Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
ح / ٤٢
الفصل الخامس
برسول الله وَ له - إنك جئت كذلك؟ قال رسول الله وَله: أجل فمن كذب
فعل الله ذلك به، فكان هو عدو الله، خرج إلى مكة، فلما افتتح رسول
الله ◌َّ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهلُ الطائف لحقَ بالشام فماتَ
طريداً غريباً وحيداً.
٤٢ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا ابن يحيى المروزي قال ثنا أحمد بن
محمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق قال حدَّثني عاصم بن
عمرو بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال:
هل تدري ما كان علامة إسلام ثعلبة بن سُعْنَةٍ(١) وأُسيْد بن سُعْنَةٍ(١)
وأسد بن عبيد، نفر من بني ذُهَل(٢) ليسوا من بني قُرَيْظة ولا بني نضير،
نسبهم من بني ذُهل أو ذُهيل(٢) أتوا بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم،
ثمَّ كانوا سادَتهم في الإِسلام قال: قلت: لا، قال: فإنَّ رجلاً من يَهود
أهلِ الشام، يقال له ابن الهَيَّان، قدم علينا قبل الإِسلام بسنوات فَحَلَّ بين
أظهرنا، والله ما رأينا رجلاً قطُّ يصلي الخمس أَفْضَلَ منه، فأقام عندنا،
فكُنا إذا قَحِط المطر قلنا له: يا ابن الهَيَّبان قُمْ فاستسق لنا، فيقول: لا والله
حتى تقدِّموا بين يدي مَخْرَجِكم صدقة، فيقولون: كم؟ فيقول: صاعاً
تمراً، ومُداً(٣) من شعير عن كل إنسان، قال: فنخرجها، فيخرج بنا إلى
ظاهر حَرَّتنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح من مجلسه حتى يمرَّ السحاب
السراح سائلة، ونسقى به، ففعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً، ثمَّ
حضرته الوفاة، فلما عرف أنَّه ميت قال: يا معشر يهود ما ترونه أخرَجَني من
(ح/٤٢) أخرجه البيهقي وابن السكن في الصحابة وأبو نعيم من طريق ابن إسحق ولكن
ابن السكن أخرجه عن ابن إسحاق من وجه آخر - ر: الخصائص - وأخرجه ابن سعد في
الطبقات ١٦٠/١ من طريق الواقدي، وأخرجه ابن هشام في السيرة ٢١٣/١.
(١) ((سعنة)) و((سعية)) ولكنها بالنون أكثر كما في الاستيعاب في ترجمة ((زيد بن سعنة)).
(٢) الصواب ((هدل))، كما في سيرة ابن هشام.
(٣) في سيرة ابن هشام (مدين)).

٨٢
الفصل الخامس
ح / ٤٣
أرضِ الخمر والخمير إلى أرض الجوعِ والبؤسِ ، قال قلنا: الله أعلم،
قال فإني قدمتُ إلى هذا البلد لتوَكُّف(١) خروج نبي قد أظلَّ زمانُه، هذه
البلدة مهاجَره، فكنت أرجو أن يُبعثَ فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا
يسبقنكم إليه يا معاشر اليهود أحدٌ، فإنَّه يبعثُ بسفكِ الدماء، وسبيٍ
الذراري والنساء ممن خالفه، فلا یمنعکم ذلك منه.
فلما بُعث رسول الله وَّه وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية،
وكانوا شباباً أحداثاً، يا بني قريظة والله إنه لَلنبيّ الذي عَهد إليكم ابن
الهَيَّان، فقالوا ليس به، قالوا بلى، والله إنَّه لهو بصفته، ونزلوا وأسلموا
فأحرَزوا دماءهم وأموالَهم وأهليهم.
٤٣ - حدَّثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى المروزي قال ثنا أحمد بن
أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أنَّه قال: بلغني عن عِكْرِمة مولى ابن
عباس وعن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس :
أنَّ يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزْرَج برسول الله وَلّ قبل
مبعثه، فلما بعثه الله عزَّ وجل من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون
فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبِشْرْ بن البراء بن مَعْرور داود بن سَلَمة (٢):
يا معشرَ اليهود اتقوا الله وأَسْلِموا، وقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد
وإنَّا أهل الشرك، وتخبرونا بأنَّه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلَّام بن
مِشْكم: ما هو بالذي كنا نذكُرُ لكم، ما جاءنا بشيءٍ نعرفه، فأنزل الله عزَّ
وجل في ذلك قولهم ﴿فلمَّا جاءَهُمْ كتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لما مَعَهم
(ح/٤٣) قال السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول ص/١٢ وأخرج ابن أبي حاتم
من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس وساق الخبر .. اهـ. نقول: والخبر منقطع.
(١) التوكف: الانتظار.
(٢) في الأصل ((أخوا بني سلمة)) فصححناه من لباب النقول وتفسير ابن كثير في أسباب نزول
هذه الآية الكريمة.

