Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٤
قال وحدثنا محمدبن إسحاق حدثنا الكلبي(١) عن أبي صالح عن ابن عباس قال:
لما عرفتْ قريشُ أن رسول الله وَ ل﴿لقد كانت له شيعة وأصحابُ من
غير بلدهم، ورأوا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد
نزلوا داراً أصابوا منهم مَنَّعَة، فحذِروا خروجَ رسول الله وَّر، فاجتمعوا له
في دار الندوة، وهي دار قُصيّ بن كِلاب، التي كانت قريش لا تقضي أمراً
إلا فيها، فيتشاورون فيها ما يصنعون من أمر رسول الله قالار حین خافوه،
فلما اجتمعوا لذلك في ذلك اليوم الذي اتّعدوا له، وكان ذلك الیوم یسمی
((الزَّحمة))(٢)، اعترض لهم إبليس في هيئة رجلٍ شيخ جليل عليه بَتُ(٣)
له، فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفاً على بابها قالوا: مَنْ الشيخُ؟
فقال: شيخٌ من أهل نجد، سمعَ بالذي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما
تقولون، وعسى أن لا يُعْدِمکم من رأي ونصح، قالوا: أجلْ، فادخل،
فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة؛ من بني عبد
شمس: مُتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب؛ ومن بني نوفل بن
عبد مناف: طُعيمة (٤) بن عدي، وجُبَير بن مُطعِم، والحارث بن عامر بن
نوفل؛ ومن بني عبد الدار بن قُصيّ: النَّضر بن الحارث بن كلّدة؛ ومن بني
أسد بن عبد العزى: أبو البَخْتَري(٥) بن هشام، وزَمْعة بن الأسود بن
إسحاق عن من لا يتهم عن عبد الله فربما حدث عنه أولاً بواسطة ثم لقيه فسمعه منه وإذا كان
=
كذلك فالإسناد متصل رجاله كلهم ثقات.
والموجود في السيرة قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله ..
(١) الكلبي: هو محمد بن السائب متهم بالكذب - تقريب التهذيب -.
(٢) في الأصل ((الرحمة)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام.
(٣) البتَّ: الكساء الغليظ.
(٤) في الأصل ((طعمة)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام.
(٥) في الأصل ((أبو البحتري)) بالحاء المهملة وما أثبتناه هو الصواب، وهو العاص بن هشام.

٢٠٢
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٤
المطلب، وحكيم بن حزام؛ ومن بني مخزوم: أبو جهل ابن هشام؛ ومن
بني سهم: مُنِّ ونْبَيه ابنا الحجاج؛ ومن بني جُمَح: أمية بن خلف؛ ومن لا
يُعدّ من قريش، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد
رأيتم، وإنّا والله لا نأمنه من الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا، فأجمِعوا
رأياً، فتشاوروا، فقال قائل منهم(١) إِحبسوه بالحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثم
تربَّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله، زُهيراً والنابغة ومن مضى
منهم، من هذا الموت، حتى يُصيبّه منه ما أصابهم. فقال الشيخ النَّجدي:
لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه - كما تقولون - لخرج أمرهُ من
وراءِ الباب الذي أغلقتم عليه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يَثِبُوا عليكم،
فينتزعوه من أيديكم، ثم يُكابرونكم حتى يغلبوكم على أمركم(٢)، ما هذا
لكم برأي، فانظروا في غيره، ثم تشاوروا، فقال قائل منهم(٣): نُخرجه من
بين أظهرنا، فننفيه من بلدنا، فإذا خرج عنَّا فما نُبالي أين يذهب، ولا حيث
وقع، غاب عنا أذاه، وفرغنا منه، وأصلحنا أمرنا. قال الشيخ النجدي لا
والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسنَ حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على
قلوب الرجال بما أتيَ به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتُ أن يحل على حيّ
من أحياءِ العرب فيغلب بذلك من قوله عليهم وبحديثه حتى يتابعوه عليه،
ثم یسیر إليكم حتى يطأكم به، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما
أراد، دَبِّروا فيه رأياً غير هذا. فقال أبو جهل: إن لي فيه لرأياً، ما أراكم
وقعتم عليه بعدُ: قالوا: وما هذا(٤) يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من
(١) هو أبو البختري العاص بن هشام.
(٢) في الأصل ((أمرهم)) والصواب ما أثبتناه كما في سيرة ابن هشام.
(٣) هو أبو الأسود ربيعة بن عامر.
(٤) في السيرة ((وما هو)).

٢٠٣
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٤
كل قبيلةٍ شابًّاً جداً خليلاً نسيباً وسيطاً، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً
صارماً، ثم يعمدون إليه ثم يضربونَه ضربةً رجلٍ واحدٍ فيقتلونه جميعاً
ونستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمُّه على القبائل كلها، فلم يقدر
بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، وإن رَضُوا بالعَقْلِ (١) عَقَلْناه لهم.
قال الشيخ النجدي: القولُ ما قالَ الرجُل، هذا الرأي، لا رأي لكم غيره،
فتفرق القومُ على ذلك، وهم مجمعون له، فأتاه جبريل فقال: لا تَبتْ هذه
الليلةَ على فراشِك الذي كنتَ تبيتُ عليه، فلما كان عَتْمة من الليل
اجتمعوا على بابه يرصُدونه حتى ينام فيَثِبون عليه، فلما رأى رسول الله وَله
مكانَهم، قال لعليّ: نم على فراشي، وتَسَج(٢) ببردي هذا الأخضر
الحضرمي، فإنه لا يَخلُص إليك شيءٌ تكرهه منهم - وكان رسول الله وَلّ
ینام في برده ذلك ۔۔
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبي زياد(٣) عن محمد بن كعب
القُرَظي قال: اجتمعوا له وفيهم أبو جهل فقال وهم (٤) على بابه: إن
محمداً زعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم
يبعثكم من بعد موتكم، لكم جِنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم منه
ذَبْح، ثم بُعثتم من بعد موتكم فجُعلت لكم نار تُحرقون فيها؛ فخرج رسول
الله ◌َي﴾ وأخذ حَقْنَةً من تراب في يده ثم قال: نعم أنا أقول ذلك وأنت
أحدُهم، وأخذَ اللَّهُ على أبصارهم فلا يَرَوْنه، فجعل ينثر ذلك التراب على
رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات:
(١) العقل: الدية.
(٢) تسج: غط جسمك.
(٣) في سيرة ابن هشام ((يزيد بن زياد)) وهما واحد وهو ((يزيد بن أبي زياد)» ينسب إلى جده
أحياناً - انظر تهذيب التهذيب وتقريب التهذيب -.
(٤) في الأصل ((فقالوا على بابه)) فصححنا العبارة من سيرة ابن هشام.

