Indexed OCR Text

Pages 381-400

عمل السلف الصالح قبل [١١٩/أ] الشافعي، وإجماعهم عليه، وقد
شَنَّع الناس عليه المسألة جدًا، وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله عنه
الذي اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي ◌َّ إياه، ليس فيه
الصلاة على النبي ◌ّ، وكذلك كل من روى التشهد عن النبي بَله؛
كأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وابن عمر، وأبي سعيد
الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبدالله بن الزبير رضي الله
عنهم؛ لم يذكروا فيه الصلاة على النبي بَّله. وقد قال ابن
عباس(١)؛ وجابر(٢):
٣٢٧ - كان النبي ◌َله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من
القرآن. ونحوه عن أبي سعيد(٣).
٣٢٨ - وقال ابن عمر: ((كان أبو بكر يعلمنا التشهد على
المنبر، كما تعلَّمُون الصبيان في الكُتَّب))(٤).
(١) أخرجه مسلم في (٤) الصلاة (٤٠٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٩٠٢)، والنسائي (١١٧٥ و١٢٨١)، والبيهقي (١٤٢/٢)
وغيرهم.
والحديث غير محفوظ، أخطأ فيه أيمن بن نابل، فجعله من مسند جابر
والصواب، من مسند ابن عباس، كما تقدم عند مسلم.
نص عليه البخاري والنسائي والترمذي وغيرهم. انظر: الترمذي تحت رقم
(٩٠٢)، ونصب الراية (٤٢١/١).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩١) بمعناه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٨٠٣) =
٣٨١

٣٢٩ - وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه أيضًا على
المنبر(١))). يعني وليس في شيء من ذلك أمرهم فيه بالصلاة على
النبي ◌َل﴾.
قال ابن عبدالبر في ((التمهيد))(٢): ((ومن حجة من قال بأن
الصلاة على النبي ◌َّ ليست فرضًا(٣) في الصلاة:
٣٣٠ - حديث الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، أخذ
علقمة بيدي فقال: إن عبدالله أخذ بيدي (وقال إن رسول الله وَله
أخذ بيدي)(٤) كما أخذت بيدك، فعلمني التشهد، فذكر الحديث
إلى قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله))، قال: ((فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة، فإن شئت أن
تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد(٥)).
وسنده ضعيف، فيه زيد بن الحواري العَمِّ، ضعيف. انظر: تهذيب
=
الكمال (٥٦/١٠ - ٦٠).
(١) أخرجه مالك في الموطأ رقم (٢٤٠)، وعبدالرزاق (٢٠٢/٢) رقم (٣٠٦٧
و٣٠٦٨) وغيرهما. وسنده صحيح.
وروي مرفوعًا وهو خطأ، لا يصح. انظر: نصب الراية (٤٢٢/١)، وعلل
الدار قطني (٨٢/٢) رقم (١٢٥).
(٢) (١٩١/١٦ - ١٩٢) ووقع في (ظ، ت، ج) (التشهّد) بدلاً من (التمهيد) وهو
خطأ .
(٣) كذا في النسخ، وفي التمهيد (بواجبة).
(٤) سقط من (ظ) ما بين القوسين، وسقط من (ج) (أخذ بيدي) فقط.
(٥) أخرجه أبو داوود (٩٧٠)، وأحمد (٤٢٢/١ و٤٥٠)، والدارقطني (٢٥٣/١) =
٣٨٢

قالوا: ففي هذا الحديث [١١٩/ب] ما يشهد لمن لم يَرَ الصلاة
على النبي ◌َّ في التشهد واجبة، ولا سُنَّة مسنونة، وأن من تشهد
فقد تمت صلاته، إن شاء قام وإن شاء قعد.
قالوا: لأن ذلك لو كان واجبًا، أو سنة في التشهد، لَبيَّن
النبي ( # ذلك وذكره)).
٣٣١ - قالوا: وأيضًا فقد روى أبو داود، والترمذي،
والطحاوي من حديث عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَله :
((إذا رفع رأسه من آخر السجود، فقد مضت صلاته إذا هو
أحدث)) (١)، واللفظ لحديث الطحاوي، وعندكم لا تمضي صلاته
حتى يصلي على النبي ◌َّر.
قالوا: وقد روى عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه:
((إذا جلس مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته))(٢).
=
وغيرهم.
وظاهر إسناده الصحة، وقوله (فإذا قلت ذلك ... ) مدرج من قول ابن
مسعود وسيأتي الكلام عليه.
(١) أخرجه أبو داوود (٦١٧)، والترمذي (٤٠٨)، والطحاوي في شرح معاني
الآثار (٢٧٤/١ - ٢٧٥) وغيرهم.
وهو حديث منكر، تفرد به عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو
ضعيف، بل عامة حديثه لا يتابع عليه. انظر: تهذيب الكمال (١٧ / ١٠٢ - ١١٠).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (٢٧٣/١)، والبيهقي في الكبرى
(٢ / ١٧٣) من طريق أبي عوانة عن الحكم عن عاصم به فذكره.
وهو حديث منكر. قاله أبو حاتم الرازي، وقال الإمام أحمد لا يصح =
٣٨٣

