Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
وقف ، فقال : لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق ، فقد ضاهي الكفر ، ومن زعم
أن لفظي بالقرآن مخلوق ، فهذا مبتدع ، لا يجالس ولا يكلم (١)
ومع أن البخاري أخذ علي نفسه عدم الكلام في " مسألة اللفظ " إِلا أنه لا
يعني أنه لا رأي له في هذه المسألة ، لكنه لا يريد أن يتكلم به لأن الضرر
الحاصل منها أكثر من النفع ، وهو إمام له من الفقه ما يوازن به بين المصالح
والمفاسد حتى في الفتاوى ونشرها بين الناس .
وعندما توجه البخاري إلي نيسابور ليقيم فيها في أواخر عمره - لأنها كانت
المدينة التي تضاهي بغداد في العلم والعلماء - فرح به أهلها فرحاً شديداً ،
وخاصة العلماء منهم .
ويبدو أن إِمام نيسابور وهو محمد بن يحيى الذهلي كان يعرف رأي
البخاري في " مسألة اللفظ" فنهى تلاميذه وأصحابه عن سؤال البخاري عن
رأيه في هذه المسألة وغيرها من مسائل الكلام حتي لا يفقدوه .
قال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول :
لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالماً فعل به أهل نيسابور
ما فعلوا به ، استقبلوه مرحلتين وثلاثة. فقال محمد بن يحيى في مجلسه :
من أراد أن يستقبل محمد ابن إِسماعيل غداً فليستقبله . فاستقبله محمد
ابن يحيي وعامة العلماء ، فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيي : لا
تسألوه عن شئ من الكلام ، فانه إِن أجاب بخلاف ما نحن فيه ، وقع بيننا
وبينه ، ثم شَمت بنا كل حروري ، وكل رافضي، وكل جهمي، وكل مرجئ
بخراسان (٢).
وبعد أن استقر " البخاري " في " نيسابور" كان الذهلي يحث أصحابه
١ - سير النبلاء: ٤٥٦/١٢، وهذه عبارة محمد بن يحيي الذهلي.
٢ - السير: ١٢ / ٤٥٨.

٦٢
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
علي الذهاب إلي البخاري للسماع منه .
قال الحاكم : حدثنا محمد بن حامد البزار ، سمعت الحسن بن محمد بن
جابر ، سمعت محمد بن يحيي الذهلي لما ورد البخاري نيسابور ،
يقول: اذهبوا إِلي هذا الرجل الصالح ، فاسمعوا منه . (١)
وكان الأمر على هذه الحال يسمع منه أهل نيسابور حتي سنة (٢٥٢)
حيث أقام البخاري في ( نيسابور ) خمس سنوات متوالية .
وإِلى شهر شعبان من هذه السنة - (٢٥٢) - كان الذهلي يُكِنّ الود
والاحترام للبخاري ويلتقى به ويسأله مسائل في العلم والبخاري يجيب عنها،
والدليل علي ذلك الحكاية التالية :
قال الحاكم : سمعت الحسن بن أحمد الشيباني المعدل ، سمعت أحمد
ابن حمدون يقول : رأيت محمد بن اسماعيل في جنازة سعيد بن
مروان، ومحمد بن يحيي الذهلي يسأله عن الأسامي والكني والعلل ، ومحمد
(٣)
﴿ قل هو الله أحد
ابن اسماعيل يمر فيه مثل السهم ، كأنه يقرأ
قلت : سعيد بن مروان هذا : هو أبو عثمان البغدادي نزيل نيسابور ، وهو
من شيوخ البخاري في " الصحيح" . قال الحاكم : مات في نصف شعبان سنة
٢٥٢ وصلى عليه محمد ين يحيي (٣) أ.هـ.
وقال الحاكم أيضاً : ولا شك أن البخاري شهد جنازته ، فإِنه كان في هذه
السنة في نسابور (٤) .
ولم يمضٍ علي هذه الحادثة أكثر من شهر حتي وقع بين الذهلي والبخاري ما
وقع .
١ - السير : ١٢ / ٤٤٢.
٢- السير: ١٢ /٤٣٢.
٣- تهذيب التهذيب: ٤ /٨٠
٤ - تهذيب التهذيب : ٤ /٨٠.