ح / ٤٤
الفصل الخامس
٨٣
وكَانوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُوْنَ على الذين كفروا فلما جاءَهم ما عَرَفوا كَفَروا به
فَلَعْنَةُ اللَّهِ على الكافِرِيْن﴾ - البقرة ٨٩ -.
٤٤ - حدَّثنا أحمد بن السندي بن بحر قال ثنا الحسن بن علويه القطان قال ثنا
إسماعيل بن عيسى قال ثنا إسحاق بن بِشرْ أبو حُذَيْفَة قال ثنا سعيد بن بَشِير عن قتادة عن
كعب الأحبار قال:
كان سببُ استنقاذ بني إسرائيل من أرض بابِل رؤيا بُخْت نَصَّر، فإنَّه
رأى رؤيا فزع منها، فدعا كَهنتَه وسَحَرته فأخبرهم بما أصابَه من الكَرْب في
رؤياه، وسألهم أن يَعْبُروها له، فقالوا: قُصَّها علينا، قال: قد نسيتها،
فأخبروني بتأويلها، قالوا: فإنا لا نقدر أن نخبرَك بتأويلها حتى تقصّها،
فغضب وقال: اخترتُكم واصطنعتُكم لمثل هذا، اذهبوا، فقد أجَّلْتَكُم ثلاثة
أيام، فإن أتيتموني بتأويلها، وإلّ قتلتكم، وشاع ذلك في الناس، فبلغ
ذلك دانيالَ وهو محبوسٌ، فقال لصاحبِ السجن - وهو إلیه مُحْسِن - هل
لك أن تَذْكرني للملك؟ فإنَّ عندي علمَ رؤياه؛ وإني أرجو أن تنال عنده
بذلك منزلة، وتكون سبب عافيتي، قال له صاحب السجن: إني أخاف
عليك سَطْوَةَ الملك، لعلَّ غَمَّ السجن حملك على أن تتروَّح بما ليس
عندك فيه علم، مع أني أظن إن كان عند أحدٍ في هذه الرؤيا علم فأنت
هو، قال دانيال: لا تخفْ عليَّ، فإنَّ لي رباً يخبرني بما شئتُ من
حاجتي، فانطلَقَ صاحبُ السجن فأخبر بُخْت نَصَّر بذلك، فدعا دانيال
فأدخِل عليه، ولم يدخل عليه أحدٌ إلَّ يسجدُ له، فوقف دانيالُ فلم يسجد،
فقال الملك لمن في البيت: اخرجوا، فخرجوا، فقال بُخْت نَصَّر لدانيال:
(ح/٤٤) تفرد به أبو نعيم - الخصائص ٥٩/١ - وفيه إسحق بن بشر وهو مُتهم بالكذب.
والقصة قد ذكرتها التوراة ٣١/٢ -٤٥ بألفاظ أخرى، وانظر كتاب ((محمد في الكتب المقدّسة))
وكتاب ((من روح القرآن)) الصفحة ١٤١ وكلاهما لمحمد رواس قلعه جي.

٨٤
الفصل الخامس
ح / ٤٤
ما منعك أن تَسْجدَ لي؟ قال دانيال: إن لي رباً آتاني هذا العلم الذي
سمعتَ به، على أن لا أسجُدَ لغيره، فخشيتُ أنْ أسجد لك فينسلخ عني
هذا العلم، ثم أصيرُ في يدك أميَّاً فلا تنتفع بي، فتقتلني، فرأيت ترك
السجدة أهونَ من قتلي، وخطرُ سجدة أهون من الكرب والبلاء الذي أنت
فيه، فتركت السجود نظراً إلى ذلك.
فقال بُخْت نَصَّر: لم يكن أَوْثق في نفسي منك حين وفيتَ لإِلَّهك،
وأحبُّ الرجالِ عندي الذين يوفون لأربابهم بالعهود، فهل عندك علمٌ بهذه
الرؤيا التي رأيتُ؟ قال: نعم، عندي علمُها وتفسيرُها، رأيتَ صنماً عظيماً
رجلاه في الأرض ورأسُه في السماء، أعلاه من ذَهَبٍ، وأوْسَطُه من فِضَّةٍ،
وأسفلُه من نحاسٍ ، وساقاه من حديد، ورجلاه من فَخَّار، فبينما أنت تنظرُ
إليه قد أعجَبَك حسنُه وإحكامُ صنعتِه، قذفَه الله عز وجل بحجرٍ من السماء،
فوقع على قِمة رأسِه فدقُّه حتى طحنه، فاختلط ذهبُه وفضتُه ونحاسُه
وحديدُه وفخارُه، حتى تخيل إليك لو اجتمع جميع الأنس والجن على أن
يميِّزوا بعضَه من بعض لم يقدروا على ذلك، ولو هبت ريحُ لأَذْرَتْه،
ونظرتَ إلى الحَجَرِ الذي قُذِفَ به يربو ويعظمُ وينتشر، حتى ملأ الأرضَ
كلَّها، فصرتَ لا ترى إلَّ السَّماء والحَجَرِ، فقال له بُخْت نَصر: صدقت،
هذه الرؤيا التي رأيتُ، فما تأويلها؟
قال دانيال: فأما الصنمُ: فأمم مختلفة في أول الزمان، وفي أوسطه،
وفي آخره، وأمَّا الذهب: فهذا الزمان، وهذه الأمة التي أنت فيها، وأنت
مَلِك لها، وأما الفضة: فابنك يملك بعدَك، وأمَّ النحاس: فإنَّه الروم،
وأمَّا الحديد ففارس، وأمَّا الفخار: فأمَّتان يَمْلِكُهما امرأتان إحداهما في
مشرقِ اليمن، والأخرى في غربي الشام، وأمَّا الحجر الذي قُذِفَ به

ح / ٤٥
الفصل الخامس
٨٥
الصنم فدينُ الله عزَّ وجل، يقذف به هذه الأمة في آخر الزمان ليظهرَه
عليها، فيبعث الله نبياً أُميَّاً من العرب فَيدوِّخ اللَّهُ به الأمَمَ والأديان، كما
رأيتَ الحجَرَ دوَّخ أصناف الصنم، ويظهره على الأديان والأمم، كما رأيتَ
الحجر ظهر على الأرض وانتشر فيها حتى علاها، فَيُمخِّصُ الله به الحق،
ويُزْهِقُ به الباطل، ويهدي به الضُلَّلَ، ويُعَلَّم به الأميين، ويقوِّي به
الضَّعَفَة، ويُعزّ به الأذِلَّة، وينصر به المستضعفين.
قال بُخت نَصَّر: ما أعلم أحداً استعنتُ به منذ وليتُ الملك على
شيء غلبني غيرُك، ولا أحد له عندي يدٌ أعظم من يدك، وأنا أجازيك
بإحسانك. وذكر القصة بما يليها.
٤٥ - أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا
الحسين بن الفَرَج قال ثنا محمد بن عمر الواقِدي قال حدثني محمد بن سعيد الثَّقفي
وعبد الرحمن بن عبد العزيزبن عبدالله بن عثمان بن سهل بن حُنَيَفْ وعبد الملك بن
عيسى الثقفي وعبدالله بن عبد الرحمن بن يَعْلى بن كَعْب الثّقفي ومحمد بن يعقوب بن
عُتْبة عن أبيه وغيرهم كلَّ قد حدَّثني من هذا الحديث بطائفة قال:
قال المُغيرة بن شُعْبة في خروجه إلى المُقَوْقِس مع بني مالك،
وإنَّهم لما دخلوا على المُقَوْقِس قال لهم: كيف خَلُصْتُم إليَّ من
طَلَبَتِكم(١)، ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟
قالوا: لَصِقنا بالبحر، وقد خفناه على ذلك.
قال: كيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟.
قالوا: ما تبعه مِنَّا رجلٌ واحد.
(ح/ ٤٥) انفرد به أبو نعيم وهو من حديث الواقدي، وهو متروك.
(١) في الخصائص: من طائفكم.
.