(ومن حجتهم أيضًا: حديث الأعمش عن أبي وائل عن ابن
مسعود في التشهد قال: ((ثُمَّ لِيتخَيَّر مَا أحَبَّ مِنَ الكَلَام)»(١) يعني
ولم يذكر الصلاة عليه وَلي)(٢).
٣٣٢ - ومن حجتهم أيضًا: حديث فَضَالَة بن عُبَيْد(٣): أن
رسول الله وَيُ سمع رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم
يصل على النبي وَّ، فقال النبي وَلّ: ((عجل هذا))، ثم دعاه، فقال
له أو (٤) لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه، ثم
يصلي على محمد وآل(٥) محمد، ثم يدعو بما شاء)).
قالوا: ففي حديث(٦) فضالة هذا أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لم يأمر هذا المصلي - الذي ترك الصلاة عليه وَالاني - [١٢٠/أ]
بالإعادة، لأنها لو كانت فرضًا لأمره بإعادة الصلاة، كما أمر الذي
لم يتم ركوعه ولا سجوده بالإعادة.
=
وسيأتي ص٤٠٤ .
قلت: والصحيح عن علي خلافه. انظر: مصنف عبدالرزاق (٣٥٦/٢)
رقم (٣٦٨٦). انظر: العلل لابن أبي حاتم (١١٣/١).
(١) أخرجه البخاري في (٨٢) الاستئذان (٥٨٧٦)، ومسلم في (٤) الصلاة
(٤٠٢).
(٢) سقط من (ش) من قوله (ومن حجتهم) إلى (صلى الله عليه وسلم).
(٣) تقدم تخريجه رقم (٤٤).
(٤) في (ب، ش) (ولغيره).
(٥) سقط من (ب، ظ، ت، ج) قوله (وآل محمد).
(٦) في (ظ) (ففي هذا حديث فضالة).
٣٨٤

واحتج هؤلاء أيضًا بأن النبي وَّ لم يعلمها المسيء في
صلاته(١)، ولو كانت من فروض الصلاة التي لا تصحُ الصلاة إلاَّ
بها لعلَّمه إيَّاها كما علّمه القراءة والركوع والسجود والطمأنينة في
الصلاة .
واحتجوا أيضًا بأن الفرائض إنما تثبت بدليل صحيح لا
معارض له من مثله، أو بإجماع(٢) مِمَّن تقوم الحُجَّة بإجماعهم.
فهذا أجَلُّ(٣) ما احتجَّ به النفاة وعمدتهم.
ونازعهم آخرون في ذلك نقلاً واستدلالاً، وقالوا:
أما نسبتكم الشافعي ومن قال بقوله في هذه المسألة إلى
الشُّذوذ ومخالفة الإجماع، فليس بصحيح، فقد قال بقوله جماعة
من الصحابة ومن بعدهم.
٣٣٣ - فمنهم عبدالله بن مسعود(٤)، فإنه كان يراها واجبة في
الصلاة، ويقول: ((لا صلاة لمن لم يصل فيها على النبي (وَثيات)).
(١) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٢٤)، ومسلم في (٤) الصلاة
(٣٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) في (ب، ش) (وبإجماع).
(٣) في (ش، ظ) (جُلُّ)، وهو محتمل.
(٤) الذي في التمهيد المطبوع لأبي مسعود، فلعل المؤلف ظنه ابن مسعود، أو
رآه في نسخة (ابن مسعود)، والصواب (أبو مسعود)، بدليل ما ذكره ابن
عبدالبر من الآثار عن أبي مسعود، ولم يذكر لابن مسعود شيئًا. والله أعلم.
٣٨٥

