Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
قال: فأحب أن تهب لي ذنبه، قال: أفعل أيها الأمير، اردد الرجل إلى الحبس، قال: نعم،
بالصغر له والقَماء(١)، فوجَّه إلى الرجل فحيسه، وأطلق حماداً، وكتب بذلك صاحب الخبر
إلى الرشيد(٢)، فكتب إلى سوار يحمده على ما صنع، وكتب إلى محمد بن سليمان كتاباً
غليظاً يذكر فيه حماداً ويقول: الرافضي ابن الرافضي، والله لولا أن الوعيد أمام العقوبة ما
أدبته إلا بالسيف ليكون عظة لغيره، ونكالاً، يفتات(٣) على قاضي المسلمين في رأيه، ويركب
هواه لموضعه منك، ويتعرض (٤) في الأحكام استهانة بأمر الله وإقداماً على أمير المؤمنين؟!
وما ذلك إلا بك، وبما أرخيت من رسنه. تالله لئن عاد إلى مثلها ليجدني أغضب لدين الله،
وأنتقم من أعدائه لأوليائه.
كان الرشيد (٥) يقول: أنا من أهل بيت عظمت رزيتهم، وحسنت بقيتهم، رزئنا(٦)
رسول الله صَ ل﴾ وبقيت فينا خلافة الله عز وجل.
بينما(٧) الرشيد هارون يطوف بالبيت إذا عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني
أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي، فقال: لا، ولا نعمة عين ولا كرامة، قد بعث الله
من هو خير منك إلى من هو شرّ مني فأمر أن يقول له قولاً ليناً.
قال منصور بن عمار (٨):
ما رأيت أغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة: فضيل بن عياض، وأبو عبد الرحمن
الزاهد(٩)، وهارون الرشيد.
(١) القماء: الذل.
(٢) في أخبار القضاة: إلى: المهدي.
(٣) يفتات من الافتئات وهو السبق إلى شيء دون ائتمار من يؤتمر يقال بالهمز وبغير الهمز.
(٤) في أخبار القضاة: ويعرّض.
(٥) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٨/١٤ من طريق أبي يعلى الوكيل أخبرنا إسماعيل بن سعيد حدثنا
الحسين بن القاسم الكوكبي أخبرني الربعي عن أبيه، وذكره.
ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ٢٣٥/١٠ نقلاً عن أبي بكر الخطيب.
(٦) تاريخ بغداد: رزئنا برسول الله، وفي البداية والنهاية: ورثنا.
(٧) الخبر في البداية والنهاية ٢٣٥/١٠.
(٨) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٨/١٤.
(٩) يعني عبد الله بن المبارك، المتوفى سنة ١٧٩.

٣٠٢
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
قال شعيب بن حرب(١):
بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر
والنهي، فقالت لي: لا تفعل، فإن هذا رجل جبار، ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي:
لا بد من ذلك. فلما دنا مني صحت: يا هارون، قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم، فقال:
خذوه، فأُدخلت عليه، وهو على كرسي وبيده عمود(٢) يلعب به، فقال: ممن الرجل؟ قلت:
من أفناء الناس، قال: ممن ثكلتك أمك؟ قلت: من الأبناء(٣)، قال: ما حملك على أنّ
تدعوني باسمي؟! قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال، قلت: أنا
أدعو الله باسمه، فأقول: يا الله، يا رحمن، لا أدعوك باسمك؟ وما تنكر من دعائي باسمك؟
وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب الخلق إليه(٤) محمداً، وكنى أبغض الخلق إليه: أبا لهب
فقال: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [سورة المسد، الآية: ١] فقال: أخرجوه، فأخرجوني.
قال ابن السماك(٥):
قلت للرشيد هارون: يا أمير المؤمنين، إنك تموت وحدك، وتُقبر وحدك(٦)، فاحذر
المقام بين يدي الجبار، والوقوف بين الجنة والنار، فإنك لا تقدم إلا على قادم مشغول، ولا
يخلف إلا جاهل مغرور، يا أمير المؤمنين، إنما هو دبيب من سقم حتى يؤخذ بالكَظَم (٧)،
وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تنال(٨)، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال، فجعل أمير
المؤمنين يبكي حتى علا صوته، فالتفت إلي يحيى بن خالد فقال: قم، فقد شققت على أمير
المؤمنين منذ الليلة، فقمت وأنا أسمع بكاءه.
(١) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٢٣٥/١٠ -٢٣٦.
(٢) في البداية والنهاية: لت من حديد، واللت: القدوم والفأس العظيمة.
(٣) أي من أبناء الخراسانية، راجع ترجمة شعيب بن حرب أبي صالح المدائني في سير الأعلام ١٨٨/٩. وفي البداية
والنهاية: من الأنبار.
(٤) في البداية والنهاية: أحب خلقه إليه بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا هود، يا صالح، يا إبراهيم، يا موسى، يا
عیسی، یا محمد .
(٥) الخبر في البداية والنهاية ٢٣٦/١٠.
(٦) البداية والنهاية: وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك.
(٧) الكظم: مخرج النفس من الحلق.
(٨) البداية والنهاية: تقبل.

٣٠٣
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
لما(١) لقي الرشيد هارون الفضيل بن عياض، قال له الفضيل: يا حسن الوجه، أنت
المسؤول عن هذه الأمة، قال مجاهد: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِم الأَسْبابُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٦]
قال: الوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا، فجعل هارون يبكي.
حج (٢) هارون وكان يأنس بسفيان بن عيينة، فقال لسفيان: أشتهي أن أرى الفضيل بن
عياض، وأسمع كلامه، فقال له سفيان: إن علم أنك أمير المؤمنين لم ينبسط، قال: فكيف
الوجه فيه؟ قال: نذهب إليه جميعاً وأنت متنكر، فمضيا، فقام سفيان على الباب، فقال:
السلام عليك يا أبا علي، فقال الفضيل: من أنت؟ قال: سفيان، قال: ادخل يا أبا محمد،
قال سفيان: ومن معي؟ قال: ومن معك، فدخلا، فأقبل الفضيل على سفيان فتحدثا ساعة،
فقال له سفيان: يا أبا علي، هذا الفتى تعرفه؟ فنظر إليه فقال سفيان: هذا هارون أمير
المؤمنين، فنظر إليه الفضيل فقال: يا حسن الوجه، قد قُلّدت أمراً عظيماً، فاتّق الله في
نفسك. وكان هارون من أحسن الناس وجهاً.
قال الأصمعي(٣):
بعث إلي الرشيد، وقد زخرف مجالسه وبالغ فيها وفي بنائها، وصنع فيها طعاماً كثيراً،
ثم وجه إلى أبي العتاهية فأتاه فقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم الدنيا. فأنشأ يقول (٤).
عِش مابدا لكَ سالماً في ظلِّ شاهقةِ القصور
فقال: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال:
لدى الرواح وفي البكور
يُسعى عليكَ بما اشتهيت
فقال: ثم ماذا؟ فقال :
في (٥) ضيقِ حشرجةِ الصدور
فإذا النفوسُ تقعقعَت
ما كنتَ إلا في غرور
فهناك تعلمُ موقناً
(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٤٢ - ٣٤٣ والبداية والنهاية ٢٣٦/١٠.
(٢) تقدم الخبر من طريقين وباختلاف الرواية عما هنا، في ترجمة الفضيل بن عياض ٤٣٥/٤٨ و٤٣٦.
(٣) الخبر في البداية والنهاية ٢٣٦/١٠ وفيه: ((الفضيل)) بدلاً من ((الأصمعي)).
(٤) ليست الأبيات في ديوانه، وهي في البداية والنهاية ٢٣٦/١٠ والكامل لابن الأثير ١٣٣/٥.
(٥) في البداية والنهاية: عن.