٦٣
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
وقد روي الخطيب باسناده سؤال الذهلى للبخاري فى جنازة بن مروان، فقال
متمماً الخبر (١): " فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيي: ألا
مَنْ يختلف إلى مجلسه لا يختلف إِلينا ، فانهم كتبوا إِلينا من بغداد : أنه
تكلم في " اللفظ " ونهيناه فلم ينته ، فلا تقربوه ، ومن يقربه فلا يقربنا ،
فأقام محمد بن اسماعيل هاهنا مدة وخرج إلى بخاري (٢) .
ويبدو أن هذا الخبر وصل إِلى البخاري ، وتفهم جيدا القرار الذي أعلنه
الذهلي علي أهل نيسابور، ولذلك أعلن البخاري عن رأيه في مسألة اللفظ
بعد أن سئل عنه - علي کره منه ۔ ۔
قال أبو أحمد بن عدي : ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن
إِسماعيل لما ورد نيسابور إِجتمع الناس عليه، حسده بعض من كان في ذلك
الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس عليه، وإِجتماعهم عليه، فقال
لأصحاب الحديث: إِن محمد بن إسماعيل يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق،
فإِمتحنوه في المجلس، فلما حضر الناس مجلس البخاري ، قام إليه رجل،
فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟
فأعرض عنه البخاري ولم يجبه. فقال الرجل: يا أبا عبد الله، فأعاد عليه القول،
فأعرض عنه. ثم قال في الثالثة، فإِلتفت إليه البخاري ، وقال: القرآن كلام الله
غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والإِمتحان بدعة. فشغب الرجل، وشغب
الناس، وتفرقوا عنه. وقعد البخاري في منزله (٣).
١- تاريخ بغداد: ٣١/٢.
٢- ويمكن الجمع بين هذه الحكاية وما سبقها من روايات أن الذهلي كان يعرف رأي البخاري
في " مسألة اللفظ"، ولكن عندما مال أهل نيسابور إِلى البخاري وكاد أن يخلو مجلس
الذهلي داخله شيء من الحسد، فأنضاف ذلك إِلى ما أعلنه البخاري عن رأيه، وأيضا إِلى ما
كتبه أهل بغداد فيه، فعند ذلك أظهر الذهلي ما في نفسه وأعلن قراره ضد البخاري.
٣- سير النبلاء (١٢ /٤٥٣و٤٥٤).

٦٤
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
والبخاري إنما كتم رأيه أولا حرصا منه علي وحدة الصف المسلم، أما الآن
وقد كتب في شأنه ما كتب، وإِمتحنوه، وإضطروه لإِظهار قوله، فإِنه أظهره
بشجاعة وثبات، بل صنف فيه مصنفا أبان فيه عن مذهبه في هذه المسألة.
فقد روى الذهبي بإِسناده إِلى أبي بكر الإسماعيلي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد
بن سيار، حدثني محمد بن مسلم خشنام قال: سئل محمد بن إسماعيل
بنيسابور عن اللفظ، فقال : حدثني عبيد الله بن سعيد - يعني أبا قدامة - عن
يحيي بن سعيد هو القطان قال: أعمال العباد كلها مخلوقة. فمرقوا عليه،
وقالوا له بعد ذلك: ترجع عن هذا القول، حتى نعود إليك؟ قال: لا أفعل إِلا
أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي . وأعجبني من محمد بن
إِسماعيل ثباته(١).
وخلاصة رأي البخاري في هذه المسألة تتلخص في فقرتين:
١- القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر(٢).
٢ - لم يقل البخاري يوما من الأيام: "لفظي بالقرآن مخلوق" لكنه قال:
"أفعال العباد مخلوقة".
وبيان المسألة: أن الأئمة أحمد والذهلي والبخاري متفقون على الفقرة
الأولى، لكنهم إِختلفوا في قول الإِنسان "لفظي بالقرآن مخلوق"، فالإِمام
أحمد والذهلي ومن تابعهما أنكروا هذا القول وإِعتبروه بدعة لأنه لم يقل به
السلف. وذلك: أن اللفظ يطلق ويراد به أمران :
الأول: الملفوظ نفسه - يعني القرآن - وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له فيه
الثاني : التلفظ به والأداء له، وهو فعل العبد.
فإِطلاق الخلق علي اللفظ قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإِطلاق نفي الخلق
١ - السير (١٢ /٤٥٤).
٢- تاريخ بغداد (٣٢/٢).

