Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد أمير المؤمنين، ما في بصري سوء، ولكنني نزهتك من عذاب الله، قال النبي وَالر: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار))[١٤١٥٧] فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. قال يزيد المهلبي(١): قال لي المتوكل يوماً: يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تتصعب(٢) على الرعية لتطيعها(٣)، وأنا أليّن لهم ليحبّوني فيطيعوني . قال عبد الأعلى بن حماد الزينبي (٤) (٥): قدمت على المتوكل بسرّ من رأى، فدخلت عليه يوماً فقال: يا أبا يحيى [ما أبطأك عنا، منذ ثلاث لم نرك،](٦) قد كنا هممنا لك بأمر فتدافعت الأيام به، فقلت: يا أمير المؤمنين، سمعت مسلم بن خالد المكي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة وأنشدته: إن اهْتِمامَكَ بِالمَعْرُوفِ مَعْرُوفُ لأَشْكُرَنَّك معروفاً هَمَمْتَ بهِ فالشَّيْءُ(٨) بالقَدَرِ المحتومِ مَصْرُوفُ ولا أَذُمُكَ(٧) إنْ لم يُمضِهِ قَدَرٌ فجذب الدواةَ فكتبها. ثم قال: ننجز لأبي يحيى ما كنا هممنا له به، وهو كذا ونُضعِف لخبره هذا(٩). دخل(١٠) علي بن الجهم على جعفر المتوكل وبيده درتان يقلبهما، فأنشده قصيدته التي يقول فيها : (١) الخبر رواه السيوطي في تاريخ الخلفاء ص٤١٣ نقلاً عن ابن عساكر. وسير الأعلام٣٢/١٢٠ وفوات الوفيات ١/ ٢٩١. (٢) في تاريخ الخلفاء: تتعصب. (٣) في فوات الوفيات: كانت تغضب على الرعية لتطيعها. (٤) كذا في مختصر ابن منظور، وفي تاريخ الخلفاء: النرسي. (٥) الخبر والشعر في تاريخ الخلفاء ص ٤١٣ نقلاً عن ابن عساكر. (٦) الزيادة بين معكوفتين عن تاريخ الخلفاء. (٧) تاريخ الخلفاء: ألومك. (٨) تاريخ الخلفاء: فالرزق. (٩) في تاريخ الخلفاء: فأمر لي بألف دينار. (١٠) الخبر والشعر في تاريخ بغداد ١٦٧/٧ من طريق محمد بن علي بن الشاه التميمي حدثنا أحمد بن عبد اللّه = ١٦٢ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد وإذا مَرَرْتَ ببئرِ عُزْ وَةَ فَاسْقِنِي مِنْ مَائِها قال: فدحا بالدرة التي في يمينه فقبلتها(١)، فقال لي: تستنقص بها! وهي والله خير من مئة ألف. قلت: لا والله، ما استنقصت، ولكن فكرت في أبيات أعملها آخذ التي في يسارك. فقال لي: قل، فأنشأت أقول: تَغْرُفُ مِنْ بَحرِهِ البحارُ بِسُرَّ مَنْ رَا إِمامُ(٢) عَذْلٍ(٣) ونـ جَنَّةٌ كَأنَّهُ يُرْجى ويُخْشَى لكلِّ خَطْبٍ ما اختْلَفَ الليلُ والنَّهارُ المُلْكُ فيه وفي بنيه (٤) عَلَيْهِ كِلْتَاهُما تَغَارُ يَدَاهُ في الجُوْدِ ضَرَّتَانِ(٥) إلا أتَتْ مِثْلَهُ اليَسَارُ لَمْ تَأْتِ منهُ اليمينُ شَيئاً قال: فدحا بالتي في يساره وقال: خذها لا بارك الله لك فيها. وقد رويت هذه الأبيات للبحتري في المتوكل. قال الفتح بن خاقان(٦): دخلت يوماً على المتوكل فرأيته مطرقاً يتفكر(٧) فقلت: ما هذا الفكر يا أمير المؤمنين! فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشاً ولا أنعم منك بالاً. فقال: يا فتح، أطيبُ عيشاً مني رجلٌ له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدریه . قال(٨) المتوكل لعلي بن الجهم وكان يأنس به ولا يكتمه شيئاً من أمره: يا علي، إني العبسي الناقد - بمصر - حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق قال: حدثني الأعثم. وذكره (الصواب: الأعسم). = ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ٣٦٦/٧ من طريق أبي بكر الخطيب والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص٤٠٩ - ٤١٠ وسير الأعلام ١٢/ ٣٢. (١) كذا في مختصر ابن منظور، وفي تاريخ بغداد: فقلبتها. (٢) تاريخ بغداد: أمير. (٣) سقطت اللفظة من البداية والنهاية. (٤) تاريخ بغداد: أبيه. (٥) تاريخ بغداد: درتان. (٦) الخبر رواه السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ٤١٣ نقلاً عن ابن عساكر. ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ٣٦٧/٧. (٧) في تاريخ الخلفاء: متفكراً، وفي البداية والنهاية: مطرق مفكر. (٨) الخبر والشعر باختلاف الرواية في الأغاني ٢٠٠/٢٢ -٢٠١ .. ١٦٣ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد دخلت على قبيحة(١) الساعة فوجدتها قد كتبت على خدها بغالية(٢) ((جعفر))، فوالله ما رأيت شيئاً أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذلك الخدّ، فقل في هذا شيئاً. قال: وكانت محبوبة(٣) جالسة من وراء الستارة تسمع الكلام، قال: إذا دُعي لعلي بالدواة والدرج، وأخذ يفكر، قالت على البديهية(٤). بنَفْسي محطّ المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أثّرا وكاتبةٍ بالمِسْكِ في الخَدِّ جَعْفَرا لقد أُوْدَعَتْ قَلْبِي مَنْ الحُبِّ(٦) أسْطُرًا لَئِنْ كَتَبَتْ(٥) في الخدِّ سَطْراً بِكَفْها مطيعٍ لهُ فيما أَسَرَّ وأظْهَرا فيا مَنْ لِمَمْلُوكٍ لملك يَمِيْنِهِ سقى الله من سُقيا ثَنَايَاكِ جَعْفَرا ويا مَنْ مُنَاهَا في السَّرِيْرَةِ جَعفَرٌ وبقي علي بن الجهم واجماً لا ينطق بحرف، وأمر المتوكل عريباً فغنت في هذا الشعر. وفي رواية أخرى : أن المتوكل لما رآها أنشد هو هذه الأبيات(٧): قال علي بن الجهم(٨): لما أفضت الخلافة إلى المتوكل