Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٧
المَوْسم، قال: اقتلوا هذا الصبيّ، فانسلّت به حليمة، فجعل الناسُ
يقولون: أيَّ صبيّ هو؟ فيقول: هذا الصبي، فلا يرون شيئاً، قد انطلقت
به أمه، فيقال له: ما هو؟ فيقول: رأيت غلاماً، وآلهتِه ليغلبنّ أهلَ دينكم،
وليكسرنَ أصنامكم، وليظهرنَّ أمرهُ عليكم، فطُلب بعُكاظ فلم يوجد،
ورجعت به حلیمة إلى منزلها، فكانت لا تعرضه لأحد من الناس، وقد نزل
بهم عرّاف فأخْرَج إليه الصبيانَ أهلُ الحاضر، وأبت حليمة أن تخرجه إليه،
إلى أن غفلت عن رسول الله وَل ◌ّ فخرج من الظلة(١)، فرآه العراف،
فدعاه، فأبى رسول الله وَليّ ودخل الخيمة، فجهد بهم العراف أن يخرج
إليه فأبت، فقال هذا نبيّ هَذَا نبيٌ (٢).
فلما بلغ أربع سنين كان يغدو مع أخيه وأخته في البَهم قريباً من
الحيِّ، قال فبينما هو يوماً مع أخيه في البَهم إذ رأى رسول الله وَلّ قد
أخذته غُمْيَة، فجعل يكلّم رسولَ اللهِ وََّ فلا يجيبُه، فخرج الغلامُ
يصيح بأمه: أدركي أخي القرشي، فخرجت أمُّه تعدو ومعها أبوه،
فيجدان أن رسول الله وَ له قاعداً مُنْتَقِع اللون، فسألت أمه أخاه ما
رأيت؟ قال: طائرين أبيضين فوقنا، فقال أحدهما: أهو هو؟ قال:
نعم، فأخذاه فاستلقياه على ظهره، فشقا بطنَه، فأخرجا ما كان في
بطنه، ثم قال أحدهما: أتني بماءٍ ثلجٍ، فجاء به فغسل بطنه، ثم قال
أتني بماء ورد، فجاء فغسل بطنه، ثم أعاده كما هو، قال، فلما رأى
أبوه ما أصابَه شاورَتْ أُّه أباه وقالت: نرى أن نردّه إلى أمه، إنّا نخاف
(١) في الخصائص ((المظلة)).
(٢) في الخصائص ذكر القصة إلى هنا، أما تتمة القصة فلما بلغ أربع سنين .. إلخ فلم نجدها
في الخصائص.

١٦٢
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٨
أن يصيبَه عندنا ما هو أشدُّ من هذا، فنرده إلى أمه فيعالج، فإني أخافُ
أن يكون به لَمَم(١)، فقال أبوه: لا والله ما به لمم، إن هذا أعظمُ
مولودٍ رآه أحدٌ بركةً، والله إنْ أصابه ما أصابه إلا حسداً من آل فلان،
لما يرون من عِظَّم بركته مذ كان بين أظهرنا يا حليمة، قالت: إني
أخافُ عليه، فنزلت(٢) به إلى أمّه، فذكرت من بركته وخيره، ولكنه قد
كان من شأنه، فأخبرتها خبره.
قال ابن عباس: رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين. وكان غيره
يقول: رُدَّ إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وكان معها إلى أن بلغ ستّ
سنین .
٩٨ - حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا عبدالله بن محمد بن عبد الكريم قال ثنا
أبو يوسف القلوسي (٣) قال ثنا الصَّلْت بن محمد أبو همام قال ثنا مسلمة بن علْقَمة (٤)
قال ثنا داود بن أبي هند قال:
لما ولدت آمنةُ ذهبَ عبدُ المطلب يطلب ظئراً، فوافق امرأةً من بني
سعد يقال لها حليمة، فجاء بها فدفعه إليها وشيّعها عبد المطلب وهو
يقول :
يا رَبَّ هذا الراكب المسافرِ محمدٍ فاقلب بخير طائرٍ
(ح/٩٨) الحديث مرسل. وانظر الأبيات في إتحاف الورى ٥٩/١ مع بعض الاختلاف،
وهي هنا أصح.
(١) اللمم: طرف من الجنون .
(٢) في الأصل ((فنزل)) فليتأمل.
(٣) لم نجد من الرواة من يسمى أبو يوسف القلوسي، ولعله أبو يوسف الفارسي - ر: تهذيب
التهذیب ۔۔
(٤) في الأصل (أبو مسلمة بن علقمة)) وما أثبتناه هو الصحيح، ومسلمة بن علقمة صدوق له
أوهام - ر: تهذيب التهذيب -.

١٦٣
ح / ٩٩
الفصل الحادي عشر
واخل عنه كلَّ خَلقٍ فاجرٍ
وازجُره عن طريقةِ الفواجِرِ
وجِنّةٌ تصيدُ بالهواجِر
أخْنَسَ لیس قلبه بطاهر
إني أراه مُکرمي وناصري
ذكر خروجه ودير مع أمه إلى المدينة زائراً أخواله:
٩٩ - أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن أبو عمر قال ثنا الحسن بن الجهم قال
ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال ثنا موسى بن محمد بن إبراهيم
ابن الحارث وعبدالله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْورَ بن مَخرْمَة وأبو بكر بن عبدالله
ابن محمد بن أبي سَبْرة بن أبي رُهْم العامري وربيعة بن عثمان بن عبدالله بن الهُدَير
التيمي وموسى بن يعقوب الزّمعي(١) عن(٢) عدة من شيوخه كل قد حدثه من هذا
الحديث بطائفة، وغير هؤلاء المُسَمِّن قد حدثوني أيضاً أهلُ ثقة وقناعة قالوا:
کان رسولُ الله ێ۔ یکون مع أمِّه، فلما بلغ ستَّ سنین خرجت به أمه
إلى أخواله بني عَدِي بن النجّار بالمدينة تزورُ أخواله، ومعه أمُّ أيمن(٣)،
فنزلت به في دار النّابغَة - رجل من بني عَديّ بن النجار - فأقامت به شهراً،
فكان رسول الله و سل و يذكر أموراً كانت في مقامه ذلك، لما نظر إلى أطُم بني
عدي بن النجار عرَفها، قال رَله: نظرتُ إلى رجلٍ من اليهود يختلف
إليّ، ينظر إليّ، ثم ينصرفُ عني، فلقيني يوماً خالياً، فقال: يا غلام ما
اسمك؟ قلت أحمد، ونظر إلى ظهري، فأسمعُه يقول: هذا نبيّ هذه
الأمة، ثم راح إلى أخوالي (٤) فخَبََّهُم الخَبَرِ، فأخبروا أميّ فخافَتْ عليَّ،
(ح/٩٩) فيه الواقدي متروك، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث منكر الحديث،
وأبو بكر بن عبدالله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم العامري رموه بالوضع. ذكر الحديث
في الخصائص ١٩٥/١ وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات ١١٦/١ من طريق الواقدي.
(١) في الأصل ((الزعمي)) فصححناه من تقريب التهذيب.
(٢) في الأصل ((في)).
(٣) اسمها ((بركة)) وهي أم أسامة بن زيد، وكانت حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام.
(٤) ذكر هذه القصة ابن سعد في الطبقات ١١٨/١، وابن عساكر عن الزهري - ر: الخصائص
٢٠١/١ -.

