Indexed OCR Text

Pages 281-300

سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فثنت بساط رسول الله وَال حتى لا
يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة
ثمان، ولا يعرف أن رسول الله وَ ل﴿ أَمَّرَ أبا سفيان. آخر كلامه)).
وقال أبو محمد بن حزم: ((هذا حديث موضوع، لاشك في
وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، ولم يختلف في أن رسول
الله ◌َ﴾ تزوجها قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر)).
فإن قيل: لم ينفرد عكرمة بن عمار بهذا الحديث، بل قد
توبع عليه، فقال الطبراني في ((معجمه)) (١): حدثنا علي بن سعيد
الرازي، حدثنا عمر (٢) بن حُلَيف بن إسحاق بن مرسال الخثعمي،
قال: حدثني عمي إسماعيل بن مرسال، عن أبي زميل الحنفي،
قال: حدثني ابن عباس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي
سفيان، ولا يفاتحونه فقال: يا رسول الله، [٨٥/أ] ثلاث أعطنيهن.
الحديث .
فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل، كما رواه
عنه عكرمة بن عمار، فبرىء عكرمة من عُهْدة التَّفرد به.
قيل: هذه المتابعة لا تفيده قوة، فإن هؤلاء مجاهيل(٣) لا
(١) الكبير (١٩٩/١٢) رقم (١٢٨٨٦).
(٢) في (ظ، ب، ت) (محمد) وهو خطأ، وفي الطبراني (خلف) مكان (حُلَيْف).
(٣) قلت: شيخ الطبراني: متكلم فيه . * وعمر بن حليف: يحتمل مجهول،
ويحتمل أنه وضَّاع ويحتمل أنهما واحد .. وإسماعيل: مجهول.
انظر * لسان الميزان (٢٧١/٤ و٤١٦) *.
٢٨١

يُعْرَفون بنقل العلم، ولا هم ممن يُحْتَجُّ بهم، فضلاً عن أن تقدم
روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم
وعامتهم، فهذه المتابعة إن لم تزده وهنا لم تزده قوة، وبالله
التوفيق .
وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري رحمهما الله تعالى:
يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي صلّ أن يزوجه أم حبيبة
وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر، حين سمع نعي
زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد
إسلامه، فجمعهما الراوي.
وهذا أيضًا ضعيف جدًا، فإن أبا سفيان إنما قدم المدينة آمنًا
بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح، وكانت أم حبيبة إذ ذاك من
نساء النبي ◌َّ، ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلا مع الأحزاب عام
الخندق، ولولا الهُدْنَة والصُلح الذي كان بينهم وبين النبي وَلـ لم
يقدم المدينة، فمتى قدِم وَزوَّجَ النبي بَّ أم حبيبة؟ فهذا غلط
ظاهر .
وأيضًا فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره، إذ
لا ولاية له [٨٥/ب] عليها، ولا تأخر ذلك إلى بعد إسلامه، لما
تقدم، فعلى التقديرين لا يصح قوله: أزوجك أم حبيبة.
وأيضًا فإن ظاهر الحديث يدل على أن المسائل الثلاثة وقعت
منه في وقت واحد، وأنه قال: ثلاث أعطنيهن .. الحديث، ومعلوم
أن سؤاله تأميره، واتخاذ معاوية كاتبًا إنما يُتَصوَّر بعد إسلامه،
٢٨٢

