Indexed OCR Text
Pages 341-360
عون بن عبدالله، عن (١) أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: إذا صليتم على رسول الله وَلّ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقالوا له: فعلمنا؟ قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المسلمين(٢)، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمدٍ عبدك ورسولك إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) وهذا موقوف . وعامة الأحاديث في ((الصحاح)) و((السنن)) كما ذكرنا أوَّلاً بالاقتصار على الآل، أو إبراهيم في الموضعين، أو الآل في أحدهما، وإبراهيم في الآخر، وكذلك في حديث أبي هريرة المتقدم(٣) في أول الكتاب وغيره من الأحاديث، فحيث جاء ذكر إبراهيم وحده في الموضعين فلأنه الأصل في الصَّلاة المُخْبر بها، وآله تبع له فيها، فدلَّ ذِكْر المتبوع على التابع، وانْدَرَجَ فيه، وأغنى عن ذِكرِه. وحيث جاء ذكر آله فقط فلأنه داخل في آله كما تقدم (١) في (ظ) (بن) بدلاً مِنْ (عن) وهو خطأ. (٢) في (ب، ت، ح، ج) (المرسلين). رقم (١٧) ص ٢٧ . (٣) ٣٤١ تقريره، [١٠٦/ ب] فيكون ذكر آل إبراهيم مُغْنِيًا عن ذِكْرِه، وذكر آله بلفظين، وحيث جاء في أحدهما ذكره فقط، وفي الآخر ذكر آله فقط كان ذلك جمعًا بين الأمرين، فيكون قد ذكر المتبوع الذي هو الأصل، وذكر أتباعه يلفظ يدخل هو فيهم. يبقى أنْ يُقَال، فَلِمَ جاء ذكر ((محمد وآل محمد)» بالاقْتِران دون الاقْتِصار على أحدهما في عامّة الأحاديث، وجاء الاقتصار على إبراهيم وآله في عامتها؟ . وجواب ذلك: أن الصلاة على النبي ◌َّ، وعلى آله ذُكِرَتْ في مقام الطَّلبِ والدُّعَاء، وأما الصلاة على إبراهيم فإنما جاءت في مقام الخَبَر وذِكْرِ الواقع، لأن قوله وَّر: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)» جملة طلبية، وقوله: ((كما صليت على آل إبراهيم)) جملة خبرية، والجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال، كان بسطُها وتطويلُها أنْسَبَ من اختصارها وحذفها، ولهذا يُشْرِع تكرارها، وإبداؤها، وإعادتها، فإنها دعاء، والله يحب الملحِّين في الدعاء، ولهذا تجد كثيرًا من أدعية النبي ◌َّ فيها من بسط الألفاظ، وذكر كل معنى بصريح لفظه، دون الاكتفاء بدلالة اللفظ الآخر عليه، ما يشهد لذلك، كقوله مرَّ في حديث عَلِيٍّ الذي رواه مسلم في ((صحيحه))(١): ٣٠٨ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، [١٠٧/أ] وَمَا (١) في (٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١). ٣٤٢ أسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ لاَ إِلَه إلاَّ أنْتَ)). ومعلوم أنه لو قيل: اغفر لي كل ما صنعت كان أوجز، ولكن ألفاظ الحديث في مقام الدعاء والتضرع، وإظهار العبوديّة والافتقار، واستحضار الأنواع التي يَتُوب العبد منها تفصيلاً أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار. ٣٠٩ - وكذلك قوله في الحديث الآخر(١): ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذَنْبِي كُلَّه، دِقَّه وجِلَّه سِرّهُ وعَلَاَنِيَّته، وأوَّله وآخره))، ٣١٠ - وفي الحديث(٢): ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ خَطِيْئَتِي وجَهْلِي وإِسْرَافِي في أمْرِي، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وهَزْلِ وخَطَئِي وعَمْدِي، وكلُّ ذلك عِنْدِي)). وهذا كثير في الأدعية المأثورة، فإن الدعاء عبودية لله، وافتقار إليه، وتذلُّل بين يديه، فكلَّما كَثَّرَهُ العبدُ وطوَّلَهُ وأعاده وأبداه ونَوَّعَ جُمَلَه؛ كان ذلك أبلغ في عبوديته، وإظهار فقره، وتذلُّله، وحاجته، وكان ذلك أقرب له من ربه، وأعظم لثوابه. (١) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤) الصلاة (٤٨٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) أخرجه البخاري في (٨٣) الدعوات (٦٠٣٥ و٦٠٣٦)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٧١٩) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ٣٤٣ وهذا بخلاف المخلوق، فإنك كلما كثَّرت سؤاله، وكرَّرت حوائجك إليه، أبْرمْته، وثَقَّلْت عليه، وهُنْتَ عليه، وكلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده وأحب إليه. والله سبحانه كُلَّما سألته كنت أقربَ إليه وأحبّ إليه، وكلما ألْحَحْتَ عليه في الدعاء أحبَّك، ومن لم يسأله يغضب عليه: وبُنَيُّ آدَمَ حِيْنَ يُسْألُ يَغْضَبُ(١) فاللهُ يَغْضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤَالَه [١٠٧/ ب] فالمطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه. وأما الخبر فهو خبر عن(٢) أمْرٍ قد وقع وانقضى، لا يحتمل الزيادة والنقصان، فلم يكن في زيادة اللفظ فيه كبير(٣) فائدة، ولاسِيَّما ليس المقام مقام إيضاح وتفهيم للمخاطب ليحسن معه البَسْط والإطناب، فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأحسن، فلهذا جاء فيه بلفظ: ((إبراهيم)) تارة وبلفظ: ((آله)) أخرى، لأنَّ كِلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر من الوجه الذي قدمناه، فكان المراد باللفظين واحدًا مع الإيجاز والاختصار. وأما في الطلب فلو قيل: ((صل على محمد)) لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على (١) انظر البيت في المستطرف لِلأبشيهي (٣٠١/٢ - ط: إبراهيم صالح) ولم ينسبه لأحد. (٢) في (ظ) (وأما الخبر، فهو خبر قد مرَّ وقد وقع وانقضى)، وفي (ت) (فهو خبر قد أمر قد وقع)، وفي (ج) بیاض. (٣) في (ب) (كثير) وفي (ظ، ت) غير منقوطة. ٣٤٤ آله؛ إذ هو طلب ودعاء(١) ينشأ بهذا اللفظ، ليس خبرًا عن أمْرٍ قد وقعٍ واستقر. ولو قيل: ((صل على آل محمد)) لكان النبي ◌َّ إنما يُصَلَّي عليه في العموم، فقيل: ((على محمد وعلى آل محمد)) فإنه يحصل له بذلك: الصلاةُ عليه بخصوصه، والصلاةُ عليه بدخوله في آله. وهنا للناس طريقان في مثل هذا: أن يقال هو داخل في آله مع اقترانه بذكره، فيكون قد ذكر مرتين: مَرَّة بخصوصه، [١٠٨/أ] ومَرَّة في اللفظ العام، وعلى هذا فيكون قد صُلِّي عليه مرتين خصوصًا وعمومًا، وهذا على أصل من يقول: إن العام إذا ذكر بعد الخاص كان متناولاً له أيضًا، ويكون الخاص قد ذكر مرتين، مرة بخصوصه، ومرة بدخوله في اللفظ العام، وكذلك في ذكر الخاص بعد العام، كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، [البقرة: ٩٨]، وكقوله وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌ لِّلْكَفِرِينَ لَـ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْئِنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نَّوَجِ وَإِبْرَهِيَمَ [الأحزاب: ٧] الآية . والطريق الثاني(٢): أنَّ ذكره بلفظ الخاصِّ يدلُّ على أنه غير داخل في اللفظ العام، فيكون ذكره بخصوصه مُغْنِيًا عن دخوله في اللفظ (٣) العام، وعلى هذه الطريقة، فيكون في ذلك فوائد: (١) في (ب) (والدعاء). (٢) في جميع النسخ (الثانية)، وفي (ح) (الطريقة الثانية). (٣) من (ح) قوله (اللفظ) وسقط من باقي النسخ. وراجح ما تقدم ص٢٥٢. ٣٤٥ منها أنَّه لمّا كان من أشرف النوع العام؛ أَفْرِد بلفظ دالٍ عليه بخصوصه، كأنَّ بَأيَنَ النَّوع، وتَمَيَّزَ عنهم بما أوجب أن يتميّز بلفظ يخصُّه، فيكون في ذلك تنبيهًا على اختصاصه ومزيَّته عن النوع الداخل في اللفظ العام. . الثانية: أن (١) يكون فيه تنبيه على أن الصلاة عليه أصل، والصلاة على آله تبع له؛ إنما نالوها بتبعيتهم له. الثالثة: أن إفراده بالذكر يرفع عنه توهم التخصيص، وأنه لا يجوز أن يكون مخصوصًا من اللفظ العام، بل هو مراد قطعًا. (١) في (ح) (أنه). ٣٤٦ الفصل الثامن في قوله: ((اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمد» وذكر البر کة وحقيقتها: الثُّبُّوت واللّزُوم والاستقرار، فمنه برك البعير: إذا استقر على الأرض، ومنه المَبْرَك: لموضع البروك. وقال صاحب الصِّحَاحِ(١): ((وكل شيء ثبت وأقام فقد برك، والبَرْكُ: الإبل الكثيرة ... والبركة: بكسر الباء كالحوض، [١٠٨/ب] والجمع: البِرَك)). ذكره الجوهري. قال: ((ويقال: سُمِّيت بذلك لإقامة الماء فيها)). والبراكاءُ: الثَّباتَ في الحرب والجدُّ فيها، قال الشاعر(٢): ولا يُنْجِي مِن الغَمَرَاتِ إلاَّ بَرَاكَاءُ القِتَالِ أو الفِرَارُ والبَرَكة: النَّماءُ والزِّيادة. والتَّبْرِيك: الدُّعاء بذلك. ويقال: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له، وفي القرآن: ﴿أَنَّ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]، وفيه: ﴿ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقْ﴾ فات: ١١٣]، وفيه: ﴿بَرَّكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٧١ (١) (٢/ ١١٩٠) مادة: برك. (٢) * هو بشر بن أبي خازم الأسدي كما في ديوانه ضمن قصيدة من مُفَصَّلِيَّات، ط - دار المعارف - ص٣٤٥ ٪. المُفَو ٣٤٧ وفي الحديث: ((وبَارِكْ لِي فِيْمَا أعْطَيْتَ))(١)، وفي حديث سعد: بارك الله لك(٢) في أهلك ومالك))(٣). والمُبَارَك: الذي قد باركه الله سبحانه، كما قال المسيح عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١]، وكتابه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنْزَلْنَهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال: ﴿كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ ﴾ [صّ: ٢٩]، وهو أحق أن يسمى مباركًا من كل شيء، لكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه، والرب تعالى يقال في حقه: ((تبارك)) ولا يقال: مبارك. ثم قالت طائفة منهم الجوهري (٤): إن ((تبارك)) بمعنى بارك، مثل قاتل وتقاتل، قال: ((إلا أن فَاعَلَ يتَعَدَّى(٥)، وتفاعل لا يتعدى)). وهذا غلط عند المحققين، وإنما ((تبارك)) تفاعل من(٦) (١) سيأتي تخريجه برقم (٣٦٩) من حديث الحسن بن علي. (٢) في (ب) (له) وهو خطأ. انظر البخاري كما تقدم. (٣) أخرجه البخاري في (٣٩) البيوع (١٩٤٤) من حديث أنس. وهذا الكلام قاله عبدالرحمن بن عوف، لسعد بن الربيع الأنصاري في قصة التآخي بين المهاجرين والأنصار. (٤) انظر: الصحاح (١١٩/١). (٥) في (ب) (متعدي). (٦) هذا قول ابن عباس: تفاعل من البركة. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٨/٥) رقم (٨٥٨٨)، والطبري (١٧٩/١٨) عن ابن عباس، وفي سنده انقطاع. وانظر: معاني القرآن للزجاج (٥٧/٤)، ومعاني القرآن للفراء (٢٦٢/١)، والبحر المحيط لأبي حيان (٤٤٠/٦). ٣٤٨ البركة، وهذا الثناء في حقه تعالى إنما هو لوصف رجع إليه كتعالى، فإنه تفاعل من العلو؛ ولهذا يقرن بين هذين [١٠٩/أ] اللفظين، فيقال: ((تبارك وتعالى))، وفي دعاء القنوت: ٣١١ - ((تباركت وتعاليت))(١)، وهو سبحانه أحق بذلك وأولى من كل أحد، فإن الخير كله بيديه (٢)، وكل الخير منه. وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة، وخيرات لا شرور فيها، كما قال النبي وَله : ٣١٢ - ((والشَّرُ لَيْسَ إليْكَ))(٣)، وإنما يقع الشر في مفعولاته ومخلوقاته، لا في فعله سبحانه. فإذا كان العبد وغيره مباركًا، لكثرة خيره ونفعه واتصال أسباب الخير فيه، وحصول ما ينتفع به الناس منه، فالله تبارك وتعالى أحق أن يكون متباركًا، وهذا ثناء يشعر بالعظمة، والرفعة والسعة، كما يقال: تعاظم وتعالى، ونحوه، فهو دليل على عظمته وكثرة خيره ودوامه، واجتماع صفات الكمال فيه، وأن كل نفع في العالم كان ويكون فمن نفعه سبحانه وإحسانه . ويدلُّ هذا الفعل أيضًا في حقه على العظمة والجلال وعُلُقٍّ الشأن، ولهذا إنما يذكره غالبًا مفتتحًا به جَلَاَلَه وعَظَمَتَه وكبرياءَه، (١) سيأتي برقم (٣٦٨ و٣٦٩). (٢) في (ح) (بيده). (٣) أخرجه مسلم في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ٣٤٩ قال تعالى: ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِهِةٍ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ٥٤ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ٠﴾ [الفرقان: ١]، وقال تعالى: [١٠٩/ب] ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ [الفرقان: ٦١]، و﴿وَتَبَارَكَ اُلَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥ [الزخرف: ٨٥]، و﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُُّ [الملك: ١]، وقال تعالى عقب خلق الإنسان في أطواره السبعة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقد ذكر تباركه سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال والعظمة، والأفعال الدالة على ربوبيته وإلاهيته(١) وحكمته وسائر صفات كماله: من إنزال الفرقان، وخلق العالمين، وجعله البروج في السماء والشمس والقمر، وانفراده بالملك، وكمال القدرة. ٣١٣ - ولهذا قال أبو صالح: عن ابن عباس (٢) رضي الله عنه: ((تبارك)) بمعنى: تعالى. وقال أبو العباس (٣): ((تبارك)): ارتفع، ((والمبارك)): (١) في (ب) (هيبته). (٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٣١٩/١)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢١٤/٣)، ولسان العرب (٣٩٦/١٠) (مادة: برك). (٣) انظر: زاد المسير (٢١٤/٣). ٣٥٠ المرتفع . وقال ابن الأنباري(١): ((تبارك))، بمعنى: تقدَّس. وقال الحسن(٢): ((تبارك: تجيء البركة من قِبَلِهِ)). وقال الضَّحَّاك(٣): ((تبارك تعظّم (٤)). وقال