٣٠٤
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسرّه، فأحزنته، فقال
هارون: دعه، فإنه رآنا في عمى فكرة أن يزيدنا عمى.
قال أبو العتاهية(١):
دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: أبو العتاهية؟ قلت: أبو العتاهية، قال: الذي
يقول الشعر؟ قلت: الذي يقول الشعر، قال: عظني وأوجز، فقال(٢):
وإن تمنَّعتَ بالحجاب والحرسِ
لا تأمنِ الموتَ في طرفٍ ولا نفَسٍ
لكل مدَّرع منا ومثّرسِ
واعلم بأن سهامَ الموتِ قاصدة (٣)
إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ
ترجو النجاة ولم تسلُك مسالكها
قال: فخرّ مغشياً عليه.
جاء هارون الرشيد إلى باب عبد الله بن المبارك فاستأذن، فلم يأذن له، فكتب هارون
في رقعة :
لاطويلٌ قعودُه بل قليلُ
هل لذي حاجةٍ إليك سبيلٌ
فكتب ابن المبارك على ظهر رقعته:
وقليلٌ من الثقيلِ طويلٌ
أنت يا صاحب الكتاب ثقيلُ
لما (٤) حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عيناً يأتيه بما يقول، فوجده يوماً قد كتب
على الحائط(٥):
وما(٧) زال المسيء هو الظلومُ
أما والله إن الظلمَ لؤم(٦)
وعند الله تجتمع الخصومُ
إلى ديانِ يومِ الدينِ نمضي
(١) الخبر والشعر في البداية والنهاية ٢٣٦/١٠.
(٢) الأبيات في ديوانه ص ٢٣٠ طبعة دار صادر - بيروت.
(٣) في البداية والنهاية: ((صائبة)) وروايته في الديوان:
فما تزال سهام الموت نافذة
في جنب مدّرع منها ومتّرس
(٤) الخبر والأبيات في البداية والنهاية ٢٣٦/١٠ - ٢٣٧ والكامل لابن الأثير ٢٢٠/٦.
(٥) البيتان في ديوانه ص٣٩٨ طبعة صادر - بيروت.
(٦) في البداية والنهاية: شوم.
(٧) الديوان: ولكن.

٣٠٥
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
فأخبر بذلك الرشيد، فبکی، ودعا به، فاستحله، ووهب له ألف دينار.
خرج الرشيد في بعض متنزهاته، فانفرد من الناس على نحو ميل، فرفع له خباء
مضروب، فأمَّه، فإذا فيه أعرابي، فسلم عليه الرشيد، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا من أبغض
الناس إلى الناس، فقال الأعرابي: أنت إذاً من معدّ، فمن أي معد؟ قال: من أبغض معد إلى
معد، قال: أنت إذاً من مضر، فمن أي مضر أنت؟ قال: من أبغض مضر إلى مضر، قال:
أنت إذاً من كنانة، فمن أي كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: أنت إذاً من قريش،
فمن أي قريش أنت؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش، قال: أنت إذاً من بني هاشم، فمن
أي بني هاشم؟ قال: من أبغض بني هاشم إلى بني هاشم، قال: أنت إذاً من ولد العباس،
فمن أي ولد العباس أنت؟ قال: من أبغض بني العباس إلى بني العباس، فوثب الأعرابي قائماً
وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وتوافت الجيوش، فقال الرشيد:
احملوه قاتله الله ما أذهنه.
قال سفيان بن عيينة(١):
دخلت على هارون أمير المؤمنين فقال: أي شيء خبرك يا سفيان؟ فقلت:
بِعَينِ الله ما تخفي البيوتُ فقد طال التحمّل والسكوتُ
فقال: يا فلان، مئة ألف لابن عيينة، تغنيه، وتغني عقبه، ولا ينقص بيت مال
المسلمين من ذلك(٢).
قال شبيب :
كنا في طريق مكة، فجاء أعرابي في يوم صائف شديد الحر، ومعه جارية له سوداء،
وصحيفة، فقال: أفيكم كاتب؟ قلنا: نعم، وحضر غداؤنا، فقلنا له: لو أصبت من طعامنا،
فقال: إني صائم، فقلنا له: أفي هذا الحر الشديد، وجفاء البادية تصوم؟! فقال: إن الدنيا
كانت ولم أكن فيها، وتكون ولا أكون فيها، وإنما لي منها أيام قلائل، وما أحب أن أغيّر
أيامي، ثم نبذ إلينا الصحيفة، فقال: اكتب، ولا تزيدن على ما أقول حرفاً:
(١) الخبر رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٢٣٧/١٠ من طريق الحسن بن أبي الفهم عن محمد بن عباد عن سفيان بن
عيينة، وذكره.
(٢) في البداية والنهاية: ولا تضر الرشيد شيئاً ((مكان)) ولا ينقص بيت مال المسلمين من ذلك.