فكيف يُقال: بل سأل بعض ذلك في حال كفره، وبعضه هو
مسلم؟! وسياق الحديث يَرُدُّه.
وقالت طائفة: ((بل يمكن حمل الحديث على مَحْمل صحيح
يخرج به عن كونه موضوعًا، إذ القول بأن في ((صحيح مسلم))
حديثًا موضوعًا مِمَّا ليس يَسْهُل. قال: ووجْهُهُ أن يكون معنى
((أزوجكها)) أرضى بزواجك بها، فإنه كان على رغم مني، وبدون
اختياري، وإن كان نكاحك صحيحًا، لكن هذا أجمل وأحسن
وأكمل لما فيه تأليف القلوب، قال: وتكون إجابة النبي ◌َّ بنعم
كانت تأنيسًا له، ثم أخبره بعد بصحة العقد، فإنه لا يشترط رضاك
ولا ولاية لك عليها، لاختلاف دينكما حالة العقد. قال: وهذا مما
لا يمكن دفع احتماله)). ولا يَخْفى شِدَّة بُعْد هذا التأويل من اللفظ،
وعدم فهمه منه؛ فإن قوله: ((عندي أجمل العرب أزوجكها))، لا
يفهم منه أحد أن زَوْجَتَكَ التي هي في عصمة نكاحك أرضى
زواجك بها. ولا يطابق هذا المعنى أن يقول له النبي بَّ: ((نعم))،
فإنه إنما(١) سأل من النبي وَليو [١/٨٦] أمرًا تكون الإجابة إليه من جهته
وَّة، فأما رضاه بزواجه بها فأمر قائم بقلبه هو، فكيف يطلبه من
النبي گآئل .
ولو قيل: طلب منه أن يقرّه على نكاحه إياها، وسمى إقراره
نكاحًا، لكان مع فساده أقرب إلى اللفظ. وكل هذه تأويلات
(١) في (ظ، ت، ج) (لما).
٢٨٣

مستكرهة (١) في غاية المنافرة لِلَّفْظِ، ولمقصود الكلام.
وقالت طائفة: ((كان أبو سفيان يخرج إلى المدينة كثيرًا
فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافر، أو بعد إسلامه حين كان النبي
وَالر آلى من نسائه شهرًا واعتزلهن، فتوهم أن ذلك الإيلاء طلاق
كما توهمه عمر رضي الله عنه، فظن وقوع الفرقة به، فقال هذا
القول للنبي وَلّ، متعطفًا له ومتعرضًا، لعله يراجعها، فأجابه النبي
وَلّر بنعم، على تقدير: إن امتد الإيلاء، أو وقع طلاق، فلم يقع
شيء من ذلك)).
وهذا أيضًا في الضعف من جنس ما قبله، ولا يخفى أن
قوله: ((عندي أجمل العرب وأحسنه أزوجك إياها)). أنه لا يفهم منه
ما ذكر من شأن الإيلاء ووقوع الفُرْقة به، ولا يَصِحُّ أن يُجابَ بنعم،
ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقت الإيلاء أصلاً، فإن النبي ◌َّ اعتزل
في مَشْربة له، حَلَفَ أن لا يدخل على نسائه شهرًا(٢)، وجاء
عمر بن الخطاب فاستأذن في الدخول عليه(٣) مرارًا فأذن له في
الثالث، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: ((لا)). فقال عمر: الله أكبر)).
واشتهر عند [٨٦/ب] الناس أنه لم يطلق نساءه، وأين كان أبو سفيان
حينئذ؟ .
(١) في (ح) (مستنكرات).
(٢) أخرجه البخاري في (٦٨) التفسير/ التحريم (٤٦٢٩)، ومسلم في (١٨)
الطلاق (١٤٧٩) من حديث عمر بن الخطاب مطولاً .
(٣) في (ح) (فاستأذن عليه في الدخول).
٢٨٤

ورأيت للشيخ محب الدين الطبري كلامًا على هذا الحديث،
قال في جملته: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كله قبل
إسلامه بمدَّة تَتَقَدَّم على تاريخ النكاح، كالمشترط ذلك في إسلامه،
ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطنيهن: أم حبيبة أزوجكها،
ومعاوية يسلم فيكون كاتبًا بين يديك، وتؤمرني بعد إسلامي فأقاتل
الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين.
وهذا باطل أيضًا من وجوه :
أحدها: قوله: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان،
ولا يقاعدونه. فقال: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن. فيا سبحان الله!
هذا يكون قد صدر منه وهو بمكة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة،
وهو يجمع الأحزاب لحرب رسول الله وَله؟ أو وقت قدومه المدينة
وأم حبيبة عند النبي ◌َّ﴾ لا عنده؟ فما هذا التكلف البارد؟ وكيف
يقول وهو كافر: حتى أقاتل المشركين كما كنت أقاتل المسلمين؟
وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد في قتالهم وحربهم
وإطفاء نور الله سبحانه وتعالى؟ وهذه قصة إسلام أبي سفيان
معروفة، لا اشتراط فيها ولا تعرض لشيء من هذا.
وبالجملة فهذه الوجوه وأمثالها مما يُعْلم بطلانها
واستكراهها (١) وغثائتها، ولا تفيد الناظر فيها علمًا، بل النظر فيها
والتَّعرُّض لإبطالها من مثارات(٢) العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) وقع في (ب) (واستكرارها) وهو خطأ.
(٢) في (ح) (منارات).
٢٨٥