١٦٤
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٩
فخرجنا من المدينة، وكانت أم أيمن تحدث تقول: أتاني رجلان من اليهود
يوماً نصفَ النهار بالمدينة فقالا: أخرجي لنا أحمد، فأخرجتُه ونظرا إليه،
وقلّباه مَلِيّاً، حتى إنهما لينظران إلى سوأته، ثم قال أحدهما لصاحبه: هذا
نبيّ هذه الأمة، وهذه دارُ هجرته، وسيكون بهذه البلدة من القتل والسبي
أمرٌ عظيم.
قالت أم أيمن: ووعيت ذلك كلّه من كلامهما.
رجوعه وصل إلى مكة :
قالوا: فرجعت به أمه إلى مكة فلما كان بالأبواء(١) توفيت آمنة
بالأبواء فرجعت به أمّ أيمن على البعيرين اللذين قدما(٢) عليهما مكة،
وكانت تحضنه.
قالوا: وورِث رسولُ اللهِ وََّ من أبيه أُمَّ أيمن، وخمسة أجمالٍ أو
رُكُب، وقطيعة غنم، وكانت أم أيمن تحضنه، ولما تزوج خديجةً أعتَقَها.
قالوا: فلما توفيت آمنةُ قبَضَهُ عبدُ المطلب، فضمَّه إليه، وكانت أمُّ
أيمن [ هي ](٣) التي قَدِمَت به مكة، فَرَقَّ له عبد المطلب رقة لم يرقها
على ولد، وكان يقرِّبُهُ ويُدنيه، وكان عبد المطلب إذا نام لم يدخل عليه
أحد إعظاماً له، وإذا خلا كذلك أيضاً، وكان له مجلس لا يجلسُ عليه
غيرُه، وكان يُفرشُ له في ظلِّ الكعبة فِراشٌ، ويأتي بنو عبد المطلب
فيجلسون حول ذلك الفراش ينظرون إلى عبد المطلب، ويأتي رسولُ
الله ◌َ﴿ حتى يرقى على الفراش فيجلس عليه، فيقول له أعمامه: مهلاً يا
محمد عن فراش أبيك، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني إنه
(١) الأبواء: بليدة بينها وبين الجُحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً.
(٢) في الطبقات ١١٨/١ ((قدموا)) يعني الرسول وآمنة وأم أيمن.
(٣) ما بين الحاصرين من زياداتنا ..

١٦٥
الفصل الحادي عشر
ح / ١٠٠ - ١٠١
لَيُؤْنس ملِكاً، ويقال إنه قال: إن ابني ليحدِّث نفسه بذلك.
قالوا: وخرج رسولُ الله ◌ُێ يوماً يلعب مع الصبیان حتى بلغ الرّئْم،
فرآه قومٌ من بني مُدْلِج فدعوه، فنظروا إلى قدميه وإلى أثره، ثم خرجوا في
إثره فصادفوه قد لقيه(١) عبد المطلب فاعتنقه، وقالوا لعبد المطلب ما هذا
منك؟ قال: ابني، قالوا: احتفظ به، فإنا لم نرَ قدَماً أشبه بالقدم الذي
بالمقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هذا؛ وكان أبو
طالب يحتفظ به.
١٠٠ - قالوا: بينا يوماً عبدُ المطلب جالسٌ في الحِجْر، وعنده
أسقُف نَجْران، وكان صديقاً له، وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبي بقي
من ولدٍ إسمْعيل هذا [البلد](٢) مولده، من صفته كذا وكذا، فأتى رسول
الله ◌َيّ على بقية هذا الحديث، فنظر إليه الأسقُف وإلى عينيه وإلى ظهرِه
وإلى قدميه، فقال: هو هذا، ما هذا منك؟ قال: ابني، قال الأسقُف: ما
نجدُ أباه حياً، قال عبد المطلب: هو ابن ابني، وقد مات أبوه وأمُّه حُبْلى
به، قال: صدَقْت، قال عبد المطلب لبنيه: تَحَفَّظوا بابن أخيكم، ألا
تسمعون ما يقال فيه.
١٠١ - قال فحدثني موسى بن شيبة عن خارجة بن عبدالله بن كعب بن مالك عن
أبيه قال:
حدثني شيوخ من قومي أنهم خرجوا عُمَّاراً وعبد المطلب يومئذ حَيُّ
بمكة، ومعهم رجل من يهود تَيْماء(٣) صحبهم للتجارة يريد مكة أو اليمن،
(ح / ١٠٠) هو بإسناد الحديث ٩٩ فارجع إليه.
(ح/ ١٠١) هو من طريق الواقدي وهو متروك - ر: الخصائص ٢٠٤/١ - وفيه أيضاً موسى
ابن شيبة لين الحديث.
(١) العبارة في الأصل هكذا ((فصادفوه عبد المطلب قد لقيه ... )).
(٢) ما بين الحاصرّين من السيرة الحلبية ١٢٢/١.
(٣) تيماء: قرية في أطراف بلاد الشام بين الشام ووادي القرى.