ذكره ابن عبدالبر (١) عنه في ((التمهيد)) وحكاه غيره أيضًا(٢).
٣٣٤ - ومنهم أبو مسعود البدري(٣)، روى عثمان بن أبي
شيبة وغيره: عن شريك، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد
ابن علي، عن أبي مسعود قال: ما أرى أن (٤) صلاة لي تمت حتى
أصلي على محمدٍ وعلى آل محمد)).
٣٣٥ - ومنهم عبدالله بن عمر، ذكره الحسن بن شبيب
المعمري: حدثنا علي بن ميمون، حدثنا خالد بن حيان(٥)، عن
جعفر بن برقان(٦)، عن عقبة بن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: ((لا
تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي وَّة، [١٢٠/ب] فإن
(١) (١٦/ ١٩٤)، والأثر لم أقف عليه. انظر الفتح (١١/ ١٦٤).
(٢) كالماوردي في الحاوي الكبير (١٣٧/٢).
(٣) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٥٣٩/١)، والطبري في التهذيب
(٣٥٩ - القسم المفقود)، والدارقطني في السنن (٣٥٥/١ - ٣٥٦).
وسنده ضعيف، فإن مداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف، وقد اُّهم،
وهو أيضًا قد اختلف عليه فيه، وفيه انقطاع بين أبي جعفر وأبي مسعود،
وصوب الدارقطني أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي. انظر: الشفا
للقاضي عياض (٦٤/٢).
(٤) في (ش) (أصلاة).
(٥) في (ب، ش) (حبان) وفي (ظ، ت) (حسان) والتصويب من تهذيب الكمال
(١٣/٥).
(٦) كذا في النسخ، ولعلَّه سقط بينهما (راشد وهو الأزرق) وهو مجهول. انظر:
التاريخ الكبير (٢٩٧/٣)، والجرح والتعديل (٤٨٦/٣).
٣٨٦

نسيت شيئًا من ذلك، فاسجد سجدتين بعد السلام))(١).
٣٣٦ - وقال(٢): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا
شريك، عن أبي جعفر، قال: قال أبو مسعود البدري: ما أرى أن
صلاة لي تمت لا أصلي فيها على محمد وَله .
ومن التابعين: أبو جعفر محمد بن علي(٣)، والشعبي(٤)،
ومقاتل بن حيان(٥) .
ومن أرباب المذاهب المتبوعين إسحاق بن راهويه، قال: ((إن
تركها عمدًا لم تصح صلاته، وإن تركها سهوًا رجوت أن تجزئه)).
قلت: عن إسحاق في ذلك روايتان، ذكرهما عنه حرب في
((مسائله)) قال: ((باب الصلاة على النبي ◌ُّ بعد التشهد)). قال:
((سألت إسحاق قلت: الرجل إذا تشهد فلم يصل على النبي بَلّ؟
(١) أخرجه ابن أبي شيبة رقم (٨٧١٤) وسنده ضعيف، فيه راشد الأزرق، الذي
يُحتمل أنه سقط من السند، وهو مجهول، وفيه عقبة بن نافع، وهو مجهول
أيضًا .
قال البخاري في تاريخه (٤٣٤/٦): ((عقبة بن نافع سمع ابن عمر رضي
الله عنهما، روى جعفر بن برقان عن راشد. منقطع)). وانظر: الجرح
والتعديل (٣١٧/٦)، والفتح لابن حجر (١٦٤/١١)، فقد جوّده.
(٢) تقدم قريبًا وهو لا يثبت.
(٣) تقدم قريبًا، وهو لا يثبت عنه، فيه جابر الجعفي.
(٤) ذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار (٧٠/٣).
(٥) عند البيهقي في الخلافيات بسند قوي كما في الفتح (١٦٤/١١).
٣٨٧