٦٥
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
عليه يوهم المعني الثاني وهو خطأ .
ولذلك منع الإِمام أحمد وغيره الإِطلاقين، يعني "لفظي بالقرآن مخلوق أو
غير مخلوق "(١)
.
أما البخاري فقال: حركاتهم وأصواتهم وإكتسابهم وكتابتهم مخلوقة.
فأما القرآن المتلو، المبين المثبت في المصاحف، والمسطور المكتوب، الموعي في
القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق(٢). قال الله تعالي:
﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (٢).
وساق البخاري أدلته علي مذهبه هنا، وجلى هذه المسألة حتى قال الإِمام
ابن القيم: البخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب من جميع من خالفه،
وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله - يعني الإِمام أحمد- (٤). ولكن مع
هذا لم ينته الأمر بين البخاري والذهلي ، لأنه لم يعد علي ما يظهر من
الأخبار - أمرا إِجتهاديا يمكن أن تختلف فيه الأنظار، بل داخله شئ من حظ
النفس، فلج إِمام نيسابور في قراره الأول، وشدد في تبديع الإِمام البخاري،
والإِمام البخاري صابر محتسب، لم تصدر منه كلمة تشین من نسبوه إِلى
البدعة.
وهكذا كانت هذه الفتنة الأليمة، فببساطة ينسب البخاري إِلى "البدعة"
وهو الذي قضي حياته يحاربها، وبين عشية وضحاها يتحول ذلك الإِمام
الكبير من إِمام لأهل السنة والجماعة إِلى "مبتدع" يجب أن يهجر ولا يقرب،
وسبحان الله الحليم الكريم.
١- انظر مختصر الصواعق المرسلة لأبن القيم (٢ /٣١٠).
٢- سير النبلاء (١٢ /٤٥٥)، وانظر "خلق أفعال العباد" للبخاري (١٣٨ و١٤٦) حيث ذكر
بعض أدلته علي ذلك.
٣- العنكبوت (٤٩).
٤- مختصر الصواعق المرسلة (٣٠٩/٢).

٦٦
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
والذي يسجل للإِمام البخاري في هذه المحنة أمور: منها صبره وإِحتسابه.
ومنها: ثباته وإصراره علي رأيه. ومنها: حكمته وحلمه.
ولم يخل الأمر من محاولات إصلاح بين الإِمامين، ولكن هيهات وقد دخل
بعض حظ النفس في هذه القضية.
كما أنها أظهرت لنا معدن إِثنين من تلاميذ البخاري المخلصين. وفيما يلي
بعض أخبار هذه المحنة الأليمة التي لم تنته بخروج البخاري من "نيسابور" .-
رحمة الله عليه - .
قال الحاكم: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن يعقوب بن الأخرم، سمعت ابن
علي المخلدي ، سمعت محمد بن يحيي يقول: قد أظهر هذا البخاري قول
اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية(١
وقال غنجار في "تاريخه": حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل، سمعت
أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يوما عند أبي
إِسحاق القيسي ، ومعنا محمد بن نصر المروزي ، فجرى ذكر محمد ابن
إسماعيل البخاري ، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت
لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله، قد
خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول.
قال أبو عمرو الخفاف، فأتيت البخاري ، فناظرته في شئ من الأحاديث
حتى طابت نفسه فقلت: يا أبا عبد الله، ها هنا أحد يحكي عنك أنك قلت
هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو أحفظ ما أقول له: من زعم من أهل نيسابور
وقومس والري وهمدان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني
قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب. فإِني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال
العباد مخلوقة (١).
١ - السير (٤٥٩/١٢).

