Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ [٩٧٣١] إسماعيل بن موسى الفزاري الفزاري الكوفي ابن بنت السُدي، سمعت عبدان الأهوازي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة أو هناد بن السري أنكر علينا ذهابنا إلى إسماعيل هذا، وقال: إيش عملتم (١) عند ذا الفاسق الذي يشتم السلف؟ [قال ابن عدي](٢): وإسماعيل هذا يحدث عن مالك، وشريك وشيوخ الكوفة. وقد أوصل عن مالك حديثين، وقد تفرذ عن شريك بأحاديث، وإنما أنكروا عليه الغلوّ في التشيع، وأما في الرواية فقد احتمله الناس ورووا عنه. [أنبأنا(٣) أبو حفص عمر بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمر قندي - إجازة إِن لم يكن سماعاً - قال: أخبرنا أبو علي بن المسلمة وأبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن فهد قال: أخبرنا أبو الحسن الحمامي قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال(٤): مات أبو محمد إسماعيل بن موسى الفزاري سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان صدوقاً لا يخضب. أنبأنا أبو القاسم بن محمد القاضي، عن أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي، عن أبي محمد التميمي قال: أخبرنا مكي بن محمد بن الغمر قال: أخبرنا أبو سليمان بن زبو قال: قال الحسن بن علي: فيها - يعني سنة خمس وأربعين ومائتين - مات إسماعيل بن موسی ابن بنت السدي. أخبرنا(٥) حسن بن أحمد الأوقي - إِذناً - قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر السلفي قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو الحسن الحربي قال: أخبرنا أبو محمد الصفار قال: أخبرنا عبد الباقي بن قانع قال: سنة ثلاث وأربعين ومائتين - يعني مات فيها - ثم قال بعد ذلك: سنة خمس وأربعين ومائتين(٦)، وقيل ابن بنت الشُّدِّي فيها. (١) الذي في الكامل لابن عدي: علمتم، والمثبت عن تهذيب الكمال. (٢) استدرك الخبر التالي عن الكامل لابن عدي ٣٢٥/١. (٣) الخبر التالي استدرك عن بغية الطالب ١٨٣٦/٤. (٤) تهذيب الكمال ٢٣٧/١. (٥) الخبر التالي عن بغية الطالب ٤/ ١٧٣٧. (٦) ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطىء، وقال: مات سنة خمس وأربعين ومئتين يوم السبت لأربع ليال خلون من شعبان . انظر تهذيب الكمال ٢٣٧/١ وتذكرة الحفاظ ٥٤١/٢. ٣٢٢ [٩٧٣٢] إسماعيل بن أبي موسى/ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي [٩٧٣٢] إسماعيل بن أبي موسى غزا الصائفة مع سليمان بن هشام بن عبد الملك(١)، واجتاز معه في غزاته بناحية حلب، وأخبر عن تلك الغزاة. حكى عنه الوليد بن مسلم. قال(٢) الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن: أنبأنا أبو تراب حيدرة بن أحمد، وأبو محمد هبة الله بن أحمد الأنصاريان قالا: أخبرنا أبو محمد الصوفي قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العَقَب قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم القُرشي قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: وأخبرني إسماعيل بن أبي موسى أنه كان فيمن غزا مع سليمان بن هشام صائفة من تلك الصوائف، فقصد إلى عَمُّورية، فلما دنوا منها نادى مناديه: أيها الناس أظهروا سلاحكم فإنكم ستفضون غداً على عَمْورية، قال: فأصبحنا على ظهر قد أظهرنا السلاح فبينا سليمان في موكبه، وخيول الأجناد على راياتهم ميمنة وميسرة، لم يرعنا إِلا بخيول عمورية، نحو من عشرة آلاف، فشدوا على مَنْ بين يدي سليمان حتى صيّروهم إلى سليمان، فوقف سليمان وثارت الأبطال، فشدوا عليهم حتى هزمهم الله، وتبعناهم نقتلهم حتى أدخلناهم مدينة عَمُورية . [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النِّسَائي أبو فائد [شاعر، مولى بني تيم بن مرة. أصله من سبي فارس، اشتهر بشعوبيته وشدة تعصبه للعجم، يفتخر بهم في شعره على العرب. عاش عمراً طويلاً إلى أن أدرك آخر أيام بني أمية ولم يدرك الدولة العباسية](٣). [٩٧٣٢] استدركت ترجمته بكاملها عن بغية الطلب ١٨٤٩/٤. (١) سليمان بن هشام بن عبد الملك يكنى أبا الغمر، قتله أبو العباس السفاح انظر جمهرة ابن حزم ص٩٢ ونسب قريس للمصعب ص١٦٨ وانظر أخباره في تاريخ خليفة بن خياط (الفهارس). (٢) الخبر التالي رواه ابن العديم في بغية الطلب ١٩٨/٤ نقلاً عن المصنف أبي القاسم ابن عساكر. [٩٧٣٣] استدركت ترجمته عن الأغاني ٤٠٨/٤ وما بعدها، والأعلام للزركلي ٣٢٩/١. والنسائي: نسبة إلى النساء . أ. الذي هو من أسماء جموع المرأة. قال القالي: النساء جمع امرأة وليس لها واحد من لفظها، وكذلك المرأة لا جمع لها من لفظها، ولذلك قال سيبويه في النسبة إلى نساء: نسوي فرده إلى واحدةٍ. (تاج العروس: نسو). (٣) ما بين معكوفتين استدرك عن الأعلام للزركلي ٣٢٩/١. ٣٢٣ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي [حدّثني(١) عمِّي قال حدّثني أحمد بن أبي خَيْثَمَة قال: حدّثنا مُصْعَب بن عبد اللّه الزُّبيْريّ قال : كان إسماعيل بن يَسَارِ النِّسَائِيّ مولَى بني تَيْم بن مُرّةَ: تيم قريش، وكان منقطعاً إلى آل الزُّبَيرِ. فلمّا أفضتِ الخلافةُ إلى عبد الملك بن مَرْوانَ، وَفَد إليه مع عُرْوةً بن الزُّبَير، ومدَحه ومَدَح الخلفاءَ من ولده بعده. وعاش عمراً طويلاً إلى أن أدرك آخرَ سُلْطان بني أمَيّة، ولم يُدْرِكِ الدولةَ العبّاسيّة. وكان طَيِّياً مليحاً مُنْدِراً(٢) بَطّالاً(٣)، مليحَ الشّعْر، وكان