١٦٦
ح / ١٠٢ - ١٠٣ - ١٠٤
الفصل الحادي عشر
فنظر إلى عبد المطلب فقال: إنا نجدُ في كتابنا الذي لم يُبدَّل أنه يخرج من
ضِْضِيء (١) هذا نبيُّ يقتلنا وقَوْمَه قَتْلَ عاد.
وفاة عبد المطلب وضمّ أبي طالب رسولَ الله وَالآتى :
١٠٢ - قالوا: وتوفي عبدُ المطلب وهو ابن عشر ومائة سنة ويقال ابن
اثنتين وثمانين سنة.
١٠٣ - حدثني(٢) أبي سبرة عن سليمان(٣) بن سُحَيْم عن نافع بن جبير قال:
سُئل رسولُ اللهِ وَلَ أَتذكرُ موتَ عبد المطلب؟ قال: نعم وأنا ابن
ثمان سنين.
١٠٤ - قالوا: فلما توفي عبدُ المطلب ضمَّ أبو طالب رسولَ الله ◌ِه
وهو ابن ثمان سنین، وکان یکون معه، وکان أبو طالب لا مال له، وكان له
قَطِيعَة من إبلٍ تكون بعُرَنة(٤) يبدو إليها فيكون ينشأ فيها، ويوتى بلبنها إذا
كان حاضراً بمكة، وكان أبو طالب قَدْ رَقَّ عليه وأحَبَّه، وكان إذا أكلَ عيانُ
أبي طالب جميعاً أو فُرادى لم يَشْبَعوا، وإذا أكلَ معهم رسولُ الله وَلِّ شَبِعوا.
وكان إذا أراد أن يُعَشِيّهم أو يُغدّيهم فيقول: كما أنتم حتى يحضرَ
ابني، فيأتي رسول الله ﴿ ﴿ فيأكل معهم فكانوا يُفْضِلون من طعامِهم، وإن
كان لبناً شرب رسول الله وَّ أَوَّلهم، ثم يتناول العِيالُ القَعْب(٥) فيشربون
(ح/١٠٢) هذا بإسناد الحديث ٩٩ راجع أيضاً طبقات ابن سعد ١١٩/١.
(ح/١٠٣) حديث مرسل. وهو من رواية الواقدي وهو متروك.
(ح/١٠٤) هذا بإسناد الحديث ٩٩ راجع طبقات ابن سعد ١١٩/١ والخصائص ٢٠٥/١
وقال أخرجه ابن سعد وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس ومن طريق مجاهد وغيره.
(١) ضئضيء فلان: أصل فلان.
(٢) القائل حدثني هو الواقدي وهو متروك.
(٣) في الأصل ((سليم)) وما أثبتناه هو الصّواب.
(٤) غرقة بضم أوله وفتح ثانيه بعده نون وهاء التأنيث وهووادي عرفة قاله البكري في معجم ما استعجم.
(٥) الإِناء الذي يشرب فيه.

١٦٧
الفصل الحادي عشر
ح / ١٠٥ - ١٠٦ - ١٠٧
منه فيروون عن آخرهم من القَعْب الواحد، وإن كان أحدُهم لَيَشرب قَعْباً
وحده، فيقول أبو طالب إنك لمبارَك، وكان الصبيان يصبحون شُعْئاً رُمْصاً،
ويصبحُ رسولُ اللهِوَلِ دَهيناً كحيلاً.
١٠٥ - قال فحدثني علي بن عُمَر بن الحُسين عن عبدالله بن محمد بن عَقيل عن
ابن الحنفية عن عقيل بن أبي طالب قال:
سمعته يقول: كنا إذا أصبحنا وليس عندنا طعام لِصَبوحِنا يقول أبو
طالب: أي بُنَّيّ اتوا زمزم، قال فنأتي زمزم فنشرب منها فنجتزیء به.
١٠٦ - قال فحدثني محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أهله عن أم
أیمن قالت:
ما رأيتُ رسول الله وَّه شكا جوعاً قط ولا عطشاً، فكان يغدو إذا
أصبح فيشربُ من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغَداء فيقول: لا
أريد، أنا شبعان .
١٠٧ - وحدثنا أبو عمر بن حمدان قال ثنا الحسين بن سفيان قال ثنا زهير بن
سلام قال ثنا عمر بن محمد قال ثنا طلحة بن عَمْرو(١) عن عطاء بن أبي رباح عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال:
كان النبيُّ ◌َّ﴿ في حِجْر أبي طالب بعد جده عبد المطلب، فيصبحُ
ولد عبد المطلب غُمْصاً(٢) ويصبح رسول الله وَلَّ دَهيناً صقيلاً.
(ح / ١٠٥) القائل قال: هو الواقدي فهو راجع إلى سند الحديث (٩٩) وفيه علي بن عمر
ابن الحسين وهو مستور وعبدالله بن محمد بن عقيل صدوق فيه لين وبقية إسناده ثقات - ر:
تقريب التهذيب -.
(ح/١٠٦) قال في الخصائص ٢٠٥/١ ((أخرجه أبو نعيم من طريق الواقدي)) قال: حدثني
محمد بن الحسن بن أسامة ...
(ح/١٠٧) أخرجه ابن سعد ١١٩/١ وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عطاء بن أبي رباح
عن ابن عباس - ر: الخصائص ٢٠٤/١ - ورواية أبي نعيم من طريق طلحة بن عمرو وهو
متروك - ر: تقريب التهذيب -.
(١) في الأصل ((طلحة بن عمر)) فصححناه من تقريب التهذيب.
(٢) الغمص في العين: ما سال من العين من رمص.