٦٧
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
وقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل
يقول: لما وقع بين محمد بن يحيي والبخاري ، دخلت علي البخاري ،
فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيي، كل
من يختلف إِليك يطرد؟ فقال: كم يعتري محمد بن يحيي الحسد في
العلم. والعلم رزق الله يعطية من يشاء(٢).
وقال الحاكم: وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: لما إِستوطن
البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إِليه. فلما وقع بين الذهلي
وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونادى عليه، ومنع الناس عنه، إِنقطع
عنه أكثر الناس غير مسلم. فقال الذهلي يوما: ألا من قال باللفظ فلا يحل له
أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم رداء فوق عمامته، وقام علی رؤوس الناس،
وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه علي ظهر حمال(٣).
وكان مسلم يظهرالقول باللفظ ولا یکتمه.
قال: وسمعت محمد بن يوسف المؤذن، سمعت أبا حامد بن الشرقي
يقول: حضرت مجلس محمد بن يحيي الذهلي ، فقال: ألا من قال: لفظي
بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا.
فقام مسلم بن الحجاج من المجلس. رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن
محمد بن يعقوب، فزاد: وتبعه أحمد بن سلمة (٤).
قال أحمد بن منصور الشيرازي : سمعت محمد بن يعقوب الأخرم،
سمعت أصحابنا يقولون: لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي ،
قال الذهلي : لا يساكنني هذا الرجل في البلد.
١- السير (١٢ /٤٥٧و٤٥٨).
٢ - السير (١٢ /٤٥٦ و ٤٥٧).
٣- المرجع السابق (١٢ /٤٥٩ و٤٦٠).
٤ - السير (١٢ /٤٥٩و ٤٦٠).

٦٨
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
=
فخشي البخاري وسافر(١).
وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ: سمعت أحمد بن سلمة
يقول: دخلت على البخاري ، فقلت: يا أبا عبدالله، هذا رجل مقبول
بخراسان خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر
أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض علي لحيته، ثم قال:
﴿ وأفوض أمري إِلى الله إِن الله بصير بالعباد﴾ (٢). اللهم إِنك تعلم
أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا، ولا طلبا للرئاسة، وإِنما أبت علي
نفسي في الرجوع إِلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما
آتاني الله لا غير. ثم قال لي : يا أحمد، إِني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه
لأجلي .
قال: فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري (٢).
وقال محمد بن أبي حاتم: أتى رجل أبا عبدالله البخاري ، فقال: يا أبا
عبدالله، إِن فلانا يكفرك! فقال: قال النبي - عَّه - " إِذا قال الرجل لأخيه: يا
كافر، فقد باء به أحدهما"(٤).
وكان كثير من أصحابه يقولون له: إِن بعض الناس يقع فيك، فيقول:
(٥)
إن كيد الشيطان كان ضعيفا
١- المرجع السابق .
٢- غافر: (٤٤).
٣- السير (٤٥٩/١٢).
٤- أخرجه مالك (١٤٨/٣) بشرح السيوطي في الكلام: باب ما يكره من الكلام، ومن
طريقه أحمد (١١٣/٢)، والبخاري (٤٢٨/١٠) والترمذي (٢٦٣٧)، عن عبد الله بن
دينار عن بن عمر، وأخرجه مسلم (٦٠) من طريق إِسماعيل بن جعفر عن عبدالله بن دينار
وأخرجه أيضا من طريق عبيد الله بن عمر، وأبو داود (٤٦٨٧) وأحمد (٢ /٦٠) من
طريق فضيل بن غزوان. كلاهما عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه أحمد
(١٨/٢ و٤٤ و٤٧ ١١٢) من طرق عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
٥- النساء (٧٦ ).

=
٦٩
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
ويتلو أيضا: ﴿ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله﴾ (١) فقال له عبدالمجيد بن
إبراهيم: كيف لا تدعو الله علي هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك و
يبهتونك؟ فقال: قال النبي - ◌َّهـ " إِصبروا حتى تلقوني علي الحوض" (٢)،
وقال - مَّه -: " من دعا على ظالمه، فقد إِنتصر"(٢).
١ - فاطر (٤٣).
٢- أخرجه من حديث أسيد بن حضير البخاري (٧ /٨٩و٩٠) في فضائل أصحاب النبي -
: باب فضل الأنصار. و(٧٠٥٧) في الفتن: باب قول النبي - ◌َّه - سترون بعدي أمورا
تنكرونها، ومسلم (١٨٤٥) في الإِمارة: باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة، والترمذي
(٢١٩٠) والنسائي (٢٢٤,٨ و٢٢٥)، وأخرجه من حديث أنس البخاري (١٩٢/٧)،
وأخرجه من حديث عبدالله بن زيد البخاري (٣٧/٨و٤٢) ومسلم (١٠٦١).
٣- أخرجه الترمذي برقم (٣٥٥٢) في الدعوات ، من حديث عائشة وفي سنده، أبو حمزة:
ميمون الأعور وهو ضعيف، ونقل المناوي في "فيض القدير" قول الترمذي في "العلل":
سئل عنه البخاري فقال: لا أعلم أحدا رواه غير أبي الأحوص، ولكن هو من حديث أبي
حمزة، وضعف أبا حمزة جدا.

٧٠
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
المبحث السادس
فتنة اللفظ تلاحق البخاري حتى الوفاة
من نيسابور إلى بخاری :
لم يكتف الأمام الذهلي بخروج البخاري من نيسابور، بل لاحقه بكتابة
رسائل إلى علماء البلاد الأخرى، بل وإِلى بعض الولاة يحرضهم علي مقاطعة
الإِمام البخاري . قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(١):
قدم محمد ابن إِسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو
زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيي أنه أظهر عندهم
بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق. وروي أحمد بن منصور الشيرازي قال:
سمعت بعض أصحابنا يقول: لما قدم أبو عبد الله بخارى نصب له القباب علي
فرسخ من البلد، وإِستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور إِلا إِستقبله،
ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير، فبقي أياما. قال: فكتب بعد
ذلك محمد بن يحيي الذهلي إلى خالد بن أحمد أمير بخارى : أن هذا
الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه علي أهل بخارى ، فقالوا: لا نفارقه،
فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج (٢).
والحقيقة أن سبب خروجه من بخارى ليس هو كتاب الذهلي فقط، بل
هناك سببان آخران :
الأول: أن هناك نفرة بين أمير بخارى وبين البخاري ، سببها الموقف العزيز
١ - ٧ /١٩١.
٢ - السير (٤٦٣/١٢).