على الله أهدى إليه عبد الله بن طاهر من خراسان جواري(٩)، فكانت فيهن جارية يقال لها محبوبة، وكانت قد نشأت في الطائف، وكان لها (١) اسم زوجته، وأم ولده المعتز، وكان المتوكل مشغوفاً بها ولا يصبر عنها. (٢) الغالية: أخلاط من الطيب. (٣) محبوبة شاعرة، مولدة من مولدات البصرة، وكانت أجمل من فضل وأعف، انظر أخبارها في الأغاني ٢٢/ ٢٠٠. (٤) الأبيات نسبها هنا أبو الفرج إلى محبوبة ٢٢/ ٢٠٠ - ٢٠١ ونسبها إلى فضل الشاعرة في ٣١٠/١٩ -٣١١ وكانت فضل مولدة من مولدات البصرة، وأمها من مولدات اليمامة، ونشأت في دار رجل من عبد القيس وكانت أديبة فصيحة سريعة البديهة مطبوعة في قول الشعر، ولم يكن في نساء زمانها أشعر منها الأغاني ١٩/ ٣٠١. (٥) الأغاني ٣١١/١٩ أثرت. (٦) الأغاني ٣١١/١٩ الحزن. (٧) انظر البداية والنهاية ٧/ ٣٦٦ وتاريخ الخلفاء ص ٤١٠. (٨) الخبر والشعر في الأغاني ٢٢/ ٢٠٢ من طريق جعفر بن قدامة قال: حدثني ملاوي الهيثمي قال: قال لي علي بن الجهم، فذكره. ورواه مختصراً السيوطي في تاريخ الخلفاء ص٤١٤ نقلاً عن ابن عساكر. (٩) كذا. ١٦٤ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد مولى مغرى بالأدب، وكانت قد أخذت عنه ورورت الأشعار، وكان المتوكل بها معجباً، فغضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها، فكانت في حجرتها لا يكلمها أحد أياماً، فرأته في المنام كأنه قد صالحها. قال علي: فلما أصبح دخلتُ عليه فقال: يا علي، أشعرت أنّي رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني! فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين، إذاً يقوّ الله عينك، ويسرّك، فوالله إنا لفيما نحن فيه من حديثها، إذ جاءت وصيفة لأمير المؤمنين فقالت: يا سيدي، سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال أمير المؤمنين: قم بنا يا علي ننظر ما هذا الأمر! فنهضنا حتى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب بالعود وتقول: أَشْكُو إليه ولا يُكَلِّمني أَدُور في القصرِ لا أرى أحداً لَيْسَتْ لها توبةٌ تُخَلِّصُني حتى كأنّي أتيتُ(١) مَعْصِيَةٌ قَدْ رآني(٣) في الكرى فَصَالَحَني فَهَلْ شَفِيعٌ لنا(٢) إلى مَلِكِ عَادَ إلى هَجْرِهٍ فصارَمَني حتّى إذا ما الصَّباحُ لاحَ لنا قال: فصاح أمير المؤمنين وصُحت معه، فسمعتْ فتلقت أمير المؤمنين، وأكبت على رجليه تقبلهما فقالت: يا سيدي، رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني. فقال: وأنا والله قد رأيتك، فردّها إلى مرتبتها كأحسن ما كانت. فلما كان من أمر المتوكل ما كان (٤)، تفرقن وصِرن إلى القوّاد، ونسين أمير المؤمنين، فصارت محبوبة إلى وصيف الكبير، فما كان لباسها إلا البياض، وكانت تنتحب وتشهق، إلى أن جلس وصيف يوماً للشرب، وجلس جواري المتوكل يغنينه، فما بقيت منهن واحدة إلاّ تغنت غَيْرِها. فقالت: إن رأى الأمير أن يعفيني فأبى. فقال لها الجواري: لو كان في الحزن فرج لحزنا معك. وجيء بالعود فوضع في حجرها فأنشأت تقول: جَعْفَرا لا أرى فيْهِ : أيُّ عَيْشِ يَطيبُ(٥) لي (١) الأغاني: ركبت. (٢) الأغاني: فهل لنا شافع. (٣) الأغاني وتاريخ الخلفاء: زارني. :٠ (٤) يعني لما قتل، والخبر والشعر في الأغاني ٢٠١/٢٢ - ٢٠٢ وتاريخ الخلفاء ص ٤١١ وسير الأعلام ٤٠/١٢ - ٤١. (٥) تاريخ الخلفاء وسير الأعلام: يلذ. ١٦٥ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد ـي جَرِيْحَا(١) مُعَفَّرًا(٢) عَيْـ ملكٌ قَدْ رَأَتْهُ هُيا كُلُّ مَنْ كانَ ذا وسقم فَقَدْ بَرَا م غيرَ محبوبةَ التي لَو ترى الموتَ يُشْترى لا شْتَرَتْه ـهُ جَميعاً (٣) لِتُقْبَرَا حَوَثْـ بمَا فاشتد ذلك على وصيف . وفي رواية : فهمّ بقتلها، فاستوهبها منه بُغا وكان حاضراً. وفي هذه الرواية : فأمر بإخراجها فصارت إلى قبيحة، ولبست الصوف، وأخذت ترثيه وتبكيه حتى ماتت. قال(٤) عمرو بن شيبان الحلبي(٥): رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل فيما يرى النائم حين أخذت مضجعي كأن آتياً أتاني فقال: أفضْ دُموعك يا عمرو بن شيبانٍ يا نائمَ العينِ في أوطارِ جُثْمانِ بالهاشِمِيِّ وبالفتحِ بنِ خافَانِ أما ترى الفتية الأرجاسَ ما فعلُوا أهلُ السَّمواتُ مِنْ مَثْنَى وَوُحْدَانِ وافى إلى الله مَظْلُوماً فَضَجَّ لهُ تَوَقَّعُوها لها شَأْن مِنَ الشَّانِ وَسَوْفَ تأتيكُمُ أُخْرَى مُسومةً فقدْ بكاهُ جميعُ الإنْسِ والجَانِ فانْكُوا على جَعْفَرِ وازْتُوا خلِيْفَتَكُمْ (١) الأغاني: قتيلا، وفي سير الأعلام وتاريخ الخلفاء: في نجيح. (٢) معفرا: ممرغاً في التراب، أو مضروباً به الأرض. (٣) تاريخ الخلفاء وسير الأعلام: يداها، وروايته في الأغاني :.. لاشــــه بملكها كل هذا لتقبرا (٤) الخبر والشعر في تاريخ بغداد ٧/ ١٧١ من طريق محمد بن أحمد بن رزق حدثنا محمد بن يوسف بن حمدان الهمذاني حدثنا أبو علي الحسن بن يزيد الدقاق حدثنا عبد العزيز بن محمد الحارثي حدثنا عمر بن عبد لله الأسدي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن الجلاء قال قال لي عمرو بن شيبان الحلبي، وذكره. وتاريخ الخلفاء ص٤١٥ والبداية والنهاية ٧/ ٣٦٧. (٥) في تاريخ الخلفاء: الجهني. ١٦٦ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد قال: فأصبحتُ فإذا الناس يخبرونَ أن جعفراً المتوكل قد قتل في هذه الليلة. قال أبو عبد الله: ثم رأيت المتوكل بعد هذا بأشهر كأنه بين يدي الله تعالى، فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بالقليل من السُّنَّة تمسكت بها. قلت: فما تصنع ها هنا؟ قال: أنتظر محمداً ابني(١)، أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم. حدث إسماعيل بن داود: أن المتوكل وصف له سيف بمصر، فأنفذ رسولاً قاصداً في طلبه، وكتب له إلى عامل مصر، فلما وصل إليه سأله عن السيف فأخبر أن السيف بدمشق، فركب الرسول إلى دمشق وسأل عن السيف، فأخبر أنه صار إلى الحجاز، فعاد الرسول إلى المتوكل فأخبره بذلك، فأنفذ رسولاً إلى الحجاز بكتابه إلى عامله بها، فبحث عن السيف فأخرج إليه، فأخذه، ومضى به إلى المتوكل وهو بسر من رأى. فلما رآه المتوكل لم يعجب به ورآه وحشاً واستزرام وتصفح وجوه الغلمان الذين حوله فرأى غلاماً تركياً يقال له ياغر وكان سمجاً، فقال له: أنت وحش وهذا السيف وحش فخذه، فلما صار عنده ومضت مدة دخل ياغر في ليلة من الليالي بالسيف فقتل به المتوكل، وكان من أمره ما كان به. بويع جعفر المتوكل في ذي الحجة(٢) سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وقتل ليلة الأربعاء لأربع(٣) خَلَون من شوال سنة سبع وأربعين ومئتين، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر ويوماً واحداً(٤)، وأمه أم ولد تركية يقال لها شجاع، وكنيته أبو الفضل، وصلى عليه المنتصر، وكان عمره أربعين(٥) سنة، ومولده سنة سبع ومئتين. قال أبو أيوب جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: أخبرني بعض الزمازمة الذين يحفظون زمزم قال(٦): (١) يعني محمداً المنتصر، حيث إنه تمالا وجماعة من الأمراء على قتل أبيه، فقتلوه، وبويع له بالخلافة في الليلة التي قتل فيها، وفي صباح اليوم التالي أخذت له البيعة من العامة. (٢) في وفيات الأعيان: لست بقين من ذي الحجة. (٣) تاريخ بغداد ١٧٢/٧، وفي وفيات الأعيان ٣٥٠/١ لثلاث. (٤) في وفيات الأعيان: وتسعة أيام، وفي تاريخ بغداد: وعشرة أشهر وثلاثة أيام. (٥) في وفيات الأعيان: إحدى وأربعون سنة. (٦) الخبر في تاريخ بغداد ١٧٢/٧. ١٦٧ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد غارت زمزم ليلة من الليالي، فأرخناها فجاءنا الخبر أنها كانت الليلة التي قتل فيها جعفر المتوكل. كان يزيد بن محمد المهلبي من ندماء المتوكل، فلما قتل قال يزيد: ضُعْتُم وضَيَّعْتُم ما كانَ يُعْتَقَدُ لما اعْتَقَدتُم أناساً لا حِفاظَ لهمْ حَمَتَكُمُ الذَّادةُ المنسوبةُ الحسد ولو جَعَلْتُم على الأحرَارِ نِعْمَتَكُم والمجدُ والدينُ والإسلامُ والبلدُ قومٌ همُ الجِذمُ والأرحامُ تجمعكم على الهوان وإنْ أكرمْتَهمْ فَسَدُوا إنَّ العبيدَ إذا ذَلَّلْتَهُمْ صَلَحُوا ما عندَ عَبْدٍ لمن يرجوهُ محتَملٌ ولا على العبدِ عندَ الخوف معتَمدُ لا يثبتُ البيت حتى يثبتَ الوتِدُ فاجعلْ عَبِيْدَكَ أوتاداً تشحجها [في سنة أربع وثلاثين [ومئتين] استقدم [المتوكل] المحدثين إلى سامرا وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم أن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية .. وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له. وفي سنة خمس وثلاثين [ومئتين] ألزم المتوكل النصارى بلبس الغل(١). وفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخرّب، ويقي صحراء. وكان المتوكل معروفاً بالتعصب، فتألم المسلمون من ذلك. وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاء الشعراء. وفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة أبي بكر محمد ابن الليث وأن يضربه، ويطوف به على حمار، ففعل. قال بعضهم: سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة: منصور بن المهدي، والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر](٢). (١) كذا في تاريخ الخلفاء، وفي سير الأعلام: العسلي، وفي الكامل لابن الأثير: بليس الطيالسة العسلية. وشد الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب وعمل كرتين في مؤخر السروج. (الكامل لابن الأثير ٧/ ٥٢ وانظر البداية والنهاية ٣٢٥/٧). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من تاريخ الخلفاء ص٤٠٦ وما بعدها. ١٦٨ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد [قال السيوطي: ومن أخبار المتوكل: أخرج ابن عساكر: ](١). [عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: دخلت على المتوكل لما توفيت أمه، فقال: يا جعفر، ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته خلطت، وقد قلت: تذكرت لما فرق الدهر بيننا فعذبت نفسي بالنبي محمد فأجازه بعض من حضر المجلس بقوله: وقلت لها: إن المنايا سبيلنا .. فمن لم يمت في يومه مات في غد وأخرج عن أبي العيناء قال: أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل. فقال لها: أشاعرة أنت؟ قالت: هكذا زعم من باعني واشتراني، فقال: أنشدينا شيئاً من شعرك، فأنشدته : وثلاثينا عام ثلاث استقبل الملك إمام الهدى وهو ابن سبع بعد عشرينا خلافة أفضت إلى جعفر أن تملك الملك ثمانينا إنا لنرجو يا إمام الهدى عند دعائي لك: آمينا لا قدس الله امرءاً لم يقل وأخرج عن علي [بن الجهم] أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة، ويهجو ابن أبي دؤاد بقوله: إلى آبائك الغز الحسان أراه فرقتين تخاصمان فأضحى الظلم مجهول المكان على قدر بداهية عيان سوى جسد يخاطب بالمعاني فطاوله ومناه الأماني أطالوا الخوض في خلق القرآن أمير المؤمنين لقد شكرنا رددت الدين فذا بعد أن قد قصمت الظالمين بكل أرض وفي سنة رمت متجبريهم فما أبقت من ابن أبي دؤاد تحير فيه سابور بن سهل إذا أصحابه اصطحبوا بليل وأخرج عن أحمد بن حنبل قال: سهرت ليلة ثم نمت، فرأيت في نومي كأن رجلاً يعرج بي إلى السماء وقائلاً يقول: (١) زيادة للإيضاح. ٠٫٠ ١٦٩ [٩٨٢٧] جعفر بن محمد بن هارون الرشيد ملك يقاد إلى مليك عادل متفضل في العفو ليس بجائر ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد. وقال ابن عساكر: أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي، حدثني جدي أبو محمد، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن دران غندر، حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي، حدثنا أحمد بن الحسن المقرىء البزار، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق، فقالوا: حدثنا علي بن الجهم، قال: كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال، ففقال: إن حسن الشعر لمن الجمال، ثم قال: حدثني المعتصم حدثني المأمون، حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي، حدثنا المنصور، عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله وَللتر جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ، وكان من أجمل الناس، وكان أسمر رقيق اللون، لا بالطويل ولا بالقصير، وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه، وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه. قال علي بن الجهم: وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه، وقال لنا المتوكل: كان للمعتصم جمة، وكذلك للمأمون، والرشيد، والمهدي، والمنصور، ولأبيه محمد، ولجده علي، ولأبيه عبد الله بن عباس](١). [قال ابن كثير](٢): [وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: وحدث عن أبيه المعتصم، ويحيى بن أكثم القاضي. روى عنه علي بن الجهم الشاعر، وهشام بن عمار الدمشقي](٣). [وفي سنة ست [وثلاثين] أحضر القضاة من البلدان ليعقد بولاية العهد لبنيه المنتصر محمد، ثم للمعتز، ثم للمؤيد إبراهيم. وكان المتوكل جواداً ممدحاً لعاباً، وأراد أن يعزل من العهد المنتصر، وأن يقدم عليه المعتز لحبه أمه قبيحة، فأبى المنتصر، فغضب أبوه وتهدده، وأغرى به، وانحرفت الأتراك. (١) ما بين معكوفتين زيادة استدركت عن تاريخ الخلفاء ص ٤١٢ وما بعدها نقلاً عن ابن عساكر. (٢) زيادة للإيضاح. (٣) ما بين معكوفتين زيادة استدركت من البداية النهاية ٣٦٦/٧ نقلاً عن ابن عساكر. ١٧٠ [٩٨٢٨] جعفر بن محمد بن قاسم النميري/ [٩٨٣٠] جعفر بن محمد المعرّي عن المتوكل لمصادرته بغا ومصيفاً حتى اغتالوه. حكى المسعودي أن بغا الصغير دعا بباغر التركي فكلمه، وقال: قد صح عندي أن المنتصر عامل على قتلي، فاقتله. قال: كيف نقتله والمتوكل باق؟ إذا يقيدكم به. قال: فما الرأي؟ قال: نبدأ به. قال: ويحك وتفعل؟! قال: نعم. قال: فادخل على أثري، فإن قتلته، وإلا فاقتلني وقل: أراد قتل مولاه، فتم التدبير، وقتل المتوكل. قال المسعودي: ونقل في مقتله غير ذلك](١). [٩٨٢٨] جعفر بن محمد بن هشام ابن ملاس بن قاسم النميري حدث عن سَلْم بن ميمون الخواص بسنده عن أبي ثعلبة الخشني قال: نهى رسول الله وَلهول عن قتل النساء والولدان [١٤١٥٨]. [٩٨٢٩] جعفر بن محمد بن يزدين أبو الفضل ابن السوسي سکن مکة، وسمع بدمشق. روى عن كثير بن عبيد بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: (((ما عال مقتصد قط) [١٤١٥٩]. وحدث عن إسحاق الفَرْوي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وعليه : ((إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة))[١٤١٦٠]. [٩٨٣٠] جعفر بن محمد أبو عبد الله المعزّي المغربي حدث بدمشق. ومن شعره مما أنشده بدمشق: وكان ذا علم ورأي وبَصَرْ إذا أرادَ اللّه أمراً بامرىء يأتي بِهِ مكروهُ أشتاتِ القَدَزْ وَحِيْلَةٍ يعملُها في كلِّ ما (١) ما بين معكوفين زيادة استدركت عن سير الأعلام ٣٤/١٢ وما بعدها. ١٧١ [٩٨٣١] جعفر بن محمود أبو الفضل الأسكافي وسَلَّهُ مِنْ رأيهِ سَلَّ الشَعَرْ أغراهُ بالجهلِ وأعمى قلبَهُ رُدَّ عَلَيْهِ عقلُهُ لِيَعْتَبِزْ حتى إذا أَنْفَذَ فِيْهِ حُكمَهُ [٩٨٣١] جعفر بن محمود الكاتب [أبو الفضل الأسكافي] قدم دمشق صحبة المتوكل، واستوزره المستعين سنة ثمان وأربعين ومئتين، ثم استوزره المعتز بالله. ولما عزل من الوزارة واستوزر بعده عيسى(١) بن فرخان شاه أنشد محمد بن غياث لنفسه : زِلْتَ فَزَالَ الجَوْرُ والمُشْكَرُ في غير حِفْظ الله يا جعفرُ بَاعُكَ عَمَّا دُونَهُ يَقصُرُ بَلَغْتَ أَمْراً لَسْتَ مِن أَهْلِهِ حِيْناً فأَبْدَى عَيْبَهُ المِنْشَرُ كُنْتَ كَثَوْبٍ زَانَه ◌َطَيُّهُ بأَمرِهِ ليسَ لَهُ مَخْبَرُ ما يَنْفَعُ المَنْظَرُ مِنْ جاهلٍ يُخصّ بالعُربِ ويُستَوزَرُ بَل مثلُ عيسى لا انقضى عمرُه بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ يَفْخَرُ حِلْمٌ وَعِلْمْ ثاقِبْ زَنْدُهُ وأَنْتَ مَنْسيِّ فما تُذكرُ تَذْكُرُهُ الأشعارُ إن أُنشدتْ توفي جعفر بن محمود في سنة ثمان وستین ومثتین. [ولي الوزارة للمعتز حين خرج المستعين إلى بغداد، ولم يكن للوزير أدب وكان ثقيلاً على قلب المعتز وكان يصبر عليه لميل الأتراك إليه، وكان وزيره أيام الفتنة وبعد أن صحت الخلافة له عزله في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومئتين ونفاه إلى تكريت، وكان جعفر من كبار الشيعة](٢). [كان يستميل القلوب بالمواهب والعطايا، وكان المعتز يكرهه، وكانوا ينسبونه إلى التشيع . [٩٨٣١] ترجمته في تاريخ الطبري ٣٨٧/٩ و٣٨٨ والكامل لابن الأثير ٢١٦/٧ والوافي بالوفيات ١٥٢/١١ والفخري ص٢٤٥ و٢٤٧ ومروج الذهب ١٩٣/٤ وسماه جعفر بن محمد. وما في الحاصرتين زيادة للإيضاح عن الوافي بالوفيات ١١/ ١٥٣. (١) انظر أخباره في الفخري ص٢٤٤. (٢) ما بين معكوفتين زيادة عن الوافي بالوفيات ١٥٣/١١. ١٧٢ [٩٨٣٢] جعفر بن موسى/ [٩٨٣٣] جعفر بن ميسر بن يغنم ولما بويع [المهتدي بالله] بالخلافة أقر جعفر بن محمود الإسكافي على وزارته ثم عزله واستوزر سليمان بن وهب](١). [٩٨٣٢] جعفر بن موسى حدث بدمشق عن عبد الرحمن بن خالد بن نُجيح المصري بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالآن : ((من أراد هوان قريش أهانه الله)) . [٩٨٣٣] جعفر بن ميسّر بن يغنم، أبو محمد أنشد أبو محمد جعفر بن ميسّر بن يَغْنَم بصيدا لمحمد بن عمر الأنباري يرثي نصير الدولة أبا طاهر بن بقية(٢) وزير عز الدولة بختيار (٣)، حين صلبه عضد الدولة (٤) ببغداد سنة تسع وأربع مئة(٥): عُلُوّ في الحياةِ وفي المماتِ كأنّ الناسَ حولَكَ حين قامُوا كأنَّكَ قائمٌ فيهمْ خَطِيْباً مَدَدْتَ يَدَيْكَ نحوهُمُ اقتفاء(٦) وَلَمّا ضَاقَ بَطْنُ الأَرْضِ عَنْ أَنْ أَصَارُوا الجَوَّ قَبْرَكَ واستنابُوا لِعُظْمِكَ في النُّفُوسِ تَبيتُ تُرعَى. وَتُشعِلُ حَوْلَكَ(٧) الثِّيرانُ لَيْلاً. بحقِ أنتَ إحدى المُعْجزاتِ وفودُ نداكَ أيْامَ الصِّلاتِ وَكُلُّهِمُ قِيَامٌ لِلصَّلاةِ كَمَدِهِمَا إليْهِمْ بِبِالْهِبَاتِ تَضُمُّ عُلاَكَ مِنْ بَعْدِ المَمَاتِ عَنِ الأَكْفَانِ ثَوْبَ السَّافِيَاتِ بِحُفّاظِ وَحُرَّاسِ ثِقَاتٍ كَذَلكَ كُنتَ أيامَ الحَياةِ (١) ما بين معكوفتين زيادة عن الفخري ص٢٤٤ و٢٤٧. (٢) هو أبو طاهر محمد بن محمد بن بقية نصير الدولة، الوزير، وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه. انظر أخباره في الكامل لابن الأثير (ج٨) الفهارس، وتجارب الأمم (٢) الفهارس، وشذرات الذهب ٦٣/٣. (٣) أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة بن معز الدولة بن بويه الديلمي انظر أخباره في وفيات الأعيان ١/ ٢٦٧. (٤) هو فناخسرو بن حسن بن بويه، أبو شجاع عضد الدولة، ترجمته في سير الأعلام ٢٤٩/١٦. (٥) الأبيات في وفيات الأعيان ٥/ ١٢٠ - ١٢١ رثاه بها أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد، وبعضها في الكامل لابن الأثير ٤٢٧/٥ والبداية والنهاية ٤٤/٨ (حوادث سنة ٣٦٧). (٦) وفيات الأعيان: احتفاء. (٧) وفيات الأعيان: عندك .. ١٧٣ [٩٨٣٣] جعفر بن ميسر بن یغنم ولم أرَ قبلَ جذعِكَ قطُّ جذعَاً أسأتَ إلى النوائِب فاسْتَثارتْ وكنتَ تُجيرُ مِنْ صرفِ اللّيالي وَصَيَّر دهرُكَ الإِحسانَ فِيْه ركبْتَ مطيةً مِنْ قبلُ زيدٌ(١) وتلكَ فضيلةٌ فيها تأسِّ وكنْتُ لمعشرٍ سغداً فلما غليلي(٣) باطن لك في نُؤادِي ولو أنّي قَدَرْتُ على قيامي ملأتُ الأرضَ مِنْ نظم المراثي (٥) ولكني أُصَبِّرُ عنَكَ نفسِي ومالَك تربةً فأقولُ تُسقى عَلَيْكَ تحيّة الرحمنِ تَخْرى تَمكَنَّ من عِنَاقِ المكرماتِ فأنْتَ قتيلُ ثأرِ الثَّائِباتِ فَعَادَ مُطالباً لكَ بِالشِّراتِ إلينا مِنْ عظيمِ السَّيِّئَاتِ عَلاها في السنينَ الذاهباتِ تُباعِدُ عنكَ أسبابَ الدناتِ(٢) مَضَيتَ تَمَزّقُوا بالمُنْحِساتِ يُخفّفُ بالدُّمُوعِ الجارِياتِ بِفْرَضِكَ(٤) والحقوقِ الواجباتِ ونُختُ بها خِلافَ النائحاتِ مخافةَ أن أُعدَّ من الجُناةِ لأنَّك نُصْبُ هَطْلِ الهاطلاتِ بِرَحْمَاتٍ روائحَ غاديات(٦) ولما أمر عضد الدولة بقتل الوزير محمد بن بقية وصلبه بمدينة السلام في سنة سبع [وستين](٧) وثلاث مئة كان له صديق يعرف بأبي الحسن(٨) الأنباري، فرثاه بهذه الأبيات، فكتبها ورمى بها في شوارع بغداد، فتداولها الأدباء إلى أن اتصل الخبر بعضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه، فقال: عليّ بهذا الرجل فطُلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب إسماعيل بن عباد بالري فكتب له الأمان. فلما سمع بذكر (١) يعني زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رض)، لما قتل وصلب أيام هشام بن عبد الملك (انظر الكامل لابن الأثير ٤٢٧/٥). (٢) وفيات الأعيان: تباعد عنك تعيير العداة . (٣) وفيات الأعيان: غليل. (٤) وفيات الأعيان: قيام لفرضك. (٥) وفيات الأعيان: القوافي. (٦) وفيات الأعيان: برحمات غواد رائحات. (٧) سقطت من مختصر ابن منظور. (٨) وكذا في وفيات الأعيان، والذي في الكامل لابن الأثير والبداية والنهاية: أبي الحسين الأنباري. ١٧٤ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي الأمان قصد حضرته فقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: نعم. قال: أنشدنيها. فلما أنشده : ... ولم أَرَ قَبْلَ جِذْعِكَ قطُ جِذْعاً تَمَكَّنَ مِنْ عِنَاقِ المَكْرُمَاتِ قام الصاحب فعانقه وقبل فاه، وأنفذه إلى حضرة عضد الدولة. فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرئية عدوّي؟ فقال: حقوق سلَفت وأيادٍ مضت، فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فقال: هل يحضُرك شيء في الشموع؟ - والشموع تزهر بين يديه - فأنشأ يقول(١): من النّاز في كلِّ رأسٍ سِنَانا كأنَّ الشموعَ وقذْ أَظْهَرتْ تَضَرَّعُ تطلُبُ منكَ الأمَانَا أصابعُ أعدائِكَ الخائفينَ فلما أنشده هذين البيتين خلع عليه، وحمله على فرس وأعطاه بدرة(٢). وكان جعفر هذا أديباً فاضلاً، وصدراً كاملاً، رثاه القاصّ أبو الحسن بن هندي بقصيدة غراء عِدَّتها ثلاثة وتسعون بيتاً منها: فلسانُهُ مِنْ وصفه لا يفترُ يا مَنْ كأنَّ الدهرَ يعشقُ ذكرَهُ كلِّ يموتُ وليسَ كلِّ يُذكّرُ بأبي ثَرَاكَ وما تضمنَهُ الثَّرى [٩٨٣٤] جعفر بن یحیی بن خالد بن برمك أبو الفضل البرمكي وزير الرشيد هارون، ولاه هارون دمشق وقدمها سنة ثمانين ومئة. حدث عن أبيه يحيى بسنده إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله وَله : ((إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السِّين فيه))[١٤١٦١]. (١) البيتان في وفيات الأعيان ٥/ ١٢٢ نقلاً عن ابن عساكر. (٢) البدرة كيس فيه ألف أو عشرة آلاف (انظر اللسان وتاج العروس: بدر). [٩٨٣٤] انظر ترجمته وأخباره في تاريخ الطبري (الفهارس العامة) والعقد الفريد ٥٣/٥ وتاريخ بغداد ١٥٢٠/٧ والكامل لابن الأثير (الفهارس) والبداية والنهاية (الفهارس) وفيات الأعيان ٣٢٨/١ الوزراء والكتاب للجهشیاري ٢٠٤ والوافي بالوفيات ١٥٦/١١ والفخري ص٢٠٥ - ٢١٠ ومروج الذهب (الفهارس) المحبر ص٤٨٧ وتاريخ خليفة (الفهارس) والنجوم الزاهرة ١٢٣/٢ والعبر ٢٩٨/١ وسير الأعلام ٩/ ٥٩ وشذرات الذهب ٠٠٣١١/١. .! ١٧٥ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي وقال جعفر بن يحيى البرمكي لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، قال لي أبي يحيى(١): إذا أقبلت الدنيا عليك فأعط، فإنها لا تفنى (٢)، وإذا أدبرت عنك فأعط، فإنها لا تبقى. قال جعفر: وأنشدنا أبي (٣): لا تبخلنَّ بدنيا وهي مقبلةٌ فليسَ يُنْقِصُها التبذيرُ والسَرَفُ فالحمدُ منها إذا ما أدبرتْ خَلَفُ فإن تولَّتْ فأحرى أنْ تجودَ بها ولما (٤) ثارت العصبية بالشام في سنة ثمانين ومئة وتفاقم أمرها اغتم الرشيد فعقد لجعفر ابن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقبل(٥) بنفسي، فشخَص في جلّة القواد والكُراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم(٦) والمتلصصة منهم، ولم يَدَغْ بها رمحاً ولا قوساً(٧)، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النَّائرة(٨). منصور النمري لما شخص جعفر: [فقال(٩) فهذا أوان الشام تخمد نارها لقد أوقدت بالشام نيران فتنة عليها، خبت شهبانها وشرارها إذا جاش موج البحر من آل برمك وفيه تلاقى صدعها وانجبارها رماها أمير المؤمنين لجعفر (١) الخبر في البداية والنهاية ١٨٨/٧. (٢) في البداية والنهاية: لا تغني. (٣) البيتان في البداية والنهاية ١٨٨/٧. (٤) الخبر رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ١٨٧ نقلاً عن ابن عساكر، والخبر رواه ابن عساكر نقلاً عن تاريخ الطبري ٦٤٢/٤ حوادث سنة ١٨٠. (٥) في تاريخ الطبري: بل أقيك بنفسي. (٦) الزواقيل: اللصوص (القاموس المحيط: زقل). (٧) في تاريخ الطبري: فرساً. (٨) النائرة: الحقد والعداوة. (اللسان). (٩) الذي في البداية والنهاية ٧/ ١٨٧ وقيلت في ذلك أشعار حسان، قد ذكرها ابن عساكر في ترجمة جعفر من تاريخه، وذكر ابن كثير منها أربعة أبيات، ثم قال: وهي قصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا القدر. ونحن نستدرك القصيدة عن تاريخ الطبري ٦٤٢/٤ - ٦٤٣ تأكيداً لكلام ابن كثير أن ابن عساكر أوردها في ترجمة یحیی . ١٧٦ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي رماها بميمون النقيبة ماجد تدلت عليهم صخرة برمكية غدوت تزجى غابة في رؤوسها إذا خفقت راياتها وتجرست فقولوا لأهل الشام: لا يسلبنكم فإن أمير المؤمنين بنفسه هو الملك المأمول للبر والتقى وزير أمير المؤمنين وسيفه ومن تطو أسرار الخليفة دونه وفيت فلم تغدر لقوم بذمة طبيب بإحياء الأمور إذا التوت إذا ما ابن يحيى جعفر قصدت له لقد نشأت بالشام منك غمامة فطوبى لأهل الشام يا ويل أمها فإن سالموا كانت غمامة نائل أبوك أبو الأملاك يحيى بن خالد كأين ترى في البرمكيين من ندى غدا بنجوم السعد من حل رحله عذيري من الأقدار هل عزماتها فعين الأسى مطروفة لفراقه [قال أبو بكر الخطيب](١): تراضى به قحطانها ونزارها دموغ لهام الناكئين انحدارها نجوم الثريا