٣٠٦
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
هذا ما أعتق عبد الله بن عقيل الكلابي جارية له سوداء يقال لها: لؤلؤة ابتغاء وجه الله،
وجواز العقبة العظمى، وإنه لا سبيل لي عليها إلا سبيل الولاء والمنة لله الواحد القهار.
قال الأصمعي: فحدثت بهذا الحديث الرشيد، فأمر أن يشترى له ألف نسمة ويعتقون،
ویکتب لهم هذا الكتاب.
قال الأصمعي(١):
قدم الرشيد هارون البصرة يريد الخروج إلى مكة، فخرجت معه. فلما صرنا بضريَّة(٢)
فإذا أنا على شفير الوادي بصبية قدامها قصعة لها، وإذا هي تقول:
طحطَحَتنا صحاطحُ الأعوامِ
ورمَتْنا حوادثُ الأيامِ
لفضالات(٣) زادكم والطعام
فأتيناكم نُمدّ أكفاً
فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا
أيها الزائرون بيت الحرامِ
فارحموا غربتي وذلَّ مقامي
من رآني فقد رآني ورحلي
فأخبرت أمير المؤمنين، وأنشدته ما قالت، فعجب، فقلت: آتيك بها؟ قال: بل نذهب
إليها، فوقف عليها، فقلت لها: أنشديه ما كنت تقولينه، فأنشدته ولم تهبه، فقال: يا مسرور،
--------
املأ قصعتها دنانیر (٤)، فملأها حتى فاضت.
قال أبو عبيدة (٥):
حج الرشيد على طريق البصرة، فمرَّ منفرداً ومعه الفضل بن الربيع فإذا بأعرابيين على
قعودين لهما، فقال أحدهما:
يا أيها المجمع هما لا تهمْ إنك إن تقض إلى الحمى تحمْ (٦)
(١) الخبر والأبيات في البداية والنهاية ٢٣٧/١٠.
(٢) ضرية: قرية عامرة قديمة في طريق مكة من البصرة من نجد (معجم البلدان) وفي البداية والنهاية: فمررنا بوادٍ.
(٣) البداية والنهاية: نائلات لزادكم.
(٤) البداية والنهاية: ذهباً.
(٥) الخبر والرجز في البداية والنهاية ٢٣٧/١٠.
(٦) روايته في البداية والنهاية:
أنت تقضي ولك الحمى تحمْ.
--------

٣٠٧
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
كيف توقّيك(١) وقد جف القلم وحطت الصحة منك والسقم
فقال الرشيد للفضل: يا عباسي، قل للمنشد يعيد، فقال الفضل: يا صاحب الشعر،
أعد، فقال: لو قال لي هذا لفعلت - يعني الرشيد - قال الفضل: فهممت بالإقبال عليه،
فغمزني الرشيد بالصبر، فقلت له: ولم لا تجيبني؟ فقال لي:
إذا ما رأى الناسُ الجواد ومُقرِفاً(٢) إذا حربا(٣) قالوا: جواد ومُقرِفُ
فقال الرشيد: يا عباسي، ادع لي أقرب الخدم منك، فدعوت خادماً، فقال له الرشيد:
ما معك؟ قال: أربع مئة درهم(٤)، قال: ادفعها إلى المنشد، فأخذها، فضرب الآخر بيده
على كتف صاحبه ثم قال(٥):
وكنتُ جليسَ قعقاع بن عمرو(٦) ولا يشقى بقعقاع جليسُ
فقال الرشيد: يا عباسي، ادعُ لي أقرب الخدم منك، فدعوتُ خادماً، قال الرشيد: ما
معك؟ قال: مئتا دينار، قال: ادفعها إلى المتمثل، فدفعها إليه.
قال أبو عبيدة(٧): فسألني الفضل: ما قصة القعقاع؟ فقلت: أهدي إلى معاوية هدايا يوم
المهرجان، فيها جامات ذهب وفضة، فدفع معاوية الجامات إلى جلسائه، ودفع إلى القعقاع
جام ذهب، وفي القوم أعرابي لم يُعط شيئاً، وهو إلى جنب القعقاع، فدفع القعقاع إليه
الجام، فأخذه الأعرابي ونهض، وهو يقول:
ولا يشقى بقعقاعِ جليسُ
وكنتَ جليسَ قعقاع بن عمرو
قال أبو محمد الزيدي :
دخلت على الرشيد، فوجدته مكباً ينظر في ورقة فيها مكتوب بالذهب، فتبسم فقلت :
(١) البداية والنهاية: ترقيك.
(٢) المقرف: الذي دانى الهجنة من الفرس وغيره (اللسان).
(٣) حرب: إذا اشتد غضبه.
(٤) البداية والنهاية: دينار.
(٥) البيت لأبي علاقة التغلبي كما في الوحشيات، وبدون نسبة في البيان والتبيين ٣٣٩/٣ والكامل للمبرد ٢٣٠/١
والبداية والنهاية ٢٣٧/١٠. بدون نسبة.
(٦) في الكامل للمبرد: قعقاع بن شور.
(٧) في البداية والنهاية: أبو عبيد.

٣٠٨
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
فائدة، أصلحك الله، قال: نعم، وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية
فاستحسنتهما، وقد أضفت إليهما ثالثاً، وأنشدني:
فدعه لأخرى ينفتح لك بابُها
إذا سُدّ بابٌ عنك من دون حاجةٍ
ويكفيك سَواتِ الأمور اجتنابها
فإن قُراب(١) البطن يكفيك ملؤه
ركوب المعاصي يجتنبِكَ عقابُها
فلا تك مبذالاً لعرضك واجتنب
قال الفضل بن الربيع(٢):
خرج الرشيد من عند زبيدة - وقد تغدى عندها ونام - وهو يضحك، فقلت: قد سرني
سرور أمير المؤمنين، فقال: ما أضحك إلا تعجباً: أكلت عند هذه المرأة، ونمت(٣)،
وسمعت رنة فقلت: ما هذا؟ قالوا: ثلاث مئة ألف دينار، وردت من مصر، فقالت: هبها لي
يا بن عم، فدفعتها إليها، فما برحِتُ حتى عَرْبَدَتْ وقالت: أي خير رأيت منك !.
قال الأصمعي (٤).
سمعت بيتين لم أحفل بهما، قلت: هما على كل حال خير من موضعهما من الكتاب،
فإني عند الرشيد يوماً وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل على مسرور الكبير(٥)، فقال: يا
مسرور، كم في بيت مال السرور؟ قال: ليس فيه شيء، فقال عيسى: هذا بيت الحزن، قال:
فاغتم الرشيد، وأقبل على عيسى فقال: والله لتعطين الأصمعي سلفاً على بيت مال السرور
ألف دينار، فاغتم عيسى وانكسر، فقلت في نفسي: جاء موضع البيتين فأنشدت الرشيد:
وجداه في الماضين كعب وحاتمُ
إذا شئت أن تلقى أخاك معبّساً
فكشّفه عما في يديه فإنما
تُكشِّفُ أخبارَ الرجال الدراهمُ
قال: فتجلى عن الرشيد وقال: يا مسرور، أعطه سلفاً على بيت مال السرور ألف
دينار، قال: فأخذت بالبيتين ألفي دينار، وما كان البيتان يسوِيان عندي درهمين.
(١) قراب الشيء: بالكسر وبالضم. ما قارب قدره (تاج العروس).
(٢) الخبر في البداية والنهاية ٢٣٧/١٠ - ٢٣٨.
(٣) في البداية والنهاية: فأقلت عندها وبت ..
(٤) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٨/١٤ - ٩ من طريق الأزهري حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا ابن دريد
أخبرنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه، فذكره.
(٥) مسرور حاجب الرشيد.

٣٠٩
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
قال الأصمعي(١):
دخلت على هارون - ومجلسه حافل - فقال: يا أصمعي، ما أغفلك عنا، وأجفاك
لحضرتنا! قلت: يا أمير المؤمنين، ما ألاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك، فأمرني بالجلوس،
فجلستُ، وسكتَ. فلما تفرق الناس إلا أقلهم نهضت، فأقعدني(٢) حتى خلا، قال: يا أبا
سعيد، ما ألاقتني؟ قلت: أمسكتني يا أمير المؤمين [وأنشدت](٣):
جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما
كفاك كفّ ما تليقُ درهما
فقال: أحسنت، وهكذا فكن، و[قر](٤) نا في الملأ، وعلمنا في الخلاء، وأمر لي
بخمسة آلاف دينار .
وقيل: إنه قال له: مالاقتني بعدك أرض. فلما خرج الناس قال له: ما معنى: ما لاقتني
أرض؟ قال: ما استقرت بي أرض، كما يقال: فلان لا يُليق شيئاً أي: لا يستقر معه شيء،
وقال له: هذا حسن، ولكن لا ينبغي أن تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه، فإذا خلوت
فعلِّمني، فإنه إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم، وإما أن أجيب بغير صواب، فيعلم
الناس أني لم أفهم. قال الأصمعي: فعلَّمَني أكثر مما علمته.
مازح الرشيد أم جعفر فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر، فاغتمت لذلك، ولم تدر ما
معناه، فوجهت إلى الأصمعي فسألته عن ذلك، فقال لها: الجعفر: النهر الصغير(٥)، وإنما
ذهب إلى هذا، فسكنت نفسها .
قال الأصمعي :
دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا أصمعي، إني أرقت ليلتي هذه، فقلت: لِمَ،
(١) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٩/١٤ من طريق محمد بن الحسين الجازري حدثنا المعافى بن زكريا
حدثنا محمد بن الحسن بن دريد حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي، وذكره: وتاريخ الخلفاء ص ٣٤٣.
(٢) في تاريخ بغداد: فأشار إليّ أن أجلس، فجلست حتى خلا المجلس فلم يبق غيري وغيره ومن بين يديه من
الغلمان .
(٣) استدركت عن تاريخ بغداد.
(٤) بياض بالأصل، وكتب على هامشه ((كذا)) والمستدرك للإيضاح عن تاريخ بغداد.
(٥) في تاج العروس: الجعفر النهر عامة. وقيل: هو النهر الصغير، وقيل: هو النهر الكبير الواسع. وقال ابن دريد:
الجعفر: النهر، فإذا كان صغيراً فهو فلج (تاج العروس: جعفر).

٣١٠
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
أنام الله عين أمير المؤمنين؟ قال: فكرت بالعشق ممَّ هو؟ فلم أقف عليه، فصفه لي حتى أخاله
جسماً. قال الأصمعي: لا والله ما كان عندي قبل ذلك منه شيء، فأطرقت ملياً ثم قلت: نعم
يا سيدي، إذا توافقت الأخلاق المشاكلة، وتمازجت الأرواح المتشابهة ألفيت لمح نور ساطع
يستضيء به العقل، وتنير لإشراقه طباع الجناة، ويتصور من ذلك النور خلق في (١) النفس
منصباً نحو [جواهرها](٢) يسمى العشق. فقال: أحسنت والله، يا غلام، أعطه، وأعطه،
وأعطه، فأعطيت ثلاثين ألف درهم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي(٣):
دخلت على أمير المؤمنين الرشيد يوماً، فقال: أنشدني من شعرك، فأنشدته:
فذلك شيء ما إليه سبيلُ
وآمرةٍ بالبخلِ قلتُ لها اقصري
بخيلاً له في العالمين(٥) خليلُ
أرس الناسَ خُلاّن الجوادٍ(٤) ولا أرى
إذا نال خيراً أن يكونَ يُنيلُ
ومن خير حالاتِ الفتى لو علمته
عطائي عطاءُ المكثرينَ تكرُّماً (٦)
ومالي كما قد تعلمين قليلٌ
ويَحقُرُ يوماً أن يقالَ بخيلٌ (٧)
وإني رأيتُ البخلَ يُزري بأهلهِ
وكيف أخافُ الفقرَ أو أُحرمُ الغنى
ورأي أمير المؤمنين جميلُ؟
فقال: لا كيف، إن شاء الله، يا فضل، أعطه مئة ألف درهم، لله در أبيات تأتينا بها، ما
أحسن فصولها، وأثبت أصولها(٨)، فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أجود من شعري، قال:
(١) استدركت اللفظة عن هامش الأصل.
(٢) بياض بالأصل، واستدركت اللفظة عن مختصر ابن منظور المطبوع وهي فيه مستدركة أيضاً.
(٣) الخبر والأبيات في تاريخ بغداد ١٤/ ١٠ - ١١ من طريق التنوخي والجوهري قالا: أخبرنا محمد بن عمران
المرزباني حدثنا علي بن سليمان الأخفش قال قال محمد بن حبيب حدثنا أبو عكرمة عامر بن عمران الضبي
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وذكره والأبيات في تاريخ الخلفاء ص ٣٥٢ والخبر والأبيات في الأغاني ٥٪
٣٢٢ وآمالي القالي ٣١/١.
(٤) الأغاني: الكرام.
(٥) الأغاني: حتى الممات، بدلاً من في العالمين.
(٦) صدره في الأغاني: فعالي فعال المكثرين تجملاً.
(٧) عجزه في الأغاني: فأكرمت نفسي أن يقال بخيل.
(٨) في الأغاني: وأقل فضولها.