١٦٨
الفصل الحادي عشر
ح / ١٠٨
ذكر خروج رسول الله ﴿ إلى الشام في المرة الأولى وما اشتمل عليه
ذلك من الدلائل المتقدمة لنبوته 18 وهو ابن عشر سنين.
١٠٨ - أجمعت قريش أن يجهزوا عيراً إلى الشام بتجارات وأموال غظام،
وأجمع أبو طالب المسير في تلك العير، فلما تهيأ له المسير انتظر رسولَ الله وَّ هل
يشخص معه، فرقّ عليه أبو طالب قال: أتخرج؟ فكلمه عمومتُه وعماته، وقالوا لأبي
طالب: مِثلُ هذا الغلام لا يُخرَج به، تعرِّضُه للأرْياف والأوْباء، فهمّ أبو طالبٍ بتخليفه،
فرآه يبكي، قال: ما لَكَ يا ابن أخي؟ لعل بكاءَك من أجل أني أريد أن أخلِّفَك، فقال
رسول الله و9: نعم، فقال أبو طالب: فإني لا أفارقُك أبداً، فاخرُج معي، فخرج، فلما
نزل الركب بُصْرى من الشام وبها راهبُ يقال له ((بَحيرا)) الراهب في صومعة وكان علماءُ
النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا ببحيرا وكان
كثيراً ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمُهم، حتى كان ذلَّك العام، فنزلوا قريباً من صَوْمَعَتِه
وقد كانوا ينزلون قبل ذلك، فلما مرّوا عليه صنع لهم طعاماً ودعاهم، وإنما حمله على
ذلك أنه رآهم حين طلعوا وغَمامَةٌ تُظِلَّ رسولَ الله ◌َّ من بين القوم، حتى نزلوا تحت
شجرة، ثم نظر تلك الغَمَامة قد أظلَّت الشجرة فتهصّرت(١) أغصانُ الشجرةِ على
النبي وَّ حتى استظَلّ، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي
به، وأرسَل إليهم: يا معشر قريش إني قد صنعتُ لكم طعاماً، وأنا أُريد أن تَحْضُروه ولا
يتخلفَنّ منكم صغيرٌ ولا كبير، ولا حُرّ ولا عبد، فإن هذا شيء تكرمونني به، فقال رجل
من القوم: إن لك لشأناً يا بَحيرا، ما كنت تصنعُ قبل هذا، فما شأنك اليوم، فقال
أحببت أن أكرمكم، ولكم عليّ حقٍ، فاجتمعوا إليه، وتخلّف رسول الله وَّ لحداثة
سنه، ليس في القوم أصغر منه سناً، ينظرُ رجالَهم تحتَ الشجرة، فلما نظر بَحيرا إلى
القومِ ولم ير الصِّفَة التي يَعرفُ ويجدُها عنده، وجعل ينظر فلا يرى الغَمّامة على أحد
(ح/١٠٨) هكذا أخرجه أبو نعيم بدون إسناد، ولكن قال السيوطي في الخصائص ٢١١/١
أخرجه أبو نعيم عن الواقدي عن شيوخه: قلت فلعله عطفه على إسناد الحديث رقم (٩٩) فسقط
في الأصل. وقال ابن حجر في الإصابة ١٧٩/١ ذكره أبو نعيم في الدلائل عن الواقدي وكذا هو
في طبقات ابن سعد عنه بإسناده أنه كان له حينئذ اثنتا عشر سنة وذكر القصة - ر: طبقات ابن
سعد ١٢١/١ - والواقدي متروك. وقال السيوطي في الخصائص ٢٠٨/١ أخرجه البيهقي عن ابن
إسحاق مع زيادة شعر أبي طالب، وأخرج هذه القصة ابن هشام في السيرة ١/ ١٨٠ قال قال ابن
إسحاق فذکرها.
(١) في الأصل ((فاخضرت)) وما أثبتناه هو الصحيح، كما في سيرة ابن هشام والخصائص، ومعنى
تهصرت: مالت وتدلت.

١٦٩
الفصل الحادي عشر
ح / ١٠٨
من القوم، ويراها محلّقة على رسول الله وَّر، قال بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفن
أحدٌ منكم عن طعامي هذا، قالوا: ما تخلّف أحدٌ إلا غلام، وهو أحدث القوم سناً في
رحالنا، قال ادعوه فليحضر طعامي، فما أقبح من أن تحضروا ويتخلف واحد، إني أراه
من أنفسكم، قالوا هو والله من أوسطِنا(١) نسباً، وابنُ أخي هذا الرجل، وهو من ولدٍ عبد
المطلب، فقام الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف فقال: والله كاد اليوم أن يتخلف
ابنُ عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأقبل به حتى أجلسَه على الطعام،
والغَمامَةُ تسِيرُ على رأسه، وانقلعت الشجرةُ من أصلِها حين فارقَها رسولُ الله ◌َّهَ، وجعل
بَحيرا يلحظُه لحظاً شديداً وينظر إلى شيء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته،
فلما تفرّقوا عن طعامِهِم قامَ إليه بَحيرا فقال: يا غلامُ أسألك بحقّ اللّتِ والعُزّى، إلّ
أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال رسول الله صل﴿: وأي حقٍّ لهما عندي؟ لا تسألني بحقّ
اللّتِ والعُزّى، فوالله ما أبْغضتُ شيئاً قطُّ بغضَهما، وما تأمّلتهما بالنظر إليهما كراهة
لهما، ولكن اسألني بالله أخبرك عما تسألني عنه إن كان عندي علم، قال بحيرا: فبالله
أسألك، وجعل يسأله عن أشياءَ من أحواله فيخبرُه، حتى سأله عن نومه؟ فقال رسول
اللهِ وَلَّ: تنامُ عينايَ ولا ينام قلبي، وجعل ينظرُ في عينيه إلى الحُمرة، ثم قال لقومه:
أخبروني عن هذه الحمرة تأتي وتذهب، أو لا تفارقه؟ قالوا ما رأيناها فارقتْه قطّ، وكلّمه
أن ينزع جُبَّة عليه، حتى نظر إلى ظهره وإلى خاتم النبوة بين كتفيه عليه السلام مثل زرِّ
الحجلة متواسطاً، فاقشعرَّت كلَّ شعرةٍ في رأسه، وقبّل موضِعَ خاتم النبوة، وجعلت
قريشُ تقول إن لمحمد عند هذا الرّاهب لقدْراً، وجعل أبو طالب ــ لمّا رأى من الراهب -
يخافُ علی ابن أخيه.
ثم قال الراهب لأبي طالب ما يكون هذا الغلام منك؟ قال: ابني،
قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون أبوه حياً، قال: فإنه ابن أخي،
قال: فما فعل أبوه؟ قال أبو طالب: توفي وأمه حبلى به، قال: فما فعلت
أمُّه؟ قال: توفيت قريباً قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلدك وأحذّر
عليه اليهودَ، فوالله إن رأوْه أو عرفوا منه الذي أعرفُ لَيَبْغُنَّه عنتاً(٢) فإنه كائن
لا بن أخیك شأنٌ عظيمٌ نجده في کتبنا، وما ورثنا من آبائنا، وقد أُخِذ علینا
(١) أوسطنا نسباً: أعلانا.
(٢) في الأصل ((ليغتنه غتا)) فصححناه من الخصائص وسيرة ابن هشام.