٢٠٤
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٥
﴿يَس * والقُرْآنِ الحَكِيم * إِنَّكَ لمِنَ المُرْسَلين) إلى قوله تعالى
﴿فَأَغْشَيْنَاهُم فُهُمْ لا يُبْصِرون﴾ - يس ١ وما بعدها - حتى فرغَ رسولُ
الله ◌َُّ من هؤلاءِ الآيات فلم يَبْقَ رجلٌ إلّ وضَعَ على رأسه تراباً، ثم
انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آتٍ ممن لم يكن معهم فقال: ما
ينتظر هؤلاء؟ قالوا: محمداً، قال: خيَّيَكم اللَّهُ، قد - والله - خرجَ عليكم
محمد، ما تركَ منكم رجلاً إلّ وضعَ على رأسه تراباً، وانطلق لحاجته،
أفلا ترون إلى ما بكم؟ فوضع كلَّ رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه
تراب، ثم جعلوا يتطَلّعون، فيرون علياً على الفراش متسجِيّاً ببردِ رسول
الله آل﴾، فيقولون: والله إن هذا لمحمدٌ نائم عليه برده، فلم يبرحوا كذلك
حتى أصبحوا، فقام عليّ عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدَقَنا الذي
حدَّثنا، فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الذينَ كَفَروا
ليُْتوَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجوكَ ويمْكُرونَ ويمكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكرين﴾ -
الأنفال ٣٠ -.
١٥٥ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا
الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثني قدامة بن موسى عن عبد
العزيز بن رمانة عن عروة بن الزبير قال:
كان النَّضْرُ بن الحارث ممن يؤذي رسولَ الله ◌َّهِ ویتعرّضُ له،
فخرج رسولُ الله ێ يوماً یرید حاجته نصف النهار، في حرِّ شدید، فبلغ
أسفلَ من ثِنْيَة الحَجُون(١)، وكان يُبْعِد إذا ذهبَ لحاجته، فرآه النَّصْر بن
الحارث فقال: لا أجدُه أبداً أخْلَى منه الساعةَ فأغْتالهُ، قال، فدنا إلى
(ح/ ١٥٥) أخرجه الواقدي وأبو نعيم من طريقه كما في الخصائص ٣٢١/١ - وفيه الواقدي
وهو متروك، كما أنه مرسل، لأن عروة بن الزبير تابعي.
(١) الحَجون: جبل بأعلى مكة.

٢٠٥
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٦
رسول الله وَل﴿، ثم انصرف راجعاً مرعوباً إلى منزله، فلقيه أبو جهل فقال:
من أين الآن؟ فقال النضر: اتبعتُ محمداً رجاءً أن أُغْتَالَه، وهو وحدَه ليس
معه أحد، فإذا أساودُ(١) تضربُ بأنيابها على رأسِه فاتحة أفواهها، فهالتني،
فذُعِرت منها، ووليت راجعاً، فقال أبو جهل: هذا بعضُ سِحْره.
١٥٦ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى المروزي قال ثنا محمد
ابن أحمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم
عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس.
أن عُتْبة، وشَيْبَة، وأبا سفيان بن حَرْب، والنّضْر بن الحارث، وأبو
البَخْتَرِي (٢)، والأسود بن المطلَّب، وزَمْعَة بن الأسود، والوليد بن المغيرة،
وأبا جهل بن هشام، وعبدالله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل،
ونُبِيه ومُنَّه ابنا الحجاج، اجتمعوا ومن اجتمع منهم بعد غروب الشمس
على ظهر الكَعْبَة فقال بعضهم إلى بعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه
وخاصموه حتى تُعْذروا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا إليك
ليكلموك، قال، فجاءهم رسول الله وَل﴿ سريعاً، وظن أن قد بدا لقومه في
أمره بدوّ، وكان عليهم حريصاً، يحب رشدَهم ويعزّ عليه عنتهم. وذكر
القصة(٣).
فلما قام عنهم رسولُ اللهِ وَلّ قالَ أبو جهل: يا معشر قريش إن
محمداً قد أبى إلا ما تَررونَ من عَيْب ديننا وشَتم آبائنا وتَسْفيه أحلامنا وسب
(ح/١٥٦) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٢٩٤/١ والبيهقي عن ابن عباس - ر: الخصائص
٣١٠/١ - ورجاله كلهم ثقات إلا أنه منقطع، راجع الحديث رقم (١٥٨).
(١) أساود: أشباح. وهذه صيغة جمع الجمع. والجمع منها أسودة والمفرد سواد، يقال رأيت
سواداً، أي شخصاً أو شبحاً.
(٢) في الأصل ((أبا البحتري)) والصواب ما أثبتناه كما تقدم في ((ح/ ١٥٤)).
(٣) القصة موجودة بتمامها في سيرة ابن هشام.