٧١
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة فى التاريخ الكبير
الذي وقفه البخاري عندما طلب هذا الأمير من البخاري أن يحمل العلم
الشريف إِلى أبوابه السلطانية .
قال غنجارفي "تاريخه": سمعت أبا عمرو: أحمد بن محمد المقرئ،
سمعت بكر بن منير بن خليد بن عسكر يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد
الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل أن أحمل إِلى كتاب "الجامع"
و "التاريخ" وغيرهما لأسمع منك. فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله
إلى أبواب الناس. فإن كانت لك الي شئ منه حاجة ، فاحضر إلى مسجدي،
أو في داري. وإِن لم يعجبك هذا فأنك سلطان، فامنعني من المجلس ، ليكون
لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم، لقول النبي - عَ له:" من
سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" (١) فكان سبب الوحشة بينهما
هذا(٢) .
وقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر ابن
أبي عمرو الحافظ البخاري يقول: كان سبب منافرة أبي عبد الله أن خالد بن
أحمد الذهلي الأمير خليفة الطاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله، فيقرأ
"الجامع " و"التاريخ " علي أولاده، فامتنع عن الحضور عنده، فراسله بأن يعقد
مجلسا لأولاده، لا يحضره غيرهم، فامتنع، وقال: لا أخص أحدا. فإِستعان
الأمير بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن
البلد (٣).
١ - حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد (٢٦٣/٢ و٣٠٥ و٣٤٤ و٣٥٣ و ٤٩٥)،
وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٥١) وابن ماجة (٢٦١) و(٢٦٦)، وحسّنه الترمذي
وصححه ابن حبان ( ٧٥) وله شاهد من حديث عبدالله بن عمرو صححه ابن حبان (٩٦)،
والحاكم (١٠٢/١)، ووافقه الذهبي .
٢ - سير النبلاء (١٢ /٤٦٤و ٤٦٥).
٣- سير النبلاء (١٢ / ٤٦٤و ٤٦٥).

٧٢
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
الثاني : أن الذين يمسكون الزعامة الدينية في بخارى كانوا ممن يخالفون
البخاري في بعض آراءه الفقهية، وهم ممن ينتسبون إِلي " أهل الرأي" وعلى
رأس هؤلاء: حريث بن أبي الورقاء، وهؤلاء كانت لهم علاقة وطيدة بأمير
بخارى، بخلاف البخاري . وقد مر معنا ما يشير إِلى أن هؤلاء كانوا وراء
هجرة البخاري من بلده بخارى، وبحثه عن دار له يقيم فيها، يتنفس فيها
الحرية وينشر علمه وآراءه فيها. قال الحاكم: حدثنا خلف بن محمد، حدثنا
سهل بن شاذويه قال: كان محمد بن إسماعيل يسكن سكة الدهقان، وكان
جماعة يختلفون إليه، يظهرون شعار أهل الحديث من افراد الإقامة، ورفع
الأيدي في الصلاة وغير ذلك. فقال حريث بن أبي الورقاء وغيره: هذا رجل
مشغب، وهو يفسد علينا هذه المدينة، وقد أخرجه محمد بن يحيي من
نيسابور، وهو إمام أهل الحديث، فاحتجوا عليه بابن يحيي، وإِستعانوا عليه
بالسلطان في نفيه من البلد، فأخرج. وكان محمد بن إِسماعيل ورعا،
يتجنب السلطان ولا يدخل عليهم (١).
وهكذا إضطر الإِمام البخاري إِلى مفارقة بخارى بسبب هذه الأحداث
المؤلمة، وآلمها هو أن يكون سببها المباشر هو إِخوانه في العلم الذين مالؤا
السلطان عليه، ومع هذا فلم يفكر يوم خروجه من بخارى إِلا بسلامة دينه
خشية أن يتعرض لفتنة أكبر قد لا يستطيع الصبر عليها .
قال إِبراهيم بن معقل النسفي : رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في
اليوم الذي أخرج فيه من بخارى، فتقدمت إليه، فقلت: يا أبا عبدالله، كيف
ترى هذا اليوم من اليوم الذي نثر عليك فيه ما نثر؟ فقال: لا أبالي إِذا سلم
دیني (٢) .!!
١- السير (١٢ /٤٦٥).
٢ - السير (١٢ /٤٦٣).