قال: أما أنا فأقول: إن صلاته جائزة. وقال الشافعي: لا تجوز
صلاته، ثم قال: أنا أذهب إلى حديث الحسن بن الحرّ، عن
القاسم بن مخيمرة، فذكر حديث ابن مسعود (١) رضي الله عنه، قال
حرب: سمعت (٢) أبا يعقوب - يعني إسحاق - يقول: ((إذا فرغ من
التشهد - إمامًا كان أو مأمومًا - صلى على النبي نَّ لا يجزئه غير
ذلك، لقول أصحاب النبي وَل:
٣٣٧ - قد عرفنا السلام عليك - يعني في التشهد والسلام
فيها - فكيف الصلاة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وفَسَّر النبي ◌َّ كيف هي؟ فأدنى ما ذكر عن
النبي ◌َّ في الصلاة [١/١٢١] عليه يكفيه، فليقله بعد التشهد،
والتشهد والصلاة على النبي بَّر في الجلسة الأخيرة عملان هما
عدلان، لا يجوز لأحد أن يترك واحدًا منهما عَمْدًا، وإن كان ناسيًا
رجونا أن تجزئه، مع أن بعض علماء الحجاز قال: لا يجزئه ترك
الصلاة على النبي ◌َّله وإن تركه أعاد الصلاة)). تَمَّ كلامه.
وأما الإمام أحمد(٣)، فاختلفت الرواية عنه، ففي ((مسائل
المَرُّوْذِي(٤))). قيل لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: ((لو أن رجلاً
ترك الصلاة على النبي ◌َ﴾ في التشهد بطلت صلاته؟. قال: ((ما
(١) سيأتي الكلام ص٣٩٥ - ٣٩٧.
(٢) سقط من (ش).
(٣) انظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (٥٤٤/٣).
(٤) في (ب) (المروروذي).
٣٨٨

اجترىء أن أقول هذا)). وقال مرة: ((هذا شذوذ)).
وفي مسائل أبي زرعة الدمشقي (١)، قال أحمد: ((كُنْتُ أَتَهِيَّب
ذلك، ثم تَبيَّنْتُ، فإذا الصلاة على النبي وَّر واجبة)). وظاهر هذا
أنه رجع عن قوله بعدم الوجوب.
وأما قولكم: الدليل (٢) على عدم وجوبها عمل السلف
الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه .
فجوابه: أن استدلالكم إما أن يكون بعمل الناس في
صلاتهم، وإما بقول أهل الإجماع: إنها ليست بواجبة. فإن كان
الاستدلال بالعمل فهو من أقوى حججنا عليكم، فإنه لم يزل عمل
الناس مستمرًا قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وعصرًا بعد عصر على الصلاة على
النبي بَّ في آخر التشهد، وإمامهم ومأمومهم ومنفردهم،
ومفترضهم ومتنفلهم، حتى لو سئل [١٢١/ب] كل مصل هل صليت
على النبي بَّ في الصلاة؟ لقال: نعم. وحتى لو سَلَّم من غير
صلاةٍ على النبي ◌َّه وعلم المأمومون(٣) منه ذلك، لأنكروا ذلك (٤)
عليه، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. فالعمل أقوى حجة عليكم،
فكيف يسوغ لكم أن تقولوا: عمل السلف الصالح قبل الشافعي
ينفي الوجوب؟ أفترى السلف الصالح كلهم ما كان أحد منهم قط
(١) انظر: الشرح الكبير مع الإنصاف (٥٤٨/٣).
(٢) في (ب) (إن الدليل).
(٣) في (ب) (المأمون منه) وهو خطأ.
(٤) من (ح) فقط.
٣٨٩

يصلي على النبي ◌َّ في صلاته؟! وهذا من أبطل الباطل.
وأما إن كان احتجاجكم بقول أهل الإجماع(١): إنها ليست
بفرض. فهذا مع أنه لا يسمى عملاً لم يعلمه (٢) أهل الإجماع،
وإنما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، وغايته أنه قول
كثير من أهل العلم، وقد نازعهم في ذلك آخرون من الصحابة
والتابعين وأرباب المذاهب كما تقدم، فهذا ابن مسعود، وابن
عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وجعفر بن
محمد، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في آخر قوليه، يوجبون
الصلاة عليه وقّ في التشهد، فأين إجماع المسلمين مع خلاف
هؤلاء؟ وأين عمل السلف الصالح، وهؤلاء من أفاضلهم رضي الله
عنهم؟ ولكن هذا شأن من لم يتتبع مذاهب العلماء، ويعلم مواقع
الإجماع والنزاع.
وأما قوله: ((قد شَنَّع الناس المسألة على الشافعي جدًا))، فَيَا
سُبْحان الله! أيُّ شناعة عليه في هذه [١/١٢٢] المسألة؟ وهل هي إلا
من محاسن مذهبه؟ ثم(٣) لا يستحي المشنِّع عليه مثلَ هذه المسألة
من المسائل التي شُنْعَتُها ظاهرة جدًا، يعرفها من عرفها من المسائل
التي تخالف النصوص، أو تخالف الإجماع السابق؛ أو القياس، أو
المصلحة الراجحة؟ ولو تُتُبُّعَتْ لبلغت مِئِين، وليس تَتَبِّع المسائل
(١) في (ح) فقط ( .. الاجماع أيضًا:).
(٢) في (ب) (يعمله).
(٣) في (ظ) (لم).
٣٩٠

المستبشعة(١) من عادة أهل العلم فَيُقْتدى بهم في ذِكرِها وعَدِّها،
والمُنْصِفُ خَصْمُ نفسه. فأي كتاب خالف الشافعي في هذه
المسألة؟ أم أي سنة؟ أم أي إجماع؟ ولأجل أن قال قولاً اقتضته
الأدلة وقامت على صِخَّتِه، وهو من تمام الصلاة بلا خلاف؛ إِمَّا
تَمَام واجباتها، أو تمام مستحباتها، فهو رضي الله عنه رأى أنه من
تمام واجباتها بالأدلة التي سنذكرها بعد ذلك، فلا إجماعًا خَرَقَه،
ولا نصَّأَ خالفه، فمن أيّ (٢) وجه يشنع عليه؟ وهل الشناعة إلا بمن
شنَّع عليه ألْيَق، وبه ألْحَق؟.
وأما قوله: ((وهذا تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي
اختاره الشافعي، وهو الذي علمه النبي بَلَّ إِيَّاه(٣) .. )) إلى آخره.
فهكذا رأيته في النسخة ((الذي اختاره الشافعي))، والشافعي
إنما اختار تشهد ابن عباس، أما تشهد ابن مسعود رضي الله عنه،
فأبو حنيفة وأحمد اختاراه، ومالك اختار تشهد عمر.
وبالجملة فجواب ذلك من وجوه:
أحدها: أنا نقول بموجب هذا الدليل، فإن مقتضاه وجوب
[١٢٢/ب] التشهد، ولا ينفي وجوب غيره، فإنه لم يقل أحد(٤): إن
(١) في (ب) (المستشبعة)، وفي (المستشبعة)، وفي (ح)(المستشبعة).
(٢) وقع في (ب) فقط (فلأيِّ وجه ... ).
(٣) سقط من (ظ، ت، ج) (إيّاه).
(٤) في (ب، ش) (فإن لم يقل إن هذا .. ).
٣٩١

هذا التشهد هو جميع الواجب من الذُّكْر في هذه القَعْدة، فإيجاب
الصَّلاة على النبي ◌َّيه بدليل آخر لا يكون معارضًا بترك تعليمه في
أحاديث التشهد .
الثاني: أنكم تُوجبون السَّلام من الصَّلاة، ولم يعلِّمهم النبي
وَلّ إيَّاه في أحاديث التشهد.
٣٣٨ - فإن قلتم: إنما وجب السلام بقوله ◌َلي(١): ((تحريمها
التكبير، وتحليلها التسليم)). قيل لكم: ونحن أوجبنا الصلاة على
النبي ◌َّ بالأدلة المقتضية لها، فإن كان تعليم التشهد وحده مانعًا
من إيجاب الصلاة على النبي وَ ل كان مانعًا من إيجاب السلام؛ وإن
لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة.
الثالث: أن النبي ◌َّ كما علمهم التشهد علمهم الصلاة
عليه، فكيف يكون تعليم التشهد دالاً على وجوبه، وتعليمه الصلاة
لا يدل على وجوبها؟ فإن قلتم: التشهد الذي علمهم إياه هو تشهد
الصلاة، ولهذا قال فيه :
٣٣٩ - ((فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله))(٢)، وأما
(١) أخرجه الترمذي (٣)، وأبو داوود (٦١)، وابن ماجه (٢٧٥) وغيرهم. تفرد
به عبدالله بن محمد بن عقيل، وفيه لين. انظر: تهذيب الكمال (٧٨/١٦)، و
الحديث * صححه الترمذي كما يدل عليه كلامه. والضياء في المختارة
(٧١٨) * وعدّه ابن عدي من منكرات ابن عقيل (١٢٩/٤).
(٢) تقدم قبل رقم ٣٣٢ وسيأتي برقم (٣٥٢)، من حديث ابن مسعود رضي الله
عنه .
٣٩٢