الخليل بن أحمد(٥): ((تمجّد)). وقال الحسين بن الفضل(٦): ((تبارك في ذاته، وبارك فيمن شاء من خلقه)). وهذا أحسن الأقوال، فتباركه سبحانه وصْفُ(٧) ذات له، وصفة فعل، كما قال الحسين بن الفضل. والذي يدل على ذلك أيضًا: أنه سبحانه يضيف (٨) التبارك إلى اسمه، كما قال: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ٧٨ [الرحمن: ٧٨]، وفي حديث الاستفتاح: ((تَبَارَكَ اسْمُك وتَعَالَى جَدُّكَ))(٩)، [١١٠/أ] فدل هذا على أن تبارك ليس بمعنى بارك، كما قاله الجوهري، وأن تبريكه سبحانه جزء مُسَمَّى اللَّفظ، لا كمال (١) * في الزاهر (٥٣/١)، وأضاف (أنه تفاعل من البركة ... ) *. (٢) انظر: تفسير الماوردي (١٣٠/٤)، وزاد المسير (٢١٤/٣). (٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤١٠)، وسقط من (ج) (الضحاك). (٤) في (ح) (تعاظم). (٥) انظر: البحر المحيط (٤٤٠/٦). (٦) هو ابن عمير أبو علي الكوفي المفسّر، (ت: ٢٨٢هـ). السير (٤١٤/١٣). (٧) في (ح) (صفة). (٨) في (ح، ونسخة (ظ) على حاشية (ب)) (يُسْنِد)، وفي (ج) غير واضحة. (٩) أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٧٥/٢)، وابن أبي شيبة (٢٠٩/١) وغيرهما عن عمر موقوفًا. وسنده صحيح. وروي مرفوعًا، وفي ثبوته نظر . ٣٥١ معناه . وقال ابن عطية(١): ((معناه عَظُم، وكثرت بركاته. ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله سبحانه وتعالى، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمْر. ــ قال ــ وعِلَّة ذلك أن ((تبارك)) لما لم يوصف به غير الله، لم يقتض مستقبلاً، إذ الله تعالى قد تبارك في الأزل - قال - وقد غلط أبو علي الفالي، فقيل له: كيف المستقبل من تبارك؟ فقال: يتبارك. فوقف على أن العرب لم تقله)). وقال ابن قتيبة (٢): ((تبارك اسمك(٣): تفاعل من البركة، كما يقال: (تعالى اسمك)) من العلو، يراد به أن البركة في اسمك، وفيما سُمِّي عليه . - وقال ــ وأنشدني بعض أصحاب اللغة بيتًا حفظت عَجُزَهُ : إلىَ الجذْعِ حِذْعِ النَّخْلَةِ المُتَبَارَكِ)). فقوله: يراد به أن البركة في اسمك وفيما سُمِّ عليه، يدل على أن ذلك صفة لمن تبارك، فإن بركة الاسم تابعة البركة المسمى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ جَ﴾ [الحاقة: ٥٢]، دليلاً على الأمر بتسبيح الرب بطريق الأولى، فإن (١) انظر: المحرر الوجيز (٧٧/٧). (٢) انظر: غريب الحديث له (١٦/١). (٣) في (ب) (اسم)، وفي (ت) (اسم لك) وكلاهما خطأ. ٣٥٢ تنزيه الاسم من توابع تنزيه المسمى. وقال الزَّمَخْشَرِي(١): ((فيه معنيان، أحدهما تزايد خيره وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله)). قلت: ولا تنافي بين المعنيين، كما قال الحسين بن الفضل وغيره [١١٠/ ب]. وقال النَّضْرُ بن شُمَيْل: ((سألت الخليل بن أحمد عن ((تبارك)) فقال: تمجَّد)). وهذا (٢) يجمع المعنيين: مجده في ذاته، وإفاضته(٣) البركة على خلقه، فإن هذا هو حقيقة المجد، فإنَّه السَّعة، ومنه مَجُدَ الشيء: إذا اتسع، واستمجد، والعرش المجيد لسعته . وقال بعض المفسرين: يمكن أن يقال: هو من البروك، فيكون تبارك ثبت ودام أزلاً وأبدًا، فيلزم أن يكون واجب الوجود، لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن أزليًا . وهذا قد يقال: إنه جزء المعنى، فتبارِكُه