٤
٧٣
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير :
وإلی مرو:
وتوجه إلى مرو لكن الخبر سبقه إِلى إِمامها يومذاك وهو: أحمد بن سيار.
وقال أحمد بن منصور الشيرازي : سمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت
إبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول لما قدم البخاري مرو إِستقبله أحمد بن سيار
فيمن إِستقبله، فقال له أحمد: يا أبا عبدالله، نحن لا نخالفك فيما تقول،
ولكن العامة لا تحمل ذا منك. فقال البخاري : إِني أخشي النار، أسأل عن
شئ أعلمه حقا أن أقول غيره. فانصرف عنه أحمد ابن سيار(١).
ولم يقم البخاري في "مرو".
وإلی فربر و بیکند :
وذهب البخاري إِلى "فربر"وكذلك إِلي" بيكند"، وكان لا ينقطع عن
تحديث الناس ونفعهم متي قبلوا منه. واعتبر أهل هذه البلاد مجئ البخاري
إليهم فتحا علميا كبيرا، وذلك لبعد هذه الديار وعدم قدرة الكثير على
الرحلة إِلى الإِمام البخاري ، "ومصائب قوم عند قوم فوائد".
قال الحاكم: سمعت أحمد بن محمد بن واصل البيكندي ، سمعت أبي
يقول: منّ الله علينا بخروج أبي عبد الله، ومقامه عندنا حتى سمعنا منه هذه
الكتب، وإِلا من كان يصل إليه وبمقامه في هذه النواحي : فربر وبیکند،
بقيت هذه الآثار فيها، وتخرج الناس به (٢).
وفي خرتنك الثواء :
وأخيرا فضل الإِمام الصابر المظلوم أن يبحث له عن مكان منعزل يقل فيه
إِحتكاكه بأنصار من ظلموه من العلماء والأمراء، فنزل قرية صغيرة تابعة
لمدينة سمرقند ولا تبعد عنها إلا قليلا، له فيها أقرباء، فنزل على رجل من
١- السير (١٢ /٤٦٢).
٢ - السير (١٢ / ٤٦٥ و ٤٦٦).
٠

٧٤
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
معارفه اسمه: غالب بن جبريل، فمكث عنده أياما من شهر رمضان، لكن من
ظلموه لم يتركوه حتى في هذه القرية الصغيرة، فوجهوا من يخرجه منها وهو
مريض .
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي
نزل عليه أبو عبدالله يقول: إنه أقام عندنا أياما، فمرض، وإِشتد به المرض حتى
وجه - يعني الأمير - رسولا إلى مدينة سمرقند في إِخراج محمد (١). وقد
علم البخاري بأن مخالفيه لن يتركوه، وأنه حيث ذهب سيلاحقونه، وخشي
علي نفسه الفتنة، فجعل يدعو مولاه كي يقبضه إليه.
قال ابن عدي : سمعت عبدالقدوس بن عبد الجبار السمرقندي - يقول:
جاء محمد بن إسماعيل إِلى خرتنك - "قرية"علي فرسخين من سمرقند - وكان
له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل:
اللهم أنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فأقبضني إليك (٢).
الراحة في الموت :
واستجاب الله لعبده الصالح، فلم يشمت به أعداءه بعد هذا، قال غالب بن
جبريل - الذي نزل عنده البخاري في خرتنك - : " فلما وافى - أي الرسول
الذي بعثوه لإِخراج البخاري - تهيأ - يعني البخاري - للركوب، فلبس خفيه،
وتعمم، فلما مشي قدر عشرين خطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعضده. ورجل
أخذ معي يقوده إِلى الدابة ليركبها، فقال رحمه الله: أرسلوني ، فقد ضعفت.
فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضي رحمه الله. فسال منه (٣) العرق شئ لا
يوصف. فما سكن منه العرق إِلى أن أدرجناه في ثيابه. وكان فيما قال لنا،
١ - السير (١٢ /٤٦٦).
٢- المرجع السابق.
٣- السير (١٢ /٤٦٧).

٧٥
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
٠٤
وأوصى إِلينا: أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة
ففعلنا ذلك. فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك، فدام
ذلك أياما، ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره، فجعل
الناس يختلفون، ويتعجبون".
ثم قال: وأما ريح الطيب فإِنه تداوم أياما كثيرة، حتى تحدث أهل البلدة،
وتعجبوا من ذلك، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته، وخرج بعض مخالفيه
إلى قبره وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب(١).
قال محمد بن أبي حاتم: ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إِلا
القلیل، وأوصی ان یدفن إلی جنبه (٢).
وقال ابن عدي : سمعت الحسن بن الحسين البزار البخاري يقول: توفي
البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة
الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر
يوما (٣).
فرحم الله البخاري رحمة واسعة،
وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
١ - السير (٤٦٧/١٢).
٢- المرجع السابق.
٣- السير (٤٦٨/١٢).