تعليم الصلاة عليه وَليلة فمطلق.
قلنا: والصلاة التي علمهم إياها عليه وَّة هي في الصلاة أيضًا
لوجهين :
أحدهما: حديث محمد بن إبراهيم التيمي (١)، وقوله: [١٢٣/أ]
كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟. وقد تقدم في الباب
الأول.
الثاني: أنَّ الصَّلاة التي سألوا النَّبي ◌َِّ أنْ يُعلمهم إياها نظير
السَّلام الذي علموه، لأنهم(٢) قالوا:
٣٤٠ - «هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة
عليك؟))(٣)، ومن المعلوم أن السلام الذي علموه هو قولهم في
الصلاة: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، فوجب أن
تكون الصلاة المقرونة به (٤) هي في الصلاة. وسيأتي إن شاء الله
تعالى تمام تقرير ذلك.
الرابع: أنَّه لو قُدِّرَ أنَّ أحاديث التَّشهد تنفي وجوب الصلاة
على النبيِ وَلّ؛ لكانت أدلة وجوبها مُقَدَّمة على تلك، لأنَّ نفيها
(١) تقدم تحت رقم (١) - وهو معلول أخطأ فيه ابن إسحاق.
(٢) سقط من (ب، ش) من قوله (لأنهم) إلى (الذي علموه).
(٣) تقدم برقم (١) وراجع تفصيل الكلام على زيادة ابن إسحاق.
(٤) سقط من (ح).
٣٩٣

مُبْق(١) على استصحاب(٢) البراءة الأصلية، ووجوبها ناقل عنها،
والناقل مقدم على المُبْقِي، فكيف(٣) ولا تعارض، فإنَّ غاية ما
ذكرتم من تعليم التشهد أدلة ساكتة عن وجوب غيره، وما سكت
عن وجوب شيء لا يكون معارضًا لما نطق بوجوبه، فضلاً عن أن
يُقَدَّم علیه.
الخامس: أنَّ تعليمهم التشهد كان مُتَقَدِّمًا، بل لعَلَّه من (٤)
حين فرضت الصلاة.
وأما تعليمهم الصلاة عليه فإنه كان بعد نزول قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبٍ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، ومعلوم أن
هذه الآية نزلت في الأحزاب بعد نكاحه زينب بنت جحش، وبعد
تخييره أزواجه، فهي بعد فرض التشهد، فلو قدر أن فرض [١٢٣/ب]
التشهد كان نافيًا لوجوب الصلاة عليه وَّله لكان منسوخًا بأدلة
الوجوب، فإنها متأخرة.
والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن(٥) هذا يقتضي تقديم
أدلة الوجوب لتأخرها، والذي قبله يقتضي تقديمها لرفعها البراءة
الأصلية، من غير نظر إلى تقدم(٦) ولا تأخر، والذي يدل على تأخر
(١) في (ب) (منتفي)، وفي (ش) (متبقى)، وفي (ج) (ينفي)
(٢) في (ب) (الاستحباب) وهو خطأ.
(٣) في (ب) (وكيف).
(٤) سقط من (ب).
(٥) ليس في (ب، ش) من قوله (أن هذا ... ) إلى (والذي قبله).
(٦) في (ب) (ما تقدم).
٣٩٤

الأمر بالصلاة عن التشهد قولهم:
٣٤١ - ((هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟))
ومعلوم أن السلام عليه مقرون بذكر التشهد. لم يشرع في الصلاة
وحده بدون ذكر التشهد، والله أعلم.
وأما قوله: ((ومن حُجَّة من لم يرها فرضًا في الصلاة
حديث(١) الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، فذكر حديث
ابن مسعود، وفيه :
٣٤٢ - ((فإذا قلت ذلك فقد قضيت الصلاة، فإن شئت أن
تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد))، ولم يذكر الصلاة على النبي
وَالر، فجوابه من وجوه:
أحدها : - أن هذه الزِّيادة مُدْرَجة في الحديث، ليست من
كلام النبي وَلّهِ، بَيَّن ذلك الأئمة الحفاظ. قال الدار قطني في كتاب
((العلل))(٢): ((رواه الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن
علقمة، عن عبدالله؟ حدث به عنه محمد بن عجلان، وحسين
الجعفي، وزهير بن معاوية، وعبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان. فأما
ابن عجلان، وحسين الجعفي فاتفقا على لفظه، وأما [١٢٤/أ] زهير
فزاد عليهما في آخره كلامًا أدرجه بعض الرواة عن زهير في حديث
النبي وَلّ، وهو قوله: (إذا قضيت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت
(١) في (ب) (الحديث).
(٢) (١٢٧/٥ - ١٢٨) رقم (٧٦٦).
٣٩٥