١٧٠
الفصل الحادي عشر
ح / ١٠٩
مواثيق، قال أبو طالب: من أخذها عليكم؟ فتبسم الراهب ثم قال: اللَّهُ
أخذها علينا، نزل به عيسى ابن مريم، فاقللِ اللّبثَ وارجعْ به إلى بلده
ومولده، فإني قد أديتُ إليك النصيحة، فإن اليهود تطمع أن يكون فيها،
ومتى يعلموا أنه من غيرها يحسدوه.
قال: ورآه رجالٌ من اليهودِ فأرادوا أن يغتالوه، وعرفوا صفته، وهم
زريد وتمّام ودبيس(١) وهم من أهل الكتاب، كانوا قد هموا وأجمعوا أن
يغتالوه، فذهبوا إلى بَحيرا فذاكروه ذلك وهم يظنون أن بَحيرا سيتابعُهم
على رأيهم، فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم،
قال: فما لكم إليه سبيل، فتركوه، وخرج به أبو طالب راجعاً سريعاً خائفاً
من اليهود أن يغتالوه .
قال: وشبّ رسول الله وَله مع أبي طالب يكلؤه الله ويحفظه من أمور
الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته، وعلى دين قومه حتى بلغ أن
كان رجلاً أفضل قومه مروءةً، وأحسنهم جواراً، وأكرمهم مخالطة،
وأحسنهم خُلُقاً، وأعظمهم حُلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة،
وأبعدهم من الفُحْش والأذى، ما رؤي مُلاحِياً أحداً، ولا مُمارياً أحداً،
حتى سماه قومه الأمين، لِمَا جمع اللَّهُ له من الأمور الصالحة، فلقد كان
الغالبُ عليه بمكة ((الأمين)).
١٠٩ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة
(ح/١٠٩) أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي رقم ٣٦٢٤ وحسنه، والحاكم وصححه،
والبيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف عن أبي موسى الأشعري - الخصائص / ٢٠٦ - وقال
ابن حجر في الإصابة ١٧٩/١ أخرجها الترمذي وغيره بإسناد رجاله ثقات، وقال في الفتح =
(١) في السيرة والخصائص ((زريراً وتمّاماً ودُريساً)).

١٧١
ح / ١٠٩
الفصل الحادي عشر
قال ثنا أبي وعمي أبو بكر قالا ثنا قُرَاد (١) أبو نوح قال ثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي
بكر بن أبي موسى عن أبيه قال:
خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه رسولُ الله وَّرِ وأشياخٌ من
قريش، فلما أشرفوا على الراهب، هبطوا، فحلّوا رِحالَهم، فخرج إليهم
الراهب، وقد كان قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفِتُ قال: فهم
يحلّون رحالَهم فجعل يتخلَّلُهم، حتى جاء فأخذ بِيَدِ رسول الله وَّ فقال:
هذا سيِّد العالمين، هذا رسولُ ربِّ العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين.
فقال له أشياخُ قريش: ما أعلمك؟ قال إنكم حين أشرفتم من العَقَّبَة
لم يبقَ شجرٌ ولا حَجَر إلا خرَّ ساجداً، ولا يَسْجُدُ إلّ لنبي، وإني لأعرفه
بخاتم النبوة بأسفل من غُضْرُوف كتفيه مثل التفاحة، ثم صنع لهم طعاماً،
فلما أتاهم به وكان هو في رِعيةِ الإِبل، قال: أرسلوا إليه، فأقبل، وعليه
غَمامَة تظله، فلما دنا نظروا إليه وعليه غمامة تُظله، فلما دنا من القوم
وجدهم قد سبقوه إلى الشجرة، فلما جلس مال فَيْءُ الشجرة عليه، قال،
فبينا هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم لو رأوه
عرفوه بالصِّفَة فقتلوه، فالتفتَ فإذا هو بسبعةِ نفرٍ قد أقبلوا من الروم
فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي الذي بلغنا أنه خارج
في هذا الشهر، فلم يبق طريقٌ إلا وقد بُعِثَ إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره،
فُبُعثنا إلى طريقكم، فقال لهم: هل خلَّفتم خلفكم أحداً هو خيرٌ منكم؟
= ٣٤٥/١٠ أخرجها الترمذي بإسناد قوي وقال السيوطي في الخصائص: قال البيهقي هذه القصة
مشهورة عند أهل المغازي إلا أن الذهبي ضعف الحديث لقوله في آخره ((وبعث معه أبو بكر
بلالاً)) فإن أبا بكر لم يكن آن ذاك متأهلاً ولا اشترى بلالاً، وقد قال ابن حجر في الإصابة:
الحديث رجاله ثقات وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة فتُحمّل على أنها مدرجة فيه، وفي الجملة
هي وهمٌ من أحدٍ رُواته.
(١) هو عبد الرحمن بن غزوان.