الفصل الثاني
مصنفاته

٧٩
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة فى التاريخ الكبير
الفصل الثاني
مصنفاته وتحقيق القول حول المشتبه بغيره منها
لقد كان البخاري رحمه الله، أحد الأئمة المجيدين في التصنيف، البارعين
فيه، وقد شملت مصنفاته الميادين التي أولاها اهتمامه، وهي الحديث
وعلومه، والتاريخ وعلم الرجال. أودع فيها ما إِنتهي إليه من علم الأمصار
المختلفة. وقد عنيت بتبيان من رواها عن المصنف رحمه الله، ما إِستطعت إِلى
ذلك سبيلا. وقد بلغ مجموع مصنفاته (٢٥) مصنفا، وفيما يلي قائمة
بأسمائها مرتبة على حروف المعجم مع العناية بتحقيق القول حول ما يشتبه
بغيره منها .
* أخبار الصفات :
ذكره فؤاد سزكين (١)، وهو موجود في المكتبة الظاهرية، بدمشق، ولم أجد
أحدا من المتقدمين أشار إليه، وربما كان جزءا من كتاب "الصحيح" من كتاب
"التوحيد".
١- تاريخ التراث العربي (٢٥٩/١)، وفهرس معهد المخطوطات العربية (١٣٧/١). وقد
أخبرني أستاذنا الدكتور / أحمد نور سيف - حفظه الله - أنه كتب إلى الظاهرية بطلب
تصوير المخطوط الذي تحت هذا الرقم الذي ذكره سزكين، فأجابوه بأنه لا يوجد كتاب
للبخاري تحت هذا الرقم إنما هو جزء من كتاب "جامع الأصول" لأ بن الأثير.
۔

٨٠
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
* الأدب المفرد :
مطبوع متداول، وهو من رواية أبي الخير أحمد بن محمد بن الجليل
-بالجيم - البخاري الكرماني، عن المصنف، كذا ورد أول المطبوع (١) وقد أشار
إِلى ذلك الحافظ ابن حجر (٢).
* أسامي الصحابة:
ويسمى أيضا: "كتاب الصحابة" و" تاريخ الصحابة".
قال الحافظ ابن حجر: أول من صنف في ذلك - يعني في الصحابة -
البخاري. أفرد في ذلك تصنيفا، فنقل منه أبو القاسم البغوي، وغيره(٣)،
وأستفاد منه أبو نعيم(٤)، والحافظ ابن كثير(٥).
وقد رواه عن المصنف، أبو أحمد: محمد بن سليمان بن فارس، ومن طريقه
رواه أبو القاسم ابن منده في كتاب" الصحابة" له، أشار إلى ذلك الحافظ ابن
حجر(٦)، وقال البخاري في ترجمة (أبيض) بيناه في كتاب أصحاب
النبي - عَ لَ﴾.(٧).
** الأشربة:
ذكره الدار قطني(٨) ونقل منه حديثا موقوفا في النهي عن الإِسستشفاء
بالخمر، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (٩).
١ - انظر (٣٦/١).
٢- هدي الساري (٤٩٢).
٣- الإِصابة (٣/١).
٤- معرفة الصحابة (٦٥/١).
٥- جامع المسانيد والسنن (٤٨/١) و(٣٠١/٣).
٦۔الھدی ( ٤٩٢ ).
٧- التاريخ الكبير (٦٠/٢).
٨- المؤتلف والمختلف (٤ /١٩٧٣).
٩ - الهدى (٤٩٢)، وانظر الرسالة المستطرقة (٤٩).