٢٠٦
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٧
آلهتنا، وإني أُعاهد الله لأجلسَنَّ غداً بحَجَرٍ ما أُطيقُ حمله - أو كما قال -
فإذا سجد في صلاته رَضَخْتُ به رأسه، فأسْلِموني عند ذلك أو امنعوني،
فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نُسْلِمك لشيء
أبداً، فامْضٍ لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حَجَراً كما قال، وجلس
لرسول الله ﴿ ينتظره، وغدا رسول الله وي لتر كما يغدو، وكان إذا صلى،
صلى بين الركنين اليماني والأسود، وجعلَ الكعبة بينه وبين الشام، فقام
رسول الله وَل﴿ يصلي، وقد قعدتْ قريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل
فاعل، فلما سَجَد رسولُ الله وَّهِ احتمل أبو جهل الحَجَر ثم أقبل نحوه،
حتى إذا دنا منه رجع منهزماً مُنتقِعاً لونُه مرعوباً، قد يبست يداه على الحجر
فقذف الحَجَر عن يده، وقام إليه رجالُ قريش وقالوا له: ما لَكَ يا أبا
الحكم؟ قال قمتُ إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة، فلما دنوتُ منه
عرضَ دونه فَحْل من الإِبل، والله ما رأيت مثل هامَتِه ولا قَصَرَته(١) ولا
لِفحلٍ قط، فهمَّ أن يأكلني .
فَذُكر(٢) لي: أن رسول الله وَّ قال: ذلكَ جبريلُ لودنا منه لأخذه،
فلما قال ذلك أبو جهل، قام النَّضرُ بن الحارث فقال: يا معشر قريش إنه
والله قد نزل بكم أمرٌ ما ابتليتم بمثله قطّ.
١٥٧ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا إبراهيم بن
المُنْذِر الحِزامي قال ثنا عبد العزيز بن عمران قال حدثني عبدالله وعبد الرحمن ابنا زيد
ابن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما:
(ج/١٥٧) لم أجده بهذا اللفظ عند غير أبي نعيم ـ ر: الخصائص ١٥٢/٢ - وفيه عبد
العزيز بن عمران وهو متروك ولكن أخرجه ابن هشام في السيرة بدون إسناد ٥٦٧/٢.
وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس قصة عامر بن الطفيل مختصرة - انظر فتح الباري
كتاب المغازي باب غزوة الرجيع ٣٩٠/٨.
(١) القصرة: أصل العنق.
(٢) القائل ((فذكر لي)) هو ابن إسحاق.

٢٠٧
ح / ١٥٧
الفصل الثالث عشر
أن أرْبَد بن قيس بن جعفر بن خالد بن كلاب، وعامرَ بن الطّفیل بن
مالك قدما المدينةَ على رسول الله وَّر فانتهيا إلى النبي ◌َّ وهو جالس،
فجلسا بين يديه، فقال عامرُ بن الطّفيل: يا محمد ما تجعل لي إن
أسلمت؟ قال رسول الله وَله: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال
عامر: أتجعل لي الأمر إن أسلمت بعدك؟ فقال رسول الله وَله: ليس ذلك
لك ولا لقومك، ولكن أعنة الخيل، قال أنا الآن في أعنةِ خيلٍ نجد،
إِجعل لي الوَبَر ولك المَدَرَ(١) قال رسول الله وَ لَّ لا، فلما قفا من عند
رسول الله وَّ﴾ قال عامر: أما والله لأملأنَّها عليك خَيْلاً ورجالاً، فقال
النبي ◌َله: يمنعُك الله، فلما خرج أرْبَد وعامر قال عامر: يا أربَد إني أشغل
عنك محمداً بالحديث فاضربْه بالسيف، فإن الناسَ إذا قتلتَ محمداً فلم
يزيدوا على أن يرضوا بالدّية، ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدّية، قال
أَربَد: أَفْعَلُ؛ فأقبلا راجعَيْن إلى النبي ◌َّ فقال عامر: يا محمد قم معي
أكلمك، فقام رسول الله وَل﴿ يكلمُه، وسلَّ أُربَد السيفَ فلما وضع يده على
السيف يبست على قائمِ السيف، فلم يستطع سلَّ السيف، وأبطأ أربَد
على عامٍ بالضرب، فالتفت رسولُ اللهِ وَلّ فرأى أربَد وما يصنع، فانصرف
عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله وَ ﴿ حتى إذا كانا بالحَرّة،
حَرّةٍ واقِمٍ(٢)، نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأُسَيْد بن حُضَيْرٍ، فقالا:
اشخصا يا عدوي الله، لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ فقال:
هذا أُسيد بن حضير الكتائب، قال، فخرجا حتى إذا كانا بالرَّقم(٣) أرسل
الله على أربَد صاعِقَةً فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل الله
(١) يعني اجعل لي أمر الوبر: والمراد بذلك البادية، ولك أمر المدر: والمراد بذلك المدن
والقرى.
(٢) حرة واقم: هي إحدى قرى المدينة المنورة وهي الحرة الشرقية فيها، وقعت فيها وقعة الحرة
المشهورة في أيام يزيد بن معاوية سنة ٦٣ هـ.
(٣) الرقم: موضع في المدينة ويجوز فيه فتح القاف وكسرها، وإليه تنسب السهام الرقميات.

٢٠٨
الفصل الثالث عشر
ح / ١٥٨ - ١٥٩
عليه قرحةً، فأخذه، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل
يمس(١) قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدّة البعير في بيت امرأة من بني
سلول۔۔ یرغبُ عن أن يموت في بیتھا ۔ ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات
عليه راجعاً.
١٥٨ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة
قال ثنا ضرار بن صرد قال ثنا مُعْتَمِر بن سُليمان قال سمعت أبي يذكر عن نُعَيْم بن أبي
مِنْد عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
أَيُعَفِّر محمدٌ وَجْهَهُ بين أظهرِكم؟ قالوا: نعم، قال: والله لئن رأيته
يَفْعِلِ لأطأنَّ رقبتَه ولأعِفِرَنَّ وجْهَه في التراب، قال، فأتاه وهو يُصلي لِيَطَأ
على رقبَتِهِ فما علم به إلا وهو يَنْكَصُ على عَقِبَيْه، ويرجع إلى خلفه،
ويتقي بيده(٢)، فقيل له: ما لَكَ؟ قال: رأيت بيني وبينه خَنْدَقاً من نار
وهَوْلاً، ورأيت ملائكة ذوي أجْنِحة، فقال رسول الله ويلشير: أما لوْدنا مني
لاختَطَفته الملائكة عُضْواً عُضْواً فأنزلَ الله تعالى ﴿ كلّ إنّ الإِنسانَ لَيَطْغی
أَنْ رَآهُ استَغْنى) إلى قوله تعالى ﴿إن كذَّبَ وتَولَى ﴾ يعني أبا جهل.
فَلْيَدْعُ نادِيَه﴾ قومَه ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةِ ﴾ الملائكة.
دعاؤه له على مشيخة قريش:
١٥٩ - حدثنا محمد بن سليمان الهاشمي قال ثنا عمرو بن أحمد البزاز قال ثنا
(ح/١٥٨) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة باب ﴿ إن الإنسان ليطغى ﴾،
والبخاري في كتاب التفسير - ر: فتح الباري ٣٥٣/١٠ -.
(ح/١٥٩) أخرجه ابن أبي شيبة برقم ١٨٤١٠ وأبو يعلى والطبراني. قال في مجمع
الزوائد ١٦/٦ فيه محمد بن عمرو بن علقمة وحديثه حسن وبقية رجال الطبراني رجال
الصحيح، وانظر أيضاً حياة الصحابة ٢٤٦/١. وأخرجه البخاري في صحيحه مختصراً - ر: فتح
الباري ١٦٨/٨ - وأخرجه ابن حبان في الزوائد برقم ١٦٨٥ .
(١) لعل الصواب ((يمص)).
(٢) في صحيح مسلم ((بيديه)).