٨٦
الفصل الخامس
ح / ٤٥
قال: لِم؟
قالوا: جاءنا بدين مُحْدَث لا تدين به الآباء، ولا يدين به الملِك،
ونحن على ما كان عليه آباؤنا.
قال: كيف صنع قومُه؟.
قالوا: اتَّبعه أحداثُهم، وقد لاقاه من خالفه من قومه وغيرهم من العرب
في مواطن، مرة تكون عليهم الدَّبْرَة(١)، ومرة تكون له(٢).
قال: ألا تخبروني وتَصْدُقونني؟ إلى ماذا يدعو؟.
قالوا: يدعو إلى أن نعبدَ الله وَحدَه لا شريكَ له، ونخلعَ ما كان يعبد
الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة.
قال: وما الصلاةُ والزكاة؟ أَلَهما وقتٌ يُعرف وعدد ينتهي؟
قالوا: يصلون في اليوم والليلة خمسَ صلوات، كلها لمواقيت
وعدد، سموه له، ويؤدونٍ من كل مالٍ بلغ عشرين مثقالاً، مثقالاً، وكل
إبل بلغت خمساً، شاةً، وأخبروه بصدقة الأموال كلها.
قال: أفرأيتم إذا أخذها أين يضعُها؟.
قالوا: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم، ووفاءِ العهد،
وتحريم الربا والزنا والخمر، ولا يأكل مما ذُبح لغير الله تعالى .
قال: هو نبيٌ مرسَل إلى الناس كافة، ولو أصاب القِبْطُ والرومُ تبعوه،
وقد أمرهم بذلك عيسى ابن مريم، وهذا الذي تصفون منه بُعث به الأنبياء
من قبله، وستكون له العاقبةُ حتى لا ينازعُه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى
(١) الدَّبْرة: الهزيمة في القتال.
(٢) في الخصائص ((لهم)).

٨٧
الفصل الخامس
ح / ٤٥
الخفّ والحافر، ومنقطع البحور، ویوشك قومه يدافعونه بالرماح.
قال، قلنا: لو دخل الناس كلهم معه ما دَخَلْنا.
قال: فَأَنْغَض(١) رأسه وقال: أنتم في اللعب، ثمَّ قال: كيف نسبُه
في قومِه؟.
قلنا: هو أوسطهم نسباً ..
قال: كذلك المسيحُ والأنبياءُ عليهم السلام تُبعَثُ في نسب قومها.
قال: كيف صدقُه في حديثه؟.
قال، قلنا: ما يُسمَّى إلَّ الأمين من صدقه.
قال: انظروا في أمركم، أترونه يصدقُ فيما بينكم وبينه ويكذب على الله !!
قال: فمن تبعه؟.
قلنا: الأحداثُ.
قال: هم - والمسيح - أتباعُ الأنبياءِ قبله، قال: فما فعلت يهود
يثرب؟ فهم أهل التوراة، قلنا: خالَفوه، فأوقعَ بهم فقتلهم وسَباهم،
وتفرقوا في کل وجه.
قال: هم حَسَدَةٌ حسدوه، أما أنهم يعرفون من أمرِهِ مثلَ ما نعرف.
قال المغيرة: فقمنا من عنده، وقد سمعنا كلاماً ذَلَّلنا لمحمد ◌َله
وخضَّعَنا، وقلنا: ملوك العجم يصدِّقونه ويخافونه في بُعْدِ أرحامهم منه،
ونحن أقرباؤه وجيرانه لم ندخل معه !! قد جاءنا داعياً إلى منازلنا، قال
المغيرة: فرجعنا إلى منازلنا، فأقمتُ بالإِسكندرية لا أدَعُ كنيسةً إلَّ دخلتُها،
(١) أنغض: حرَّكه في تعجب.

٨٨
الفصل الخامس
ح / ٤٥
وسألت أساقِفَها، من قبطها ورومها، عما يجدون من صفة محمد وَالت،
وكان أسقف من القبط هو رأس كنيسة أبي غنى(١) كانوا يأتونه بمرضاهم
فيدعو لهم، لم أر أحداً قطّ يصلي الصلوات الخمس أشد اجتهاداً منه،
فقلت: أخبرني هل بقي أحدٌ من الأنبياء؟.
قال: نعم، وهو آخر الأنبياء، ليس بينه وبين عيسى ابن مريم أحد،
وهو نبي قد أمرنا عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي، اسمُه أحمد،
ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، ليس بالأبيض ولا بالآدم،
يُعْفي شعرَه، ويلبس ما غلُظ من الثياب، ويجزىء بما لقي من الطعام،
سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى، يباشرُ القتالَ بنفسه ومع أصحابه،
يفدونه بأنفسهم، هم له أشدُّ حباً من أولادهم وآبائهم، يخرجُ من أرض
القَرَظ (٢) ومن حرَم يأتي إلى حرم، يهاجِر إلى أرضٍ سباخٍ (٣) ونخل،
یدین بدين إبراهيم عليه السلام.
قال المغيرة بن شعبة: زدني في صفته، قال يأتزِر على وسطه،
ويغسل أطرافه، ويُخَصُّ بما لم يُخصّ به الأنبياء قبله، كان النبيُّ يُبعث إلى
قومه، وبُعث إلى الناس كافة، وجُعلت له الأرضُ مسجداً وطهوراً، أينما
أدركتْه الصلاةُ تيمم وصلَّى، ومن كان قبله مشدّداً عليهم لا يصلُّون إلّ في
الكنائس والبيع.
(١) أبي غثيم. كما في بعض النسخ.
(٢) القرظ: شجر يسمى أيضاً بشجر السَّلم، وهو شجر من العضاه يستعمل في الدباغة
ويستخرج منه الصَّمغ المعروف، ومنه سمي ((ذو سلم)) وهو المكان الذي مرَّ به رسول الله
حين هاجر من مكة إلى المدينة - انظر تهذيب سيرة ابن هشام، تبويب وتعليق محمد رواس
قلعه جي ١٤٧/١ -.
(٣) أرض سباخ: أرض لم تحرث.