كالمنقطع إلى عُرْوةً بن الزُّبَير، وإِنَّما سُمِّي إسماعيلُ بن يَسَارِ النِّسائيَّ، لأنّ أباه كان يصنَع طعام العُرْس ويبيعه، فيشتريه منه مَنْ أراد التعريس من المتجملين، وممن لم تبلُغ حالُه اصطناعَ ذلك. وأخبرني الأَسَديّ قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن صالح بن النّطّاح قال: إنما سُمِّي إسماعيلُ بن يسار النِّسائِيَّ لأنه كانَ يبيع النَّجْدَ والفُرُشَ التي تُتَّخَذُ للعرائس؛ فقيل إسماعيل بن يَسَارِ النِّسَائِيّ. وأخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال: حدّثنا الخليلُ بن أسَدٍ عن ابن عائشة: أنّ إسماعيلَ بن يسار النّسائيّ إنّما لُقِّب بذلك، لأنّ أباه كان يكون عنده طعامُ العُرُسات (٤) مُصْلَحاً أبداً؛ فَمْن طَرَقَه وجده عنده مُعَدّاً. أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا أحمد بن يحيى ثَعْلَب قال: حدثني الزُّبَيْر بن بَكَّار قال: قال مُصْعَب بن عثمان: لمّا خرج عُزوةُ بن الزُّبَير إلى الشام يُريد الوليد بن عبد الملك، أخرج معه إسماعيلَ بن يسار النِّسائيّ، وكان منقطعاً إلى آل الزُّبَير، فعادَلَه(٥). فقال عُزوةُ ليلةً من اللّيالي لبعضٍ غِلْمانه: أُنْظُرْ كيف ترى المَحْمِل؟ قال: أراه معتدلاً. قال إسماعيل: الله أكبر، ما (١) الأخبار التالية استدركت عن الأغاني ٤٠٨/٤ وما بعدها. (٢) مندراً: الذي يأتي بالنوادر من قول أو فعل. (٣) بطالاً: يقال: بطل في حديثه بطالة: هزل، وكان بطالاً. والتبطيل فعل البطالة وهي اتباع اللهو والجهالة (تاج العروس: بطل). (٤) العرسات: جمع عرس وهو طعام الوليمة. (٥) عادله: يقال: فلان يعدل فطلاناً أي يساويه .. وقال ابن الأعرابي: عَذْل الشيء وعِذله سواء أي مثله. والعِذْل نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير. قال الجوهري: العديل الذي يعادلك في الوزن والقدر. (التاج: عدل). ٣٢٤ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي ..... اعتدل الحَقُّ والباطلُ قبل الليلة قَطَّ؛ فضحك عُرْوة، وكان يستخفّ إسماعيلَ ويستطيبه. أخبرني الحسن بن عليّ: قال حدّثنا أحمد بن سعيد قال: حدّثنا الزُّبير قال: حدّثني عَمِّي(١) عن أيُّوب بن عَبَايَةَ المخزوميّ: أنّ إسماعيل بن يسار كان ينزل في موضع يقال له حُدَيلة(٢) وكان له جُلساء يتحدّثون عنده، ففَقَدِهم أيّاماً، وسأل عنهم فقيل: هم عند رجل يتحدّثون إليه طيِّبِ الحديث حُلْوٍ ظريف قدِم عليهم يسمَّى محمداً ويُكنى أبا قيس. فجاء إسماعيل فوقف عليهم، فسمع الرجلُ القومَ يقولون: قد جاء صديقنا إسماعيل بن يسار؛ فأقبل عليه فقال له: أنت إسماعيل؟ قال: نعم. قال: رحم الله أبويك فإنّهما سَمَّياك باسِم صادق الوعد وأنت أكذب الناس. فقال له إسماعيل: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أو مَنْ؟ قال: أبو قيسٍ. قال: لا! ولكن لا رحم الله أبويك؛ فإنّهما سَمَّاك باسِم نِبِيٍّ وكَتَيَاكِ بِكُتِيةِ قِرْد. فأفْحِم الرجلُ وضحِك القومُ، وَلم يَعُدْ إلى مجالستهم، فعادوا إلى مجالسة إسماعيل. أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال: حدّثنا المدائنيّ عِن نُمَير العُذْريّ قال: اِستأذن إسماعيلُ بن يسار النّسائيّ على الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك(٣) يوماً، فحَجَبه ساعةً ثم أذِن له، فدخل يبكي. فقال له الغَمْر: مالَك يا أبا فائد تبكي؟ قال: وكيف لا أبكي وأنا على مَرْوانِيّتي (٤) ومَزْوانِيّة أبي أحْجَبُ عنك! فجعل الغَمْر يعتذر إليه وهو يبكي؛ فما سكت حتّى وصله الغمر بجملة لها قَدْرٍ. وخرج من عنده، فلَحِقه رجلٌ فقال له: أخبرني ويلَك يا إسماعيل، أيّ مَزْوانيّةٍ كانت لك أو لأبيك؟ قال: بُغْضُنا إيّاهم، اِمْرأتُه طالقٌ إن لم يكن يلعن مَرْوانٌ وآله كلَّ يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قُلْ: لا إلهَ إلاّ الله، فقال: لَعَن الله مَرْوانَ، تَقَرُّباً بذلك إلى الله تعالى، وإبدالاً له من التوحيد وإقامة له مُقامہ . أخبرني عَمِّي قال: حدّثني أبو أيُّوب المدينيّ قال: حدّثني مُصْعَبٌ قال: (١) يعني مصعب بن عبد اللّه الزبيري، وكان الزبير بن بكار كثيراً ما يأخذ عن عمه المصعب .. (٢) حديلة: مصغراً. محلة بالمدينة بها دار عبد الملك بن مروان (معجم البلدان: حديثة ٢/ ٢٣٢). (٣) تقدمت ترجمته في ٤٨/ ٨٥ رقم ٥٥٥٤. (٤) نسبة إلى مروان بن الحكم، يريد أنهم يتبعون ولاء مروان بن الحكم. ٣٢٥ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي قال إسماعيلُ بن يسار النّسائيّ قصيدته التي أوّلُها: ما على رسم منزلٍ بالجَنَاب(١) غَيَّرَتْه الصَّبَا وكلُّ مُلِثَّ(٢) دارَ هندٍ وهل زماني بهندٍ كالذي كان والصفاءُ مصونٌ ذاك منها إذ أنتَ كالغُصْن غَضِّ غادةٌ تَسْتَبي العقولَ بِعَذْبٍ وأثيثٍ(٥) من فوق لونٍ نَقِيٍّ فأقِلَّ المَلامَ فيها وأَقْصِرْ صاحِ أبصرتَ أو سمِعتَ براعٍ وقال فيها يفخَر على العرب بالعجم : رُبَّ خالٍ مُتَوَّجِ لِي وعَمِّ إنّما سُمِّي الفَوَارِسُ بالفُزْ فأتْرُكي الفخرَ يَا أُمَامَ علينا وآسألي إن جَهِلْتِ عنَّا وعنكم إِذْ نُرَبِّي بَنَاتنا وتَدَسُو لو أبانَ الغداةَ رَجْعَ الجوابِ دائِم الوَذْقِ(٣) مُكْفَهِرُ السَّحَابِ عائدٌ بالهوى وصَفْوِ الجنَابِ لم تَشُبْه بِهِجْرةٍ واجتنابِ وهي رُؤدٌ(٤) كَدُمْيةِ المِخرابِ طَيِّبِ الطعم باردِ الأنياب كبياض