٢٠٩
ح / ١٦٠
الفصل الثالث عشر
الحسن بن قَزْعة قال: ثنا عبد الأعلى قال ثنا محمد بن عمرو(١) عن أبي سلمة عن
عمرو بن العاص قال:
ما رأيتُ قريشاً أرادوا قتلَ النبي ◌َّ إلا يوم ائتمَروا به وهم جلوسٌ
في ظِلِّ الكعبة، ورسولُ اللهِوَلَ يُصَلي عندَ المقام، فقام إليه عُقْبةُ بن أبي
مُعَيْط فجعل رداءه في عُنْقِه، ثم جذبه حتى وجب لركبته ساقطاً، وتصايحَ
الناس فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بِضَبْعَي (٢) رسول
الله ◌َُّ من ورائه ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقولُ ربيَ الله، ثم انصرفَوا عن
النبي ◌َ﴿، فصلّى، فلما قضى صلاته مرّ بهم، وهم جلوسٌ في ظل
الكعبة، فقال: يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده ما أرسلت إليكم إلا
بالذَّبْح، وأشار بيده إلى حلقه، قال، فقال أبو جهل: يا محمد ما كنتَ
جَهولاً، قال، فقال له رسول الله وَّرَ: أُنْتَ منهم، وفي رواية فقال: يا
معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذَّبْح، قال: فأخذت القومَ
كلَّهم كلمتُه حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه الطيرُ واقعٌ، حتى أنّ
أشدهم فيه وضاءة(٣) قَبْلَ ذلك لیرْفَاه(٤) بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه
ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً فوالله ما كنت جهولاً .
١٦٠ - حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا عبدالله بن قحطبة قال ثنا الحسن بن
قَزْعة قال ثنا مَسْلمةً بن عَلْقَمة عن داود بن أبي هند عن قَيْس بن حبتر(٥) قال:
(ح/ ١٦٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٧/٨ وأخرجه الطبراني ورجاله ثقات غير
بنت الحكم ولم أعرفها، وقال السيوطي في الخصائص ٣٢١/١ أخرجه الطبراني وابن منده.
وسيأتي ذكر هذا الحديث مرة ثانية برقم ٥٤٩.
(١) في الأصل ((محمد بن عمر)) والصواب ما أثبتناه.
(٢) الضبْع: ما بين الإِبط إلى نصف العضد.
(٣) لعل الصواب ((وصاة)) أي توصية بأذيته.
(٤) رفأ فلاناً: أزال فزعه وسكنه من الرعب ونحوه.
(٥) في الأصل ((جبير)) فصححناه من الخصائص ومجمع الزوائد.

٢١٠
الفصل الثالث عشر
ح / ١٦١
قالت ابنة ابن الحكم قلت لجدي الحَكَم: ما رأيت قوماً أعجزَ
منكم، ولا أسوأ رأياً يا بني أمية في رسولِ الله وَّر، قال: لا تلومينا يا ابنة
ابني، لا أحدثُك إلا ما رأيتُ بعينيّ هاتين، فإنّا والله ما نزال نسمعُ قريشاً
تُعلي أصواتَها على رسول الله وَّر في هذا المسجد، تواعَدوا له حتى
يأخذوه، قال، فتواعدنا فجئنا إليه لنأخذه، فسمعنا صوتاً، فما ظننا أنه بقي
جبلٌ بتهامةُ(١) إلا تفتَّت، قال: فغُشِي علینا، فما عقلنا حتى قضى صلاته،
ورجعَ إلى أهله، ثم تواعدنا له ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه، فجاءت
الصَّفا ذلك والمَرْوَة حتى التقتْ إحداهما بالأخرى، فحالتا بيننا وبينه،
فوالله ما نفعنا ذلك حتى رزقنا الله الإِسلام، وأذِنَ لنا فيه.
ذكر خبر آخر فيما الله تعالى حج به أمر نبيه وي ليه لما كلم أبا جهل أن يؤدي
غريمه حقه لما تقاعد به :
١٦١ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى المروزي قال ثنا أحمد
ابن محمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد، وثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن
أحمد البراء قال ثنا الفضل بن غانم ثنا سلمة بن الفضل قالا عن الأعمش عن محمد بن
إسحاق عن عبدالله بن عبد الملك(٢) بن أبي سفيان الثقفي، وكان واعية قال:
قدِم رجلٌ من إراشٍ (٣) بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن
(ح/١٦١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٣٨٩/١ والبيهقي من طريق ابن إسحق - ر:
الخصائص ٣١٧/١ - وسنده مقطوع وفيه عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي وهو مجهول كما في
تعجيل المنفعة .
(١) تهامة: اسم من أسماء مكة.
(٢) في السيرة والخصائص ((عبد الملك بن عبدالله بن أبي سفيان الثقفي)).
(٣) هو: إراش بن الغوث، أو ابن عمرو بن الغوث بن نبْت بن مالك بن زيد بن كهلان بن
سبأ، وهو والد أنمار الذي ولد بجيلة وخثعم - كما في التعليق على سيرة ابن هشام -.