صلاتك إن شئت أن تقوم فقم).
ورواه شبابة بن سوار، عن زهير، ففصل بين لفظ النبي وَلل،
وقال فيه عن زهير: قال ابن مسعود هذا الكلام.
وكذلك رواه ابن (١) ثوبان، عن الحسن بن الحر وبَيَّنه،
وفَصَل كلام النبي ◌َّ من كلام ابن مسعود، وهو الصواب)).
وقال في كتاب ((السنن))(٢) وقد ذكر حديث زهير، عن
الحسن بن الحر هذا، وذكر الزيادة، ثم قال: ((أدرجه بعضهم عن
زهير في الحديث، ووصله بكلام النبي وَّةِ، وفَصَلَه شَبَابَة عن
زهير، وجعله من كلام عبدالله رضي الله عنه، وقوله أشْبه(٣)
بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي ولد؛ لأن ابن ثوبان
رواه عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخره من قول ابن مسعود،
ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد بن أبان في روايتهم
عن الحسن بن الحر على ترك ذكره (٤) في آخر الحديث، مع اتفاق
كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبدالله بن مسعود
على ذلك)) - ثم ذكر رواية شبابة وفصله كلام عبدالله من حديث
النبي ◌َّ - ثم قال: ((شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، جعله من
قول عبدالله بن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج
(١) في (ب) (ثوبان) وهو خطأ، وفي (ت) (أبو ثوبان) وهو خطأ.
(٢) (٣٥٣/١).
(٣) في (ب، ش) (وهو الصواب) والمثبت من (ظ، ج، ت) والسنن.
(٤) في (ب، ش) (على ترك .. ) - بياض - في آخر الحديث).
٣٩٦

آخره(١) في كلام [١٢٤/ب] النبي ◌َّر. وقد تابعه غسَّان بن الربيع
وغيره، فرواه عن ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل
آخر الحديث من كلام ابن مسعود لم يرفعه إلى النبي وَّ)).
وذكر أبو بكر الخطيب هذا الحديث في كتاب ((الفصل
للوصل))(٢) له. وقال: ((قول من فصل كلام النبي ◌ُّ من كلام ابن
مسعود، وبَيَّن أن الصواب أن هذه الزيادة مدرجة)).
فإن قيل: فأنتم قد رويتم عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ أن
الصلاة على النبي وَلِلّ واجبة في الصلاة، وهذا الذي ساعدناكم
على أنه من قول ابن مسعود رضي الله عنه يبطل ما رويتم عنه. فإن
كان الحديث من كلام النبي ◌َّ فهو نص في عدم وجوبها، وإن
كان من كلام ابن مسعود رضي الله عنه فهو مبطل لما رويتموه عنه.
فهذا سؤال قوي، وقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: قال القاضي أبو الطيب: قوله: ((فإذا قلت هذا فقد
(١) سقط من جميع النسخ (آخره)، واستدركته من سنن الدار قطني (٣٥٣/١).
(٢) (١٠٣/١ - ١١٥).
قلت: ومع تصويب وقفه على ابن مسعود، إلا أنه شاذ عنه، غير معروف
عن ابن مسعود، ولا عن أصحابه عنه.
والمحفوظ عن ابن مسعود: قوله (مفتاح، وفي رواية: حدُّ الصلاة
التكبير، وانقضاؤها التسليم) أخرجه الطبري في التهذيب (الجزء المفقود)
(٤٢٨ - ٤٣٢)، وابن أبي شيبة (٢٠٨/١)، والبيهقي (١٥/٢، ١٧٣ -
١٧٤)، وسنده صحيح، وصححه البيهقي.
٣٩٧

قضيت صلاتك))، معناه أنها قاربت التمام، والدليل على ذلك أنا
أجمعنا على أن الصلاة لم تتم (١).
وهذا جواب ضعيف، لأنه قال: ((فإن شئت أن تقوم فقم،
وإن شئت أن تقعد فاقعد))، وعند من يُوجِبُ الصلاة(٢) على النبي
: لا يُخَيِّرُ بين القيام والقعود حتى يأتي بها .
صَلىالله
وسام
الجواب الثاني: أن هذا حديث خرج على معنى في التشهد،
وذلك أنهم كانوا يقولون في الصلاة: السلام على الله، [١٢٥/أ] فقيل
لهم: إن الله هو السلام، ولكن قولوا كذا، فعلمهم التشهد، ومعنى
قوله: ((إذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك))، يعني إذا ضُمَّ إليها ما
يجبُ فيها من ركوع وسجود وقراءة وتسليم وسائر أحكامها، ألا
ترى أنه لم يذكر التسليم من الصلاة، وهو من فرائضها، لأنه قد
وقفهم على ذلك، فاستغنى عن إعادة ذلك عليهم.
٣٤٣ - قالوا: ومثل حديث ابن مسعود هذا قوله وَليل في
الصدقة(٣): ((إنَّها تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ فَتُردُّ(٤) عَلَى فُقَرَائِهِم)»(٥). أي
(١) انظر نحوه في الحاوي الكبير للماوردي (١٣٦/٢).
(٢) أخرجه البخاري في (٣٠) الزكاة (١٣٣١)، ومسلم في (١) الإيمان (١٩) من
حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) في (ب، ش) (فتفرق).
(٤) سقط من (ب).
(٥) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة رقم (٧٢٤)، ومسلم في (٤)
الصلاة، رقم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٣٩٨