٣١١
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
أحسنت، يا فضل، أعطه مئة ألف أخرى(١).
قال (٢) الرشيد للمُفَضّل الضّبّي: ما أحسن ما قيل في الذئب، ولك هذا الخاتم الذي في
يدي، وشراؤه ألف وست مئة دينار؟ فقال: قول الشاعر:
ينامُ بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع(٣)
قال: ما أُلقي هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم، وحلق به إليه، فاشترته أم جعفر
بألف وست مئة دينار، وبعثت به إليه وقالت: قد كنت أراك تعجب به، فألقاه إلى الضبي
وقال: خذه وخذ الدنانير، فما كنا نهب شيئاً ونرجع فيه.
صنع(٤) الرشيد ذات ليلة بيتاً، واضطرب عليه الثاني، فقال: علي بالعباس بن
الأحنف، فأُتي به في جوف الليل على حال من الذعر عظيمة، فقال له الرشيد: لا ترُع، قال:
وكيف لا يكون ذلك وقد طُرقت في منزلي في مثل هذا الوقت؟ فلم أخرج إلا والواعية (٥) فيه
وأهلي لا يشكّون في قتلي، فقال: أحضرتك لبيت قلته صَعْبَ عليّ أن أشفعه بمثله، قال: ما
هو؟ قال :
جنان(٦) قد رأيناها فلم نر مثلها بشرا
قال العباس :
إذا ما زدته نظرا
يزيدك وجهُها حسناً
ـك بالظلماء(٧) واعتكرا
إذا ما الليلُ مالـعـلــ
فأبرزهاتر قمرا
ودجّ فلم تر قمراً (٨)
(١) الذي في الأغاني أنه أمر له بخمسين ألف درهم ... ثم قال: اجعلوها مئة ألف درهم.
(٢) الخبر والبيت في البداية والنهاية ٢٣٨/١٠ ورواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٢٢/١٣ في ترجمة المفضل
الضبي من طريق علي بن محمد بن السري الهمذاني قال قال لنا جحظة قال الرشيد، وذكره.
(٣) عجزه في البداية والنهاية: بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم.
(٤) الخبر والأبيات في تاريخ بغداد ١٣١/١٢ في ترجمة العباس بن الأحنف، والبداية والنهاية ٢٢٧/١٠ (حوادث
سنة ١٩٢) ووفيات الأعيان ٢٢/٣ وديوانه ص١٢٨.
(٥) الواعية: الصراخ على الميت.
(٦) في البداية والنهاية: حنان.
(٧) في تاريخ بغداد والبداية والنهاية: بالإظلام.
(٨) في البداية والنهاية: فجراً.

٣١٢
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
فقال الرشيد: أول ما يجب أن ندفع إليك ديتك، إذ نزل بك هذا الروع وبعيالك منا،
فأمر له بعشرة آلاف درهم، وصرفه.
دخل(١) العباس بن الأحنف على هارون الرشيد فقال له هارون: أنشدني أرق بيت قالته
العرب، فقال: قد أكثر الناس في بيت جميل حيث يقول(٢):
بثينة لا يخفى على كلامُها
ألا ليتني أعمى أصم تقودني
فقال له هارون: أنت أرق منه حيث تقول(٣):
حتى إذا مر بي من بينهم وقفا
طاف الهوى في عبادِ الله كلهم
قال العباس: أنت يا أمير المؤمنين أرق قولاً مني ومنه حيث تقول (٤):
وأن الناس كلَّهمُ عبيدي
أما يكفيك أنك تملكيني
وأنكِ لو قطعت يدي ورجلي
لقلتُ من الهوى أحسنتِ زيدي
فأعجب بقوله وضحك.
قال ابن المبارك:
عشق هارون جارية، فأرادها، فذكرت أن أباه كان مسها، فشغف بها هارون حتى قال:
ولكن لا سبيلَ إلى الورودِ
أرى ماء وبي عطش شديد
وأن الناس كلَّهمُ عبيدي
أما يكفيكِ أنكِ تملكيني
لقلتُ من الرضى أحسنتِ زيدي
وأنكِ لو قطعتِ يدي ورجلي
قال: فسأل أبا يوسف عنها، فقال: أَوَكلما قالت جارية تصدِّق؟ قال ابن المبارك: فلا
أدري ممن أعجب! من أمير المؤمنين حين رغب عنها، أو منها حين رغبت عن أمير
المؤمنين، أو من أبي يوسف حين أمره بالهجم(٥) عليها.
(١) الخبر والأبيات في تاريخ بغداد ١٤/ ١١ - ١٢ من طريق أبي الطيب الطبري حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا الحسين
ابن القاسم الكوكبي حدثنا محمد بن القاسم الضرير، قال قال الأصمعي، وذكره والبداية والنهاية ٢٣٨/١٠.
(٢) ليس البيت في ديوانه المطبوع.
(٣) البيت في ديوان العباس بن الأحنف ص ١٨٢.
(٤) البيتان في تاريخ بغداد ١٢/١٤ والبداية والنهاية ٢٣٨/١٠.
(٥) كذا في مختصر ابن منظور، وهجم عليه: دخل بغير إذن أو دخل بغير إذن، هجم عليه هجوماً. وهجم فلاناً
يهجمه هجماً ساقه وطرده، والهجم: السوق الشديد (تاج العروس: هجم).
--------

٣١٣
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
قال إبراهيم الموصلي(١):
قال لي غلامي: بالباب رجل حائك يستأذن، فقلت: ما لي ولحائك؟ قال: لا أدري
غير أنه حلف بالطلاق لا ينصرف حتى يكلمك بحاجته، قال: فأذنت له، فدخل، فقلت: ما
حاجتك؟ قال: أنا رجل حائك، وكان عندي بالأمس جماعة فتذاكرنا الغناء والمتقدمين فيه،
فأجمع من حضر أنك رأس القوم وبُندارهم (٢) وسيدهم في هذه الصناعة، فحلفت بطلاق ابنة
عمي وأعز الخلق علي - ثقة مني بكرمك - على أن تشرب عندي غداً، وتغنيني، فإن رأيت -
جعلني الله فداك - أن تمنّ على عبدك بذلك فعلت، فقلت له: أين منزلك؟ قال: في دور
الصحابة، قلت: فصف للغلام موضعه وانصرف، فإن رائح إليك، فوصف للغلام. فلما
صليت الظهر ركبت، وأمرت الغلام أن يحمل معه قنينة وقدحاً ومصلى وخريطة العود،
وصرت إلى منزله، ودخلت فقام إلي الحاكة فقبّلوا أطرافي، وعرضوا علي الطعام، فقلت:
قد تقدمت في الأكل، فشربت من نبيذي، وتناولت العود، فقلت: اقترح علي، فقال: غنّني
بحياتي :
يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت نُسَيْبه والطرَّاق يكذبُ قيلُها
فغنيت، فقال: أحسنت جعلني الله فداك، ثم قلت: اقترح، فقال: غنني بحياتي:
وخُطًا بأطراف الأسنةِ مضجعي وردّا على عينيّ فضلَ ردائيا
فغنيت، فقال: أحسنت جعلني الله فداك، ثم شربت وقلت: اقترح، فقال: غنني
بحياتي :
أحقاً عبادَ الله أن لستُ وارداً ولا صادراً إلا علي رقيبُ؟
فقلت: يابن اللخناء، أنت بابن سُريج(٣) أشبه منك بالحاكة، فغنيته، ثم قلت: والله إن
عدت ثانية حلت امرأتك لغلامي قبل أن تحل لك، ثم انصرفت، وجاء رسول أمير المؤمنين
الشريد [يطلبني] (٤) فمضيت إليه من فوري، فقال: أين كنت؟ قلت: ولي الأمان؟ قال: ولك
(١) الخبر والأبيات في تاريخ بغداد ١٧٦/٦ - ١٧٧ في ترجمة إبراهيم بن ماهان بن بهمن، أبي إسحاق المعروف
بالموصلي، من طريق علي بن عبد العزيز الطاهري بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم عن أبيه، وذكره.
(٢) البندار معناه الحافظ، والبندار: من يكون مكثراً من شيء فيشتريه منه من هو دون، ثم يبيعه (تاج العروس: بندر).
(٣) بالأصل: شريح، تصحيف، والصواب ما أثبت عن تاريخ بغداد، وهو عبيد بن سريج، المغني، انظر أخباره في
الأغاني ١/ ٢٤٨ وما بعدها.
(٤) زيادة عن تاريخ بغداد.