٢١١
الفصل الثالث عشر
ح / ١٦١
هشام فمَطَله بأثمانها، فأقبل حتى وقف على نادٍ من قريش، ورسولُ
الله ﴿ جالسٌ في ناحيةِ المسجد، فقال: يا معشر قريش، مَنْ رجُل
يؤديني (١) على أبي الحكم بن هشام، فإني رجلٌ غريبٌ ابنُ سبيل قد
غلبني على حقي، قال، فقال أهلُ المجلس: ترى ذلك الرجلَ؟ - لرسول
اللّهِ وَّر وهم يهزؤون به، لمّا يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة -
اذهب إليه فهو يُؤدِّيك عليه، فأقبل الإِراشي حتى وقف على رسول الله وَلهم
فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حقٍ لي قِبَله، وأنا
غريبٌ ابنُ سبيل، وقد سألتُ هؤلاء القومَ عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي
حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذْ لي حقي منه رحمكَ الله، قال: انطلق
إليه، وقام رسول اللّه ◌َي معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجلٍ ممن كان
معهم: اتبعه انظر ماذا يصنع؟ قال، وخرجَ رسول الله وَلّ حتى جاءه
فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ فقال: محمد، فاخرُجْ إليّ، قال،
فخرج إليه وما في وجهه رائحة(٢)، قد انْتُقِع لَوْنُه (٣)، فقال له: اعطِ هذا
الرجلَ حقه، قال: نعم، لا تبرحْ حتى أعطيه الذي له، قال، فدخل فخرج
إليه بحقه، فدفعه إليه، ثم انصرف رسولُ اللهِوَّه وقال للإِراشي إِلحقْ
بشأنك، قال، فأقبل الإِراشيّ حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه
الله خيراً فقد - والله - أخذَ لي الذي لي، وقال: وجاء الرجل الذي بعثوا
معه فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال رأيت عجباً من العجب، والله إنْ هو إلا
أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال: اعط هذا حقّه،
(١) في الأصل ((يودي به)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام. ويؤديني: يعينني على
أخذ حقي .
(٢) أي ما في وجهه قطرة من دم.
(٣) انتقع لونه: تغير لونه.

٢١٢
الفصل الثالث عشر
ح / ١٦١
قال: نعم، لا تبرحْ حتى أخرجَ إليه حقه، قال، فدخل، ثم خرج إليه بحقه
فأعطاه إياه، قال، فلم يلبثوا أن جاءهم أبو جهل فقالوا له: ويلك ما لَكَ؟
والله ما رأينا مثلَ ما صنعتَ، فقال: ويحكم، والله إن هو إلا أن ضُرِبَ
البابُ وسمعتُ صوته فملئت منه رعباً، فخرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاً
من الإِبل، ما رأيت مثل هامته، ولا قَصَرته(١) ولا أنيابه لِفَحْلٍ قَطُّ، والله لو
أبيت لأكلني .
وفي رواية فقالوا لأبي جهل: فرقت من محمد كل هذا؟! قال:
والذي نفسي بيده لقد رأيتُ معه رجالاً معهم حرابٌ تلألأ.
قال أبو قزعة في حديثه: حِراباً تلمع ولو لم أعطه لخِفْتُ أن يبعج بها
بطني .
-
(١) القصرة: أصل العنق.

ح / ١٦٢
الفصل الرابع عشر
٢١٣
الْفَصْلِ الَرَبْع ◌َثْرْ (١)
في ذكر بدء الوحي وكيفية ترائي الملك
وإلقائه الوحي إليه وتقريره عنده أنه يأتيه
من عند الله وما كان من شق صدره وَالد
١٦٢ - حدثنا محمد بن سليمان بن أحمد إملاء وقراءة قال ثنا إسحاق بن
إبراهيم قال ثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الزهري [عن عروة ](٢) عن عائشة رضي الله
عنها أنها قالت:
أولُ ما بدِىءَ به رسولُ اللهِ وَِّ من الوحي الرُّؤيا الصادقة في النوم،
فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخَلاءُ، فكان
يأتي حِراء(٣) فيتحنثُ فيه - وهو التعبُّد - اللياليَ ذوات العدد، ويتزَوَّدُ
لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فَتُزَوِّدُهُ لمثلها، حتى فَجِئَه [الحقُّ ](٤) وهو
في غارِ حِراء، فجاءه الملك فيه فقال: يا رسولَ الله اقرأ، قال النبي ◌ِيه
فقلتُ: ما أنا بقارىء، قال: فأخذني فغطّني(٥) حتى بلغَ مني الجَهْدَ (٦)،
(ح/١٦٢) أخرجه البخاري من عدة طرق عن عائشة منها طريق عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري عن عروة عن عائشة المذكور هنا بسنده ومتنه - ر: فتح الباري ٤/١٦ الباب الأول من
كتاب التعبير. والطرق الأخرى في ٢٥/١ و٣٤٤/١٠ - وأخرجه مسلم ٩٧/١.
(١) هو الفصل السابع عشر في تصنيف أبي نعيم.
(٢) ما بين الحاصرين من البخاري ومسلم - ولعله سقط حين النسخ.
(٣) حراء: هو غار حراء. وحراء جبل قرب مكة.
(٤) ما بين الحاصرين من البخاري.
(٥) غطني: ضمني وعصرني .
(٦) قال ابن حجر: رُوِيَ بالفتح، أي: بلغ الغَطُّ مني غايةً وسْعِي، ورُوي بالضم، أي: بلغ
مني الجهد مبلغه - فتح الباري ٢٦/١ -.