٨٩
ح / ٤٦
الفصل الخامس
قال المغيرة فوعيت ذلك كلّه، من قوله وقول غيره، فرجعتُ إلى
النبي وَلِّ فأسلمتُ، وأخبرتُه بما قال المَلِك وقالت الأساقِفَةُ الذين كنت
أُسائلُهم وأسمع منهم من رؤساء القِبط والروم، وأعجَبَ ذلك رسولَ
اللهِ وَلِّ وأحبَّ أن يُسمِعَه أصحابَه، فكنت أحدِّثهم ذلك في اليومين
والثلاثة .
قال الشيخ: ونعوتُه وصفاتُه في الكتب المنزَّلة، وعند الرهابنة
والأساقفة والأحبار من أهل الكتابين مستفيض، وكانوا يرجعون في أمر بعثته
وإرساله إلى علم متيقنٍ كالضروري، لتبشير الأنبياء صلوات الله عليهم به
وبإرساله، وإيصائهم أمَّتهم بتصديقه إن أدركته، وما كانت في أيديهم من
الكتب والعهودِ المتقدمة المتواترة عن آبائهم وأسلافهم.
٤٦ - وذلك ما حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا علي بن المبارك الصنعاني قال ثنا
زيد بن المبارك بن محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي عن محمد بن طلحة التيمي عن
محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف قال:
کان کعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك يجمع قومه یوم الجمعة،
وكانت قريشٌ تسمي يوم الجمعة ((عَرُبَة)) فيخْطبهم، فيقول أمَّا بعد:
فاسمعوا وتعلَّموا وافهموا واعلموا، ليلٌ ساجٍ (١)، ونهارٌ ضاحٍ (٢)، والأرضُ
مِهاد(٣)، والسماءُ بناء، والجبالُ أوتاد، والنجومُ أعلامٌ، والأولون
كالآخرين، والأنثى والذكرُ والزوجُ إلى بِلىِّ صائرين، فصِلوا أرحامكم،
واحفظوا أصهاركم، وثمِّروا أموالكم، فهل رأيتم من هالِك رَجَع، أو مَيِّت
(ح/٤٦) لم أجده عند غير أبي نعيم في الدلائل - انظر الخصائص ٦٩/١ -.
(١) ليل ساج: ليل يروح ويجيء.
(٢) ضاح: ظاهر مضيء.
(٣) مهاد: ممهدة، أي صالحة للحياة.

٩٠
الفصل الخامس
ح / ٤٧
نُشر، الدارُ أمامكم، والظنُّ غير ما تقولون، حَرَمُكُم زيِّنوه وعظُّموه وتمسكوا
به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبيٌ كريم ثمَّ يقول:
سواءٌ عليها ليلُها ونهارُها
نھارٌ ولیل کل أوْب بحادثٍ
وبِالنِّعَمِ الضَّافي علينا سُتورُها
يؤوبانٍ بالأحداثِ حین تَأَوّبا
فيخبرُ أخباراً صَدوقاً خبيرها
على غَفْلَةٍ يأتي النبيُّ محمدٌ
ثُمَّ يقول: والله لو كنت فيها ذا سمعٍ وبصرٍ ويدٍ ورِجْلٍ لتنصَّبتُ فيها
تنصُّبَ الجمل، ولأرْقِلْتُ(١) فيها إرقالَ الفحل، ثمَّ يقول:
يا ليتني شاهدٌ فَحْوَاءَ دعوتِه حين العشيرةُتَبْغي الحقَّ خِذلانا
وكان بين موتٍ كعبٍ بن لؤي وبين مبعث النبيّ ◌َل# خمسمائة سنة
وستون سنة .
٤٧ - حدثنا أبو عمر بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان قال ثنا نصْر بن علي
قال ثنا مُلام بن عَمْرو قال ثنا عبد الله بن بَدْر.
عن قيس بن طَلْق عن أبيه قال: خرجنا وفداً إلى رسول الله وَله
فبايعْناه وصَلَّيْنا معه وأخبرناه أنَّ بأرضنا بِيعةً(٢) لنا، واستوهبناه من فَضْل
طَهوره، فدعا بماءٍ فتوضأ منه وتمَضْمَضَ منه وصبَّ لنا في إداوةٍ (٣) ثمَّ قال:
اذهبوا بهذا الماء، فإذا قَدِمْتُم بلدكم فاکسروا بِيعَتكم، وانْضَحوا مكانها من
هذا الماء، واتخِذوا مكانها مسجداً، قلنا: إنَّ البلد بعيدٌ والحرَّ شديد،
والماء ينْشَفُ، قال فأمُدُّوهْ من الماء، فإنَّ الماءَ لا يزيدُه إلَّ طيباً، قال:
(ح/ ٤٧) قال في الخصائص ٢١٧/١ أخرجه ابن أبي شيبة وابن سعد والبيهقي، وأخرجه
أيضاً النسائي في كتاب المساجد ٣٨/٢ من طريقٍ رجاله ثقات.
(١) أرقل: أسرع.
(٢) بيعة: معبد.
(٣) إداوة: إناء .