والمنايا ثمارها بها الريح هال السامعين انبهارها حجاكم طويلات المنى وقصارها أتاكم وإلا نفسه فخيارها وصولاته لا يستطاع خطارها وصعدته والحرب تدمی شفارها فعندك مأواها وأنت قرارها ولم تدن من حال ينالك عارها من الدهر أعناق فأنت جبارها ملمات خطب لم ترعه كبارها يؤمل جدواها ويخشى دمارها أتاها حياها أو أتاه بوارها وغيث، وإلا فالدماء قطارها: أخو الجود والنعمى الكبار صغارها. ومن سابقات ما يشق غبارها إليك وعزت عصبة أنت جارها مخلفتي عن جعفر واقتسارها ونفسي إليه ما ينام اذكارها] وكان(٢) جعفر بن يحيى من عُلُوّ القدر، ونفاذ الأمر، وعِظَم المحلّ، وجلالة المنزلة عند هارون بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه، ظاهر البِشر. -- -- (١) زيادة للإيضاح. (٢) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٥٢. ١٧٧ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر [وأبين من أن يظهر](١) وكان أيضاً من ذوي الفصاحة واللَّسَن والبلاغة . يقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادةً على ألف توقيع، ونظر في جمعيها فلم يخرج بشيء منها عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمّه إلى أبي يوسف القاضي(٢) حتى علّمه وفقّهه. وغضب الرشيد عليه في آخر عمره فقتله(٣)، ونكب البرامكة لأجله. كان (٤) أبو علقمة الدمشقي(٥) - صاحب الغريب - عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها، فأقبلت خُنْفَساءة إلى أبي علقمة فقال: أليس يقال إن الخُنفساء إذا أقبلت إلى الرجل أصاب خيراً! قالوا: بلى، قال جعفر بن يحيى: يا غلام، أعطه ألف دينار، قال: فنحوها عنه فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار، فأعطاه ألفي دينار. خرج(٦) عبد الملك بن صالح مشيّعاً لجعفر بن يحيى البرمكي، فعرض عليه حاجاته فقال له: قصارى كل مشيّع الرجوع، وأريد أعز الله الأمير أن تكون لي كما قال بطحاء العذري : وكوني على الواشين لدّاء شَغْبَةً فإِنِّيْ على الواشِي أَلَدُّ شَغُوبُ فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل : وإذا الوَاشِي وَشَى يَوْماً بِها نَفَعَ الواشِي بما جَاءَ يَضُرّ(٧) كان(٨) أحمد بن الجُنيد الإسكافي أخصّ الناس بجعفر بن يحيى، فكان الناس (١) الزيادة عن تاريخ بغداد. (٢) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، انظر ترجمته في سير الأعلام ٨/ ٥٣٥. (٣) وكان ذلك في سنة ١٨٧. (٤) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٥٣ من طريق سلامة بن الحسين المقرىء حدثنا علي بن عمر الحافظ القاضي، حدثنا الحسين بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن أبي سعد، حدثني محمد بن عبد الله بن طهمان، حدثني أبي قال: فذكره، والبداية والنهاية ١٨٨/٧. (٥) في تاريخ بغداد: الثقفي. (٦) الخبر في تاريخ بغداد ١٥٣/٧ من طريق محمد بن عمران بن موسى الكاتب حدثنا علي بن سليمان الأخفش. حدثني بعض أصحابنا، فذكره. (٧) لم أجده في ديوانه الذي بين يدي (ط. بيروت صادر). (٨) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٥٣ من طريق الحسن بن علي الجوهري حدثنا محمد بن عمران= . ١٧٨ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، فكثرت رقاع الناس في خف أحمد بن الجنيد، ولم يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر فقال له: قد كثرت رقاع الناس معي وأشغالك كثيرة، وأنت اليوم خالٍ، فإن رأيت أن تنظر فيها. فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم، فصرف دوابه، فلما تغدّوا جاءه بالرقاع، فقال له جعفر: هذا وقت ذا؟! دعنا اليوم، فأمسك عنه أحمد، وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع. فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره(١) الرقاع فقال: نعم، على أن تقيم عندي اليوم، فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول، حتى فعل به ثلاثاً، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة وناما، فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا تعلم أحمد، فذهب الخادم وجاء بالرقاع، فوقّع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها ووكّد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردّها في الخفّ فردّها، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ولم يقل له فيها شيئاً، وانصرف أحمد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياماً، ثم قال لكاتب له: ويلك، هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا - يعني جعفراً - ليس ينظر، فخُذْهَا تصفّحها وجدِّد ما خَلَق منها، فأخذها الكاتب فنظر فيها فوجد الرقاع موقعاً فيها بمال سأل أهلها وأكثر، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، وأنه قضى حاجته ولم يعلمه بها، لئلا يظن أنه اعتدّ بها عليه . حدث مهذب حاجب العباس بن محمد، صاحب قطيعة العباس والعباسة(٢) قال: نالت العباس إضاقة، وكثر غرماؤه والمطالبون له، فأخرج سَفْطاً فيه جوهر، شراؤه ألف ألف درهم، أعده ذخراً لبناته، فحمله إلى جعفر بن يحيى، فتلقاه جعفر وسط الصحن وجلس بين يديه، فقال له العباس: نالني