٢١٤
الفصل الرابع عشر
ح / ١٦٢
ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء، قال فأخذني فغطّني الثانية،
حتى بلغ مني الجَهْدَ، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارىء،
فأخذني فغطّني الثالثة، حتى بلغ مني الجَهْدَ، ثم أرسلني فقال ﴿اقرأ
باسمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿ما لَمْ يَعْلم﴾ - العلق ١ وما بعدها -
فرجع بها رسولُ اللهِ وََّ ترجِف بَوَادِرُه(١)، فدخلَ على خديجة رضي الله
عنها، وأخبرها الخبر، وقال: قد خَشيتُ على نفسي، فقالت له: أبْشِرٍ، -
فوالله لا يُخزيك الله أبداً إنك لتصل الرَّحم ، وتَصْدُق الحديثَ، وتحمل
الكَلَّ(٢)، وتُقري الضَيْفَ، وتُعينَ على نَوائِب الحق، ثم انطلقتْ به
خديجةُ حتى أتت ورَقَةً بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قصَيّ، وهو ابن
عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتبُ الكِتاب
العربي، فكتب بالعربية(٣) من الإنجيل ما شاء الله أن يُكتب، وكان شيخاً
كبيراً قد عَمِيَ، فقالت له: أي اسمع من ابن أخيك فقال ورقة: يا ابن أخي
ما ترى؟ فأخبره رسولُ الله وَلِّ بما رآه فقال ورقة: هذا الناموسُ الذي أنزل
على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً(٤) أكون حَيَّاًّ حين يخرجك قومك، فقال
النبيِ وَله: أوَمُخْرِجِيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأتِ أحدٌ قط بمثل ما جئت به
إلا عودِيَ، وأوذِيَ، وإن يُدْرِكْني يومُك انْصُرْك نصراً مُؤزَّراً، ثم لم ينشَبْ
ورقةُ أن توفي، وفَتَر الوحيُّ فترةً حتى حزِن رسولُ اللهِ وَلِّ - فيما بلغنا -
حُزْناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهِق الجبال، فكلما أوفى
(١) البوادر: جمع بادرة، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند الفزع.
(٢) الكل: بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره.
(٣) وقع في البخاري في رواية بمثل الذي هنا، وفي أخرى يكتب الكتاب العبراني، فكتب
بالعبرانية .
(٤) جذعاً: في حال الشباب والقوة.

٢١٥
الفصل الرابع عشر
ح / ١٦٣
بذِرْوَةِ جبلٍ كي يلقي نفسَه تَبَدَّى له جبريل فقال: يا محمد إنك لرسولُ الله
حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتَقِرُّ نفْسهُ فيرجعُ، فإذا طالت عليه فترة الوحي
غدا لِمثلِ ذلك، فإذا أوفى بذِرْوَة جبل قال له مثل ذلك.
قال الزهري: فأخبرني أبو سلمة عن جابر قال: سمعت رسولَ
الله ◌َّ وهو يحدث عن فترَةِ الوحي فقال في حديثه:
فبينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتاً من السماء فرفعتُ رأسي، فإذا الملَكُ
الذي جاءني بحِراء جالسٌ على كرسيّ بين السماءِ والأرضِ ، فَجُنْتُ(١)
منه رعباً، فرجعت، فقلت زَمِّلُوني زَمِّلُوني، فدثّروني فأنزل الله عز وجل ﴿ یا
أيها المدَّثِرِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿والرُّجْزَ فاهْجُر) - المدثر ١ وما بعدها -
قبل أن تُفرَض الصلوات، وهي الأوثان، يعني: والرجز فاهجره.
١٦٣ - حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا داود بن المُحَبَّر
قال ثنا حماد عن أبي عمران الجَوْني عن يزيد بن بابْنُوس عن عائشة رضي الله عنها:
أن رسول الله وَلَ نَذَر أنْ يعتكفَ شهراً هو وخديجة بحراء، فوافقَ
ذلك شهرَ رمضان، فخرجَ النبيّ وَّ ذاتَ ليلة فسمع: السَّلامُ عليكَ،
فظننتها فجأةَ الجِنّ، فجئت مسرعاً حتى دخلتُ على خديجة، فسجَّتني
ثوباً، وقالت: ما شأنُك يا ابن عبدالله؟ فقلتُ سمعتُ: السَّلامُ عليك،
فظننتها فجأةً الجنّ، فقالت: أبشر يا ابن عبدالله، فإن السَّلام خير، قال:
ثم خرجتُ مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرقٍ وجناحٌ له
(ح/ ١٦٣) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده برقم ٢٣١٨ باب كيف كان بدء الوحي،
عن حماد بن سلمة قال أخبرني أبو عمران الجوني عن رجل عن عائشة فذكره، ولم يذكر اسم
يزيد بن بابنوس، وهو بصري مقبول، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه الحارث بن أسامة في مسنده
كما في الخصائص ٤٤٠/١ وفتح الباري ٥/٢ و٣٧٣/٧.
(١) جثث الرجل فهو مجؤوث: إذا فزع.

٢١٦
الفصل الرابع عشر
ح / ١٦٤
بالمغرب، قال فهلْتُ(١) منه، فجئتُ مسرعاً، فإذا هو بيني وبين الباب،
فكلّمَني حتى أُنِستُ به، ثم وعدني موعداً، فجئت له فأبطأ عليَّ، فأردتُ
أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سَدّا الأفق، فهبطَ جبريل، وبقي ميكائيل
بين السماء والأرض، فأخذني جبريل، فاستلقاني لحَلاوَة القَفَا، ثم شقّ
عن قلبي، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرجَ، ثم غسله
في طَسْت من ذهبٍ بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمّه، ثم أكفأني كما
يكفأ الأديم، ثم ختم في ظهري حتى وجدتُ مسّ الخاتم في قلبي، ثم
قال: اقرأ، ولم أكُ قرأتُ كتاباً قط، فلم أجدْ ما أقرأ، ثم قال: اقرأ، قلت
ما أقرأ قال ﴿اقرأ باسمِ رَبِّك الذي خَلَقَ﴾ - العلَق ١ - حتى انتهى إلى
خمس آيات منها، فما نسيتُ شيئاً بعد، ثم وزنني برَجُل، فوزنته ثم وزنني
بآخر فوزَنْتُه، حتى وزنني بمائة رجلٍ، فقال ميكائيل: تَبِعَتْهُ أمته وربّ
الكعبة، فجعلتُ لا يلقاني حَجَر ولا شجرَ إلا قال: السّلامُ عليك يا رسولَ
الله، حتى دخلتُ على خديجةً قالت: السَّلامُ عليك يا رَسول الله .
١٦٤ - حدثنا عمر بن محمد بن جعفر قال ثنا إبراهيم بن علي قال ثنا النَّضْر
ابن سلمة قال ثنا عبدالله بن عمرُو الفهري ومحمد بن مسلمة عن الحارث بن محمد
الفهري عن إسمعيل بن أبي حكيم(٢) عن عُمَر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد
(ح/١٦٤) قال في مجمع الزوائد ٢٥٦/٢ أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن
أ. هـ. وقال في الفتح ٣٤٩/١٠ أخرجه ابن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم مرسلاً فذكره
أ. هـ. وكذا أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق - الخصائص ٢٣٦/١ - وقال ابن إسحاق في
السيرة ٢٣٩/١ وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حُدِّث فذكره ثم قال في
آخره وقد حَدَّثْتُ عبدالله بن حسن هذا الحديث فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث
بهذا الحديث عن خديجة: وكل من عبدالله بن حسن وفاطمة بنت حسين ثقة : - تقريب
التهذیب ۔ وکذلك إسماعيل بن أبي حکیم.
(١) في الأصل ((فهللت)) والصواب ما ذكرناه كما في الخصائص. وفي مسند أبي داود الطيالسي
«فهبت منه)).
(٢) في الأصل ((حكم)) والصواب ما أثبتناه.