سبحانه يجمع هذا كله: دوامَ وُجودِهِ، وكثرةَ خيرِه، ومجدَهُ وعُلُوَّه، وعَظَمَتَه وتَقَدُّسَهُ، ومجيءَ الخيراتِ كلِّها من عنده، وتبريكَه على من شاء من خلقه، (١) انظر: الكشاف (٢٦٢/٣). (٢) سقط من (ظ) (وهذا يجمع المعنيين مجده). (٣) في (ب) (إضافة)، وفي (ظ، ت، ج) (واضافته). ٣٥٣ وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها (١)، أنها تكون دالة على جملة معان، فَيُعَبِّر هذا عن بعضها، وهذا عن بعضها، واللفظ يجمع ذلك كله، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع(٢). والمقصود الكلام على قوله: ((وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على آل إبراهيم))، فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له(٣) وزيادته، هذا حقيقة البركة. وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ !َ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقٌ﴾ [الصافات: ١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَّكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ [هود: ٧٣]. ء ـيد وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْطَقْ﴾ [١١١/أ] [الصافات: ١١٣] ولم يذكر إسماعيل. وجاء في التوراة ذكر البركة على إسماعيل، ولم يذكر إسحاق، كما (٤) تقدم حكايته. وعن إسماعيل: ((سمعتك ها أنا باركته)) فجاء في التوراة ذكر البركة في إسماعيل إيذانًا بما حصل (١) من (ظ) قوله (كلها) وسقطت من باقي النسخ. (٢) انظر: بدائع الفوائد (١٨٥/٢ - ١٨٧). (٣) من (ح) (له)، وسقط من باقي النسخ. (٤) في (ب، ش) (وقد تقدم .. )، وانظر ص ٢١٥ . ٣٥٤ لبنيه من الخير والبركة، لاسيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها رسول(١) الله وَل﴾، فنبههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك و چ *، وذكر لنا في القرآن بركته على إسحاق منبهًا لنا على ما حصل في أولاده من نُبُوَّة موسى عليه السلام وغيره، وما أُوتُوهُ من الكتاب والعلم، مستدعيًا من عباده الإيمان بذلك، والتصديق به، وأن لا يُهْمِلُوا(٢) معرفة حقوق هذا البيت المبارك وأهل النبوة منهم(٣)، ولا يقول القائل: هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلَّقَ لنا بهم، بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم، والإيمان بهم، ومحبتهم وموالاتهم، والثناء عليهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولما كان هذا البيت المبارك المطهر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصهم الله سبحانه وتعالى بخصائص: * منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل بيته. * ومنها أنه سبحانه جعلهم أثمَّة يَهْدُون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم، فإنما دخل من [١١١/ ب] طريقهم وبدعوتهم. (١) من (ت)، وفي باقي النسخ (برسول). (٢) في (ت، ج) (يملوا)، وفي (ح) (يمهلوا). (٣) سقط من (ظ) (ت)، (ج). ٣٥٥ * ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين: إبراهيم ومحمدًا صلى الله وسلم عليهما، قال تعالى: ﴿وَأَتَّخَذَ اُللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ٠٠١٢٥ [النساء: ١٢٥]، ٣١٤ - وقال النبي ◌َّيقول: ((إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً))(١)، وهذا