فالصَّواب [٨٧/أ] أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه
تخليط، والله أعلم.
وهي التي أكرمت فراش رسول الله وَ ليل أن يجلس عليه أبوها
لما قدم المدينة، وقالت: ((إنك مشرك))(١). ومنعته من الجلوس
عليه .
* وتزوج رسول الله وَ﴿ أم سلمة(٢)، واسمها هند بنت أبي
أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر(٣) بن مخزوم بن يقظة بن مُرَّة بن
كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبدالأسد.
توفيت سنة اثنين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي
وَلّ موتًا، وقيل: بل (٤) ميمونة.
٢٧٤ - ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي وَله
وهي عنده، فرأته في صورة دحية الكلبي، ففي ((صحيح مسلم))(٥):
عن أبي عثمان، قال: ((أنبئت أن جبرائيل أتى النبي ◌َّ وعنده أم
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبير (٩٧/١٠) ط. الخانجي. وفيه الواقدي،
وهو متروك الحديث.
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (٨٥/١٠ - ٩٤) والاصابة (٢٠٣/٨ - ٢٠٤) والسير
(٢٠١/٢).
(٣) في جميع النسخ (عمرو) وهو خطأ. انظر: أسد الغابة (٧/ ٣٤٠).
(٤) ليس في (ب).
(٥) أخرجه مسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٥١) من حديث سلمان رضي الله
عنه .
٢٨٦

سلمة، قال: فجعل يتحدث، ثم قام، فقال نبي الله وَّ لأم سلمة:
((من هذا؟)) - أو كما قال ــ قالت: هذا دحية الكلبي. قالت: أيم الله
ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبي الله وَلهَ يُخْبرُ خبرنا - أو
كما قال -)). قال سليمان التيمي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت
هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد.
وزوجها ابنها عمر من رسول الله وَالله .
وردَّت طائفة ذلك: بأن ابنها لم يكن له من السِّنِّ حينئذ (ما
يعقل به التزويج)(١) [٨٧/ب].
وردَّ الإمامُ أحمد ذلك وأنكر على مَنْ قاله.
٢٧٥ - ويدل على صحة قوله ما روى مسلم في
((صحيحه)) (٢): أن عمر بن أبي سلمة ابنها سأل النبي وَل عن القُبْلة
الصَّائم، فقال: ((سَلْ هذه؟))، يعني أَمَّ سَلَمة، فأخبرته أنَّ رسولَ الله
وَلُّ يفعله. (فقال: لسْنَا كرسول الله وَلَه يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاء،
فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((إنِّي أَتْقَاكُم للهِ وأعْلمكم به)))(٣) أو كما قال.
ومثل هذا لا يقال لصغير جِدًّا، وعُمَر وُلِدَ بأرض الحبشة قَبْل
(١) وقع في (ش) (ما يقبل التزويج)، وسقط من (ظ، ت، ب) (به).
(٢) أخرجه مسلم في (١٣) الصيام (١١٠٨).
(٣) كذا وقع في جميع النسخ. والذي عند مسلم: ( .. فقال يا رسول الله قد غفر
الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فقال له رسول الله وَ له: (أما والله إني
لأتقاكم لله، وأخشاکم له).
٢٨٧

الهجرة .
وقال البيهقي: وقول من زعم أنه كان صغيرًا دَعْوى، ولم
يثبت صِغَره باسنادٍ صحيح.
وقول من زعم أنه زوَّجها (بالبُنُوَّةِ، مقابَلٌ بقول من قال: إنه
زوجها)(١) بأنه كان من بني أعمامها، ولم يكن لها ولي هو أقرب
منه إليها، لأنه عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبدالله
ابن عمر بن مخزوم. وأم سلمة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن
عبدالله بن عمر بن مخزوم.
وقد قيل: إن الذي زوجها هو عمر بن الخطاب، لا ابنها،
لأن في غالب الروايات: ((قم يا عمر فزوج رسول الله صَّة)). وعمر
ابن الخطاب هو كان الخاطب.
وَرُدَّ هذا بأن في ((النسائي))(٢): فقالت لابنها عمر: ((ثُم فزوج
رسول الله وَلـ)).
وأجاب شيخنا أبو الحجاج المِزِّي الحافظ بأن الصحيح في
هذا)). قم يا عمر، فزوج رسول الله وَّة)). وأما لفظ: ((ابنها))
فوقعت من بعض الرواة؛ لأنه لما كان اسم ابنها ((عمر)) وفي [٨٨/أ]
(١) سقط من (ب، ج) ما بين القوسين، في (ج) (لأنه كان من بني .. ).
(٢) أخرجه النسائي (٣٢٥٤).
وسنده ضعيف فيه محمد بن عمر بن أبي سلمة، قال أبو حاتم: لا أعرفه.
جرح (١٨/٨).
٢٨٨

