيرَ (١) في الأصل ((وإلى من)) فصححناه من سيرة ابن هشام. (٢) غيب: دفن.