١٧٢
الفصل الحادي عشر
ح / ١١٠
قالوا: لا، إنما أخبرنا خَبَره، فُبُعثنا إلى طريقك هذا، قال: أفرأيتم أمراً
أراد الله عز وجل أن يقضيَه هل يستطيع أحد من الناس رَدَّه؟ قالوا: لا،
فبايعوه، فأقاموا معه، فأتاهم، فقال: أنشدتُكم بالله أيكم وليّه؟ قال أبو
طالب: أنا، فلم یزل یناشِدُه حتی ردّه أبو طالب، وبعث معه بلالا وزوّده
الراهبُ من الكعك والزيت.
ذكر خروج النبي و چر إلى الشام ثانياً مع ميسرة غلام خديجة رضي
الله عنها وقصة نسطورا الراهب .
١١٠ - أخبرنا أبو عمر ومحمد بن أحمد بن الحسين قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا
الحسين بن الفَرَج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي وثنا أبو محمد ابن حيَّان قال ثنا
إسحاق بن إبراهيم بن جميل قال ثنا إسحاق بن الفَيْض قال ثنا إبراهيم بن أحمد
البغدادي قال ثنا محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي قال ثنا موسى بن شَيْبَة عن
عُمَيرة بنت عبدالله(١) بن كعب بن مالك عن أم سعد بن الربيع عن نَفِيسة بنت أمية(٢)
أخت يَعلى، سمعتها تقول.
لما بلغ رسولُ الله وَلّ خمساً وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا
الأمين، لِمَا تكاملت فيه من خصال الخير، قال له أبو طالب: يا ابن أخي
أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمانُ علينا وألحّتْ علينا سنون مُنْكرة، ليس
لنا مادّة ولا تجارة، وهذه عيرُ قومِك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجةٌ
بنت خُوَيْلد تبعث رجالاً من قومك في عِيرَاتها فيتّجرون لها ويصيبون
منافع، فلو جئتها فعرضت نفسَك عليها لأسرعت إليك وفضَّلتك على غيرك
(ح/ ١١٠) أخرجه ابن سعد ١٢٩/١ وأبو نعيم وابن عساكر عن نفيسة بنت مُنيّة - انظر:
الخصائص ٢٢٦/١ - وفيه الواقدي وهو متروك.
(١) في الطبقات لابن سعد ((بنت عبيد الله عن أم سعد بنت سعد بن الربيع)).
(٢) وفي تقريب التهذيب ((يعلى بن أمية بن أبي عبيدة. هو يعلى بن مُنْيَة بضم الميم وسكون
النون بعدها تحتانية مفتوحة وهي أمه)).

١٧٣
ح / ١١٠
الفصل الحادي عشر
لما يبلُغها من طهارتك، وإني كنت لأكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من
اليهود، ولكن لا نجد من ذلك بدأً، - وكانت خديجةُ امرأةً تاجرة ذات
شرف ومال كثير وتجارة، وتبعث بها إلى الشام، فيكون عيرُها كعامة عير
قريش، وكانت تستأجرُ الرجلَ، وتدفع إليه المال مضاربة، وكانت قريش
قوماً تجاراً، من لم يكن تاجراً فليس عندهم بشيء - قال رسول الله (ريال) :
فلعلها أن ترسل إليَّ في ذلك، قال أبو طالب إني أخاف أن تولي غيرك،
فتطلب أمراً مذبراً، فافترقا، فبلغ خديجة ما كان من محاوَرَة عمه له، وقَبْلَ
ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه فقالت ما
دَرَيْتُ أنه يريد هذا، ثم أرسلت إليه فقالت: إنه قد دعاني إلى البعثة إليك
ما بلغني من حديثك وعِظَم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما
أعطي رجلاً من قومك، ففعل رسول اللّه وَّرَ، فلقي أبا طالب فقال له
ذلك، فقال: إن هذا لرزقٌ ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها ((مَيْسَرة)) حتى
قدم الشام، وجعلَ عمومتُه يوصون به أهلَ العير حتى قدِمَ الشام، فنزلا في
سوق بُصْرى في ظل شجرةٍ قريباً من صومعة راهبٍ من الرهبان يقال له
((نَسْطُورا).
قال، فتطلع الراهب إلى ((مَيْسَرة)) وكان يعرفه، فقال: يا مَيْسَرةَ من
هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال: من قريش، من أهل الحَرَم، قال
له الراهب: ما نزل تحتَ هذه الشجرة قطُّ إلّ نبي، ثم قال: أفي عينيه
حُمْرة؟ قال مَيْسَرة: نعم، لا تفارِقُه قط، قال الراهب: هذا هو، وهو آخر
الأنبياء، ويا ليت إني أدركته حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ((مَيْسَرة)). ثم
حضر رسولُ الله پے سوقَ بُصری، فباع سلعته التي خرج بها، واشترى،
فكان بينه وبين رجلٍ اختلاف في سلعة، فقال له الرجل: احلف باللّتِ
والعُزّى، فقال رسول الله وَله: ما حلفتُ بهما قطَّ، وإني لأمُرُّ بهما فأعرض

١٧٤
الفصل الحادي عشر
ح / ١١١
عنهما، فقال الرجل: القولُ قولك، ثم قال لميسرة، وخَلا بِهِ، يا ميسرة
هذا نبي، والذي نفسي بيده أنه لهو هو، ويجدهُ أحبارنا مَنْعوناً في كتبهم.
فوعى ذلك ((ميسرة)). ثم انصرف أهلُ العير جميعاً(١)، وكان ميسرة يرى
رسول الله وَ﴿ إذا كانت الهاجرة واشتد الحَرُّ يرَى مَلَكَيْن يُظِلانه من الشمس.
وهو على بعيره.
قال: وقدم رسول الله وَل﴿ بتجارتها قد ربحت ضعف ما كانت تربح،
وأضعَفَت له ما سمَّتْ له.
قال الشيخ: وما تضمن هذا الفصل من أحواله وَلقه من حين تزوجت
آمنة، وحملها، ووضعها به، واسترضاعه، وحضانة حليمة ظهره، إلى أن
بلغَ خمساً وعشرين سنة، المقرونة بالآيات، دلالةً على ثبوته وَّهَ بخروجها
على المُتعارَف والمعتاد، مع توسُّم أهلِ الكتابِ وغيرِهم الأمارات التي
دونتها الكتب المتقدمة، والأخبار السالفة بالبشارات به، فترقبهم لمبعثه
ومخرجه، علامات ودلائل لمن أراد به الإِيمان، وصار به مؤمناً موقناً،
ولنبوَّتِه محققاً.
١١١ - حدثنا أبو عمر بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان قال ثنا عبد الأعلى
ابن حماد قال ثنا عثمان بن عُمَيْر قال ثنا يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن
جابر قال :
كنا مع رسول الله وَّ نجني الكبَاث(٢) فقال (عليكم بما اسودَّ منه
(ح/١١١) أخرجه البخاري في صحيحه - ر: فتح الباري ٢٦٠/٧ - ومسلم في صحيحه
كتاب أحاديث الأنبياء باب يعكفون على أصنامهم ١٢٥/٦ .
(١) في الأصل ((ثم انصرف فإذا أهل العير جميعاً)) و((إذا)) زائدة كما يظهر وهي من أخطاء
النساخ.
(٢) الكباث: النضيج من ثمر الأراك.