الحديث: ((قم يا عمر فزوج رسول الله وَليه))، ظنَّ الرواي أنه ابنها،
وأكثر الروايات في المسند(١) وغيره: ((قم يا عمر)) من غير ذكر(٢)
(ابنها)) قال: ويدل على ذلك أن ابنها عمر كان صغير السن، لأنه
قد صَحَّ عنه أنه قال: كنت غلامًا في حِجْرِ النبي ◌َّةِ، وكانتْ يَدِيْ
تَطِيْشُ في الصَّحْفَة، فقال النبي ◌َّ:
٢٧٦ - ((يَا غلام! سَمِّ الله، وكُلْ بِيَمِيْنِكَ، وكُل مِمَّا
يَلِيْك))(٣). وهذا يدل على صِغَر سِنِّه حين كان رَبِيْبَ النبيّ وَّ .
والله أعلم.
(وذكر ابن إسحاق: أن الذي زوجها ابنها سلمة بن أبي
(سلمة) والله أعلم)(٤).
* وتزوج رسول الله وَ*ل زينب بنت جحش(٥) من بني خزيمة
ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد
المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلَّقها، فزوجها
(١) انظر: مسند الإمام أحمد (٢٩٥/٦، ٣١٣ - ٣١٤).
(٢) سقط من (ح).
(٣) أخرجه البخاري في (٧٣) الأطعمة (٥٠٦١)، ومسلم في (٣٦) الأشربة
(٢٠٢٢).
(٤) سقط من (ح) ما بين القوسين، ووقع في (ب) (أوفى) بدلاً من (ابن أبي
سلمة) وهو خطأ .
(٥) انظر الطبقات لابن سعد (٩٨/١٠ - ١١١) وأسد الغابة لابن الأثير (١٢٥/٧ -
١٢٧) والسير (٢١١/٢).
٢٨٩

اللهُ إياه من فوق سبع سماوات، وأنزل عليه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا
وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقام فدخل عليها بلا استئذان.
وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله وق لقه وتقول:
٢٧٧ - ((زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع
سماواته)) (١). وهذا من خصائصها. توفيت بالمدينة سنة عشرين
ودفنت بالبقيع .
* وتزوج رسول الله وَله زينب بنت خزيمة الهلالية(٢)، وكانت
تحت عبدالله بن جحش، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تُسمَّى
أُمّ المَسَاكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله وَ له
[٨٨/ ب] إلاَّ يسيرًا شهرين أو ثلاثة وتوفيت رضي الله عنها.
* وتزوج رسول الله وَ لَّ جُوَيْرِية بنت الحارث(٣)، من بني
المصطلق، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم
ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ولية كتابتها، وتزوجها
سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة ست وخمسين.
٢٧٨ - وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في (١٠٠) التوحيد، (٢٢) باب (وكان عرشه
على الماء) رقم (٦٩٨٤) وراجع رقم (٤٥٠٩).
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٠/ ١١١ - ١١٢) والإستيعاب (٤٠٩/٤) والسير
(٢١٨/٢).
(٣) انظر الطبقات لابن سعد (١١٣/١٠ - ١١٦) والإصابة (٤٣/٨٠ - ٤٤) والسير
(٢ /٢٦١).
٢٩٠

