Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهٹ عَمْرو مُوسَى بن إِسْمَاعيل بن إِسْحَاق القاضي، نَا مُحَمَّد بن أَحْمَد بن البراء، أَنَا عَبْد المنعم ابن إدريس، نَا عَبْد الصَّمد بن معقل، عَن وهب بن مُنَبّه، عَن ابن عباس قال: قال مُوسَی یا رب أمهلت فِرُعون أربعمائة سنة وهو يقول ﴿أنا ربكم الأعلى﴾(١) ويكذب بآياتك ويجحد رسلك، فأوحى الله إليه أنه كان حسن الخُلق، سهل الحجاب، فأحببتُ أن أكافئه. أَنْبَأنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بن المُظَفّر بن الحَسَن بن سوسن، وأَخْبَرَني أَبُو طاهر مُحَمَّد بن مُحَمَّد السنجي عنه، أَنَا أَبُو عَلي الحَسَن بن أَحْمَد بن إِبْرَاهيم بن الحَسَنِ، نَا مُحَمَّد بن جَعْفَر ابن مُحَمَّد الآدمي القارىء - من لفظه - أنا أَبُو بَكْر أَحْمَد بن عُبَيْد اللّه - صاحب النرسي - أنا يزيد بن هارون(٢) سنة إحدى ومائتين، أَنَا أصبغ بن زيد الورّاق الجهني، حَدَّثَني القاسم بن أبي أيوب، حَدَّثَني سعيد بن جُبير قال: سألت عَبْد اللّه بن عباس عن قول الله لمُوسَى: ﴿وفتناك فتوناً﴾(٣) فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنفِ النهار بابن جُبير، فإنّ لها حديثاً طويلاً، فلمّا أصبحتُ غدوتُ على ابن عبّاس لأنجز(٤) ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فِرْعون وجلساؤه ما كان الله وعد إِبْرَاهيم من أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إنّ بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكّون فيه، وقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلمّا ملك قالوا: ليس هكذا، كان الله وعد إِنْرَاهيم، قال فِرْعون: فكيف ترون؟ فأمروا(٥) جميعاً أمرهم على أن يبعث رجالاً منهم السفّار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلاَّ ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلمّا رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون قالوا: توشكون(٦) أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي (٧) كانوا يكفونكم، فأقبلوا على كلّ مولودٍ ذكر فيقتل عامهم ودعوا عاماً فلا تقتلوا [منهم](٨) أحداً فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن يستحيوا منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون(٩) فيحتاجون إليهم، فأجمعوا (١) سورة النازعات، الآية: ٢٤. (٢) حديث الفتون رواه ابن كثير في تفسيره مطولاً ٢٤٥/٣ وفي البداية والنهاية ٣٤٩/١ وما بعدها. (٤) في البداية والنهاية : لأتنجز. (٣) سورة طه، الآية: ٤٠. (٥) في البداية والنهاية: فائتمروا. (٦) الأصل وم ود: توشكوا، والمثبت عن البداية والنهاية. (٧) الأصل: الذي، والمثبت عن د، وم. (٨) زيادة عن د، وم. (٩) الأصل وم ود: تقتلوا، والمثبت عن البداية والنهاية. ٨٢ موسى بن عمران بن یصھر بن قاهٹ أمرهم على ذلك، فحملت أم مُوسَى بهارون في العام الذي لا يُذبح فيه الغلمان فولدته علانية أمه(١)، فلما كان من قابل حملت بمُوسَى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به فأوحى الله إليها: لا تخافي ولا تحزني إنّا رَادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، وأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في البحر، فلما ولدته فعلت ذلك به، فلما توارى عنها ابنها ناجاها(٢) الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني، لو ذُبح عندي فواريته وكفنته كان أحبّ إليَّ من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة(٣) مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن (٤): إنّ في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحركن(٥) منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلمّا فتحته رأت غلاماً، فألقى الله عليه منه (٦) محبة لم يلقَ مثلها على أحدٍ من البشر، و﴿أصبح فؤاد أم موسى فارغاً﴾(٧) من ذكر كل شيء إلاَّ [من](٨) ذكر مُوسَى، فلما سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فِرْعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فِرْعون، فاستوهبته منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فِزْعون فقالت: ﴿قرّة عين لي ولك﴾(٩)، قال فِرْعون: يكون لك، فأمّا أنا فلا حاجة لي في ذلك، قال رَسُول الله ◌َّر: ((والذي نحلف به لو أقرّ فِزْعون بأن يكون له قرّة عين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هداها، ولكن الله حرمه ذلك)) (١٢٥٤٢]، فأرسلت إلى من حولها، لكل امرأة لها لبن تختار له ظئراً فجعل كلما أخذ ئدي امرأة منهن ليرضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع عن اللبن فيموت، وأحزنها ذلك، وأمرت به، فأخرج إلى السوق وتجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها، فلم يقبل، فأصبحت أم مُوسَى والها، فقالت ﴿لأخته قصيه﴾ قصّي أثره واطلبيه (١) في البداية والنهاية: آمنة. (٣) الفرضة: ثلمة تكون في النهر، وفرضة النهر: مشرب الماء منه (راجع اللسان: فرض). (٤) عن البداية والنهاية، وبالأصل وم، ود: بعضهم. (٥) الأصل وم، ود، وفي البداية والنهاية: يخرجن. (٦) البداية والنهاية: منها. (٨) زيادة عن البداية والنهاية. (١٠) كذا بالأصل وم، ود، والوجه: تسمعي. (٢) البداية والنهاية: أتاها. (٧) سورة القصص، الآية: ١٠. (٩) سورة القصص، الآية: ٩. ٨٣ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث حتى تسمعين(١) له ذكراً، أحي ولدي أو قد أكلته الدواب؟ ونسيت الذي كان وعدها فيه، ﴿فبصرت به﴾ أخته ﴿عن جنب وهم لا يشعرون﴾(٢)، والجُنُب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظّارات: أنا ﴿أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾(٣)، فأخذوها وقالوا لها: ما يدريك ما نصحهم له، هل تعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير، قالت: نصحهم له وشفقتهم عليه لرغبتهم في صهر الملك، ورجاء منعته(٤)، فأرسلوها، فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمّه، فلمّا وضعته في حجرها نزا(٥) إلى ثديها فمصّه حتى امتلأ جنباه رياً، وانطلق البشير إلى امرأة فِزْعون يبشرونها إنا قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها، فأُتيت بها، فلمّا رَأْت مَا يصنع بها قالت: فامكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإنّي لم أحبّ حبه شيئاً قط، قالت أم مُوسَى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلاّ فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم مُوسَى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فِرْعون، وأيقنت أن الله منجزٌ وعده، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً وحفظه لما قد قضى فيه. فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية مجتمعين يمتنعون(٦) به من السُّخْرة والظلم ما كان فيهم، فلمّا ترعرع قالت امرأة فِرْعون لأم مُوسَى: أريني ابني، فوعدتها يوماً تريها، فقالت امرأة فِرْعون لخَزّانها وظؤرتها وقهارمتها(٧) لا يبقى أحد منكم اليوم إلاَّ استقبل ابني بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحصي ما يصنع كلّ إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنّحَل (٨) تستقبله من حين خرج من بيت أمّه إلى أن دخل بيت امرأة فِرْعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين به فِرْعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دُخل به عليه جعله في حجره، فتناول مُوسَى لحية فِرْعون فمدّها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفِرْعون أَلاَ ترى ما وعد الله إِبْرَاهيم نبيه؟ (١) كذا بالأصل وم و((ز))، والوجه: تسمعي. (٢) سورة القصص، الآية: ١١. (٣) سورة القصص، الآية: ١٢. (٤) كذا بالأصل وم ود، وفي البداية والنهاية: ورجاء منفعة الملك. (٥) أي وثب. (٦) الأصل: يمتعون، وبدون إعجام في م، وفي د: يمنعون، والمثبت عن المختصر. (٧) القهارمة جمع قهرمان، وهو الوكيل والحافظ لما تحت يده، من أمناء الملك وخاصة (اللسان). (٨) النحل: العطايا . ٨٤ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث أنه يذلك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كلّ بلاء ابتُلي به أو أريد به فتوناً، فجاءت امرأة فِرْعون تسعى إلى فِرْعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ قال: [ألا](١) ترينه(٢) يزعم أنه سيصرعني وسيعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقرّبهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، وإنّ تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرّب إليه ذلك، فتناول الجمرتين فانتزعوها منه، وخافت أن يحرقا يديه، فقالت المرأة : - أَلاَ ترى؟ فصرفه الله عنه بعدما كان قد همّ به، وكان الله بالغاً فيه أمره، فلمّا بلغ أشدّه وكان من الرجال لم يكن أحدٌ من آل فِرْعون يخلص إلى أحدٍ من بني إسرائيل معه بظلم ولا سُخْرة، حتى امتنعوا كلّ الامتناع، فبينا مُوسَى يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فِرْعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفِرْعوني فغضب مُوسَى غضباً شديداً لأنه تناوله وهو يعلم منزلة مُوسَى من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلاَّ إنّما ذلك من الرضاع إلاَّ أم مُوسَى، إلاَّ أن يكون الله أطلع مُوسَى من ذلك على ما لم يطّلع عليه غيره، فوكز مُوسَى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحدٌ إلاَّ الله والإسرائيلي، فقال مُوسَى حين قتل الرجل: ﴿هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين﴾(٣)، ﴿قال رب إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له، إنه هو الغفور الرحيم﴾(٤) فأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار، فأُتي فِرْعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فِزْعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، قال: ابغوني قاتله وبمن يشهد عليه، فإنّ الملك وإن كان صفوة(٥) مع قومه، لا يستقيم له أن يقتل بغير بينة، ولا ثبت، فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينا هم يطوفون ولا يجدون شيئاً، إذا مُوسَى قد رأى من الغد ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فِزْعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفِرْعوني، فصادف مُوسَى قد ندم على ما كان منه، فكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي فهمّ بعد أن يبطش بالفِرْعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم ﴿إنك لغوي مبين﴾(٦)، فنظر الإسرائيلي إلى مُوسَى بعدما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل به الفِرْعوني، (١) زيادة لازمة عن البداية والنهاية . (٢) عن البداية والنهاية، وبالأصل ود، وم: تربيه. (٤) سورة القصص، الآية: ١٦. (٣) سورة القصص، الآية: ١٥. (٥) الأصل: صنعه، والمثبت عن م، ود، والبداية والنهاية. (٦) سورة القصص، الآية: ١٨. ٨٥ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث فخاف أن يكون بعدما قال: ﴿إنك لغوي مبين﴾ أن يكون إيّاه أرَاد، ولم يكن أرَاده، وإنّما أَرَادِ الفِرْعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاجر الفِرْعوني فقال: ﴿يا مُوسَى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس﴾(١)، وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أرَاد مُوسَى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفِرْعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: ﴿أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس﴾ فأرسل فِرْعون الذباحين ليقتلوا مُوسَى، فأخذ رسل فِرْعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون مُوسَى، وهم يخافون أن يفوتهم، وجاء رجل من شيعة مُوسَى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى مُوسَى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير . فخرج مُوسَى متوجهاً نحو مَذْيَن، لم يلقَ بلاء مثل ذلك، وليس له بالطريق علم، إلاّ حسن ظنّه بربّه، قال: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾(٢) جالستان - يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما: ﴿ما خطبكما﴾ معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإنّما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرعاء فراغاً، فانصرفتا بغنمهما إلى أَبيهما، فانصرف مُوسَى فاستظلّ بشجرة وقال: ﴿رب إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقيرٌ﴾(٣)، فاستنكر أَبُوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا(٤) بطاناً، فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع مُوسَى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، [فأتت موسى](٥) فدعته، فلما كلمه قال: ﴿لا تخف، نجوت من القوم الظالمين﴾(٦) لا لفِرْعون ولا لقومه علينا سلطان(٧)، ولسنا في شيء من مملكته، قال: فقالت إحداهما: ﴿يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾(٨)، فاحتملته الغيرة على أن قال: وما يدريك ما قوته، وما أمانته؟ قالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين يسقي لنا لم أَرَ رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقبلتُ إليه وقد شخصتُ له، فلمّا علم أنّ امرأة صوّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إليّ حتى بلّغتُ رسالتك ثم قال: امشٍ خلفي، وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلاَّ وهو أمين، فسرى عن أَبيها وصدّقها وظن به الذي قالت: فقال (١) سورة القصص، الآية: ١٩. (٢) سورة القصص، الآيتان ٢٢ و٢٣. (٣) سورة القصص، الآية: ٢٤. (٤) حفلا بطانا: يعني درت ضروعها وشبعت بطونها. (٥) زيادة عن البداية والنهاية . (٦) سورة القصص، الآية: ٢٥. (٧) الأصل: سلطانا، والمثبت عن م، ود. (٨) سورة القصص، الآية: ٢٦. ٨٦ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث له: هل لك ﴿أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممتَ عشراً فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾(١)، ففعل، فكانت على نبي الله مُوسَى صلى الله عليه وسلم ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته وأتمّها عشراً. قال سعيد(٢): فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم فقال: هل تدري أي الأجلين قضى مُوسَى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عبّاس، فذكرت ذلك له فقال: أما علمتَ أن ثمانياً كانت على نبي الله صلى الله عليه وسلم واجبة، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئاً؟ وتعلم أنّ الله كان قاضياً عن مُوسَى عدته التي وعد فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني، فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك؟ قلت: أجل، وأولى، فلما سار مُوسَى بأهله كان من شأنه ما قصّ الله عليه في القرآن وأمر العصا ويده، فشكا إلى ربّه ما يتخوّف من آل فِزْعون في القتيل وعقدة لسانه(٣)، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له رداً يتكلم عنه بكثير مما [لا](٤) يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله، وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون يأمره أن يلقاه، فاندفع مُوسَى بعصاه حتى لقي هارون، فانطلقا جميعاً إلى فِزْعون، فأقاما على بابه حيناً، لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿إِنّا رسولا ربك﴾(٥)، قال: ﴿فمن ربكما يا مُوسَى؟﴾ (٦) فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن قال: فما تريدان، وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله، وأن ترسل معي بني إسرائيل، قال: فأَبى عليه ذلك، وقال: ﴿ائت بآية إن كنت من الصادقين﴾(٧) فألقى عصاه، فإذا هي حية عظيمة فاغرة فاها، مسرعة إلى فِرْعون، فلما رأَها فِرْعون قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره واستغاث بُمُوسَى أن يكفّها عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه أو قال من جبته، فرآها ﴿بيضاء من غير سوء﴾(٨) يعني: من غير برص، ثم ردّها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار (١) سورة القصص، الآية: ٢٧. (٢) يعني سعيد بن جبير، وهو راوي الحديث عن ابن عباس. (٣) الأصل وم ود: ((وعقد لسانه)) والمثبت عن البداية والنهاية. (٤) زيادة عن البداية والنهاية. (٦) سورة طه، الآية : ٤٩. (٧) سورة الشعراء، الآية: ١٥٤ وفي التنزيل العزيز: فأت. (٨) سورة القصص، الآية: ٣٢. (٥) سورة طه، الآية: ٤٧. ٨٧ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث الملأ حوله فيما رَأى فقالوا: ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾(١) يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش، فأَبُوا على مُوسَى أن يعطوه شيئاً مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثير، تغلب بسحرهم سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فِزْعون قالوا: ما يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل الحيّات، قالوا: فلا والله ما أحدٌ في الأرض من يعمل بالسحر وبالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبناه؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كلّ شيء أحببتم، فتواعدوا ﴿يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى﴾(٢)، قال سعيد: فحَدَّثَني ابن عبّاس: أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه مُوسَى على فِرْعون والسحرة، [وهو] يوم عاشوراء، قال: فلمّا اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، يعنون مُوسَى وهارون، فاستُهزىء بهما فقالوا: يا مُوسَى بعد تريثهم(٣) بسحرهم: ﴿إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين﴾ (٤)، ﴿قال: بل القوا فإذا حبالهم وعصيهم﴾(٥) ﴿وقالوا: بعزّة فِرْعون إنّا لنحن الغالبون﴾(٦)، فرأى مُوسَى من سحرهم ما أوجش(٧) في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه ﴿أن ألق عصاك﴾ فلمّا ألقاها صارت ثعباناً عظيماً، فاغرة فاها، فجعلت العصي تدعو مُوسَى بأسرها وبالحبال حتى صارت جُرَزاً (٨) إلى الثعبان حتى يدخل منه ما أبقى عصاً ولا حبلاً إلاَّ ابتلعته، فلمّا عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً (٩) لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله، آمنا بالله وبما جاء به مُوسَى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فِرْعون