٣١٤
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
الأمان، فحدثته، فضحك وقال: هذا أنبل حائك على ظهر الأرض، ووالله لقد كرمت في
أمره، وأحسنتَ إجابته، وبعث إلى الحائك، فاستنطقه، وساءله فاستطابه، واستظرفه، وأمر
له بثلاثين ألف درهم.
كتب هارون الرشيد إلى جارية له كان يحبها وكانت تبغضه :
كل العذاب فما أبقت ولا تركتْ
إن التي عذبت نفسي بما قدرت
عني فلما رأتني باكياً ضحكت
مازحتها فبكت واستعبرت جزءاً
حتى إذا ما رأتني ضاحكاً فبكت
فعدت أضحك مسروراً بضحكتها
يوماً قلوص(٢) فلما حثها بركت
تبغي خلافي كما خبّت(١) براكبها
ليومٍ عسرٍ فلما رُمتُها هلكت
كأنها درة قد كنت أذخرها
وأنشدوا هذه الأبيات لذؤيب.
قال الأصمعي(٣):
ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قط إلا مرة واحدة: فإني دخلت عليه أنا وأبو
حفص (٤) الشطرنجي، فرأيته خاثراً (٥)، فقال لنا: استبقا إلى بيت، بل إلى أبيات، فمن أصاب
ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم.
وفي رواية قال: كان الرشيد يهوى عنان جارية الناطفي(٦)، وكانت صيانته لنفسه تمنعه
(١) خبت، من الخبب، ضرب من السير.
(٢) القلوص: الناقة الشابة.
(٣) الخبر في الأغاني ٨٩/٢٣ - ٩٠ ضمن أخبار عنان، والخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٩/١٤ - ١٠ من
طريق أحمد بن عبد الواحد الدمشقي أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان القسملي أخبرنا
عبد الله بن أحمد بن ربيعة القاضي حدثنا أحمد بن عبيد حدثنا الأصمعي، وذكره. والخبر والأبيات في الإماء
الشواعر ص٤٢.
(٤) في مختصر ابن منظور المطبوع: أبو جعفر، والمثبت يوافق ما جاء في الأغاني ٤٤/٢٢ وفيها أبو حفص
الشطرنجي: عمر بن عبد العزيز مولى بني العباس. والأغاني ٨٩/٢٣. وفي تاريخ بغداد: ابن أبي حفص
الشطرنجي.
(٥) يقال هو خائر النفس أي ثقيلها غير طيب ولا نشيط. والتخثر هو غثيان النفس (انظر اللسان) وفي الأغاني: فرأيت
التختر في وجهه .
(٦) عنان مولدة من مولدات اليمامة، وبها نشأت وتأدبت، ثم اشتراها النطاف. انظر أخبارها في الإماء الشواعر ص٢٣
والأغاني ٨٤/٢٣ ونهاية الأرب ٧٨/٥.

٣١٥
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
منها. قال الأصمعي: فما رأيته قط مبتذلاً إلا مرة، فإني دخلت إليه، وفي وجهه تخثّر،
وعنده أبو حفص(١) الشطرنجي، فقال لنا: استبقوا، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف
درهم، فوقع في نفسي أنه يريد عنان - فقال أبو حفص(٢) الشطرنجي بجرأة العميان:
لمحب ريحانُه ذكراك
مجلسٌ ينسبُ(٣) السرورُ إليه
فقال: أحسنت، يا فضل، أعطه عشرة آلاف درهم، ثم قال: قد حضرني بيت ثان،
قال: هات، فأنشد:
كلما دارتِ الزجاجةُ زادت ـهُ حنيناً (٤) ولوعة فبكاكٍ
قال: أحسنت، يا فضل، أعطه عشرة آلاف درهم. قال الأصمعي: فنزل بي ما لم ينزل
بي قط مثله، إن ابن أبي حفص يرجع بعشرين ألف درهم وبفخر ذلك المجلس، وأرجع
صفراً منهما جميعاً، ثم حضرني بيت، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد حضرني ثالث، قال:
هاته، فأنشأت أقول:
لم ينلكِ المنى بأن تحضريني (٥)
وتجافت أمنِيَّتي عن سواكٍ
فقال: أحسنت، يا فضل، أعطه عشرين ألف درهم، ثم قال هارون: قد حضرني
رابع، فقلنا: إن رأى أمير المؤمنين أن ينشده فعل، فأنشأ يقول:
فتمنيت أن يغشيني الل ـه نعاساً لعل عيني تراك
فقلنا: يا أمير المؤمنين، أنت أشعر منا، فجوائزنا لأمير المؤمنين، فقال: جوائزكما
لكما، وانصرفا .
قال أبو هِفّان(٦):
(١) في مختصر ابن منظور: أبو جعفر.
(٢) في مختصر ابن منظور: ((فقال أبو جعفر بن أبي حفص)) وفي تاريخ بغداد، فقال ابن أبي حفص. والمثبت: ((فقال
أبو حفص)) عن الأغاني ٩٠/٢٣ والإماء الشواعر ص٤٢.
(٣) في تاريخ بغداد: بألف، والبيت ليس في الأغاني، ومكانه في الإماء الشواعر:
مالـ هـمـة سوى ذكراك
من لقب متيم بك صب
(٤) في الأغاني: اشتياقاً وحرقة فيكاك. وليس البيت في الإماء الشواعر.
(٥) صدره في الإماء الشواعر: لم ينلك الرجاء أن تحضريني.
(٦) الخبر والأبيات في الأغاني ١٧٢/١٠ - ١٧٣ في أخبار علية بنت المهدي، رواه أبو الفرج من طريق علي بن
صالح ابن الهيثم وإسماعيل بن يونس قالا: حدثنا أبو هفان، وذكره.