اللُّجَيْنِ في الزِّزياب(٦) لَجَّ قلبي من لوعةٍ وأكتئاب رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَى في العِلَبِ(٧) ماجدٍ مُجْتَدَی کریم النِّصَاب سِ مُضاهاة رِفْعةِ الأنسابِ وآتركي الجَوْرَ وأَنْطِقِي بالصَّوابِ كيف كنّا في سالف الأحقاب نَ سَفَاهاً بناتِكم في الشُّراب (٨) ? (١) الجناب: بالفتح الفناء وما قرب من محلة القوم، وقيل: هو موضع في أرض كلب في السماوة بين العراق والشام. والجناب بالكسر: موضع بعراض خيبر وسلاح ووادي القرى، وقيل هو من منازل بني مازن. وقال نصر: الجناب من ديار بني فزارة بين المدينة وفيد (راجع معجم البلدان ٢/ ١٦٤). (٢) ملث، يقال: ألث المطر ولث إذا أقام أياماً ولم يقلع. (٤) الرؤد: الشابة الحسنة. (٣) الودق: بالفتح: المطر .. (٥) أثيث: يقال: شعر أثيث إذا كان كثيراً. (٦) الزرياب: الذهب قاله ابن الأعرابي أو ماؤه. والزرياب: الأصفر من كل شيء. وهو معرب من زرآب (تاج العروس: زرب). (٧) العلاب بالكسر جمع علبة بالضم وهي القدح الضخم من جلود الإبل، وقيل: محلب من جلد أو من خشب كالقدح الضخم يحلب فيها (تاج العروس: علب). (٨) يشير إلى وأد العرب بناتهم في الجاهلية. ونقل أبو الفرج في الأغاني ٤١٢/٤ أن أشعب قال له وقد سمعه ينشد هذا البيت : = ٣٢٦ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حَمّاد: قرأتُ على أبي: حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال: سمعتُ إبراهيم بن أبي عبد الله يقول: رَكِب فلانُ من ولد جعفر بن أبي طالب رحمه الله بإسماعيلَ بن يسار النِّسائيّ حتَّى أتى به قُبَاءَ(١)؛ فاستخرج الأحوصَ فقال له: أَنْشِدْني قولَك: ما ضَرَّ جِيرانَنا إِذ أنتجعوا لو أنَّهم قبل بيَنْهِم ربَعَوُا فأنشده القصيدةَ. فأَعْجِب بها، ثم انصرف. فقال له إسماعيل بن يسار: أمَا جئتَ إِلاّ لِما أرى؟ قال: لا. قال: فأَسمَعْ، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: ما ضَرّ أهلَكِ لو تَطَوّف عاشقٌ بِفناء بيتِك أو أَلَمَّ فسلَّمَا وصِلِي آمراً كَلِفاً بحبِّك مُغْرَمَا يا هندُ رُدّي الوصلَ أن يَتِصَرَّمَا لم نَبْغِ منكِ سوى دَلاَلِكِ مَحْرَمًا لو تبذُلين لنا دَلَالكِ مَرّةٌ أبدَوْا لِزَوْرِك غِلْظَةً وَتَجَهُمَا مَنَع الزيارةَ أنَّ أهْلَكِ كلَّهم بِفناء بيتِك أو ألَمَّ فسَلَّمَا(٢) ما ضَرَّ أهلَك لو تَطَوَّفَ عاشقٌ أخبرني الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شَبّةً قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ الغِفَاريّ قال: أخبرنا أبو عاصم الأَسْلَميّ قال: بينًا ابنُ يَسَارِ النِّسائيّ مع الوليد بن يزيد جالسٌ على بركة، إذ أشار الوليد إلى مولّى له يقا له: عبد الصمد، فدفع آبن يسار النسائيّ في البركة بثيابه؛ فأمر به الوليدُ فأخرج. فقال ابن يسار: وَولِيُّ العهدِ أولَى بالرَّشَدْ قُلْ لِوَالِي العَهْدِ إنْ لاقَيْتَهِ يَنْجُ منِّي سالماً عبدُ الصَّمَدْ إنّه واللّهِ لولا أنتَ لم لم يَرُمْها قبلَه مِنِّي أحدْ إنّه قد رام منِّي خُطّةً = صدقت والله يا أبا فائد، أراد القوم (يعني العرب) بناتهم لغير ما أردتموهن له. قال: وما ذاك: قال دفن القوم بناتهم خوفاً من العار، وربيتموهن لتنكحوهن. قال: فخجل اسماعيل. (١) قياء: بالضم، وقيل فيه بالقصر. أصله بئر وهناك عرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار. وقيل القرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة. (انظر معجم البلدان ٢/ ٣٠٢). (٢): زيد في الأغاني أن الرجل من ولد جعفر بن أبي طالب لما سمعها قال له: والله لو كنت سمعت هذه القصيدة أو علمت أنك قلتها لما أتيته. ٣٢٧ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي فهو مما رامَ منِّي كالذي يَقْنُصُ الدُّرّاجَ(١) من خِيِس (٢) الأَسَدْ(٣) فبعث إليه الوليدُ بِخِلْعةٍ سَنيةٍ وصِلَةٍ وترضَّاه(٤). أخبرني محمد بن الحسن بن دُرَيْد قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عُبَيدةَ قال: أنشد رجلٌ زيَّان السوّاق قولَ إسماعيل بن يَسَار: بفناءِ بيتِكِ أو ألَمَّ فسَلَّمَا ما ضَرَّ أهلَكِ لو تَطَوّفَ عاشقٌ فبكى زَبّان، ثم قال: لا شيء واللّهِ إلاّ الضَّجَر وسوء الخلق وضيق الصدر، وجعل یبکی ویمسح عينيه. أخبرني محمد بن جعفر الصَّيْدَلانِيّ النحويّ(٥) صِهْر المُبَرَّد(٦) قال: حدّثني طلحةُ بن عبد الله بن إسحاق الطّلحيّ قال: حدثني الزُّبَير بن بَكَّار قال: حدّثني جعفر بن الحسين المُهَلَّبيّ قال: أنشدتُ زَبّان السَّواق قولَ إسماعيل بن يَسَارِ النِّسَائِيّ: نَكَباً عن مَوَدّتي وازْوِرَارًا(٧) إن جُمْلاً وإنْ تَبَيَّنْتُ منها وأُطِيرَ العَزَاءُ منِّي فطارا شَرَّدتْ بادكارها النَّوْمَ عنّي أن تُحَيَّا تَحِيّةً أو تُزارَا ما على أهلها ولم تأتِ سُوءاً وحَمَوْها لجَاجةً وضِرَارًا يوم أَبْدَوْا لِيَ الشَّجَهُمَ فيها (١) الدراج: بضم الدال وتشديد الراء: طائر أسود باطن الجناحين وظاهرهما أغبر على خلقة القطا إلاّ أنه ألطف. وهو من طير العراق. (٢) خيس الأسد: غابته ومكانه. (٣) وقوله: يقنص الدراج من خيس الأسد، مثل. يقال فلان يطلب الدراج من خيس الأسد. وهو مثل يضرب لمن يطلب ما يتعذر وجوده. انظر كتاب الحيوان للدميري. (٤) قال أبو الفرج الأصفهاني: وقد روي هذا الخير لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في قصة أخرى، وذكر هذا الشعر له فيه الأغاني ٤/ ٤١٤. (٥) وهو الملقب بيرمة، وكان صهر المبرد على ابنته، وكان نحوياً أديباً شاعراً. انظر أخباره في بغية الوعاة للسيوطي ٧١/١ رقم ١٢١. (٦) اسمه محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، أبو العباس المبرد، إمام العربية في بغداد في زمانه، مات سنة ٢٨٥ هـ ببغداد. ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي ٢٦٩/١. (٧) ازورّ عنه ازوراراً، بمعنى مال. (تاج العروس: زور). ٣٢٨ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي فقال زبّان: لا شيء وأبيهم إلاّ اللَّحَز (١) وقلة المعرفة وضِيق العَطَن(٢). قال عُمَر بن شَبَّة: حدّثني إسحاق المَوْصِليّ قال: غُنِّي الوليدُ بن يزيد في شِعْرٍ لإسماعيل بن يَسَارَ، وهو : وغارتِ الجوزاء والمِرَزَمُ(٣) حتّى إذا الصبحُ بدا ضوءهُ ينساب من مَكْمَنِه الأرْقَمِ (٤) خرجتُ والوَطْءُ خَفِيٍّ كما فقال: مَنْ يقول هذا؟ قالوا: رجلُ من أهل الحجاز يقال له إسماعيل بن يسار النّسائي؛ فكتب في إشخاصه إليه. فلمّا دخل عليه أستنشده القصيدةَ التي هذان البيتان منها: فأنشده: كَلْثَمُ أَنْتِ الهَمُّ يا كلثمُ ... وأنتُم دائي الذي أُكْتُمُ وبعضُ كِتمان الهوى أحرمُ أَكاتِمُ الناسَ هوّى شَفَّني وأنتِ فيما بيننا ألوَمُ قد لُمتِِي ظلماً بلا ظِنَّةٍ (٥) أرتدُّ عنه فيكِ أو أُقدِمُ يُسْدَى بحسن الودّ أو يُلْحَمُ لا أُمْنَحُ الوُدَّ ولا أَصْرَمُ(٦) إنّ الوَفِيَّ القولِ لا يَنْدَمُ بعدَ الكَرَى والحيُّ قد نَوَّمُوا والليلُ داجٍ حالكٌ مظلُم أخوكِ والخَالُ معاً والعَمُ أبْدِي الذي تُخْفِينه ظاهراً إمّا بيأس منك أو مَطْمَع لا تَترُكِيني هكذا مَيِّتاً أَوْفِي بما قُلْتِ ولا تَنْدَمي آية ما جئتُ علَى رِقْبةٍ أخافِتُ المَشْي حذارَ العِدَا ودون ما حاولتُ إذْ زرتُكم (١) اللحز محركة، الشح والبخل. (٢) ضيق العطن: كناية عن الحمق وضيق الصدر. (٣) المرزم: كمنبر. يقال رزم الشتاء رزمة شديدة أي برد فهو رازم، وبه سمي نوء المرزم، لشدة برده. والمرزمان نجمان مع الشعريين، وهما من نجوم المطر، وقد يفرد فيقال مرزم. (تاج العروس: رزم). (٤) الأرقم: أخبث الحيات وأطلبها للناس. أو هو ما فيه سواد وبياض، أو ذكر الحيات، ولا يقال في الأنثى رقماء ولكن رقشاء، والجمع أراقم (تاج العروس: رقم). (٥) الظنة بالكسر التهمة، ج الظنن (تاج العروس). (٦) صرمه يصرمه صرماً: "قطعه بائناً (تاج العروس: صرم). ٣٢٩ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي إليكم والصارمُ اللَّهَذَمُ(١) وليس إلاّ اللّهَ لي صاحبٌ حتّى دخلتُ البيتَ فاستذرفتْ ثم انجلَى التَحْزَنُ ورَوْعَاتُه. مِن شَفَقٍ عِينَاءٍ لِي تَسْجُمُ(٢) فيه . (٢) وِغُيِّبَ الكاشحُ والمُبْرِمُ(٣) يُمْتَجُنِيها نِحرُها والفَمُ فبِتُّ فيما شِئْتُ مِنْ نَعْمَةٍ(٤) حتّى إذا الصبحُ بَدَا ضِوءهُ . وغارتِ الجوزاءُ والمِرْزَمُ خرجتُ والوطءُ خفِيٍّ كما ينسابُ مِن مَكْمَنِه الأَرْقَمُ قال: فطرِبَ الوليد حتَّى نزل عن فَرْشهِ وسريره، وأَمَر المغنِين فغَنَّوه الصوتَ وشَرِب عليه أقداحاً، وأَمَرٍ لإسماعيل بِكُسْوةٍ وجائزة سنية، وسرّحه إلى المدينة. حدّثنا أحمد بن عُبيد اللّه بن عَمَّارَ قال: حدثنا عَمَر بن شَبة قال: حدثنا إسحاق الموصليّ قال حدّثنا محمد بن كُنَاسةً قال: إصطحبَ شيخ وشبابٌ في سفينة من الكوفة؛ فقال بعضُ الشباب للشيخ: إنّ معنا قَيْنَةً لنا، ونحن نُجِلْك ونُحِبُّ أن نسمع غناءها. قال: اللّه المستعان؛ فأنا أرقَى على الأطلال(٥) وشأنكم. فغنّتْ: وغارتِ الجوزءا والمرزمُ حتّى إذا الصبحُ بَدَا ضوءهُ ينساب من مكمنه الأرقمُ أقبلت والوطء خفيٍّ كما قال: فألقى الشيخ بنفسه في الفُرَات، وجعل يخبط بيديه ويقول: أن الأرقم! أنا الأرقم! فأدركوه وقد كاد يغرَق؛ فقالوا: ما صنعت بنفسك؟ فقالٍ: إنِّي واللّهِ أعلمُ من معاني الشعر ما لا تعلمون. أخبرني الحسن بن عليّ الخَفَّاف قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مَهْرُويةً قال: حدّثني أبو مُسْلِم المُسْتَمْلِي عن المَدَائنيّ قال: (١) اللهذم كجعفر: القاطع من الأسنة، يقال: سنان لهذم، وكذلك سيف لهذم وناب لهذم (تاج العروس: لهذم). (٢) سجم الدمع سجوماً وسجاماً وسجمته العين: قطر دمعها وسال قليلاً أو كثيراً. (تاج العروس: سجم). (٣) المبرم: الثقيل منه كأنه يقتطع من جلسائه شيئاً، والمبرم: الغث الحديث الذي يحدث الناس بالأحاديث التي لا فائدة فيها ولا معنى لها، (تاج العروس: برمٍ). (٤) النعمة: بالفتح التنعيم، وبالكسر الأنعام وبالضم: المسرّة (انظر تاج العروس: نعم). (٥) الأطلال جمع طلل، وطلل السفينة أو السيارة ونحوهما: غطاء تغشى به كالسقف. والمراد هنا بمعنى الشراع. ٣٣٠ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي مدح إسماعيلُ بن يسار النّسائيّ رجلاً من أهل المدينة يقال له عبدُ اللّه بن أَنَس، وكان قد اتَّصل ببني مَزْوانَ وأصاب منهم خيراً، وكان إسماعيل صديقاً له؛ فرحل إلى دِمَشْقَ إليه، فأنشده مديحاً له ومَثَّ إليه بالجوار والصداقة؛ فلم يُعْطِه شيئاً. فقال يهجوه: ولا زُرْنَا حُسَيْناً يابنَ أنْسٍ(١) لَعَمْرُكَ ما إلى حَسَنٍ رَحَلْنا بحُسْنِ الحَظُّ منهم غيرَ بَخْسٍ ولا عبداً لعبدهما فَنحْظَى مُضِبّاً في مَكّامِنِه يُفَسِّي ولكن ضُبَّ(٢) جَخْدَلةٍ(٣) أتينا فلمّا أنّ أتيناه وقَلْنا بحاجتنا تلوَّن لَوْنَ وَرْسٍ (٤) وظَلَّ مُقَرْطِباً(٥) ضِرْساً بِضرْسٍ وأعرضَ غيرَ مُنْبَلِجٍ لِعُرْفٍ وقلتُ لصاحبي أتُّراه يُمْسِي فقلتُ لأهله أبِهَ كُزَازٌ (٦) مخافةَ أن تُزَنَّ بقتل نَفْسٍ فكان الغُنْمُ أنْ قُمْنا جميعاً حَدّثني عَمِّي قال: حدّثنا أحمد بن زُهَير قال: حدّثنا مُصْعَب بن عبد اللّه قال :. وَفَد عَرْوةُ بن الزُّبَير إلى الوليد بن عبد الملك وأخرج معه إسماعيل بن يسار النِّسائي، فمات في تلك الوِفادة محمد بن عُزْوة بن الزُّبَير (٧)، وكان مُطَّلِعاً على دوابُ الوليد بن عبد الملك، فسقَط من فوق السطح بينها، فجعلتْ تَرْمَحه (٨) حتى قطّعته، كان جميلَ الوجه جواداً. فقال إسماعيل بن يَسَار يرثيه(٩): صلَّى الإِلهُ على فَتَّى(١٠) فارقتُه بالشام في جَدَثِ الطَّيّ(١١) المُلْحَدِ (١) يعني الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. (٢) الضب حيوان من جنس الزواحف من رتبة العظاء، غليظ الجسم خشنه. وله ذنب عريض حرش أعقد، تصدر عنه رائحة كريهة . (٣) الجندلة ج الجندل وهي الحجارة. (٤) الورس: نبت من الفصيلة البقلية، أصفر اللون يتخذ منه طلاء للوجه، وقد نستعمله لتلوين الملابس الحرير. (٥) مقرطباً أي غاضباً. (٦) الكزاز: تشنج أو رعدة تصيب الإنسان من برد شديد. (٧) انظر ترجمته في الوافي بالوفيات ٤/ ٩٤. (٨) ترمحه أي ترفسه. (٩) الأبيات في التعازي والمراثي للمبرد ص١٩٢. (١٠) في التعازي والمرائي: امرىء. (١١) الطوي: يقال طوى البئر وغيرها بالحجارة بناها، وهنا بمعنى القبر المعرش بالحجارة. وعجزه في التعازي والمراثي: بالشام في حدّ الضريح الملحد ٣٣١ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي بوَأْتُه بيديّ دارَ إقامةٍ وغَبرتُ أعْوِلُه وقد أسلمتُه مُتَخَشِّعاً للدهر ألبَسُ حِلَّةً أعني ابنَ عُزوةَ إنَّه قد هَدّني فإِذا ذهبتُ إلى العَزَاء أَرُومُه مَنَع(٣) التَّعَزِيَ أَنَّني لِفراقه ونأَى الصديقُ فلا صديقَ أَعُدُّه فلئن تركتُكَ يا محمد ثاوياً كان الذي يَزَع العدو بدفعه فمضى لوجهته وكلُّ مُعَمٍَّ نائي المَحَلة عن مَزَارِ العُوَّدِ لِصَفَا الأَماعِزِ والصَّفِيحِ المُسْتَدِ (١) في النائبات بحَسْرَةٍ وتَجَلُّدِ فَقْدُ ابنِ عُزوةَ هَدّةً لم تَقْصِدِ لِيَرَى المُكَاشِحُ بالعزاء تَجَلُّدي(٢) لَبِسِ العَدُوُّ عليّ جِلْدَ الأَرْبَدِ (٤) الدِفاع نائبةِ الزَّمان المُفْسِدِ لِبمَا تروح مع الكرام وتغتدي ويردّ نَخْوَةَ ذِي المِرَاحِ الأَصْيْدَ(٥) يوماً سيُذْركُه حِمَامُ الموعد قال(٦) إسماعيل بن يسار يرئي محمد بن عروة [بن الزبير] وجفتني فما تريد عناقي(٧) تلك عرسي رامت سفاهاً فراقي ل وأني محالفي إملاقي زعمت أنما هلاكي مع الما أشخصت مهجتي فويق التراقي وتناست رزية بدمشق فوق أيدي (٨) الرجال والأعناق يوم ندعى إلى ابن عروة نعشاً ـر وما إن يحثهم من سياق مستحثاً به سياق إلى القبـ (١) الأماعز جمع أمعز، وهي الأرض، وعجزه في التعازي والمرائي: لسفى الأماعز والمزار الأبعد غلب العزاء وحيل دون تجلدي (٢) عجزه في التعازي والمرائي: (٣) في التعازي والمراثي: غلب. (٤) الأربد: ما اختلط سواد بكدرة، ويعني هنا به الأسد. (٥) الأصيد: المتكبر. (٦) الخبر التالي والأبيات استدرك عن التعازي والمراثي للمبرد ص١٩١ - ١٩٢ والشعر في الأغاني ١٤/ ٣٨١. (٧) روايته في الأغاني: تلك عرسي رامت سفاهاً فراقي وجفتني فما تريد عناقي (٨) في الأغاني : لاَ بأيدي. يوم نلقي نعش ابن عروة محمو ٣٣٢ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي شخصه ارتقوا وليس براق بمقام: ربح(١) أجنّوا قرب عهد به وبعد تلاق ثم وليت موجعاً قد شجاني مشفقاً لو أعاذه إشفاقى ولقد كنت للحتوف عليه لحريص ولا لرقية راق فإذا الموت لا يرد بحرص في رخاء ولذة واتفاق وغنينا كابني نويرة(٢) يوماً كل حيّ مصيره لفراق ثم صرنا لفرقة ذات بعد حدّثني عمّي قال: حدّثني أحمد بن أبي خَيْثمةَ قال: حدّثنا مُصْعَب بن عبد اللّه عن أبيه : أن إسماعيل بن يَسَار دخل على عبد الملك بن مروان لمّا أفضى إليه الأمر بعد مقتل عبد الله بن الزُّبير، فسلَّم ووقف موقف المُنْشِد وأستأذنَ في الإِنشاد فقال له عبد الملك: الآن يابنَ يسار! إنّما أنت آمرؤٌ زُبَيْرِيٍّ، فبأي لسان تُنْشِد؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا أصغرُ شأناً من ذلك، وقد صفحتَ عن أعظمَ جُزْماً وأكثرَ غَنَاءً لأعدائك منِّي، وإنما أنا شاعر مُضْحِك. فتبسَّم عبد الملك؛ وأومأ إليه الوليد بأن يُنْشد. فابتدأ فأنشد قولَه: وللماء ممنوعاً من الحائم الصَّدِي أَلاَ يا لَقَوْمي لِلرُّقَادِ المُسَهَّدِ ولِلحبِّ بعد السَّلَوة المُتَمَرِّد وللحال بعد الحال يركبها الفتى صبا بالغوانِي كُلِّ قَزْم(٣) مُمَجَّدٍ كَجمْرٍ غَضیّ بين الشَّراسيف مُوقَدٍ وللمرء يُلْحَى في التصابي وقبلَه وكيف تَنَاسِي القَلْبِ سَلْمَى وحُبَها حتی انتھی إلی قوله: إليكَ إمامَ النّاسِ من بطن يَثْرِبٍ: رَحَلْنا لأنّ الجودَ منك خليقةٌ ملكتَ فزِدْتَ النّاسَ ما لم يَزِذْهُم وقُمْتَ فلم تنقُض قضاءَ خليفةٍ ونِعْمَ أخو ذي الحاجة المُتَعَمِّدِ وأنّكِ لم يَذْمُمْ جنابَك مُجْتَدِي إمامٌ من المعروف غيرِ المُصَرَّد (٤) ولكن بما ساروا من الفعل تقتدي (١) مكان ربخ: إذا كان لا يستقر عليه. (٢) يعني مالك ومتمم ابنا نويرة انظر الأغاني ٢٩١/١٥ والشعر والشعراء ص ٣٥٤. (٣) القرم: السيد. (٤) المصرد: يقال: صرد عطاءه: أعطاه منقطعاً، أي قليلاً قليلاً. ٣٣٣ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي وأسندتَه لا تأتلِي خيرَ مُسْئَدٍ ولمّا وَلِيتَ المُلْكَ ضاربتَ دونه ولِيَّين للعهد الوثيق المؤكد جعلتَ هِشَاماً والوليد ذخيرةً قال: فنظر إليهما عبدُ الملك متبسِماً، والتفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر. فقَطَب سليمانُ ونظر إلى إسماعيل نظر مُغْضَب. فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، إنما وَزْنُ الشعر أخرجه من البيت الأوّل، وقد قلتُ بعده: وأمضيتَ عزماً في سليمانَ راشداً ومَنْ يعتصمْ باللّه مثَلكِ يَرْشُدِ فأمر له بألفي درهم صلةً، وزاد في عطائه، وفرض له، وقال لولده: أَعْطُوه؛ فأعطوه ثلاثة آلافٍ درهم. دخل إسماعيل بن يسار يوماً على هِشَام بن عبد الملك في خِلافته وهو بالرُّصَافة(١) جالسٌ على بركةٍ له في قصره، فاستنشده وهو يرى أنه يُنْشِد مديحاً له؛ فأنشده قصيدته التي یفختر فيها بالعجم: يا رَبْعَ رامةً(٢) بالعلياءَ من رِيم(٣) هل تَرْجِعَنَّ إذا حَيِّيْتُ تسليمي تَخْدِي(٥) لغربتهم سَيْراً بتقحيم ما بالُ حَيِّ غدتْ بُزْلُ (٤) المَطِيِّ بهم فؤادَه قهوةٌ من خَمْرِ دَارُوم(٦) كأنَّني يوم ساروا شاربٌ سلَبتْ حتّی انتھی إلی قوله : عند الحِفَاظِ ولا حَوْضِي بمهدوم إِنِّي وَجدْك ما عُوِدِي بذي خَوَرٍ ولي لسانٌ كحَدُ السَّيْفِ مسمومُ (٧) أَضلي کریمٌ ومجدي لا يُقاس به (١) الرصافة: في مواضع كثيرة منها رصافة هشام بن عبد الملك في غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية (معجم البلدان ٤٧/٣). (٢) رامة: منزل بينه وبين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة، وهي آخر بلاد بني تميم. وقيل: رامة: هضبة، وقيل: جبل لبني دارم (معجم البلدان ١٨/٣). (٣) ريم قيل بالياء بدون همز، وقيل رئم مهموز، وفيها بكسر أوله، وهو واد لمزينة قرب المدينة يصب فيه ورقان، وقيل: بطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة .. (معجم البلدان ١١٤/٣). (٤) البزل جمع بزول، يقال: بزل البعير إذا طلع نابه، ويكون ذلك في سنته الثامنة أو التاسعة (راجع تاج العروس: بزل). (٥) وخدي البعير: أسرع وزج بقوائمه. (٦) خمر داروم: داروم قلعة بعد غزة إلى الطريق إلى مصر، تنسب إليها الخمر الجيدة. (٧) في البيت إقواء. ٣٣٤ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي من كلِّ قَرْم بتاج المُلْكِ معمومٍ جُزْدٍ عِتَاقٍ مسَامِيحِ مَطَاعيم والهُزْمُزانِ لفخرٍ أو لتعظيم وهمْ أذلُّوا ملوكَ الشُّرْكِ والرُّوم مَشْيَ الضَّرَاغِمةِ الأُسدِ اللَّهاميمِ جُرِثْومةً قَهَرتْ عِزَّ الجراثيم أَخمي به مجدَ أقوام ذوي حَسَبٍ جَحَاجِحِ سادةٍ بُلْجِ مَرَازِيةٍ مَنْ مثلُ كِسَّرَى وسابورِ الجنودِ معاً أُسْدُ الكتائبِ يومِ الرَّوعِ إِنْ زَحَفُوا يمشُون في حَلَق المادِيَ(١) سابغةً هناك إنْ تسألي تُنْبَيْ بأنّ لنا قال: فغضِب هشامٌ وقال له: ياعاضَّ بَظْرِ أمّه! أعليٍّ تفخرَ وإِيَّايَ تُنْشِد قصيدةً تمدَحَ بها نفسك وأَعلاجَ قومك !! غُطُّوه في الماء، فغَطُّوه في البركة حتى كادت نفسه تخرُج، ثم أمر بإِخراجه وهو بشَرِّ ونفاه من وقتِهِ، فأُخرج عن الرُّصَافة منفيّاً إلى الحجاز. قال: وكان مبتلىّ بالعصبيّة للعجم والفخر بهم، فكان لا يزالَ مضروباً محروماً مطروداً. أخبرني عمِّي قال: حدّثني أحمد بن أبي خَيْثَمةَ قال: قال ابن النطّاح وحدّثني أبو اليقظان : أنّ إسماعيل بن يَسَار وَفَد إلى الوليد بن يزيد، وقد أسنّ وضعُف، فتوسَّل إليه بأخيه الغَمْر ومدحه بقوله: نأتك سُلَيْمَى فالهَوِى مُتَشاجِرُ نأتك وهام القلب، نأياً بذكرها بواضحةِ الأقرابِ(٢) خَفّاقةِ الحَشَى يقول فيها يمدَح الغَمْرَ بن یزید : وفي نَأْيِها للقلب داءٌ مُخَامِرُ ولَجّ كما لجّ الخليعُ المُقَامِرُ بِرَهْرَهةٍ(٣) لا يَجْتَوِيها المُعَاشِرُ فلا يَفْخَرَنْ يوماً على الغَمْرِ فاخرُ إذا عَدّد الناسُ المكارمَ والعُلَا فما مرّ من يوم على الدهر واحدٍ. على الغَمْرِ إلّ وهو في الناس غامِر كما خَشَعَتْ يوماً لِكَسْرَى الأَسَاوِرُ(٤) تراهم خشوعاً حين يبدو مهابةً (١) الماذي: الدروع البيضاء. (٢) الأقراب جمع قرب وهي الخاصرة. (٣) البرهرهة: المرأة الشابة الناعمة. (٤) الأساور والأساورة جمع أسوار بالضم وبالكسر، قائد الفرس، بمنزلة الأمير في العرب، وقيل: هو الملك الأكبر، وقيل أساورة الفرس هم فرسانهم المقاتلون (تاج العروس: سور). ٣٣٥ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي أَغَرُّ بِطاحِيٍّ(١) كأنّ جبينَه وَقَى عِرْضَه بالمالِ فالمالُ جُنَّةٌ(٢) وفي سَيْبِهِ(٣) للمجتدين عِمارةٌ نَمَاه إلى فَرْعَيْ لَؤَيُّ بن غالبٍ وخمسة آباءٍ له قد تتابعوا بَهالِيلُ(٤) سَبَّاقون في كلّ غايةٍ همُ خيرُ مَنْ بين الحَجُون(٥) إلى الصَّفَا(٦) وهمْ جمعوا هذا الأنامَ على الهُدَى إذا ما بدا بدرٌ إذا لاح باهرُ له وأهانَ المَالَ والعِرْضُ وافِرُ وفي سَيْفه للدِّينِ عِزّ وناصر أبوه أبو العاصي وحَرْبٌ وعامر خلائفُ عَذْلٍ مُلْكُهُمْ مُتَواتِر إذا استبقتْ في المَكْرُماتِ المَعاشِر إلى حيثُ أفضتْ بالبِطاحِ الحَزَاوِرِ(٧) وقد فرّقت بين الأنام البصائر قال: فأعطاه الغَمْرُ ثلاثةَ آلاف درهم، وأخذ له من أخيه الوليد ثلاثة آلاف درهم. أخبرني عمي قال: حدّثنا أحمد بن أبي خَيْئمة عن مُصْعَب قال: لمّا مات