الرقيق، وقالوا: أصْهَار رسول الله وَّ. وكان ذلك من بَرَكَتِها على
قومها(١) .
* وتزوج رسول الله وَل صَفيّة بنت حُييّ(٢) من ولد هارون بن
عمران أخي موسى عليهما السلام، سنة سبع، فإنها سبيت من
خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحُقَيْق، فقتله رسول الله
وَل، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة خمسين.
٢٧٩ - ومن خصائصها: أن رسول الله وَ ليل أعتقها وجعل
عتقها صداقها، قال أنس: ((أمهرها نفسها))(٣).
وصار ذلك سُنَّة للأُمَّة إلى يوم القيامة، يجوز للرجل أن
يجعل عتق جاريته صداقها، وتصير زوجته، على منصوص الإمام
أحمد رحمه الله تعالى.
٢٨٠ - قال الترمذي(٤): حدثنا إسْحاق بن منصور، وعَبْد بن
(١) أخرجه أحمد (٢٧٧/٦)، وأبو داود (٣٩٣١)، وابن الجارود (٧٠٥) وابن
حبان (٤٠٥٤/٩) وغيرهم والحديث صححه ابن حبان وابن الجارود
والحاكم وغيرهم.
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١١٦/١٠ - ١٢٥) وأسد الغابة (١٦٩/٧ - ١٧١)
والسير (٢٣١/٢).
(٣) أخرجه البخاري في (٦٧) المغازي (٣٩٦٥)، ومسلم في (١٥) الحج
(١٣٦٥) من حديث أنس بن مالك.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٨٩٤)، وأحمد (١٣٥/٣ - ١٣٦)، وابن حبان
(١٦/ ١٩٤) رقم (٧٢١١) وغيرهم. وسنده صحيح، والحديث صححه =
٢٩١

حُمَيْد، قالا: حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ثابت، عن
أنس، قال: ((بَلغَ صَفِيَّة أنَّ حَفْصَة قالت: صَفيَّة بنت يَهُوديّ،
فَبكتْ، فدخل عليها النَّبِي وَّةَ [١/٨٩] وهي تَبْكي، فقال: ((مَا
يُبْكيكِ؟))، قالتْ: قالتْ لِيْ حَفْصَة: إنِّي ابنةَ يهُودي. فقال النَّبي
وَله : ((إنَّكِ لابْنة نَبِيّ، وإنَّ عمَّكِ لَنَبِيّ، وإِنَّكِ لتَحْت نَبِي، فَبِمَ
تفْخَر عَليْكِ؟)) ثم قال: ((اتَّقِ اللهَ يَا حَفْصة))، قال الترمذي: ((هذا
حديث صحيح غريب من هذا الوجه)).
وهذا من خصائصها رضي الله عنها .
* وتزوج رسول الله وقّ ميمونة بنت الحارث الهلالية(١)،
تزوجها بِسَرِف وبَنَى بها بِسَرِف، وماتت بِسَرِف، وهو على تسعة(٢)
أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين رضوان الله
عليهن، وتوفيت سنة ثلاث وستين، وهي خالة عبدالله بن عباس
رضي الله تعالى عنهما؛ فإن أُمَّهُ أم الفَضْل بنت الحارث، وهي خالة
خالد بن الوليد أيضًا، وهي التي اختلف في نكاح النبي ◌َّ هل
نكحها خَلَالاً أو مُخْرِمًا؟ فالصَّحيح أنه تزوَّجها حلالاً، كما قال أبو
رافع السَّفِير في نِكَاحها(٣)، وقد بَيَّنت وَجْه غلط مَنْ قال: نَكَحَها
=
الترمذي وابن حبان.
(١) انظر الطبقات لابن سعد (١٢٨/١٠ - ١٣٥) والاستيعاب (٤/ ٤٦٧ - ٤٧٠)
والسير (٢٣٨/٢).
(٢) في (ح) (وهي على سبعة).
(٣) أخرجه الترمذي (٨٤١)، وأحمد (٣٩٣/٦). وهو معلول بالارسال. قال
الترمذي: ((هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد عن =
٢٩٢