عند ذلك الموطن وأشياعه وأظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك، ﴿وانقلبوا صاغرين، وأُلقي السحرة ساجدين﴾(١٠) وامرأة فِزْعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لمُوسَى على فِرْعون وأشياعه، فمن رَآها من آل فِرْعون ظنّ أنها لما ابتذلت شفقة على فِرْعون (١) سورة طه، الآية: ٦٣. (٢) سورة طه، الآية: ٥٩. (٣) الأصل: (لقدربهم)) وفي م: لقدربهم)). (٤) سورة الأعراف، الآية: ١١٥. وقولهم لموسى: ﴿إما أن تلقي﴾ فيه أدب منهم تجاه موسى وكأن ذلك إشارة إلى قرب إيمانهم، ولعله أحد أسبابه . (٦) سورة الشعراء، الآية: ٤٤. (٥) سورة طه، الآية: ٦٦. (٧) الأصل: وجس، والمثبت عن د، وم. (٨) الأصل ود، وم: جوزا، والمثبت عن البداية والنهاية . (٩) الأصل وم ود: سحر. (١٠) سورة الأعراف، الآيتان ١١٩ - ١٢٠. ٨٨ موسی بن عمران بن یصهر بن قاهٹ وأشياعه، وإنّما كان خوفها وهمّها لمُوسَى، فلمّا طال مكث مُوسَى صلى الله عليه وسلم لمواعيد فِرْعون الكاذبة كلما جاءه بآية كذّبه ووعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يفعل غير هذا؟ فأرسل الله عليه وعلى قومه الطُّوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات، كلّ ذلك يشكو إلى مُوسَى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه(١) على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفّ ذلك عنه أخلف موعده، ونكث عهده حتى أُمر مُوسَى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلاً، فلمّا أصبح فِرْعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل ﴿في المدائن حاشرين﴾ فاتبعهم بجنود عظيمة كثيرة، فأوحى الله إلى البحرأن إذا ضربك عبدي مُوسَى بعصاه فتفرّق له اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز مُوسَى ومن معه، ثم التقِ(٢) على من بقي بعد من فِرْعون وأشياعه، فنسي مُوسَى أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى البحر وله قصيف(٣) مخافة أن يضربه مُوسَى بعصاه وهو غافل، فيصير عاصياً لله، ﴿فلمّا تراءى الجمعان﴾(٤) وتقاربا قال قوم ﴿مُوسَى: إنا لمدركون﴾ افعل ما أمرك به ربك، فإنك لم تكذب، ولم يكذب، فقال: وعدني ربي أني إذا أتيت البحر انفرق لي اثنتي عشر فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر، فانفرق له حتى دنا أوائل جند فِرْعون من أواخر جند مُوسَى، فتفرق البحر كما أمره الله فيه، وكما وعد مُوسَى، فلمّا أن جاز مُوسَى وأصحابه البحر كلهم ودخل فِرْعون وأصحابه، التقى البحر كما أُمر، فلمّا أن جاوز مُوسَى البحر قال أصحابه: إنّا نخاف أن لا يكون فِرْعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه لهم ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم، ﴿قالوا: يا مُوسَى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون إنّ هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾(٥)، قد رأيتم من العبر وسمعتم بما يكفيكم، ومضى فأنزلهم مُوسَى منزلاً، ثم قال لهم أطيعوا هارون، فإنّي قد استخلفته عليكم، وإنّي ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلمّا أتى ربه فأراد أن يكلّمه في ثلاثين يوماً، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، كره أن يكلّم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى من (١) في سنن النسائي: ويواثقه. (٢) الأصل وم ود: التقي، والمثبت عن البداية والنهاية. (٣) القصيف: هشيم الشجر، وهنا: صليل البحر وهديره. (٤) سورة الشعراء، الآية: ٦١. (٥) سورة الأعراف، الآية: ١٣٨ و١٣٩. ٨٩ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهٹ نبات(١) الأرض شيئاً فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا ربّ، إنّي كرهت أن أكلمك إلاَّ وفمي طيب الريح، قال: وما علمت يا مُوسَى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ حتى(٢) يصوم عشراً ثم ائتني(٣)، ففعل مُوسَى ما أُمر به، فلما رأى قوم مُوسَى أنه لم يرجع إليهم للأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم فقال: إنكم خرجتم من مصر ولقوم فِزعون عندكم عوارٍ وودائع(٤) ولكم فيھم مثل ذلك، وإني أرى أن تخمّسوا(٥) ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادي إليهم شيئاً من ذلك، ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيراً، وأمر كلّ من عنده شيء من ذلك من متاع أو حلية أن يدفنوه في تلك الحفيرة، ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لا لنا ولا لهم. وكان السامريّ من قوم يعبدون البقر، [جير](٦) ان لهم، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع مُوسَى وبني إسرائيل حين احتملوه، فقضى له أن رأى أثر الرسول، فأخذ منه قبضة فمرّ بهارون فقال له هارون: يا سامري، أَلاَ تلقي مَا في يدك؟ وهو قابض عليه، لا يراه أحد طوال ذلك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيءٍ إلاَّ أن تدعو الله إذا ألقيتها ما أريد أن يكون، فألقاها ودعا له هارون فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلاً أجوف، لیس فیہ روح، له خوار. قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، إنّما كان الريح يدخل من دبره ويخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فِرَقاً، فقالت فرقة: يا سامريّ ما هذا فأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن مُوسَى ضلّ الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا ﴿حتى يرجع إلينا مُوسَى﴾(٧)، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه ولا عجزنا عنه حين رأيناه، وإن (١) قيل إنه عود من خرنوب. (٢) كذا بالأصل وم ود، وفي البداية والنهاية: ارجع فصم عشراً. (٣) الأصل وم ود: أسر، والمثبت عن البداية والنهاية. (٤) كان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي وزينة من آل فرعون ليلة خروجهم من مصر بحجة التزين بها في عيد لهم، - عيد الزينة -. (٥) الأصل وم ود: ((يحبسوا)) وفي البداية والنهاية: تحتسبوا والمثبت عن المختصر. (٦) مكانها بياض بالأصل وم، والزيادة عن د، والبداية والنهاية. (٧) سورة طه، الآية : ٩١. ٩٠ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث لم يكن ربنا فإنا نتبع قول مُوسَى، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان وليس بربنا، ولا نؤمن به ولا نصدّق به وأُشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا(١) أنا لا نكذب به. فقال: ﴿لهم هارون﴾ ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن﴾(٢) ليس هكذا. قالوا: فما بال موسى [وعدنا](٣) ثلاثين ليلة ثم أخلفنا، فهذه أربعون قد مضت، وقال سفاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، وأخبره بما لقي قومه ﴿فرجع إلى قومه غضبان أسفاً﴾(٤) فقال لهم: ما سمعتم في القرآن؟ ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾ ﴿وألقى الألواح﴾ من الغضب، ثم إنه عذر أخاه، فعذره واستغفر له، وانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت ﴿قبضة من أثر الرسول﴾(٥)، وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها ﴿وكذلك سولت لي نفسي، قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لنتسفنه في اليم نسفاً﴾(٦) ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون. وقالوا بجماعتهم لموسى : سل لنا ربك أن يفتح باب توبة نصنعها ونكفر عنا ما عملنا، فاختار ﴿موسى قومه سبعين رجلاً﴾(٧) لذلك، لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله وَليّ من قومه، ووفده حين فعل بهم ما فعل، فقال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾(٨) وفيهم من كان الله اطلع على ما أشرب في قلبه من حب العجل وإيماناً به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال رحمة ربي ﴿وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾(٩)، فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخّرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة. فقال الله له: إن توبتهم أن يقتل كل (١) الأصل وم ود: وأعلموا، والمثبت عن البداية والنهاية . (٢) سورة طه، الآية: ٩٠. (٣) سقطت من الأصل ود، وم، وبالأصل علامة تحويل إلى الهامش، والزيادة عن البداية والنهاية. (٥) سورة طه، الآية: ٩٦. (٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٠. (٦) سورة طه، الآيتان ٩٦ و٩٧. (٨) سورة الأعراف، الآية: ١٥٥. (٧) سورة الأعراف، الآية: ١٥٥. (٩) سورة الأعراف، الآيتان ١٥٦ و١٥٧. ٩١ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهٹ رجل منهم كل من لقي من ولدٍ أو والد، فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وثاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون ما اطلع الله عليه من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وسار موسى بهم متوجهاً نحو الأرض المقدسة و﴿أخذ الألواح﴾ بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمرهم أن يبلغهم من الوظائف فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها فشق الله عليهم الجبل، ﴿كأنه ظلة﴾(١) ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون برؤوسهم، ينظرون إلى الجبل وإلى الأرض، والكتاب بأيديهم وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجودوا مدينة فيها قوم جبارون(٢)، خلقهم خلقاً منكرة، ذكر من ثمارهم أمراً عجباً من عظمها، فقالوا: ﴿يا موسى إن فيها قوماً جبارين﴾(٣) لا طاقة لنا بهم، ولا ﴿ندخلها أبداً ما داموا فيها﴾ (٤) ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون﴾(٥) من الجبارين: آمنا بموسى - قال يزيد - [هكذا قرأ ابن عباس: ](٦) ﴿من الجبارين آمنا بموسى﴾ وخرجا إليه فقالا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون [ما رأيتم من](٧) أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم. فادخلوا [﴿عليهم الباب، فإذا دخلتموه] فإنكم غالبون﴾(٨). ويقول إناس إنهم من قوم موسى - وزعم سعيد بن جبير أنهما [من الجبارين آمنا] (٩) بموسى يقول: ﴿من الذين يخافون﴾ إنما أعني بذلك من الذين يخافهم بنو [إسرائيل، ﴿قالوا: يا موسى إنا لن ند] (١٠) خلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا(١١) إنا ها هنا [قاعدون﴾(١٢)، فأغضبوا موسى](١٣) فدعا عليهم، فسماهم قوماً فاسقين، ولم يدع (١) سورة الأعراف، الآية: ١٧١. (٢) الأصل وم ود: جبارين، والمثبت عن البداية والنهاية. (٣) سورة المائدة، الآية: ٢٢. (٤) سورة المائدة، الآية: ٢٤. (٥) سورة المائدة، الآيتان ٢٢ و٢٣. (٦) مطموس بالأصل، والزيادة بين معكوفتين عن م ود. (٧) مطموس بالأصل، والمستدرك عن د، وم. (٨) سورة المائدة، الآية: ٢٣. (٩) مطموسة بالأصل، والمستدرك بين معكوفتين عن م، ود. (١٠) مطموس بالأصل، والمستدرك بين معكوفتين عن م، ود. (١١) مطموسة بالأصل والمثبت عن د، و(ز)). (١٢) سورة المائدة، الآية: ٢٤. (١٣) مطموس بالأصل، والمستدرك بين معكوفتين عن د، وم. ٩٢ موسی بن عمران بن يصهر بن قاهٹ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين فحرّمها ﴿عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾(١) يصبحون كل يوم فيسيرون، ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً وأمر موسى فضربه بعصاه فانجرت منه اثنتي عشرة(٢) عيناً، في كل ناحية ثلاثة(٣) أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من منقلة (٤) إلاّ وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي کان منه بالأمس . رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي وَالت، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس حدث هذا الحديث فأنكره عليه أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل. وقال: كيف يفشي عليه، ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلّ الإسرائيلي الذي حضر ذلك وشهده، فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله وَّل عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي أفشى عليه أو الفرعوني؟ فقال: إنما أفشى عليه الفرعوني ما سمع من الإسرائيلي الذي شهد عليه وحضره. قرأنا على أَبي عَبْد اللّه يَحْيَى بن الحَسَن، عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد، أَنَا عَلي بن مُحَمَّد بن خَزَفة . ح وعن أَبي الحُسَيْن بن الآبنوسي، أَنَا أَحْمَد بن عبيد بن الفضل، قَالا: أنا مُحَمَّد بن الحَسَن الزعفراني، نَا ابن أَبِي خَيْثَمة قال: سئل يَخيّى بن معين عن أصبغ بن زيد فقال: ثقة . قال: ونا ابن أَبِي خَيْئَمة، أَنَا(٥) سُلَيْمَان بن أَبي شيخ قال: قال مُحَمَّد بن يزيد الواسطي القاسم بن أبي أيوب مولى بني أسد، كان اسم أبي أيوب حباب. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ، نَا أَبُو الحُسَيْن مُحَمَّد بن علي بن المهتدي، أَنَا يوسف بن عُمَر القوّاس، نَا أَبُو القَاسِم عَبْد اللّه بن أَحْمَد بن ثابت - إملاء من لفظه ـ نا أيوب (١) سورة المائدة، الآية: ٢٦. (٢) كذا بالأصل وم ود، والوجه: اثنتا عشرة. (٤) المنقلة: المرحلة من مراحل السفر (اللسان). (٥) من قوله: قال: سئل .. إلى هنا سقط من د. (٣) كذا بالأصل ود، وم. ٩٣ موسى بن عمران بن یصھر بن قاهٹ يعني ابن الوليد، نَا أَبُو النَّضْر عن مُحَمَّد بن الفضل بن عطية، عَن أَبيه، عن عَبْدِ اللّه بن عُمَير الليثي عن أبيه قال: بلغنا أن الله أهدى إلى موسى خمس دعوات جاء بهن جبريل في أيام العسر، وقال: يا مُوسَى ادعُ بهؤلاء الخمس دعوات، فإنه ليس عبادة أحبّ إلى الله من عبادة أيام العسر أوّلهن: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير . والثانية: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، إلهاً أحداً، صمداً، لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً. والثالثة: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، أحداً صمداً. والرابعة: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير . والخامسة: حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى . فقال الحواريون - يعني - لعيسى بن مريم: ما ثواب من قال هؤلاء الكلمات؟ فقال: أما من قال الأولى(١) مائة مرة: فإنه(٢) لا يكون أحد من أهل الأرض عمل مثل ذلك ذلك اليوم، وكان أكثر العباد حسنات يوم القيامة، ومن قال الثانية مائة مرة: كأنّما قرأ التوراة والإنجيل اثنا عشر(٣) مرة، وأعطي ثوابهما، ومن قال الثالثة مائة مرة كتبت له بها عشرة آلاف ألف حسنة، ومحي عنه بها عشرة آلاف ألف سيئة، ويفتح (٤) له بها عشرة آلاف ألف درجة، ونزل سبعون ألف ملك من سماء الدنيا رافعين أيديهم يصلون على من قالها، ومن قال الرابعة مائة مرة: تلقاها ملك(٥) حتى يضعها بين يدي الرَّحمن تبارك(٦) وتعالى وينظر الله إلى من قالها ومن(٧) نظر الله إليه لا يشقى، قال عيسى: أخبرني ما ثواب الخامسة؟ قال جبريل: هي دعوتي، ولم يؤذن لي أن أفسّرها. (١) الأصل: الأول، والمثبت عن د. (٢) من قوله: يعني .. إلى هنا سقط من م. (٣) كذا بالأصل وم ود؛ ((اثنا عشر)) والوجه: اثنتي عشرة مرة. (٤) مطموسة بالأصل، والمثبت عن د، وم. (٥) في م: ملكاً. (٦) مطموسة بالأصل، والمثبت عن د، وم. (٧) قوله: ((من قالها ومن)) مطموسة بالأصل، وكتبت الكلمات تحت السطر. ٩٤ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث أَخْبَرَنَا أَبُو تراب حيدرة بن أَحْمَد، وأَبُو الوحش سُبيع بن المسلم - إذناً - قالا: أنا أَبُو بَكْر الخطيب - لفظاً - أنا أَبُو الحَسَن بن رزقويه، أَنَا أَبُو بكر بن سندي، أَنَا الحَسَن بن عَلي، أَنَا إِسْمَاعيل بن عيسى، نَا أَبُو حُذَيفة، أَنَا مقاتل بن سُلَيْمَان، وجُويبر، عَن الضّحَاك، عَن ابن عبّاس أنه قال في هذه الآية: ﴿إنّ قارون كان من قوم مُوسَى فبغى عليهم﴾(١) يعني كان ابن عمّ مُوسَى(٢)، وكان قارون بن يصهر(٣) بن لاوي. قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا ابن سمعان، حَدَّثَني من له علم بالعلم الأوّل ممن أسلم من أهل الكتاب . أن قارون خرج مع مُوسَى منافقاً، فلم يزل على نفاقه على مُوسَى وقومه فأهلكه الله، وكان من بغيه أن امرأة بغية كانت تسمّى بشيرا، دعاها قارون فقال لها: يا بشيرا أعطيك مائة دينار، فانطلقي إلى محلة بني إسرائيل، فقولي إنّ مُوسَى أرسل إلي بهذه المائة دينار يدعوني إلى نفسه، فإذا فعلت فهذه المائة لك، وأعطيك مثلها، فانطلقت حتى أتت محلة بني إسرائيل، فقالت: يا معشر بني إسرائيل، فهمّت أن تقول ما قال لها قارون، فحوّل الله كلامها، فقالت: إنّ قارون أرسل إليّ بهذه الدنانير وأمرني أن أعلم الناس أن مُوسَى أرسل إليّ بها، وأنه راودني عن نفسي، ويعطيني مثلها أيضاً، فغضب مُوسَى غضباً شديداً قال: ثم قام حتى دخل بيته، فجاءت بنو إسرائيل إلى قارون - وكان أغنى أهل زمانه - فأقبلوا عليه، فقالوا له: ويحك يا قارون، ما حملك على مَا صنعت؟ هذا مُوسَى نبي الله وهو ابن عمّك، وقد أهلك الله عدونا وبسط الله لك من الدنيا ما لم يعطه أحداً من بني إسرائيل، فلا تفرح، يعني لا يحملنّك على ما تصنع البَطَر، ولا تبطر، إن الله لا يحب البطرين، ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾(٤)، يقول: لا تَدَغْ حظ آخرتك بدنياك، وخذ لآخرتك من دنياك، وقدّم لها. قال عند ذلك قارون: ﴿إنّما أوتيته﴾ يعني هذا المال ﴿على علم عندي﴾(٥) ومُوسَى يَمُنّ عليّ أن الله رزقني. قال: وكان يعلم علم الكيمياء وهو صنعة الذهب، فلمّا أن سمعوا ذلك منه خرجوا من (١) سورة القصص، الآية: ٧٦. (٢) وهو قول أكثر أهل العلم، وقال ابن إسحاق إنه كان عم موسى (البداية والنهاية ٣٦٠/١). (٣) الأصل: صهر، وفي م ود: مصهر، والمثبت عن الطبري والبداية والنهاية. (٤) سورة القصص، الآية: ٧٧. (٥) سورة القصص، الآية: ٠.