٩١
الفصل الخامس
ح /٤٨
فخرجنا وتشاححنا على حمل الإِداوَة أيُّنا يحملها، فجعلها نبيّ الله وَله بيننا
نُوَباً، على كل رجل يوماً وليلة، فخرجنا حتى قَدِمْنا بَلدنا، ففعلنا الذي
أمرنا به رسول الله وَله، وراهِبُنا يومئذٍ رجلٌ من طيِّء، فأذّنًّا، فقال راهبنا
لما سمع الآذان: دَعْوَةُ حقٌّ، ثمَّ استقبل تَلْعَة (١) من تِلاِنَا ثمَّ ذهب فلمْ يُرَ
بَعْدُ.
قصة إسلام زيد بن سُعْنَةٍ(٢):
٤٨ - ثنا محمد بن أحمد بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان قال ثنا محمد بن
المتوكل العَسْقلاني وثنا محمد بن علي قال ثنا ابن قتيبة(٣) قال ثنا محمد بن أبي السِّريِّ
قال ثنا الوليد بن مسلم قال ثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام عن أبيه عن
جده قال: قال عبدالله بن سلام:
إنَّ الله عزَّ وجل لما أراد هُدَى زيد بن سُعْنة قال زيد بن سُعنة: إنَّه لم
◌َبْقَ من علاماتِ النبوةِ شيء إلَّ وقد عرَفتها في وجهِ محمد ◌َِّ حين نظرتُ
إليه إلَّ اثنتين لم أخبُرهما منه، يَسبق حلْمُه جَهَلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل
عليه إلاَّ حلماً، فكنتُ أتلطف له لأن أخالِطَه فأعرف حلمه وجهله، قال:
فخرج رسول الله وَله يوماً من الحُجُرات ومعه عليّ بن أبي طالب، فأتاه
(ح/٤٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه - زوائد ابن حبان ٥١٦ - والطبراني والحاكم
٦٠٤/٣ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وهو من غرر الحديث. ومحمد بن أبي
السرى العسقلاني ثقة أ.هـ. وأخرجه البيهقي وأبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ٨٣، قال الهيثمي
في مجمع الزوائد ٢٤٠/٨ رجال الطبراني ثقات، وقال ابن حجر في الإصابة ٥٤٨/١ ورجال
الإِسناد موثوقون وقد صرَّح الوليد بن مسلم فيه بالتحديث، ومداره على محمد بن أبي السري
وهو محمد بن المتوكل وثقه ابن معين وليَّنه أبو حاتم.
(١) التلعة: ما ارتفع من الأرض، وما انخفض منها، فهي من أسماء الأضداد.
(٢) ويقال ((سُعيَة)) بالياء وضم السين، ولكن بالنون ((سعنة)) أكثر - انظر: الاستيعاب لابن عبد البر
في ترجمته.
(٣) هو: محمد بن الحسن بن قتيبة.

٩٢
الفصل الخامس
ح / ٤٨
رجلٌ على راحلته كالبدوي فقال: يا رسول الله إنَّ قرية بني فلان قد أسلموا
ودخلوا في الإِسلام، فكنت حدَّثْتُهم أنَّهم إن أسلموا أتاهُم الرزقُ رَغداً،
وقد أصابتهم سَنةٌ وشِدَّة وقَحوط من الغيث، وإني أخشى يا رسول الله أن
يخرجوا من الإِسلام طمعاً، كما دخلوا فيه طمعاً، فإن رأيتَ أن ترسلَ إليهم
بشيءٍ تُعينهم به، قال، فنظر رسول الله وص له إلى رجلٍ إلى جانبه - أراه
علياً - فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله. قال زيد بن سُعْنَة: فدنوتُ إليه
فقلت له: يا محمد هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً من حائطِ بني فلانٍ إلى
أجل كذا وكذا؟ فقال لا يا يهودي، ولكن أبيعك تمراً معلوماً إلى أجل كذا
وكذا، ولا أُسمِّي حائطَ بني فلان، قال: فقلت نعم، فبايَعني، فأطلقت
هِمْياني(١) فأعطيته ثمانين مِثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا
وكذا، فأعطى الرجل وقال: أعجِل عليهم وأغِثهم بها. قال زيد بن سُعْنَة:
فلما كان قبل مَحِل الأجل بيومين أو ثلاثة، فخرج رسول الله وَير في جنازة
رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفر من أصحابه، فلما
صلَّى على الجنازة ودنًا من جدارٍ ليجلسَ إليه، أتيته فأخذت بجوامع
قميصِه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت: ألا تقضيني يا محمد
حقي؟ فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلّ لمُظْلٌ(٢)، ولقد كان لي
بمخالطتِكم علم، قال فنظر إليَّ عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه
كالفلك المستدير، ثمَّ رماني بطرْفِه وقال: يا عدوّ الله أتقول لرسول الله وَله
ما أسمعُ، وتفعلُ به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذِرُ فوتَه لضربتُ
بسيفي رأسَك، ورسول الله وَ ل﴿ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤْدَة وتبَسُّم ثمّ
قال :
(١) الهميان: كيس توضع فيه النقود.
(٢) مُظْل: تؤخرون وفاء الدين دون عذر.

٩٣
ح / ٤٩
الفصل الخامس
أنا وهو كنا أحوجَ إلى غير هذا منكَ يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء
وتأمرَه بحسنِ التِّباعة(١)، اذهب به يا عمر فاقضه حقَّه وزده عشرين صاعاً
مكان ما رِعْتَه(٢).
قال زيد: فذهبَ بي عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعاً من
تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ فقال: أمرني رسولُ الله و لي أن أزيدك مكان
ما رِعْتُك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ فقلت: أنا
زيد بنُ سُعْنَة، قال: الحِبْر؟ قلت: الحِبْر، قال: فما دعاك أن تقول الرسول
الله وَِّ ما قلتَ، وتفعل به ما فعلتَ؟ قلت: يا عمر كل علامات النبوة قد
عرفتُ في وجه رسول الله وَّه حين نظرتُ إليه، إلَّ اثنتين لم أخبرهما منه،
يَسبقُ حلمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدَّةُ الجهل عليه إلَّ حِلماً، فقد خبرتهما،
فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبياً،
وأشهدك أن شطرَ مالي - فإني أكثرها مالاً - صدقة على أمة محمد دَلَّه
فقال عمر: أوْ على بعضهم، فإنَّك لا تسعهم كلهم، قلت: أو على
بعضهم قال: فرجع عمرُ وزيدٌ إلى رسول الله وَله، فقال زيد: أشهد أنَّ لا
إله إلّ الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، فآمنَ به وصدَّقه وتابعه وشهد مع
رسول الله وَ ﴿ مشاهدَ كثيرة، ثمَّ قُتِلَ في غَزاة تَبوك شهيداً مُقْبِلًا غيرَ مدبر
رحمه الله .
٤٩ - حدَّثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أحمد بن محمد بن سليمان قال ثنا عمر بن
(ح/٤٩) قال السيوطي في الخصائص ٥٧/١ أخرجه البيهقي والطبراني والخرائطي في
الهواتف، وقال ابن حجر في الفتح ٣٦٧/٧ رواه البغوي وابن سعد وابن شاهين وابن السكن
وغيرهم، وقال في الإصابة ٣٥٩/٣ هو من طريق العلاء بن الفضل بن أبي سَوِيَّة المنقري حدَّثني
أبي الفضل بن عبد الملك عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية عن أبيه أبي سوية عن أبيه خليفة بن
عبدة ... وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣٢/٨ رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم.
(١) التباعة: طلب الدين.
(٢) رعته: أفزعته.