ما ينال الأحرار من الإضاقة، وهذا سفط شراؤه علي ألف ألف درهم، فأمر بعض تجارك أن يقبضه ويقرضني عليه خمس مئة ألف درهم، فإذا وردت الغلة رددتها إليه، وأخذت السفط، قال: أفعل. وختم السفط ودفعه إلى غلام بين يديه، وأوعز إليه بسرار ثم قال: الحاجة توافيك العشية وتتفضل بالغداء عندي ففعل، فقال = المرزباني حدثنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال: سمعت علي بن الحسين بن عبد الأعلى الإسكافي يحدث، فذكره .. (١) كذا، وفي تاريخ بغداد: فذاكره. (٢) الخبر رواه ابن كثير في البداية والنهاية ١٨٨/٧ نقلاً عن ابن عساكر ومختصراً في سير الأعلام ٩/ ٦٢. ١٧٩ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي له: ثيابي لا تصلح على الأمير، وهذه عشرة تخوت(١)، ومهري لين الركوب، ينصرف الأمير عليه، فانصرف وذلك بين يديه، فوجد السفط في بيته ومعه ألف ألف درهم قد وصله بها جعفر . قال مهذب: فما بات وعليه درهم واحد، فقال لي: نبكّرُ غداً على الرجل شاكرين له، فبكّرنا فقيل لنا: هو عند أخيه الفضل، فجئنا إلى دار الفضل فقالوا: هما في دار أمير المؤمنين، فصرنا إلى دار أمير المؤمنين، فدخل مولاي فوجدهما في الصحن لم يؤذن لهما، فقال له جعفر: حدثت أخي بقصتك فأمر أن يحمل لك خازنك ألف ألف درهم، وما أشك أنها في دارك، ونحن نكلم أمير المؤمين أعز الله نصره الساعة في أمرك، فدخلا إلى الخليفة فأمر له بثلاث مئة ألف دينار، فلم يكن في بيت المال منها حاضر إلا مئتي ألف دينار فدفعت إليه، وقيل له اختر أين نُسيب لك بهذا المال؟ قال: إلى مصر، فما كانت إلا أيام حتى أتت السفائح(٢) من مصر. قال إبراهيم الموصلي(٣): حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي وكنت معهم، فلما صِرنا إلى مدينة الرسول وَق قال لي جعفر: انظر لي جارية ولا تتق(٤) غاية في حذاقتها بالغناء والضرب، والكمال في الظرف والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قال: فأرشدت إلى جارية لرجل فدخلت عليه، فرأيت رسوم النعمة، وأخرجها إلي فلم أَرَ أجمل منها ولا أصبحَ ولا آدب. قال: ثم تغنت لي أصواتاً فأجادتها. قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولاً لا أنقص منه درهماً. قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قلت: قد أخذتها وأشترط عليك نظرةً. قال: ذلك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى فقلت: قد أصبت حاجتك، على غاية الكمال، والظرف، والأدب، والجمال، ونقاء اللون، وجودة الضرب، والغناء، وقد (١) تخوت واحدها تخت، وهو وعاء تصان فيه الثياب. (٢) السفائح جمع سفيح، وهو الكساء الغليظ (اللسان). (٣) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ١٥٤ من طريق أبي القاسم الأزهري حدثنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا أبو يعقوب النخعي، حدثنا علي بن زيد - كاتب العباس بن المأمون - حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدثني أبي، فذكره. وانظر البداية ٧/ ١٨٨ وسير الأعلام ٩/ ٦٢. (٤) تاريخ بغداد: تبقى. ١٨٠ [٩٨٣٤] جعفر بن يحيى أبو الفضل البرمكي اشترطت نظرةً، فاحمل المال ومُر بنا، فحملنا المال على حمالين، وجاء جعفر مستخفياً، فدخلنا على الرجل وأخرجها. فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقتُه. ثم غنّته فازداد بها عجباً، فقال لي: اقطع أمرها، فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزناه، فإن قنعت وإلاّ فوجّه إلى من شئت لينتقده(١)، قال: لا بل أقنع بما قلتم، قال: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت! فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك ولذاذتك(٢)، فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكتُ منك ما ملكتَ مني ما بعتك بالدنيا وما فيها. وبعد، فاذكر العهد - وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمناً - قال فتغرغرت عين المولى وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها وأمهرتها داري، فقال جعفر: انهض بنا، قال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال، فقال جعفر: لا والله لا يصحبنا منه درهم، ثم أقبل على مولاها وقال: هو لك مبارك لك فيه أنفقه عليك وعليها! قال: وقمنا فخرجنا. قال الأصمعي : كنت عند جعفر بن يحيى ودخل عليه رجل فقال: أَعِذني أيها الأمير. قال: هو ذاك، صاحب شرطتي على الباب. فقال: أعِذني أيها الأمير. قال: ويحك، ما أعذتك! قال: على الفقر. قال: نعم، يا غلام، أعطه ألف دينار. ولما(٣) غضب على البرامكة وجد في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مئة دينار، على جانبيها مكتوب: يلوحُ على وجهِهِ جعفرُ وأصفَرَ مِن ضربِ دارِ الملوكِ يزيدُ على مئةٍ واحداً متى تعطِه مُغْسِراً يُوسِرُ (١) تاريخ بغداد: لينقد. (٢) تاريخ بغداد: وإرادتك .. (٣) الخبر والبيتان في تاريخ بغداد ٧/ ١٥٥ - ١٥٦ من طريق سلامة بن الحسين المقرىء أخبرنا علي بن عمر الحافظ حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن أحمد بن المبارك العبدي حدثني عبد الله بن علي - أبو محمد - قال، وذكره. والبداية والنهاية ١٨٩/٧ وسير الأعلام ٩/ ٦٣.