٣١٦
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا بها أياماً(١)، وأخرج كل قينة
من داره، واصطبح يوماً، فكان من حضر من جواريه للغناء والخَدَمة في الشراب وغيره زهاء
ألفي جارية في أحسن زي، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر، واتصل الخبر بأم جعفر(٢)
فغلظ عليها ذلك، فأرسلت إلى عُلَيّةٍ(٣) تشكو إليها، فأرسلت إليها عليّة: لا يهولنك هذا،
فوالله الأردنه [إليك](٤)، وأنا أعمل شعراً، وأصوغ فيه لحناً، وأطرحه على جواريّ، فلا
تدعي عندك جارية إلا بعثت بها إلي، وألبسيهن فاخر الثياب والحلي ليأخذنَ الصوتَ مع
جواري، ففعلت أم جعفر ما أمرتها. فلما جاء وقت العصر لم يشعر الرشيد إلا وعُليّة قد
خرجت عليه من حجرتها، وأم جعفر قد خرجت من حجرتها معهما (٥) زهاء ألفي جارية من
جواريهما(٦) وسائر جواري القصر، وكلهن في لحن واحد هَزَج صنعته عُليّة:
منفصلٌ عني وما قلبي عنهِ منفصِلْ
يا قاطعي اليوم لمن نويتَ بعدي أن تصِلْ
فطرب الرشيد، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية، وهو على غاية السرور،
وقال: لم أَرَ كاليوم قط، ثم قال: يا مسرور، لا يَبْقَيَنّ في بيت المال درهم(٧) إلا نثرته، فكان
مبلغ ما نثر يومئذٍ ست آلاف ألف درهم، وما سُمع بمثل ذلك اليوم قط .
دخلت أعرابية على هارون الرشيد، فأخرج إليها ماردة(٨) وكانت ذات جمال وشكل،
وكان الرشيد يحبها فأنشدته الأعرابية أشعاراً تمدحه ببعضها، وأنشدها الرشيد لنفسه في
ماردة :
وتنال منك بحدّ مقلتها
ما لا ينال بحدة النصل
(١) الأغاني: فخلا معها يوماً.
(٢) يعني زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، زوجته، وأم ابنه الأمين.
(٣) يعني علية بنت المهدي، أخت هارون الرشيد، أمها أم ولد، مغنية، وكانت علية من أحسن الناس وأظرفهم، تقول
الشعر الجيد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. انظر أخبارها في الأغاني ١٦٢/١٠.
(٤) زيادة لازمة للإيضاح عن الأغاني ...
(٥) في الأغاني: معها.
(٦) الأغاني: جواريها.
(٧) في الأغاني: لا تبقين في بيت المال درهماً.
(٨) ماردة جارية، قيل إنها أم المعتصم، أهدته إياها أم جعفر انظر الأغاني ٦٧/١٨ و٤٦/٢٢.

٣١٧
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
لاقى محاسن وجهها شغل
شغلتك وهي ككل منتصر
ولعينها من عينها كحلُ
فلوجهها من وجهها قمرٌ
فلكلّ موضع نظرة قتلُ
وإذا نظرت إلى محاسنها
فقالت الأعرابية: يا أمير المؤمنين، ما أدري أيهم أحسن: الشعر، أو من قاله، أو من
قيل فيه، فأمر لها بجائزة.
كان(١) الرشيد شديد الحب لهيلانة، وكانت قبله ليحيى بن خالد، فدخل يوماً إلى
يحيى قبل الخلافة، فلقيته في ممر(٢)، فأخذت بكمه فقالت: أمالنا(٣) منك يوم مرة؟ فقال
لها: بلى، فكيف السبيل إلى ذلك؟ فقالت: تأخذني (٤) من هذا الشيخ، فقال ليحيى: أحب
أن تهب لي فلانة، فوهبها له، وغلبت عليه(٥)، وكانت تكثر أن تقول: هي لانة، فسماها
هيلانة، فأقامت عنده ثلاث سنين، وماتت، فوجد عليها وجداً شديداً، وأنشد:
أقولُ لما ضمّنوكِ الثرى (٦) وجالت الحسرةُ في صدري
بعدك شيء آخر الدهر
اذهب فلا والله ما سرّني
كتب هارون الرشيد(٧) إلى جاريته الخيزرانة وهي بمكة:
ليس إلا بكم يتم السرورُ
نحنُ في أفضلٍ(٨) السرورِ ولكن
أنكم غبتُم(٩) ونحنُ حضورُ
عيبُ ما نحن فيه يا أهل وذي
(١) الخبر والبيتان في البداية والنهاية ١٧٦/١٠ (حوادث سنة ١٧٣).
(٢) البداية والنهاية: فاعترضته في طريقه.
(٣) في أصل مختصر ابن منظور: فقال: لا، ثم بياض بمقدار لفظتين، والمثبت عن البداية والنهاية. والعبارة فيها: أما
لنا منك نصيب؟
(٤) البداية والنهاية: استوهبني.
(٥) البداية والنهاية: وحظيت عنده.
(٦) صدره في البداية والنهاية: قد قلت لما ضمنوك الثرى.
(٧) الخيزرانة هي جارية المهدي، وهي أم الهادي والرشيد، وقد حظيت عند المهدي كثيراً. والخبر والشعر في البداية
والنهاية ١٧٤/١٠ - ١٧٥ وفيه أن الخيزران حجت مرة في حياة المهدي فكتب إليها وهي بمكة يستوحش لها
ويتشوق إليها بهذا الشعر، وذكره.
(٨) البداية والنهاية: غاية.
(٩) البداية والنهاية: غيّب.

٣١٨
۔
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
أن تطيروا مع الرياح فطيروا
فأجدوا في السير بل إن قدرتم
فأجابته الخيزرانة(١):
قِ فكدنا وما فعلنا(٢) نطيرُ
قد أتانا الذي وصفت من الشو
إليك الذي يجنُّ الضميرُ
ليت أن الرياحَ كن يؤدين
في سرور فدام ذاك السرورُ
لم أزل صبّة فإن كنت بعدي
أنشد (٣) عمران بن موسى المؤدب لهارون الرشيد في ثلاث حظيّات كن عنده وهن
قصف(٤)، وضیاء، وخنث:
وحَلَلْنَ من قلبي بكل مكانٍ
ملك الثلاث الآنسات(٥) عناني
وأطيعُهن وهن في عصياني؟
مالي تطاوعني البرية كلُّها
وبه ملكنَ(٦) أعز من سلطاني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى
اشتريت(٧) للرشيد هارون جارية مدينية، فأعجب بها، وأمر الربيع أن يبعث في حمل
أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها، وأراد بذلك تسريتها، فوفد إلى مدينة السلام ثمانون
رجلاً، ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية. فلما بلغ
الرشيد خبرُهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل رجل منهم وحاجته ففعل حتى بلغ
إلى العراقي فقال له: حاجتك؟ قال: إن كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما يُعرض أنبأتك بها،
فقال: أفعل ذلك، قال: حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات، وأشرب ثلاثة
أرطال(٨)،. وأخبرها بما تُجن ضلوعي من حبها، فقال الفضل: إنه موسوس، قال: يا هذا،
قد أمرت أن تكتب ما يقول كل واحد، فاكتب ما أقول، واعرضه، فإن أجبتُ إليه، وإلا فأنت
في أوسع العذر. فدخل الفضل مغضباً، فقرأ على الرشيد ما كتب، وقال: يا أمير المؤمنين،
(١) في البداية والنهاية: فأجابته أو أمرت من أجابه.
(٢) البداية والنهاية: قدرنا.
(٣) الخبر والأبيات في تاريخ بغداد ١٢/١٤ والبداية والنهاية ٢٣٨/١٠. والأغاني ٣٤٥/١٦ وفوات الوفيات ٢٢٦/٤.
(٤) سماهن أبو الفرج في الأغاني: سحر، وضياء، وخُنْث.
(٥) البداية والنهاية: الناشئات، وفي تاريخ بغداد: الغانيات.
(٦) تاريخ بغداد والبداية والنهاية: قوين، وفي الأغاني: عززن، وفي فوات الوفيات: غلبن.
(٧) الخبر والشعر في البداية والنهاية ٢٣٩/١٠.
(٨) البداية والنهاية: ثلاثة أرطال من خمر.