ومن ضُمَّ إليهم، وسُمِّي معهم في القرآن، وهم الثمانية الأصناف.
٣٤٤ - قالوا: ومثل ذلك قوله في حديث المسيء في
صلاته(١): ((ارْجِع فَصَلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)) ثم أمره بفعل ما رآه لم
يأت به، أو لم يُقمْه من صلاته فقال: ((إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاة» فذكر
الحديث، وسكت له (٢) عن التشهد والتسليم.
وقد قام الدليل من غير هذا الحديث على وجوب التشهد،
ووجوب التسليم عليه وَّ بما علمهم من ذلك، كما يعلمهم السورة
من القرآن، وأعلمهم أن ذلك في صلاتهم، وقام الدليل أيضًا في
التسليم بأنه إنما يُتَحَلّلُ من الصلاة به، لا بغيره من غير هذا
الحديث(٣)، فكذلك (٤) الصلاة على النبي ◌َّلل مأخوذة(٥) من غير
ذلك الحدیث .
قالوا: وكما جاز لمن جعل التشهد فرضًا، لحديث ابن
مسعود رضي الله عنه هذا، وردًّ على من خالفه، وقال: إذا قعد
مقدار التشهد فقد تمت [١٢٥/ب] صلاته وإن لم يتشهد، وعلى من
قال: إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة(٦) فقد تمت صلاته، بأن ابن
(١) لیس في (ح، ج).
(٢) في (ح) (المسألة).
(٣) ليس في (ب، ش) من قوله (على وجوب) إلى (الحديث).
(٤) في (ظ) (فكذا)، وليس في (ج) من قوله (فكذلك ... ذلك الحديث).
(٥) في (ب، ش) (مأخوذ).
(٦) في (ظ، ج) (الأخيرة).
٣٩٩

مسعود رضي الله عنه إنَّما علَّق التَّمام في حديثه بالتشهد = جاز لمن
أوجب الصلاة على النبي وَ لّر أن يحتج بالأحاديث الموجبة لها،
وتكون حجته منها على من نفى وجوبها كالحجة من حديث ابن
مسعود رضي الله عنه على من نفى وجوب التشهد، أو وجوب(١)
القعدة معه .
قالوا: واستدلالنا أقوى من استدلالكم، فإنه استدلال بكتاب
الله وسُنَّة رسوله، وعمل الأُمَّة قَرْنًا بعد قرن، فإن لم يكن ذلك
أقوى من الاستدلال على وجوب التشهد، لم يكن دونه، وإن كان من
الفقهاء من ينازعنا في هذه المسألة، فهو كمن ينازعكم من الفقهاء في
وجوب التشهد، والحجة في الدلیل أین کان، ومع من كان.
الجواب الثالث: أنه لا يمكن أحدًا ممن ينازعنا(٢) أن يحتج
علينا بهذا الأثر، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، فإنه (٣) يقال لمن احتج به:
لا يخلو إما أن يكون قوله: ((إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك))
مقتصرًا عليه، أو مضافًا إلى سائر واجباتها، والأول محال وباطل،
والثاني حق، ولكنه لا ينفي وجوب شيء مما (٤) تنازع فيه الفقهاء
من واجبات الصلاة، فضلاً عن نفيه(٥) وجوب الصلاة على النبي
(١) في (ح، ت، ج) (ووجوب).
(٢) في (ظ، ب، ش، ج) (من منازعينا) وفي (ح) (من ينازعها) وهو خطأ.
(٣) سقط من (ح).
(٤) ليس في (ش).
(٥) في (ب) (نفسه).
٤٠٠