١٧٥
الفصل الحادي عشر
ح / ١١٢ - ١١٣
فإنه أطيْبَهُ فقلنا: وكنت ترعى الغنم؟ فقال: نعم، وهل من نبي إلّ وقد
رعاها).
١١٢ - حدثنا أحمد بن جعفر النسابي ومحمد بن حميد في جماعة قالوا ثنا
عبدالله بن محمد بن عبد العزيز قال ثنا محمد بن حسان السمتي قال ثنا عمْرُو بن يحيى
ابن سَعيد بن عَمْرو(١) عن أبي هريرة قال:
سمعت رسول الله وَليل يقول: (ما بعث الله نبياً إلّ راعي غنم، قالوا:
وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا كنتُ أرْعاها لأهلي بمكة (٢) بالقَراريط)(٣).
ومما يدخلُ في هذا الباب مما خصّ الله به نبيه في الجاهلية الجَهْلاء
أن وفقه لوضع الحجر الأسود موضعَه بيده لما اختلفتْ قريشٌ في وضعه،
دلالةً بصحة نبوته.
١١٣ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا أحمد بن القاسم بن مشاور قال ثنا
سعيد بن سليمان الواسطي قال ثنا عباد بن العوام عن هلال بن خَبَّب عن مجاهد قال
حدثني مولاي عبدالله بن السائب قال:
كنت فيمن بنى البيتَ وأخذتُ حجراً فسوّيته ووضعتُه إلى جَنْب
(ح/١١٢) أخرجه البخاري في صحيحه من طريق ابن عمرو بن يحيى بن سعيد من جده
عن أبي هريرة - ر: فتح الباري ٣٤٨/٥ -. وأخرجه مالك في الموطأ ٩٧١/٢، وابن ماجة برقم
٢١٤٩.
(ح/١١٣) أخرجه أحمد وفيه هلال بن خباب وهو ثقة وفيه كلام وبقية رجاله رجال
الصحيح - ر: مجمع الزوائد ٢٩٢/٣ - وقال ابنُ حجر: هلال بن خباب صدوق تغيّر في آخره
ـ ر: تهذيب التهذيب -. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤٥٨/١ وقال صحيح على شرط مسلم
وله شاهد صحيح على شرطه.
(١) في صحيح البخاري حدثنا عمرو بن يحيى عن جده قال ابن حجر جده هو سعيد بن عمرو
ابن سعيد بن العاص الأموي.
(٢) في البخاري لأهل مكة.
(٣) قال ابن حجر قال سويد بن سعيد أحد رواته عند ابن ماجة: يعني كل شاة بقيراط، يعني
القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم.

١٧٦
الفصل الحادي عشر
ح / ١١٤
البيت(١)، وإن قريشاً قد اختلفوا في الحجر حیث أرادوا وضعه، حتى كاد
أن يكون بينهم قتالٌ بالسيوف، فقالوا: اجعلوا بينكم أولَ رجل يدخلُ من
الباب، فدخلَ رسولُ اللهِ وَّر، وكانوا يسمونه في الجاهلية ((الأمين)) فقالوا:
قد دخلَ الأمين، فقالوا: يا محمد قد رضينا بك، فدعا بثوبٍ فبسطه، ثم
وضع الحَجَر فيه، ثم قال لهذا البطن ولهذا البطن، لجميع البطون من
قريش: ليأخذ كلُّ رجلٍ من كلِّ بطنٍ منكم بناحيةٍ من الثوب، فرفعوه،
فأخذَه رسولُ الله ێ فوضعه.
١١٤ - حدثنا أبو عمر العثماني عثمان بن محمد قال ثنا أبو يزيد خالد بن النضر
القرشي قال ثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه قال:
لما أخذتْ قريشٌ في بناء الكعبة فانتهوا إلى موضع الحجر الأسود
تنازعتْ فيه الأرباع من تلك القبائل، وتحاسدت: أيهم يلي رفعه، حتى
ألمَّ أن يكون بينهم فيه أمرٌ شديد، فصارَ من أمرهم أن يحكُّموا أولَ رجلٍ
يدخلُ عليهم البابَ من نحوهم، وتعاقدوا باللّهِ ربِّ البيتِ أن يوَلَّه إياه من
كان، فخرج عليهم نبيّ الله وَّر من ذلك الباب - أمْراً اختصه الله عز وجل
به - وهو يومئذ يُدعى ((الأمين)) فقالت القبائلُ من قريش: هذا الأمينُ ابن
عبد المطلب، وهو بيننا، وقد رضينا به، فلما انتهى إليهم قال لهم: ما
أمرُكم هذا، قالوا: يا ابن عبد المطلب تنازعنا في هذا الحجر وتحاسدنا،
فجعلناه إلی أول من يدخل علينا من هذا الباب، فكنت أول داخل فافعل
(ح/١١٤) هذا حديث مرسل لأن سليمان وهو ابن طرخان من التابعين، وقد رويت هذه
القصة من طرق أخرى قال ابن حجر في الفتح ١٤٦/٨ وذكرها ابن إسحاق ١٩٧/١ ورواها
إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عروة عن علي، وكذا أبو داود الطيالسي برقم ٢٣١٦
وأخرجها ابن سعد في الطبقات ١٤٥/١ من حديث ابن عباس وجبير بن مطعم من رواية
الواقدي، وذكرها السيوطي في الخصائص ٢٢٤/١ معزوة إلى أبي نعيم.
(١) زاد أحمد والحاكم ((أعبده من دون الله تعالى)).