٩٤
الفصل الخامس
ح / ٤٩
علي قال ثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية (١) بن خليفة بن عبدة (٢) قال ثنا أبي عن جده
أبي سوية بن خليفة وكان خليفة مسلماً قال:
سألت محمد بن عدي بن ربيعة بن سواءَة(٣) بن جُشُم بن سعد
فقلت: كيف سمَّاك أبوك محمداً؟ فضحك. ثمَّ قال: أخبرني أبي عديّ بن
ربيعة قال :
خرجت أنا وسفيان بن مُجاشع ويزيد بن عمر بن ربيعة وأسامة بن
مالك نريد ابن جَفْنَة، فلما قربنا منه نزلنا إلى شجرات وغدير فقلنا: لو
اغتسلنا وزهَّينا (٤) ثيابنا ههنا من قَشَفٍ(٥) السفر، فجعلنا نتحدث فأشرف
علينا ديرانيٌّ (٦) من قائِم له فقال: إني أسمع لغةً قوم ليستْ بلغةِ أهلِ هذه
البلادِ، قلنا: نحن قومٌ من مُضَر، قال: من أي المضريين؟ قلنا من
خِنْدَف(٧)، قال: إنَّه سيُبعث وشيكاً نبيّ منكم، فخذوا نصيبكم منه
تَسعدوا، قلنا: ما اسمه؟ قال: محمد، فأتينا ابن جَفْنَة فقضينا حاجتنا، ثمَّ
انصرفنا، فُوُلد لكل رجلٍ منا ابنٌ فسماه محمداً، يدورُ على ذلك الإِسم.
(١) في الأصل ((سرية)) فصححناه من الإصابة.
(٢) في الأصل ((عبيدة)) فصححناه من الإصابة.
(٣) في الأصل ((سوادة)) فصححناه من الإصابة .
(٤) زهينا ثيابنا: نظفناها.
(٥) قشف السفر: وسخه .
(٦) الديراني: صاحب الدير أو المقيم فيه نسبة إلى الدير على غير القياس.
(٧) خندف: هي ليلى بنت حُلوان بن عمران زوجة إلياس بن مضر والد مُدركة، وسميت خندفاً
كما يحكي الفيروزآبادي في القاموس: خرج إلياس في نجعة فنفرت إبله من أرنب فخرج
إليها عمرو - ابنه - فأدركها، وخرج عامر - ابنه الثاني - فتصيدها وطبخها، وانقمع عمير - ابنه
الثالث - في الخباء، وخرجت أمهم - زوجته - تسرع، فقال لها إلياس أين تخندفين، فقالت:
ما زلت أخندف في أثركم، فلُقبوا: مدركة، وطابخة، وقمعة، وخِندف. ـ ر: القاموس
المحيط: خندوف -.

ح / ٥٠
الفصل السادس
٩٥
الفَصْل السَّادِسْ
توقع الكهان وملوك الأرض بعثته
٥٠ - حدَّثنا سليمان بن أحمد إملاء سنة إحدى وخمسين وثلاث مائة قال ثنا
أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي بمصر سنة ثمانين ومائتين قال ثنا عمروبن
بكير بن بكار القعنبي عن أبي القاسم الطائي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
قال :
لما ظهر سَيْف بن ذِي يَزَن على اليمن وظفِر بالحبشة ونفاهم عنها .
وذلك بعد مولد رسول الله وَ﴿ بسنتين - أتته وفودُ العربِ وأشرافُها وشعراؤها
تهنيه وتمدحه، فأتاه وفدُ قريش، وفيهم عبدُ المطلب بن هاشم بن عبدٍ
مناف بن قُصَي، وأمية(٢) بن عبد شَمْس، وعبدالله بن جَدْعان، وخُوَيْلد بن
أسد بن عبد العُزّى، ووهب(٣) بن عبد مناف بن زُهْرة، في ناسٍ من وجوهِ
قريشٍ فقدموا عليه بِصَنْعَاء وهو في رأس قصرٍ له يقال له غُمْدان، قال،
فاستأذنوا عليه فأذِن لهم فإذا الملِك مُتَضَمِّخ بالعَبِير (٤) يَنْطِفُ وَبِيصُ(٥)
(ح / ٥٠) أخرجه البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر - انظر الخصائص ٢٠٢/١ - وفيه الكلبي
وهو متهم بالكذب.
(١) وضع الفصل هنا والعنوان الذي تحته من زياداتنا.
(٢) في الأصل ((عبد مناف بن أمية)) وما أثبتناه هو الصواب.
(٣) في الأصل: وهيب.
(٤) العبير: أخلاط من الطيب.
(٥) ينطف وبيص المسك: تقطر حبيباته اللامعة.