٢١٧
ح / ١٦٤
الفصل الرابع عشر
الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة عن خديجة بنت خُوَيْلِد أنها قالت:
قلتُ لرسولِ اللهِ وَّهِ يا ابن العمّ أتستطيعُ إذا جاءَك هذا الذي يأتيك
أن تخبرَني به، فقال رسول الله وَلّى: نعم، قالت خديجة: فجاءه جبريلُ
عليه السلام ذات يوم وأنا عنده، فقال، يا خديجة هذا صاحبي الذي يأتيني
قد جاء، فقلت له: قم فاجلس على فخذِي فجلس عليها، فقلت: هل
تراه؟ قال: نعم، فقلت: تحوّل فاجلس على فخذِي اليسرى، فجلس
فقلت هل تراه قال نعم(١)، قالت خديجة: فتحسَّرْتُ(٢) فطرحت خماري،
فقلت: هل تراه؟ قال: لا، فقلت: هذا والله ملك كريم، لا والله ما هذا
شيطان .
قالت خديجة: فقلت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن
قُصي: ذلك مما أخبرني محمد وَّر، فقال ورقة:
حديثَك إيانا فأحمدُ مرسَلُ
إن يُ حَقاً يا خديجةُ فاعلمي
ويشقى به العاني الغَويّ المضلَّلُ
يفوزُ به من فازَ فيها بتوبة(٣)
وأخرى بأجواز الجحيم تُغَلَّلُ (٤)
فريقان: منها فرقةٌ في جِنانِه
مَقامعُ في هاماتِهم ثم مزعلُ(٥)
إذا ما دَعَوْا بالوَيْلِ فيها تتابعت
ومن هو في الأيام ما شاءَ يفعلُ
فسبحان مَنْ تهوي الرياح بأمره
وأحكامه في خلقه لا تُبَدَّلُ
ومَن عرشُه فوق السماوات كلها
وقال أيضاً ورقة:
(١) في مجمع الزوائد وسيرة ابن هشام والخصائص بعد هذا: ((فقلت له: فتحول فاجلس في
حجري، فجلس، فقلت له: تراه؟ قال نعم)).
(٢) في الأصل ((فتخمرت)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام والخصائص ومجمع
الزوائد.
(٣) في الأصل ((من فاز فيما ينوبهم)) فصححناه من إتحاف الورى ١٧٣/١.
(٤) أجواز الجحيم: وسط جهنم ومفرد ((جَوْز)) وفي الأصل ((يعلَّل)).
(٥) كذا - وفي دلائل البيهقي ((في هاماتهم ثم تشعل)).

٢١٨
الفصل الرابع عشر
ح / ١٦٥
وما لشيءٍ قضاهُ الله من غِيّرٍ
يا للرجالِ لصرفِ الدّهر والقدرِ
حتى خديجةً تدعوني لأخبرَها
فكان ما سألتْ عنه لأخبرها
فخبرتني بأمرٍ قد سمعتُ به
بأن أحمدَ يأيته فيخبره
فقلت إن الذي ترجين يُنجزه(٣)
وأرسليه إلينا كيْ نُسايلَه
فقال: خيرٌ (٤) أتانا منطِقاً عَجَباً
إني رأيتُ أمينَ الله واجهني
ثم استمرَّ فكان الخوفُ يُذعِرُني
فقلت ظني وما أدري سيصدقني(٥)
وسوف أولیك إن أعلنت دعوتهم
وما لنا بخفيّ الغيب من خَبر
أمراً رآه سيأتي الناس عن خبر(١)
فيمامضى من قديمِ الناسِ (٢) والعَصْر
جبريلُ إنك مبعوثٌ إلى البشر
لك الإِلَّه فَرَجّي الخيرَ وانتظري
عن أمره ما يرى في النوم والسَّهَر
يَقِفُّ منه أعالي الجِلدِ والشعر
في صورةٍ أُكمِلَتْ في أهَيَبِ الصُّوَر
مما يُسَلِّم من حولي منَ الشجر
أن سوف يُبعثُ يتلو مُنْزَلَ السُّور
مني الجهاد بلا مَنٌّ ولا كَدر
١٦٥ - حدثنا عمر بن محمد بن جعفر قال ثنا إبراهيم بن علي قال ثنا النضر
ابن سلمة قال ثنا فليح بن إسمعيل عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الإمامي(٦) عن يزيد
ابن رومان الزهري(٧) عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها:
أنّ رسولَ الله وَِّ كان جالساً مع خديجةَ يوماً من الأيام، إذ رأى
شخصاً بين السماءِ والأرض لا يزول، فقالت خديجةُ: أَدنُ مني، فدنا
(ح/ ١٦٥) لم أجده عند غير أبي نعيم - ر: الخصائص ٢٣٤/١ -.
(١) كذا - وفي دلائل البيهقي ٤٠٥/١.
أمراً أراه سيأتي الناس عن أُخَر)»
((جاءت لتسألني عنه لأخبرها
(٢) كذا - وفي دلائل البيهقي ((قديم الدهر)).
(٣) كذا - وفي دلائل البيهقي ((فقلت عَلَّ الذي ترجين ينجزه)).
(٤) كذا - وفي دلائل البيهقي ((فقال حين أتانا)).
(٥) كذا - وفي دلائل البيهقي ((أيصدقني)).
(٦) صدوق يخطىء.
(٧) الصواب يزيد بن رومان (الأسدي)) ثقة - ر: تهذيب التهذيب -.