مُخْرِمًا، وتقديم حديث من قال: ((تزوجها حلالاً)) من عشرة أوجه
مذكورة في غير هذا الموضع(١) .
فهؤلاء جُمْلة مَنْ دخل بِهِنَّ من النساء، وهنَّ إحدى عشرة
رضي الله عنهنّ.
قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد ◌َ ◌ّر على سبع
ولم يدخل بِهِنَّ(٣).
فالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهنَّ وتحريمهنَّ على الأُمَّة،
وأنَّهن نساؤه بَّه في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها، ولم
يدخل بها، لا يثبت لها أحكام (٣) زوجاته اللاتي دخل بهنَّ، ومات
عنهنَّ، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليمًا
[٨٩/ ب] .
فصل (٤)
وأما الذُّرِّيّة فالكلام فيها في مسألتين:
.
٠٠
مطر عن ربيعة، وروى مالك عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبى
=
مرسلاً، ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلاً)). فهو من أوهام مطر
الورّاق.
(١) انظر: زاد المعاد (١١٢/٥ - ١١٣).
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٣٦/١٠ - ١٤٤).
(٣) سقط من (ب) (أحكام).
(٤) سقط من (ظ، ت) (فصل).
٢٩٣

المسألة الأولى في لفظها، وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها من ذرأ الله الخلق، أي: نشرهم وأظهرهم، إلا
أنهم تركوا همزها استثقالاً، فأصلها: ذُرِّيئة بالهمز، فُعْلِيَّة(١) من
الذرء، وهذا اختيار صاحب الصحاح(٢) وغيره.
والثاني: أن أصلها من الذَّرِ(٣) وهو النمل الصغار، وكان
قياس هذه النسبة ((ذَرية)) بفتح الذال وبالياء، لكنهم ضموا أوله
وهمزوا آخره. وهذا من باب تغيير النسب.
وهذا القول ضعيف من وجوه:
منها: مخالفة باب (٤) النسب، ومنها إبدال الراء ياء، وهو
غیر مَقِيْس .
ومنها: أن لا اشتراك بين الذرية والذر إلا في الذال والراء،
وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر.
ومنها: أن الذر من المضاعف، والذرية من المعتل أو (٥)
المهموز، فأحدهما غير الآخر .
(١) في (ظ) (فعِّيْلة من الذيّه) وهو خطأ، وفي (ح) تحريف.
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٩٣/١) مادة (ذرأ)، ولسان العرب (٨٠/١)،
وتاج العروس (١٥٦/١).
(٣) من (ب، ش، ت) ووقع في (ظ) من (من الذرء وهذا النمل ... ).
(٤) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (ياء).
(٥) وقع في (ظ، ب) (والمهموز).
٢٩٤

والقول الثالث: أنها من ذرا يذرو(١): إذا فرَّق، من قوله
تعالى: ﴿نَذْرُوهُ الْرَّحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وأصلها على هذا ((ذريوه))(٢)
فعلية من الذرو، ثم قلبت الواو ياءً لسبق إحداهما بالسكون.
والقول الأول(٣) أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهد له. فإن
أصل هذه المادة من الذرء، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَا يَذْرَؤُكُمْ فِيْهِ﴾ [الشورى: ١١]، وفي الحديث:
٢٨١ - ((أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا
فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرا)) (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
كَثِيرًا مِنَ الْجِنّ وَاُلْإِنِسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، [٩٠/أ] وقال تعالى: ﴿وَمَا
(١) من (ح). وفي بقية النسخ وقع تحريف.
(٢) كذا في النسخ!، وفي كتاب أبنيه الأسماء والأفعال والمصادر ص ٢٤٨ لابن
القطاع، قال: ((وقيل: وزنها فُعْلُوْلَة - ذُرُّوْرَة، ثم أبدلوا من الراء الأخيرة
ياءً، لكثرة التضعيف فصارت ذُرُوْيَة، ثم أُدغمت الواو في الياء)).
(٣) سقط من (ب).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٤١٩/٣) رقم (١٥٤٦١)، وابن السني في عمل
اليوم والليلة رقم (٦٣٧)، والبيهقي في الدلائل (٩٥/٧) وفي الأسماء
والصفات (١/ رقم ٣٥)، وابن عبدالبر في التمهيد (١١٤/٢٤) وغيرهم.
من طرق عن جماعة عن جعفر الضبعي عن أبي التَّاح قال: سأل رجل
عبدالرحمن بن خنبش فذكر الحديث مطولاً .
وخالفهم سيار بن حاتم فرواه عن جعفر عن أبي التياح قال: قلت
لعبدالرحمن بن خنبش، فذكره. أخرجه أحمد (٤١٩/٣) رقم (١٥٤٦٠).
وهذا خطأ، أعله البخاري وابن منده، والصواب الأول. وعليه فالإسناد
ضعيف، للانقطاع. انظر: الإصابة لابن حجر (٤ /١٥٧).
٢٩٥