١٧٧
الفصل الحادي عشر
ح / ١١٥ - ١١٦
فيه أمراً تُصلِح قومَك، فأخذ رسول الله وَّ ثوباً فبسطه، ثم أخذ الحجرَ
فوضعه فيه، ثم أمر تلك القبائل فأخذوا بجوانب الثوب، فرفعوه على
إصلاحٍ منهم وجماعة حتى انتهى إلى موضع الحجر، فأخذه رسولُ
الله وَل﴾ فوضعه بيده، ووَلَّه الله عز وجل ذلك قبل مبعثه بسبعٍ سنين.
١١٥ - قال الواقدي وحدثني محمد بن أبي حميد عن مَوْدُود(١) مولى عمر بن
علي عن عمر بن عليٍّ قال:
قال رسول الله وَله: أنا وضعتُ الرُّكنَ بيدي يوم اختلفَتْ قريشٌ في
وضعه .
فقال أبو طالب:
إنّ لنا أوّلَه وَآخِرَه في الحُكم والعدلِ الذي لا ينكره(٢)
وقد جهدْنا جُهْدنا لنعمرهُ وقد عَمَرْنا خيرَه وأكثره
فإن يكنْ حقاً ففينا أوْفَرهُ
قال الشيخ: وقد حصلت من قريشٍ شهادة مثلها بعد بعثته وَّ
اعترافاً منهم أنهم لم يجرّبوا عليه كذِباً قط .
١١٦ - حدثنا جعفر بن محمد بن عمر قال ثنا أبو حصين محمد بن الحسين
الوداعي قال ثنا يحيى بن عبد الحميد قال ثنا حَفْص (٣) وأبي (٣) وأبو معاوية قالوا ثنا
الأعمش عن عَمْرو بن مُرَّة عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(ح/١١٥) لم نجده.
(ح/١١٦) أخرجه البخاري - ر: فتح الباري ١١٨/١٠ - من طريق عمر بن حفص بن
غياث عن أبيه عن الأعمش بهذا الإسناد، وأخرجه مسلم ١٣٤/١ .
(١) هو مودود بن المهلب مولى محمد بن علي، مجهول، كذا في الميزان.
(٢) في الأصل ((الذي ينكره)) فصححناه من طبقات ابن سعد.
(٣) يبدو أن في الإسناد نقصاً وخطأ فالصواب: ثنا عمر بن حفص وأبيه لأن والد حفص وهو
غياث لا رواية له. راجع الحديث في البخاري.

١٧٨
الفصل الحادي عشر
ح / ١١٧
لما نزلت ﴿وأُنْذِرْ عَشيرَتَك الأقْرَبين﴾ - الشعراء ٢١٤ - نادى رسولُ
الله وَل﴿ في قريش بَطْناً بطناً فقال: أرأيتم لو قلت لكم أن خيلاً تُغير عليكم
أكنتم مُصَدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جرَّبْنا عليك من كَذِبٍ قَط، فقال: فإني نذيرٌ
لكم بينَ يدي عذابٍ شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تباً لك سائرَ
اليومَ، فأنزل الله عز وجل ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبِ وَتَبَّ﴾(١) - المسد ١ - لفظ
الحمَّاني(٢) .
قال الشيخ: ولقد شهدَتْ قريشٌ له وَّه واعترفت قبل مبعثه في غير
مواطن، فمما يقاربُ هذا الحديث ويوافقه:
١١٧ - ما حدثناه سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا عبد الله بن رَجَاء قال
ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عَمْرو بن مَيْمون عن عبد الله بن مسعود قال:
انطلق سَعْد بن مُعاذ مُعْتَمِراً، فنزل على أبي صفوانَ أميةً
ابن خَلف، وكان أميةُ إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سَعْد،
فقال أميةُ لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهارُ وغَفَلَ الناسُ انطلقتَ
فَطْفْتَ، فبينا سعدٌ يطوفُ بالكعبة آمِناً، أتاه أبو جهل فقال: من
هذا الذي يطوفُ بالكعبة آمِناً؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل تطوف
بالبيت آمِناً وقد آويتم محمداً وأصحابَه، فكان بينهما، حتى قال أُمَّيَّة
السعد: لا ترفع صوتك على أبي الحَكم فإنه سيِّدُ أهلِ هذا الوادي، فقال
له سعد: والله لئن منعتَني أن أطوفَ بالبيت لأقْطَعَن عليك متْجَركَ إلى
(ح/١١٧) أخرجه البخاري من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق بهذا الإِسناد - فتح الباري
٤٤١/٧ - ومن طريق يوسف بن إسحاق عن أبي إسحاق بهذا الإسناد أيضاً - فتح الباري
٢٨٤/١٠ - قال في الخصائص ٤٩١/١، وأخرجه البيهقي.
(١) تب: خاب وخسر.
(٢) الحِمَّاني: هو يحيى بن عبد الحميد الراوي عن حفص.

١٧٩
ح / ١١٧
الفصل الحادي عشر
الشام، فجعل أميةُ يقول: لا ترفَعْ صوتَك على أبي الحكم، يُسكتُه، فغضِب
سعدٌ فقال: دعنا عنك، فإني سمعت محمداً ێ( يزعم أنه قاتلُك، قال إيّايَ
إيايَ؟ !! قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمدٌ، فلما خرجُوا رجع إلى
امرأته، فقال: أما علمتِ ما قال أخي اليثربي؟ فأخبرها، فقالت امرأة أمية:
ما يدَعُنا محمد !!
فلما جاء الصريحُ وخرجوا إلى بدر، قالت له امرأته: أما تذكرُ ما قال
لك أخوك اليثربي؟ فأرادَ أن لا يخرُج، فقال له أبو جهل: إنك من أشرافٍ
أهل الوادي، فسِرْ معنا يوماً أو يومين، فسار معهم، فقتله الله ببدر.