محمد بن يسار، وكانت وفاته قبل أخيه، دخل إسماعيلُ على هشام بن عُزوةً، فجلس عنده وحدّثه بمصيبته ووفاة أخيه ثم أنشده یرثیه : لمّا نَعَى الناعي أبا بَكْرٍ عِيلَ العَزَاءُ وخانني صَبْرِي منه وأسْلمَ للعِدَا صهري ورأيتُ رَيْبَ الدَّهْرِ أفردني حُلْو الشمائل ماجد غَمْرٍ من طَيِّب الأثواب مُقْتَبِلٍ قَدَرْ أتِيحَ له من القَدْرِ فمضى لوجهته وأدركه إلاّ الأَسَى وحرارةُ الصدر وغَبَرتُ مالي من تَذَكُّرِهِ (١) بطاحي نسبة إلى البطاح، وقريش البطاح هم الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة، وهم أكرم قريش وأشرفها (تاج العروس: بطح). (٢) الجنة: الوقاية والدرع. (٣) السيب: العطاء والعرف، ومن المجاز: فاض سيبه على الناس أي عطاؤه (تاج العروس: سيب). (٤) البهاليل واحدها بهلول وهو السيد الكريم. (٥) الحجون جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها (معجم البلدان). (٦) الصفا: مكان مرتفع من جبل أبي قبيس، وقيل الصفا والمروة جبلان بين بطحاء مكة والمسجد (انظر معجم البلدان). (٧) الحزاور جمع حزورة، والحزورة سوق بمكة. ٣٣٦ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي وخوىّ(١) يُعَاوِدُني وقَلَّ له لمّا هوت أيدي الرِّجالِ به وعلمتُ أنّي لِن أُلاقِيهَ كادتْ لِفُرْقته وما ظلمتْ ولعَمْرُ مَنْ حُبِسَ الهَدِيُّ له لو كان نيلُ الخلد يُدركه لغَبَرْتَ لا تخشَى المَثُونَ ولا ولنِعْمَ مِأوَى المُزْمِلِينَ (٤) إذا كم قلتُ آونةً وقد ذَرَفتْ أنَّي وأيُّ فتّى يكون لنا لِدفاع خَضْم ذي مُشَاغَبةٍ ولقد علمتُ وإِن ضمِنتُ جَوىّ ما لامرىءٍ دون المنيَّةِ مِنْ مِنِّي الجوى ومَحَاسِنُ الذُّكْر في فَعْرِ ذاتِ جَوَانِبِ غُبْرٍ في الناس حتَّى ملتقَى الحَشْرِ .. نَفْسِي تموت على شَفَا القبر بِالأَخْشَبَيْنِ(٢) صبِيحَةَ النَّحْرِ بَشّرْ بطِيبِ الخيم والنَّجْرِ(٣) أَوْدَى بنفسِك حادثُ الدَّهرِ قُحِطُوا وأَخلفَ صائبُ الْقَطْرِ عيني فماءُ شؤونها(٥) يجري شَرْوَاكَ عِند تَفَاقُم الأمر ولِعائلٍ تَرِبٍ أخي فَقْرٍ مما أجِنّ كَوَاهِج الجَمْر نَفَقِ فيُخرِزُه ولا ستر قال: وكان بحضرة هشام رجلٌ من آل الزُّبَير، فقال له: أحسنتَ وأسرفت في القول، فلو قلتَ هذا في رجلٍ من ساداتٍ قريش لكان كثيراً. فزجره هشام وقال: بئس واللّه ما واجهتَ به جليسَك؛ فكشره إسماعيل، وجزاه خيراً. فلما انصرف تناولَ هشامُ الرجلَ الزُّبَيرِيّ وقال: ما أردتَ إلى رجل شاعر مَلَك قولَه فصرَف أحسنَه إلى أخيه! ما زدتَ على أن أغريته بعِرْضك وأعراضنا لولا أنِّي تَلَافيتُه. وكان محمد بن يَسَار أخو إسماعيل هذا الذي رثاه شاعراً من طبقة أخيه؛ وله أشعار كثيرة. ولم أجِدْ له خبراً فأذكُرَه، ولكن له أشعار كثيرة يغنَّى فيها. منها قوله في قصيدة طويلة : .. (١) الخوى: خلو الجوف من الطعام (القاموس المحيط). (٢) الأخشبان: هما جبلان يضافان تارة إلى مكة، وتارة إلى منى، وهما واحد، يقال لأحدهما: أبو قبيس، وللآخر قعيقعان، ويقال: بل هما أبو قبيس والجبل الأحمر المشرف هنالك (انظر معجم البلدان). (٣) النجر: الأصل. (القاموس). (٤) أرملوا: نقد زادهم (القاموس). (٥) الشؤون: الدموع. ٣٣٧ [٩٧٣٣] إسماعيل بن يسار النسائي دُوَيْنَ الشُّغْبِ(١) من أُحُدٍ غَشِيتُ الدارَ بالسَّنَدِ الأَبْدِ تَقَادُمُ سَالِفٍ عَفَتْ بعدي وغيَّرها ولإِسماعيل بن يسار ابنٌ يقال له إبراهيم، شاعرٌ أيضاً، وهو القائل: وآبَكَ حِلْمُك من غَيْبتِهْ. مضَى الجهلُ عنكَ إلى طِيَّتِهْ ـتَّ من نَقْضِ دَهْرٍ ومن مِرَّتِهْ وأصبحت تَعْجَبُ مما رأيـ وهي طويلة يفتخر فيها بالعجم. قال المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قدم الوليد بن يزيد المدينة، فقلت لإسماعيل بن يسار: أخذنا(٢) مما أعطاك اللّه، فقال: هلم أقاسمك إن قبلت، فبعث إليّ براوية(٣) من خمر. (١) الشعب: ماء بين العقبة والقاع في طريق مكة (معجم البلدان). (٢) أحذى الرجل: أعطاه مما أصابه. (٣) الراوية : المزادة. ٣٣٨ [٩٧٣٤] بحيرى الراهب حرف الباء [٩٧٣٤] بحیری الراهب الذي حذَّر على النّبِي وَّر من الروم، وردّه من أرض بُضْرى(١)، وكان على دين المسيح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. توفي قبل البعث، كان يسكن قرية يقال لها: الكفر، بينها وبين بُضْرَى ستة أميال تُعرف اليوم بدير بحيرى(٢)؛ وقيل: كان يسكنُ البَلقاء بقريةٍ يقالُ لها: ميفعة(٣) وراءَ زَيْزاء(٤). عن ابن عباس : إن أبا بكر الصديق صحب رسول الله رَ لل وهو ابن ثمان عشرة، والنبي وَلّ ابن عشرين، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزلوا منزلاً فيه سِذرة(٥) قعد رسول الله وَال [٩٧٣٤] انظر أخباره في تاريخ الطبري ٥١٩/١ والبداية والنهاية والكامل لابن الأثير وتاج العروس: بحر، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٤/٢ وما بعدها، ودلائل النبوة لأبي نعيم ص١٦٨ (ح رقم ١٠٨) والخصائص للسيوطي ١٤١/١ وسيرة ابن هشام ١/ ١٩١ وطبقات ابن سعد ١١٩/١ وأسد الغابة ١٩٩/١ والإصابة ٢٠٩/١ (٥٩٥) و٢٦٠/١ (٧٩١) (ط دار الفكر). وبحيرى في تاج العروس: بحيراء الراهب، كأمير ممدوداً، هكذا ضبطه الذهبي وشرح المواهب، وفي رواية بالألف المقصورة، وفي أخرى كأمير، وأما تصغيره فغلط، كما صرحوا به. (١) بصرى: بالضم، في موضعين، إحداهما بالشام من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران مشهورة عند العرب قديماً وحديثاً. (٢) كذا، وفي معجم البلدان يوجد: دير بصرى، قال ياقوت: وبه كان بحيرا الراهب الذي بشّر بالنبي وَله وقصته مشهورة. ولعله المراد هنا. (٣) كذا، ولم أجدها، والذي في البداية والنهاية: منفعة. (٤) زيزاء: من قرى البلقاء كبيرة، يطؤها الحاج ويقام بها لهم سوق وفيها بركة عظيمة (معجم البلدان ١٦٣/٣). (٥) السدر بالكسر شجر النبق، الواحدة بهاء: سدرة، وهو من العضاه ذو شوك، وله ثمر عفص لا يؤكل، طيب الرائحة. ٣٣٩ [٩٧٣٤] بحيرى الراهب في ظلِّها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بَحِيرَى يسأله عن شيء، فقال له: مَن الرجل الذي في ظلِّ السِّذرة؟ فقال له: ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال: هذا واللّه نبي، ما استظلَّ تحتها بعد عيسى بن مريم إلاّ محمد. ووقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فلما نُبِّىء النبي ◌َّ اتبعه(١). حدث أبو داوود سليمان بن موسى(٢): أن أبا طالب عمَّ رسول الله وَّو خرج به إلى الشام، فلما مروا بقرية يقال لها: ميفعة من أرض البلقاء، وفيها راهب يقال له: بَحِيرى، فخرج إليهم بَحِيرى، وكانوا قبل ذلك يقدمون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، فجعل يتخلَّلهم(٣) حتى انتهى إلى رسول الله وَ ل فقال: هذا سيِّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، هذا الذي بعثه الله رحمة للعالمين. فقال شيوخُ مَنْ قدم معه من قريش: وما علمك؟ قال: عِلْمي أنكم لما أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلّ خرّ ساجداً ولا يسجد(٤) إلاّ لنبي، وأعرفه بالصّفة وبخاتم النبوة مثل التفاحة أسفل من غضروف كتفه، ثم انطلق بحيرى فأتاهم بطعام(٥)، والنبي ◌َّ في رعيهِ إبل أصحابه، فقال: أرسلوا إليه، فأرسلوا إليه، فقال بحيرى: انظروا عليه غمامة تظله! فانتهى إليهم وقد علموه على الشجرة في الشجرة، فجلس رسول الله وَلير ومال إليه فيء الشجرة، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة كيف مال إليه! فبيناهم يأكلون وهو قائم عليهم؛ إذ هو بفوارس(٦) من الروم مقبلين، فلما رآهم بحيرى استقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: جئنا لأنه بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق من طرق الروم إلاّ وقد بعث عليه قوم وبعثنا إلى هذه الطريق. فقال: ما وراءكم أفضل لكم، قال: أرأيتم أمراً أراد الله أن يمضيه يستطيع أحد ردَّه؟ (١) رواه ابن الأثير في أسد الغابة ١٩٩/١ عن ابن عباس. وقال ابن الأثير: أخرجه ابن منده وأبو نعيم. ورواه ابن حجر في الإصابة ١/ ٢١٠ (ط دار الفكر) والسيوطي في الخصائص ١٤٥/١ - ١٤٦. وعقب ابن حجر بقوله: فهذا إن صح يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب. (٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة ٢٤/٢ بسنده إلى أبي موسى الأشعري. وأبو نعيم في دلائل النبوة ص ١٧٠ رقم ١٠٩. (٣) تخللهم: دخل بينهم. (تاج العروس: خلل). (٤) كذا، وفي دلائل البيهقي: يسجدان. (٥) في دلائل البيهقي وأبي نعيم: ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به. (٦) في دلائل أبي نعيم: فإذا هو بسبعة نفر، وفي دلائل البيهقي: بتسعة نفر. ٣٤٠ [٩٧٣٥] بختري بن عبيد بن سليمان الطابخي فتبعوه وأقاموا وأناهم بحيرى فقال: أيكم ولي هذا الغلام؟ فأشاروا إلى أبي طالب. فقال: إنهم إن رأوه عرفوه، فقتلوه، فزده أبو طالب. وذكر حديث بحيرى لما عمل الطعام ودعاهم إليه، وقد ذكرناه في ترجمة سيدنا رسول الله ولو، وقال في آخره: وكان رجال من يهود(١) قد رأوا رسول الله وَله؛ وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بحيرى فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم. قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه، وتركوه، ورجع أبو طالب فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه. [٩٧٣٥] بختريّ بن عبيد ابن سليمان الطّابخي الكلْبِي من أهل القلمون(٢) من قرية الأفاعي(٣). [روى عن: سعد بن مسهر، وأبيه عبيد بن سلمان. روى عنه: إسماعيل بن عياش، وحماد أبو يحيى السكوني، وسلمة بن بشر بن صيفي الدمشقي، وسليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، ومحمد بن أبي السري العسقلاني، ومحمد بن المبارك الصوري، وهشام بن عمار، والوليد بن مسلم](٤). [قال أبو محمد بن أبي حاتم](٥): [البختري بن عبيد بن سلمان الطابخي روى عن أبيه عن أبي هريرة، روى عنه الوليد بن مسلم، وسليمان بن شرحبيل، ومحمد بن المتوكل العسقلاني وهشام بن عمار، سمعت أبي يقول ذلك. . (١) في السيرة النبوية: نفر من أهل الكتاب. . [٩٧٣٥] ترجمته في تهذيب الكمال ١٤/٣ وتهذيب التهذيب وتقريبه ٤٣٩/١ (٦٨٥) (ط دار الفكر) وميزان الاعتدال ٣١٣/١ (١٣١٧) (ط دار الفكر) ومعجم البلدان (القلمون ٣٩١/٤) والجرح والتعديل ٤٢٧/١/١ والكامل لابن عدي ٢/ ٥٧. وعبيد، بالضم، مصغراً، وفي معجم البلدان: عبيد اللّه. في تهذيب الكمال: ((الطانجي)) والطابخي بالموحدة بعد الألف ثم معجمة (الخلاصة). . (٢) : القلمون: بدمشق، وقال أبو عبيد البكري: في واح الداخلة حصن يسمى قلمون مياهه حامضة يشربون منها وبها يسقون زروعهم (معجم البلدان). (٣) الأفاعي: وادٍ قرب القلزم من أرض مصر، (انظر معجم البلدان ٢٢٧/١). (٤) الزيادة بين معكوفتين استدركت عن تهذيب الكمال ١٤/٣. (٥) الزيادة للإيضاح.