ذَرَأَ لَككُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنَهٌ ﴾ [النحل: ١٣]، فالذُّرِّيّة فُعَّيْلَةِ(١)
منه، بمعنى مَفْعُولة، أي: مَذْرُوْأَةً (٢)، ثم أبدلوا همزها فقالوا:
ذُرِّيّة.
المسألة الثانية: في معنى هذه اللفظة.
ولا خلاف بين أهل اللغة (٣) أن الذرية تقال على الأولاد
الصغار، وعلى الكبار أيضًا، قال تعالى: ﴿﴿ وَإِذِ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ
بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَِّ ﴾ [البقرة: ١٢٤]،
﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى
وقال تعالى:
الْعَلَمِينَ ﴿َ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقال: ﴿وَمِنْ
ءَابَآَبِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَنِهِمْ وَأَجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[الأنعام: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ
إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا ® ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَّ إِنَّهُ كَانَ
عَبْدًا شَكُورًا®َ﴾ [الإسراء: ٢ - ٣].
وهل تقال الذرية على الآباء(٤)؟ فيه قولان: أحدهما أنهم
يسمون ذرية أيضًا.
واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى
(١) سقط من (ح) وفي (ب، ت، ظ، ش) (فعلية) وهو خطأ.
(٢) في (ح، ش، ت) (مذروه).
(٣) انظر الصحاح (٩٣/١) واللسان (٨٠/١).
(٤) انظر تاج العروس (١٥٦/١) ط: دار الفكر.
٢٩٦

اٌلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (َ﴾ [يَس: ٤١].
وأنكر ذلك جماعةٌ من أهل اللغة، وقالوا لا يجوز هذا في
اللغة، والذُّرِّة كالنَّسل والعقب لا يكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَابَآبِهِمْ وَذُرِيَِّهِمْ وَإِخْوَنِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر
جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف.
قالوا: وأما الآية التي استشهدتم بها فلا دليل لكم فيها، لأن
الذُّرِّيَّة فيها لم تُضَفْ(١) إليهم إضافة نَسْلِ وإِيْلَاد، وإنما أضيفت
إليهم بوجهٍ ما، والإضافة تكون بِأدْنَى ملابسة واخْتِصَاص، [٩٠/ ب]
وإذا كان الشَّاعر قد أضَافَ الكوكب في قوله(٢).
إِذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لأَحَ بِسَخْرةٍ
سُهَيْلِ أَذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِب
فأضاف إليها الكوكب؛ لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر.
والاسم قد يُضاف بوجهين مختلفين إلى شيئين، وَجِهَةٌ
إضافته إلى أحدهما غيرُ جِهَةِ إضافته إلى الآخر، قال أبو طالب(٣)
في النبي ◌َاللّ :
لَدَيْنَا ولا يُعْزَىُ لِقَوْلِ الأَبَاطِل
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لا مُكَذَّبٌ
فأضاف بُوَّه(٤) إليه بجهةٍ غير جِهَة إضافته إلى أبيه عبدالله،
(١) وقع في (ب) (يضف) بالياء، وفي (ظ، ت) غير منقوطة.
(٢) انظر: خزانة الأدب (١ /٤٩٧).
(٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢٨٠/١).
(٤) في (ح) (نبوته) وهو خطأ.
٢٩٧