٢١٩
الفصل الرابع عشر
ح / ١٦٦
منها، فقالت له أتراه؟ فقال النبي رَّه: نعم، قالت خديجة: أدْخِل رأسَك
تحت دِرْعي، ففعل ذلك، فقالت خديجة له: أتراه؟ فقال النبي تلاقول: لا ،
قد أعرض عني، قالت خديجة: أَبْشِر فإنه مَلَكٌ كريم، لو كان شيطاناً ما
استحیی .
فبينا رسول الله وسلم يوماً من الأيام إذ رأى شخصاً بين السماء والأرض
بجياد الأصغر إذ بدا له جبريل عليه السلام، فسلّم، فبسط بساطاً كريماً
مكللاً بالياقوت والزبرجد، ثم بحث في الأرض فنبعَ الماءُ، فعلَّم جبريلُ
عليه السلام رسولَ الله وَ لتر كيف يتوضأ، فتوضأ ◌َلاير، ثم صلى ركعتين نحو
القبلة، مستقبلَ الركن الأسود، وبشره بنبوته، ونزل عليه ﴿ إقرأ باسْمِ رَبِّكَ
الذي خَلَق﴾ - العلق ١ - ثم انصرف منقلباً، فلم يمرّ على حجرٍ ولا شجر
إلا وهو يسلم عليه، يقول: السَّلامُ عليك يا رسولَ الله، فجاءً إلى خديجة
فقال: يا خديجة أشْعِرْتُ بأن الذي كنتُ أراه قد بدا لي بساطاً كريماً،
وبحث لي في الأرض فنبع الماء، فعلّمني الوضوء، فتوضأت وصليتُ
ركعتين، فقالت خديجة: أرني كيف أراكَ؟ فأراها النبي ◌ُّر، ثم صلّت
معه وقالت: أشهد أنك رسول الله.
١٦٦ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا نضر بن عبد الملك البخاري بها سنة
ثمان وسبعين ومائتين قال ثنا عبدالله بن معاوية الدينوري قال ثنا معاذ بن محمد بن معاذ
ابن محمد بن أبيّ بن كعب قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أبي بن كعب:
أن أبا هريرة رضي الله عنه سألَ رسولَ الله وَلفيه، وكان حريصاً(١) أن
(ح/١٦٦) رواه عبدالله بن أحمد في زوائد المسند ورجاله ثقات وثقهم ابن حبان - ر:
مجمع الزوائد ٢٢٣/٨ - وأخرجه ابن حبان والحاكم وابن عساكر والضياء في المختارة كلهم من
طريق معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده أبي بن كعب أن أبا هريرة -
ر: الخصائص ١٦٠/١ -.
(١) في الأصل ((جرياً)) وما أثبتناه هو الصواب كما في مجمع الزوائد وغيره.

٢٢٠
الفصل الرابع عشر
ح / ١٦٦
يسأله عن الذي لا يسألُه غيره، فقال: يا رسولَ الله ما أولُ ما ابتُدِئت به من
أمر النبوة؟ فقال: إذ سألتني، إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حُجَج، إذا
أنا برجلين فوق رأسي يقول أحدُهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم،
فأخذاني فلصقاني بحلاوة القَفا، ثم شقّا بطني، فكان جبريل يختلف
بالماءِ فِي طَسْتٍ من ذَهَب، وكان ميكائيل يغسلُ جَوْفي، فقال أحدُهما
لصاحبه: آفِلِق صدرَه، فإذا صدري فيما أرى مفلوقاً لا أجد له وَجَعاً، ثم
قال: اشقق قلبَه، فشقّ قلبي، فقال، أخرجِ الغِلّ والحسد منه، فأخرج
شبه العلقة فنبذه، ثم قال: ادخل الرأفةَ والرحمة في قلبه، فأدخل شيئاً
كهيئة الفِضة ثم أخرج ذَروراً(١) كان معه، فذر عليه، ثم نقَرَ إبهامي، ثم
قال: اغد، فرجعت بما لم أغد به من رحمتي على الصغير ورِقتي على
الكبير.
قال الشيخ: وهذا الحديث مما تفرد به معاذ بن محمد، وتفرد بذکر
السن الذي شُقّ فيه عن قلبه، والذي رواه عبدالله بن جعفر عن حليمة
السعدية(٢)، ورواه عبد الرحمن بن عمرو (٣) عن عتبة بن عبد(٤) اتفقا على
أنه كان مسترضَعاً في بني سَعْد، وقد تقدم ذكره(٥).
(١) ذَروراً: مسحوقاً.
(٢) حديث عبد الله بن جعفر عن حليمة السعدية أخرجه ابن حبان في صحيحه - ر: زوائد ابن
حبان برقم / ٢٠٩٤ - والحاكم من طريق ابن إسحاق، ر: فتح الباري ٣٩٧/٧ -.
(٣) في الأصل ((عمر)) والصواب ما أثبتناه.
(٤) حديث عتبة بن عبد: أخرجه أحمد والطبراني ولم يسق المتن وإسناد أحمد حسن - ر:
مجمع الزوائد ٢٢٢/٨ - وأخرجه الدارمي رقم ١٣ وقال في الخصائص ١٥٩/١ أخرجه
أحمد والدارمي والحاكم وصححه ٦١٦/٢ والبيهقي والطبراني وأبو نعيم.
(٥) لم يتقدم ذكره وكأنه من الأحاديث التي حذفها صانع هذا المنتخب.