٣١٩
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن التفوه به فيه، فقال: قُلْ ولا تجزع،
فقال: قال: كذا وكذا، قال: قُلْ له: بعد ثلاث أحضر لينجز لك ما سألت، وأنت تتولى
الاستئذان له، ودعا بخادم، وقال: امضٍ إلى فلانة، وقُلْ لها: حضر رجل، وذكر كذا وكذا،
وأجبناه إلى ما سأل، فكوني على أهبة، ثم أدى الفضل الرسالة إليه، فانصرف وحضر في
اليوم الثالث، وعرف الرشيد خبره، فقال: يلقى له بحيث أرى كرسي فضة، وللجارية كرسي
ذهب، وتخرج إليه، ويحضر ثلاثة أرطال، فجلس الفتى والجارية بإزائه، فحدثها، والرشيد
يراهما، فقال للخادم: لم تدخل لتشتو وتصيف، فأخذ رطلاً، وخرّ ساجداً وقال: إذا شئت
أن تغني فغني(١) :
وإن لم تكن هندُ بأرضكما قصدا
خليلي عوجا بارك الله فيكما (٢)
ولكننا جُزنا لنلقاكم عمدا
وقولا لها ليس الضلالُ أجازنا
وتزدادُ داري من دياركُم بعدا
غداً يكثر الباكون منا ومنكم
فغنته، وشرب الرطل، وحادثها ساعة، فاستحثه الخادم، فأخذ الرطل بيده، وقال:
غني جعلت فداك:
فنحن سكوتٌ والهوى يتكلمُ
تكلّمُ منا في الوجوهِ عيونُنا
وذلك فيما بيننا ليس يُعلَمُ
ونغضب أحياناً ونرضى بطرفنا
فغنته، وشرب الرطل الثاني، وحادثته ساعة، فاستعجله الخادم، فخرّ ساجداً يبكي،
وأخذ الرطل بيده، واستودعها الله، وقام على رجليه، ودموعه تستبق استباق المطر، وقال:
إذا شئت غني :
وخاننا الدهرُ وما خُنّا
أحسن ما كنا تفرقنا
عاد لنا يوماً كما كنّا
فليت ذا الدهر لنا مرة
فغنته الصوت، فقلب الفتى طرفه، فبصر بدرجة في الصحن، فأمها، وتبعه الخدم،
ليهدوه الطريق، ففاتهم، وصعد الدرجة وألقى نفسه إلى الأرض على رأسه، فخرّ ميتاً، فقال
الرشيد: عجّل الفتى، ولو لم يعجل لوهبتها له.
(١) الأبيات الثلاثة في البداية والنهاية ٢٣٩/١٠ والأغاني ٢٤٣/٢٢ وقد نسبها لعبد الله بن العجلان النهدي الأول
والثاني من أربعة أبيات.
(٢) صدره في الأغاني: ومرّا عليها بارك الله فيكما.

٣٢٠
[١٠٠١٣] هارون الرشيد بن محمد المهدي
قال عمار بن كثير الواسطي(١):
سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس أشد علي موتاً من هارون أمير المؤمنين،
فلوددت أن الله زاد من عمري في عمره، فكبر ذلك علينا. فلما مات هارون، وظهرت تلك
الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس على [أن](٢) القرآن مخلوق، قلنا: الشيخ كان أعلم
بما تكلم به.
قال إسماعيل بن فروخ:
أنشدنا أمير المؤمنين الرشيد لنفسه، وقد صعب عليه الصعود في عقبة همذان، فقال:
وطول هم بإدبارٍ وإقبالٍ
حتى متى أنا في حل وترحال
عن الأحبة لا يدرون ما حالي
ونازحُ الدارِ ما ينفكّ مغترباً
لا يخطر الموتُ من حرصي على بالي
إن القنوع الغنى لا كثرة المالٍ
بمشرقِ الأرضِ طوراً ثم مغربها
ولو قنعتُ أتاني الرزقُ في دَعةٍ
قال زكريا بن سعد الوصيف(٣):
ان الرشيد ذات يوم في مقيله إذ رأى في منامه كأن رجلاً وقف على باب مجلسه،
فضرب بيده إلى عود من الباب ثم أنشأ يقول:
وأقفرَ(٤) منه ربعُه(٥) ومنازله
كأني بهذا القصر قد بادَ أهلُهْ
وملكِ إلى قبر عليه جنادلُه(٨)
وصار عميد(٦) القصر(٧) من بعد بهجةٍ
-------
(١) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٢/١٤ من طريق أحمد بن عبد الله بن الحسين بن إسماعيل
المحاملي، أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا
عثمان بن كثير الواسطي، وذكره. والخبر في سير الأعلام ٢٨٩/٩ وفيه عمار بن ليث.
(٢) زيادة عن تاريخ بغداد.
(٣) خبر الرؤيا في مروج الذهب ٣٩٥/٣ ونسبت فيه إلى المهدي، وخبر الرؤيا في البداية والنهاية ١٣٦/١٠ ونسبها
إلى المنصور، ثم أعادها في صفحة ١٦٦ ونسبها إلى المهدي. ورواها الطبري في تاريخه ١٢/١٠ والكامل لابن:
الأثير ٦/ ٨١ وتاريخ اليعقوبي ٤٠٢/٢.
(٤) في مروج الذهب: وأوحش.
(٥) في البداية والنهاية ١٣٦/١٠ أهله.
(٦) في البداية والنهاية ١٣٦/١٠ رئيس.
(٧) في مروج الذهب: القوم.
(٨) في البداية والنهاية: إلى جدث يبني عليه جنادله.
----- -
--