وهكذا(١) لفظة رسول الله وَ له، فإن الله سبحانه يُضيفه إليه تارة،
كقوله: ﴿قَدْ جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا﴾ [المائدة: ١٥]، وتارة إلى المُرْسَل
إليهم كقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٩]، فأضافه(٢)
سبحانه إليه إضَافَة رسولٍ إلى مُرْسِلهِ، وأضافه(٣) إليهم إضافة
رسولٍ إلى مرسَل إليهم. وكذا لفظ ((كتابه))، فإنه يضاف إليه تارة،
فيقال (٤): كتاب الله. ويضاف إلى العباد تارة، فيقال: كتابنا
القرآن، وكتابنا خير الكتب، وهذا كثير. فهكذا لفظ الذُّرِّيّة، أُضِيف
إليهم بجهة غير الجهة التي أَضِيْف بها إلى آبائهم.
وقالت طائفة: بل المراد جنس بني آدم، ولم يقصد الإضافة
إلى الموجودين في زمن النبي وَّ، وإنما أُرِيْد ذُرِّيّة الجِنْس.
وقالت طائفة: بل المراد بالذرية نفسها، وهذا أبلغ في قدرته
وتَعْديد نعمه عليهم، أنْ حَمَلَ ذُريتهم في الفُلْك في أصْلاب
آبائهم، والمعنى: [٩١/أ] أنَّا حَمَلْنا الذين هم ذُرِّيّة هؤلاء وهم نُطَفٌ
في أصلاب الآباء، وقد أشْبَعْنا الكلام على ذلك في كتاب ((الروح
والنفس»(٥) .
(١) وقع في (ب) (وهذا).
(٢) في (ح) (فإضافته).
(٣) في (ح) (وإضافته).
(٤) سقط من (ش، ت).
(٥) هو كتاب غير كتاب (الروح) المطبوع، انظر كتاب ابن قيم الجوزية، حياته
وآثاره ص١٦١ - ١٦٢ .
٢٩٨

إذا ثَبَتَ هذا، فالذُّرِّيَّةُ: الأولادُ وأوْلادُهم، وهل يدخل فيها
أوْلاد البَنَات؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد (١):
أحدهما (٢): يدخلون، وهو (٣) مذهب الشافعي.
والثانية: لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتجَّ مَن قال بدخولهم: بأن المسلمين مُجمعون (٤) على
دخول أولاد فاطمة رضي الله عنها في ذُرِّيّة النبي ◌َّ المطلوب لهم
من الله الصَّلاة، لأنَّ أحدًا مِنْ بناته لم يُعقب غيرها، فمَنِ انْتَسَب
إليه وَّلَه مِن أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة رضي الله عنها
خاصَّة، ولهذا قال النبي ◌َّر في الحسن ابن ابنته:
٢٨٢ - ((إنَّ ايْنِي هَذَا سَيِّد))(٥) فَسمَّاه ابنه.
ولمَّا (٦) أنزل الله سبحانه آية المُبَاهَلَة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِمَا
جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية،
وَ﴿ فاطمة وحَسَنًا وحُسَيْنًا، وخَرَجَ
٢٨٣ - دعا النبي
للمُبَاهَلَةَ(٧) .
(١) سقط من (ش).
(٢) في (ح) (إحداهما).
(٣) في (ب) (وهم) وهو خطأ.
(٤)
في (ب) (مجتمعون).
(٥) أخرجه البخاري في (٥٧) الصلح (٢٥٥٧) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(٦) من (ش، ت، ظ) وفي (ب) غير واضحة.
(٧) أخرجه مسلم في (٤٤) فضائل الصحابة (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي =
٢٩٩

قالوا: وأيضًا فقد قال الله تعالى في حقِّ إبراهيم: ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَتُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ لْهَ وَزَّكَرِيَا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]. ومعلوم
أنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام لم يُنْتَسِب إلى إبراهيم إلا من جهة
أُمِّه مَرْيَم عليها السلام.
وأما من قال بعدم دخولهم: فَحُجَّتُهُ أَنَّ وَلَدَ البَنَاتِ إنَّما
ينتسبون إلى آبائهم حقيقة، ولهذا إذا أولد(١) الهُذَليّ أو التَّيْمِيّ أو
العَدَوِي [٩١/ب] هَاشِميّة لم يكن ولدها هاشميًا، فإن الولد في النسب
يتبع أباه، وفي الحُرِّيَّة والرِّقّ أُمّه، وفي الدِّيْن خيرهما دِيْنًا، ولهذا
قال الشاعر(٢) :
بُنُوْنَا بُنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
ولو وصَّى أو وقَف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد(٣) بناتها
من غيرها .
قالوا: وأما دخول أولاد(٤) فاطمة رضي الله عنها في ذُرية
النبي ◌َّ؛ فَلِشَرَفِ هذا الأصل العظيم والوالد الكريم، الذي لا
==
وقاص رضي الله عنه.
(١) وقع في (ظ) (ولد) وهو خطأ.
(٢) البيت للفرزدق؛ انظر: خزانة الأدب (٤٢٣/١).
(٣) في (ب) (أبناء).
(٤) سقط من (ح).
٣٠٠