من خواص هذا البيت. * ومنها: أنه سبحانه جعل صاحب هذا البيت إمامًا للعالمين، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَإِذٍ أَبْتَلَىّ إِرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. * ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قيامًا للناس وقِبْلة لهم وحجًّا، فكان ظهور هذا البيت من أهل هذا البيت الأکرمین. * ومنها: أنه أمر(٢) عباده بأن يصلوا على أهل هذا(٣) البيت، كما صلى على أهل بيتهم وسلفهم، وهم إبراهيم وآله، وهذه .(٤) خاصية(٤) لهم. (١) أخرجه مسلم في صحيحه (٥) المساجد ومواضع الصلاة رقم (٥٣٤) من حديث جندب رضي الله عنه. (٢) سقط من (ش) (أمر). (٣) سقط من (ظ، ش). (٤) في (ظ) (خاصة)، وفي (ت) (خاصته) وهو خطأ. ٣٥٦ * ومنها: أنه أخرج منهم الأُمّتين العظَّيمتين(١) اللَّتين لم تخرج (٢) من أهل بيت غيرهم، وهم أمة موسى، وأمة محمد. وأمة محمد بنَلّ تمام سبعين(٣) أَمَّة هم خيرُها، وأكرمُها على الله. * ومنها: أن الله سبحانه أبقى عليهم لسان صدق، وثناء حسنًا في العالم، فلا يُذْكرون إلا بالثناء عليهم، والصلاة والسلام عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ ﴿َْ سَلَمُ عَلَىَ إِزَهِيمَ ٠٩ ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]. كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * ومنها: جعل أهل هذا البيت فرقانًا بين الناس، فالسُّعداء أتباعهم [١/١١٢] ومُحِبُّوهم ومَنْ تولاَهم، والأشقياء من أبغضهم وأعرض عنهم وعاداهم، فالجنة لهم ولأتباعهم، والنار لأعدائهم ومخالفیھم . * ومنها: أنه سبحانه جعل ذكرهم مقرونًا بذكره، فيقال: إبراهيم خليل الله ورسوله ونبيه، ومحمد رسول الله وخليله ونبيه، وموسى كليم الله ورسوله، قال تعالى لنبيه يُذَكِّرُه بنعمته عليه: (١) في (ح، ت) (المعظّمتين). (٢) كذا في جميع النسخ. (٣) يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٤٢٨٧)، والحاكم (٤ / ٨٤) رقم (٦٩٨٧، ٦٩٨٨) - وقال: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه))، وغيرهم من حديث معاوية بن حيدة أنه سمع النبي ◌َّ يقول: ((إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله)) لفظ ابن عُليَّه عن بهز عن أبيه عن جده. وسنده حسن. ٣٥٧ ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾﴾ [الشرح: ٤]، ٣١٥ - قال ابن عباس (١) رضي الله عنهما: ((إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي)). فيقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي كلمة الإسلام، وفي الأذان، وفي الخُطَب، وفي التَّشَهُدَات، وغير ذلك. * ومنها: أنه سبحانه جعل خلاص خلقه من شقاء الدنيا والآخرة على أيدي أهل هذا البيت، فلهم على الناس من النِّعم مَأْلاً يمكن إحصاؤها ولا جزاؤها، ولهم المنن الجِسَام في رقاب الأولين والآخرين من أهل السعادة، والأيادي العظام عندهم(٢)، التي يجازيهم عليها الله عز وجل . * ومنها: أن كل ضرر ونفع وعمل صالح وطاعة الله تعالى حصلت في العالم، فلهم من الأجر مثل أجور عامليها، فسبحان من يختص بفضله من يشاء من عباده. * ومنها: أنه سبحانه وتعالى سَدّ جميع الطرق بينه وبين (١) أخرجه ابن عساكر، كما في الدر (٦١٦/٦)، وفيه الكلبي ضعيف جدًا. * لكن ورد عن ابن عباس مرفوعًا في قصة وفيه قول الله سبحانه لمحمد: ((ألم أرفع لك ذكرك؟)) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣٤٤٥/١٠) وغيره، وصححه الضياء في المختارة (٢٨٩/١٠). وورد عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: بمثله عند ابن حبان (١٧٥/٨) وغيره، وفيه ضعف لأجل رواية درّاج عن أبي الهيثم. وانظر تفسير الطبري (٢٣٥/٣٠) *. (٢) سقط من (ب، ش). ٣٥٨ العالمين، وأغلق دونهم الأبواب، فلم يفتح لأحد قط إلا من طريقهم وبابهم . قال الجُنَيْد رضي الله عنه: ((يقول الله عز وجل لرسوله اَللّه : وعزتي [١١٢/ب] وجلالي لو أتوني من كل طريق، أو استفتحوا من كل باب، لما فتحت لهم، حتى يدخلوا خلفك))(١) . * ومنها: أنه سبحانه خصَّهم من العلم بما لم يخصَّ به أهل بَيْتٍ (٢) سواهم من العالمين، فلم يَطْرُقِ العالمَ أهْلُ بيت أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وثوابه وعقابه وشرعه ومواقع رضاه وغضبه وملائكته ومخلوقاته = منهم، فسبحان(٣) من جمع لهم علم الأولين والآخرين. * ومنها: أنه سبحانه خصهم من توحيده ومحبته وقربه والاختصاص به بما لم يخص به أهل بيت سواهم. * ومنها: أنه سبحانه مَكَّن لهم في الأرض واستخلفهم فيها، وأطاع لهم أهل الأرض، مالم يحصل لغيرهم. * ومنها: أنه سبحانه أيَّدهم ونصرهم وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بما لم يُؤيِّد غيرهم. (١) هو الجنيد بن محمد أبو القاسم الخزاز، كان زاهدًا عابدًا فقيهًا توفى سنة ٢٩٧ هـ. انظر: طبقات الصوفية ص ١٥٥، والرسالة للقشيري ص٤٩ - ٥١. (٢) في (ب) (البيت) وهو خطأ، ومثله ما بعده. (٣) في (ب) (فسبحان الله). ٣٥٩ * ومنها: أنه سبحانه محا بهم من آثار أهل الضَّلال والشرك، ومن الآثار التي يبغضها ويمقتها مالم يمحه بسواهم. * ومنها: أنه سبحانه غرس لهم من المحبة والإجلال والتعظيم في قلوب العالمين مالم يغرسه لغيرهم. * ومنها: أنه سبحانه جعل آثارهم في الأرض سببًا لبقاء العالم وحفظه، فلا يزال العالم باقيًا ما بقيت آثارهم، فإذا ذهبت آثارهم من الأرض فذاك أوان خراب العالم، قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [١/١١٣] قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اُلْحَرَامَ ج وَالْهَدْىَ وَالْقَلَبِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ٣١٦ - قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: ((لو ترك الناس كلهم الحج لوقعت السماء على الأرض)) (١). ٣١٧ - وقال: ((لو ترك الناس كلهم الحج لما نُظِروا))(٢). ٣١٨ - وأخبر النبي ◌َّ أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض(٣)، وكلامه من المصاحف وصدور الرجال(٤)، فلا يبقى لم أقف عليه . (١) (٢) أخرجه سعيد بن منصور كما في الدر (١٠١/٢). وانظر المصنف لعبد الرزاق (١٣/٥)، وأخبار مكة للفاكهي رقم (٨١١). (٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٥٠٦/٤)، وابن حبان (٦٧٥٣/١٥)، والحاكم (٤٤١/١) رقم (١٦١٠). من حديث ابن عمر مرفوعًا ((استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة)). قال ابن خزيمة: ((حدثنا الحسن بن قزعة بخبر غريب غريب ... )) فذكره. (٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤) رقم (٨٤٦٠) مختصرًا = ٣٦٠