٩٦
الفصل السادس
ح / ٥٠
المِسْك من مَفْرِق رأسه، وعن يمينه وعن شماله الملوكُ وأبناء الملوك
والمُقَاوِل(١)، فلما دخلوا عليه، دنا منه عبدُ المطلب، فاستأذنه في
الكلام، فقال له سَيْفُ بنُ ذِي يَزَنْ: إنْ كنتَ ممن يتكلم بين يدي الملوك
أذِنَّا لك، فقال عبدُ المطلب: أيها الملك إنَّ الله عزَّ وجل قد أحَلك محلاً
رفيعاً، شامخاً منيعاً، وأنبتَك منبتاً طابت أرومَتُه(٢)، وغُذيت جُرثومته(٣)،
وثبت أصله، وبَسُق فرعه، في أطيبٍ موطن، وأكرم معدِن، فأنت - أَبَيْتَ
اللعن - رأسُ العرب وربيعُها الذي تخصِب به، وأَنت أيها الملكُ رأسُ
العرب الذي له تنقادُ، وعمودُها الذي عليه العمادُ، ومعقلُها الذي تلجأ إليه
العباد، سلفُك لنا خيرُ سلَف، وأنت لنا منهم خيرُ خلف، ولم يهلك من
أنت خلفه، ولم يخمل ذكر من أنت سلَفه، نحن أيها الملك أهلُ حرم الله
وسدَنة بيته، أشخّصنا إليك الذي أبهجَنا لكشفك الكرب الذي فَدَحَنا،
فنحن وفد التهنية، لا وفد المرزية.
فقال سيف بن ذي يَزَن وأيهم أنت أيُها المتكلم؟ قال: أنا عبد
المطلب بن هاشم بن عبد مناف قال ابن أختنا؟ قال، نعم، قال، فأدْناه،
ثمَّ أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحباً وأهلاً، وناقةً ورحْلاً، ومستناخاً
سهلاً، وملكاً رِبَحْلًا (٤) يعطي عطاءً جزلاً، وقد سمع الملك مقالتكم،
وعرف قرابتكم، وقَبِل وسيلتكم، فأنتم أهلُ الليلِ والنهارِ، ولكم الكرامةُ
ما أقمتم، والحِباء(٥) إذا ظعنتم(٦)، انهضوا إلى دار الضيافة والوفود،
(١) المقاول: المفاوض.
(٢) أرومته: حسَبُه.
(٣) جرثومته: أصله.
(٤) ربحل: عظيم الشأن.
(٥) الحباء: ما يكرم به رجلٌ آخرَ.
(٦) ظعنتم: رحلتم.

٩٧
ح / ٥٠
الفصل السادس
وأمرَ لهم بالإِنزال، فأقاموا شهراً لا يصِلون إليه، ولا يأمرهم بالانصراف، ثمَّ
انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب دونهم، فلما دخل عبد المطلب
أدناه، وقرَّب مجلسه واستحیاہ ثمّ قال:
يا عبد المطلب إني مُفْضٍ (١) إليك من سرِّ عِلْمي ما لو غَيْرُك يكون
لم أبُحْ به، ولكن وجدتك مَعْدِنَه فأطلعتك طِلعه، فليكن عندك مَطوياً،
حتى يأذن الله عزَّ وجل فيه، فإنَّ اللَّهَ بالغُ أمرِه، إني أجد في الكتابِ
المكنون، والعلم المخزون، الذي اخترناه لأنفسنا، واحتجبناه دون غيرنا،
خيراً عظيماً، وخطراً جسيماً، فيه شرفُ الحياة، وفضيلة الوفاة للناس كافة،
ولرهطِك عامة، وَلَكَ خاصة.
قال عبد المطلب: مِثْلُك أيها الملكُ سَرَّ وَبَرَّ، فما هو؟ - فداك أهلُ
الوَبَرِ، زُمَراً بعد زُمَر.
قال: إذا وُلِدَ بِتِهامَةَ غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له
الإِمامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب : - أبيت اللعن - لقد إبْتُ بخيرِ ما آب به وافدُ
قومٍ ، ولولا هيبةُ الملك وإعظامه وإجلاله لسألته من بشارته إياي ما أزدادُ به
سروراً.
قال سَيْفُ بن ذِي يَزَن: هذا زمنه الذي يولد فيه، أو قَد وُلِد؟ اسمه
محمد، بین کتفیه شامة، يموت أبوه وأمه، ویکفله جده وعمه، وقد وجدناه
مراراً، والله باعتُه جهاراً، وجاعل له منَّا أنصاراً، يُعِزّ بهم أولياءَه، ويُذِلُّ
بهم أعداءَه، ويضرب بهم الناس عن عَرَض، ويستبيح بهم كرائم الأرض،
(١) في الأصل: مُفَوِّضٌ.

٩٨
الفصل السادس
ح / ٥٠
ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويُخمِد النيران، ويكسِر الأوثان، قوله
فصلٌ، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهي عن المنكر ويُبطله.
قال عبد المطلب: أيها الملك عزَّ جارُك، وسعِد جدُّك، وعلا كعبُك
ونما أمرُك، وطال عمرك، ودام ملكك، فهل الملِك ساري بإفصاحٍ، فقد
أوضح بعض الإِيضاح.
فقال سيف بن ذي يزن: والبيتِ ذي الحُجُبِ، والعلاماتِ على
النّصُب، إنَّك يا عبد المطلب، لجده غير كذب، قال، فخرَّ عبدُ المطلب
ساجداً، فقال: ارفع رأسك، فقد ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست
شيئاً مما ذكرتُ لك؟.
قال عبد المطلب: نعم أيها الملك، إنَّه كان لي ابن وكنت به
معجَّباً، وعليه رقيقاً، فزوجته كريمةً من كرائِم قومي آمنة بنت وهب بن عبد
مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سميتُه محمداً، ماتَ أبوه وأمه، وكفلته أنا
وعمه، بين كتفيه شامةٌ، وفيه كل ما ذكرتَ من علامة.
قال سيف بن ذي يزن: إنَّ الذي ذكرتُ لك كما ذكرتُ لك، فاحتفظ
بابنك، واحذَر عليه اليهود، فإنَّهم له أعداء، ولن يجعلَ الله لهم عليه
سبيلاً، واطوٍ ما ذكرتُ لك، دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست
آمَنُ أن تدخلَهم النَّفاسة، من أن تكون له الرياسة، فيبغون له الغوائلَ
وينصبونَ له الحبائلَ، وهم فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أني أعلم أن الموت
مُجْتاحي قبل مبعثِه لسرتُ بخيلي ورَجِلي، حتى أصيِّر يثرب دارَ ملكي،
فإني أجِد في الكتاب الناطق، والعلمِ السابق، أنَّ بيثرب استحكامُ أمره،
وموضعُ قبره، وأهلُ نُصرته، ولولا أني أقيه من الآفات وأحذَرُ عليه
العاهات، لأوطأت أسنانَ العرب كعبَه، ولأعلنت على حدثةٍ من سنُّه ذكره،
ولكني صارفٌ إليك ذلك من غير تقصير بمن معك.

٩٩
ح / ٥١
الفصل السادس
ثمَّ أمَرَ لكل واحد منهم بمائةٍ من الإِبل، وعشرة أعُبُد، وعشر إماء،
وعشرةٍ أرطال من فضَّة، وخمسة أرطال ذهباً، وكرشٍ مملوءة عنبراً، وأمرَ
لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال له: إذا كان رأسُ الحول فآتني
بخبره، وما يكون من أمره، فهلك ابن ذي يزن قبل رأس الحول. وكان
عبد المطلب يقول: لا يغبطني يا معشر قريش رجل منكم بجزيل عطاءٍ
الملك وإن كثُر، فإنَّه إلى نفاد، ولكن ليغبطني بما يبقى لي شرفُه وذكره،
ولعقبي من بعدي. وكان إذا قيل له ما ذاك؟ قال: سيُعلَن ولو بعد حين.
٥١ - حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى ثنا
سعيد بن عثمان ثنا علي بن قتيبة الخُراساني قال ثنا خالد بن إلياس عن أبي بكربن
عبدالله بن أبي الجَهْم عن أبيه عن جده قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب
قال :
بينا أنا نائم في الحِجْر إذ رأيتُ رؤيا هالَتْني ففزعت منها فزعاً
شديداً، فأتيتُ كاهنةَ قريش، وعليَّ مُطْرَفُ خَزِّ(١) وجُمَّتي(٢) تضرب
مَنْكبي، فلما نظرتْ إليَّ عرفَتْ في وجهي التغير، وأنا يومئذٍ سيد قومي،
فقالت ما بال سيدِنا قَدْ أتانا متغيرَ اللون؟ هل رأيت من حدثان الدهر شيئاً؟
فقلت: بلى - وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبِّل يدَها اليمنى ثمَّ
يضع يده على أم رأسها يبدو(٣) بحاجته، ولم أفعل لأني كنت كبير
قومي - فجلست فقلت: إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحِجر كأنَّ شجرةً
نبتت قد نال رأسُها السماءَ، وضربتْ بأغصانِها المشرقَ والمغرب، وما رأيت
نوراً أزهر(٤) منها، أعظمُ من نور الشمس سبعين ضعفاً، ورأيت العربَ
(ح/٥١) انفرد به أبو نعيم وفيه خالد بن الياس متروك الحديث.
(١) مطرف خز: رداء مصنوع من أجود أنواع الحرير.
(٢) الجمة: شعر الرأس إذا بلغ المنكبين.
(٣) يبدو: يبدأ.
(٤) الخصائص ٩٨/١ ((أظهر)).

١٠٠
الفصل السادس
ح / ٥٢
والعجمَ ساجدين لها، وهي تزدادُ كل ساعة عِظَماً ونوراً وارتفاعاً ساعةً
تزهر(١)، ورأيت رهْطاً من قريش قد تعلَّق بأغصانِها، ورأيت قوماً من قريش
يريدون قطعَها، فإذا دنوا منها أخّرَهم شابٌ لم أَرَ قطّ أحسنَ منه وجهاً، ولا
أطيب منه ريحاً، فيكسر أضلُعهم(٢)، ويقلعُ أعينهم، فرفعت يدي لأتناول
منها نصيباً فمنعني الشابُّ، فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء
الذين تعلقوا بها، وسبقوك إليها. فانتبهت مذعوراً فزِعاً، فرأيتُ وجهَ
الكاهنة قد تغيَّر، ثمَّ قالت: لئن صَدَقَتْ رُؤْياك، ليخرجنَ من صُلْبك رجلٌ
يملك المشرق والمغرب، ویدین له الناسُ.
ثمّ قال لأبي طالب: لعلَّك تكون هذا المولود، فكان أبوطالب يحدِّث بهذا
الحديث، والنبي وُّه قد خَرَجَ ويقولُ: كانت الشجرةُ -والله أعلم(٣) - أبا القاسم
الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول: السُّبَّةُ والعارُ.
٥٢ - حدَّثنا عمر بن محمد بن جعفر قال ثنا إبراهيم بن السندي قال ثنا النضر بن
سلمة قال ثنا محمد بن موسى أبو غزية عن علي بن عيسى بن جعفر عن أبيه عن
عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه عامر بن ربيعة العدوي قال:
لقيتُ زيدَ بن عَمْروبن نُفَيْل وهو خارج من مكة يريد حِرَاء يصلي
فيه، وإذا هو قد كان بينه وبين قومه سُوء في صدر النهار، فيما أظهَرَ من
خلافهم واعتزال آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم، فقال زيد بن عمرو: يا عامر
إني خالفت قومي فاتبعتُ مِلَّة إبراهيم خليل الله وما كان يعبد ابنه إسمعیل
عليهما السلام مِنْ بعده، وما كان يصلّون إلى هذه القبلة، فأنا أنتظر نبياً
(ح/٥٢) قال في فتح الباري ١٤٢/٨ رواه ابن سعد في الطبقات ١٦١/١ والفاكهي
بإسناده ثمَّ ذكر الحديث، وانظر الإصابة أيضاً، ويظهر أنَّ إسناده عنده مقبول لأنَّه اشترط في
مقدمة الفتح أن لا يذكر من الحديث إلّ ما توفر فيه شرط الصحة أو الحسن - ر: هدي الساري
١٦/١ والخصائص ٦١/١.
(١) في الخصائص ٩٨/١ ((تظهر)).
(٢) الخصائص ٩٩/١ ((أظهرهم)).
(٣) في الخصائص ٩٩/١ ((والله أبا القاسم)).