٧٨ ٩٥ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث عنده، وأراد الله هلاكه وأن يلحقه بصاحبه فِزْعون، قال: ﴿فخرج على قومه في زينته﴾(١) قال: خرج راكباً على برذون أشهب(٢)، عليه الأرجوان على سرج مقدمه ذهب ومؤخره ذهب، مكلّل بالدّرّ والياقوت، وأخرج معه أربعمائة جارية، عليهن الأرجوان في عنق كلّ واحدة منهن طوق من ذهب، عليهن الخفاف البيض، على بغالٍ شُهب، عليها سروج الذهب والفضة، ومياثر الأرجوان، وأخرج أربعمائة غلام على أربعمائة دابة دُهم، وكانت عليها سروج الذهب والفضة، عليهم ثياب الأرجوان والخفاف، ثم أظهر ابنٌ له، فحملته الرجال أمامه، وأظهر كنوزه من الدنانير والدراهم، وكانت عامّة كنوزه الدنانير، فوضعها على عواتق الرجال، ثم خرج يسير في محلة بني إسرائيل. قال قوم من بني إسرائيل وهم الذين وصفهم الله في كتابه: ﴿قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾(٣) من الأموال، ﴿إنه لذو حظ عظيم﴾ يعني: إنه لذو حظ وافٍ من الدنيا، ﴿قال الذين أوتوا العلم﴾(٤) من بني إسرائيل للذين تمنّوا مثل ما أعطي قارون: ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يُلَقّاها إلاّ الصابرون﴾ يعني: طاعة الله، والصبر عليه خيرٌ بما أعطي قارون، وما يُلَقّاها يعني: وما يعطاها إلاّ الصابرون، فقيل لمُوسَى: هذا قارون قد أقبل يتباهى بأمواله، فأقبل مُوسَى وهو شديد الغضب عليه، حنقاً حين انصرف إليه بنو إسرائيل الذين وعظوه، وأخبروه بما له حظ إن فعل من الإحسان فيما أعطاه الله، قال ابن سمعان: إنّهم قالوا لقارون: انظر لما أعطاك الله فاقسمه في فقراء قومك، وأهل بيتك. قال قارون: يُعينون بذلك مُوسَى وهارون، وهما أقرب بني إسرائيل إلى مالٍ جمعته على علم عندي من صنعة الذهب؟ والله لا أفعل، فلمّا سمع ذلك مُوسَى كبر عليه، وظنّ مُوسَى أنّما ظنّ قارون أنّي طمعت في ماله، فخرج مُوسَى حين قال له هذا قارون قد أقبل. فقال مُوسَى: اللّهم إني أسألك بإله إِبْرَاهيم وإسْمَاعيل وإِسْحَاق ويعقوب أن تأمر الأرض أن تطيعني، فأوحى الله إلى الأرض أن أطيعي عبدي مُوسَى، فقالت الأرض : - وأنطقها الله -: يا مُوسَى مرني فأطيعك، قال: خذي قارون ومن معه، قال: فأخذت قارون ومن معه من الغلمان والجواري(٥)، وتركت أموالهم ودوابهم. فقيل لقارون: هذا مُوسَى قد دعا عليك - وهو يسيخ في الأرض - فنادى قارون: يا مُوسَى، أنا ابن عمّك فارحمني، قال (١) سورة القصص، الآية: ٧٩. (٣) سورة القصص، الآية: ٧٩. (٢) في الطبري: براذين بيض. (٤) سورة القصص، الآية: ٨٠. (٥) في قول بعضهم أنهم كانوا سبعين ألفاً (راجع تاريخ الطبري ٤٤٦/١). ٩٦ موسى بن عمران بن یصھر بن قاهٹ مُوسَى: خذيه، فأخذتهم الأرض إلى ركبهم، فنادى: يا مُوسَى، إنّ ربك رحيم، فارحمني، قال مُوسَى: خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم. قال قارون: يا مُوسَى أتوب وأرجع، قال: خذيهم، فأخذتهم، فلم يزل قارون يدعو مُوسَى حتى دعاه سبعين مرة، كل ذلك يقول للأرض: خذيهم، حتى ابتلعتهم، وبقيت الأموال. فتحدّث بنو إسرائيل فقالوا: إنّما دعا عليه وترك الأموال لما يريده لنفسه، فقال مُوسَى: يا ربّ، وأمواله، فخسف الله بها الأرض، فهم يتجلجلون فيها إلى الأرض السابعة إلى يوم القيامة، كلّ يسيخ على قدر قامته، قال: فلمّا رأى ذلك بنو إسرائيل قال الذين ﴿تمنوا مكانه بالأمس﴾(١) فانّهم تمنوا غدوة، وخُسف بقارون عشية، فلما أصبح قال ﴿ويكأن(٢) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده﴾ ﴿ويكأنه﴾(٣) يعني: ألم تر أنه ﴿لا يفلح الكافرون﴾ فلما عاينوا بعد ما صنع الله بقارون خافوا على أنفسهم، قالوا ﴿لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا﴾ فأوحى الله إلى موسى: عبدي قارون هو ابن عمك دعاك سبعين مرة، فلم ترحمه، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لو دعاني من ذلك سبع مرات، لنجيّته ولاستجبت له، فقال مُوسَى: أنت الرحيم يا رب، ومنك الرحمة، وإنّما اشتدّ غضبي عليه أنه اختار دعاء المخلوقين على الخالق . أَنْبَأنَا أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، وأَبُو الحَسَن عَلي بن الحُسَيْن الموازيني، قَالا: أنا أَبُو الحُسَيْن بن أبي الحديد، أَنَا جدي أَبُو بَكْر، أَنَا مُحَمَّد بن يوسف، أَنَا مُحَمَّد بن حمّاد، أَنَا عَبْد الرَّزَّاق، أَنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان، نَا عَلي بن زيد بن جدعان (٤) قال: سمعت عَبْد اللّه بن الحارث بن نوفل الهاشمي وهو مستند إلى المقصورة فذكر لسُلَيْمَان ابن داود ما آتاه الله من الملك ثم قرأ هذه الآية: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾ حتى بلغ: ﴿فلما رَآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾(٥) ولم يقل: هذا من كرامتي، ثم قال: ﴿إن ربي غني كريم﴾(٦) ثم ذكر قارون وما أوتي من الكنوز فقال: ﴿إنّما أوتيته على علم عندي﴾(٧)، قال: بلغنا أنه أُوتي الكنوز والمال (١) سورة القصص، الآية: ٨٢. (٢) الأصل وم: «وبي کان)» وفي د: ((ویك ان)). (٣) الأصل وم: «وي كأنه)) وفي د: ((ویك أنه)). (٤) الخبر بطوله في تاريخ الطبري ٤٤٩/١ - ٤٥٠. (٥) سورة النمل، الآيات: ٣٨ -٤٠. (٦) سورة النمل، الآية: ٤٠. (٧) سورة القصص، الآية: ٧٨. ٩٧ موسی بن عمران بن یصهر بن قاهٹ حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلّها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يُطعمهم الطعام ويتحدثون عنده؛ وكان مؤذياً لمُوسَى صلى الله عليه وسلم، فلم تَدَعه القسوة(١) والبلاء حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال، [تذكر بريبة](٢) فقال لها: هل لك على أن أموّلك وأن أعطيك وأن أخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون أَلاَ تنهى مُوسَى عني؟ قالت: بلى، فلمّا أن جاء أصحابه واجتمعوا عنده دعاهم فقامت على رؤوسهم فقلب الله قلبها ورزقها التوبة، فقالت: ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذّب عدو الله وأبرّىء رَسُول اللهِ وَ له فقالت: إنّ قارون بعث إليّ فقال: هل لك إلى أن أموّلك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون أَلاَ تنهى مُوسَى عني؟ وإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذّب عدو الله وأُبرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك، وفشا الحديث في الناس حتى بلغ مُوسَى صلى الله عليه وسلم، وكان مُوسَى شديد الغضب، فلمّا بلغه ذلك توضأ ثم صلّى فسجد وبكى، وقال: يا رب عدوك قارون كان لي مؤذياً، فذكر أشياء ثم لم يتناهى(٣) حتى أراد بي فضيحة، يا ربّ فسلّطني عليه، فأوحى الله إليه إذاً: مُرِ الأرض بما شئت تطيعك، قال: فجاء مُوسَى يمشي إلى قارون، فلمّا رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا مُوسَى ارحمني، فقال مُوسَى عليه الصلاة والسلام: يا أرض خذيهم، فاضطربتْ داره، فخسف به وبأصحابه حتى تغيّت أقدامهم وساخت داره على قدر ذلك، قال: فجعل يقول: يا مُوسَى ارحمني، ويقول مُوسَى . يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه وبداره فلما خسف به قيل له: يا مُوسَى ما أفظّك، أما دعاك(٤) لرحمته. قال: وقال أَبُو عمران الجَوْني: فقيل لمُوسَى: لا أعبِّد الأرض بعدك أبداً. أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ إسْمَاعيل بن أَحْمَد، أَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بنِ النَّقُور، أَنَا أَبُو طَاهِر المُخَلّص، نَا رضوان بن أَحْمَد الصيدلاني - إجازة - نا أَحْمَد بن عَبْد الجبَّار العطاردي، نا أَبُو (١) الطبري: فلم تدعه شقوته والبلاء. (٢) الزيادة عن م ود. والذي في تاريخ الطبري: مشهورة بالخنا، مشهورة بالسب. (٣) كذا بالأصل وم ود. (٤) كذا الجملة بالأصل، وفي م: ((أما .... دعا لرحمته)) وفي د: ((أما .... إياي دعا لرحمته)) والعبارة في تاريخ الطبري: ما أفظك، أما وعزتي لو إياي نادى لأجبته. ٩٨ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث معاوية عن الأعمش، عَن المنهال، عَن سعيد بن جُبَير، وعَبْد اللّه بن الحارث، عَن ابن عباس قال : لما أتى مُوسَى قومه وأمرهم بالزكاة جمعهم قارون فقال: هذا جاءكم بالصوم والصلاة وأشياء تحتملونها أفتحتملون أن تعطوه(١) أموالكم؟ قالوا: ما نحتمل أن نعطيه أموالنا، فما ترى؟ قالوا: نرى أن نرسل إليه بغيّ بني إسرائيل فتأمرونها أن ترميه بأنه أرادها على نفسه، فدعا الله عليهم، فأمر الله الأرض أن تطيعه، فقال للأرض: خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا مُوسَى، يا مُوسَى، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم فغيبّتهم فيها، فأوحى الله إليه: أن يا مُوسَى سألك عبادي، وتضرعوا إليك فلم تجبهم، أمّا وعزّتي وجلالي أما لو إياي دعوا لأجبتهم. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر وجيه بن طاهر، أَنَا أَحْمَد بن الحَسَن بن مُحَمَّد، أَنَا مُحَمَّد بن عَبْد اللّهِ ابن حمدون، نَا أَحْمَد بن الحَسَن بن مُحَمَّد الحافظ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي، نَا سعيد بن أَبي مريم، أَنَا الليث، أَخْبَرَني عقيل. وَأَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِي، أَنَا أَبُو بَكْر بن الطبري، وأَبُو سعد الرستمي(٢)، قالا: أنا ابن الفضل، أَنَا عَبْد اللّه بن جَعْفَر، نَا يعقوب(٣)، نَا أَبُو صالح، وابن بكير، عَن الليث، عَن عقيل، عَن ابن شهاب، عَن عَبْد اللّه بن عوف القارىء عامل عُمَر بن عَبْد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه أن الله أمر الأرض أن تطيع مُوسَى في قارون، فلمّا لقيه مُوسَى قال للأرض: أطيعي، فأخذته إلى الركبتين، ثم قال: أطيعي فأخذته إلى الحقوين(٤)، وهو يستغيث مُوسَى (٥)، ثم قال: أطيعي، فوارته في جوفها، فأوحي إليه: يا مُوسَى - وقال وجيه: فأوحى الله إلى مُوسَى: - ما أشدّ قلبك - أو ما أغلظ قلبك ـ يا مُوسَى، أمّا وعزّتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته، قال: ربِّ غضباً لك فعلتُ. (١) الأصل وم ود: ((تعطون)) والمثبت عن المختصر. (٢) بدون إعجام بالأصل وم، والمثبت عن د. (٣) رواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٤٠٢. (٤) الحقوين مثنى حقو، وهو الكشح والإزار أو معقده (القاموس). (٥) المعرفة والتاريخ: بموسى. ٩٩ موسى بن عمران بن یھھر بن قاهٹ أَنْبَأنَا أَبُو الوحش سُبَيْع بن المسلم، وأَبُو تراب حيدرة بن أَحْمَد، قالا: أنا أَبُو بَكْر الخطيب، أَنَا أَبُو الحَسَن بن رزقويه(١)، أَنَا أَحْمَد بن سندي(٢)، نَا الحَسَن بن عَلي، نَا إِسْمَاعيل بن عيسى أَنَا أَبُو حُذَيفة إِسْحَاق بن بشر(٣)، أَخْبَرَني عدة منهم عَبْد اللّه بن زياد بن سمعان مرسل، ومضارب بن عَبْد اللّه الشامي، عَن ثور، عَن مكحول وغيرهم أنهم قالوا: إن مُوسَى أقام بمصر حتى أوحى الله إليه أن يخرج إلى الأرض المقدسة . قال: وروى إِسْحَاق عن أَبي إِلياس عن وهب بن مُنَّه. أن مُوسَى لم يدخل أرض مصر، إنّما بعث إليها جندين: كل جند اثني عشر ألفاً، والله أعلم أيّ (٤) ذلك كان، وأما ما فَسّره(٥) المفسرون: أنه قد رفع إلى أرض مصر لقول الله تعالى: ﴿كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾(٦) الجنان، والعيون، والزروع، والكنوز، والمقام الكريم التي كانت لآل فِزْعون . حَدَّثَنَا أَبُو الحَسَن عَلي بن المُسَلّم - لفظاً - وأَبُو القَاسِمِ الخَضِر بن الحُسَيْن بن عبدانِ، قَالا: أنا أَبُو القَاسِم بن أَبي العلاء، أَنَا أَبُو مُحَمَّد بن أَبي نصر، أَنَا عَلي بن يعقوب بن إِبْرَاهِيم، أَنَا أَبُو عَبْد الملك أَحْمَد بن إِبْرَاهيم، نَا مُحَمَّد بن عائذ، نَا الوليد بن مسلم، نَا ابن لهيعة أو غيره عن عَبْد الرَّحْمُن بن زياد بن أنعم المغافري، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن أَبي يوسف، وكان يهودياً فأَسلم : أن مُوسَى لما غزا(٧) ببني إسرائيل البحر أقام بأرض الشام سنة، ولا يُكَلَّم ولا يُنْزَل عليه وحي، فشق ذلك عليه، وزعم أنه إذا كان إذا كلّمه الله يمكث أربعين ليلة مبرقعاً، من رَآه غشي عليه مما يغشى وجهه من النور، فقام على جبل بريحاء(٨) بفلسطين فنادى(٩) الرَّحمن وهو عليه، فقال: إلهي! ذهب روحي، وانقطع ظهري، ولم ينزل عليّ وحيّ ولا كلمة منذ سنة، - وبكى بكاء شديداً - فإنْ كان ذلك لذنوبِ رأيتها من بني إسرائيل فعفوك القديم، وإنْ (١) في م: زرقويه، تصحيف. (٢) في م: سيدي. (٣) تحرفت بالأصل وم، ود، إلى: بشير. (٤) الأصل وم ود: ان. (٥) الأصل: ((فسر))، والمثبت عن م، ود. (٦) سورة الشعراء، الآية: ٥٩. (٧) كذا بالأصل، وفي م ود: عبر، وهو أشبه. (٨) ريحاء بكسر أوله، وهي مدينة قرب بيت المقدس من أعمال الأردن بالغور، بينها وبين بيت المقدس خمسة فراسخ، ويقال لها أريحا أيضاً (معجم البلدان). (٩) الأصل وم ود: ((عباد)) والمثبت عن المختصر. ١٠٠ موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث كان لأمر رأيته مني، فهذه يدي، وهذه ناصيتي خذ اليوم رضاك من نفسي، قال له: يا مُوسَى أتدري لمَ كلّمتك؟ قال له: إلهي أنت أعلم، قال: لم يتواضع لي عبد من ولد آدم تواضعك، فلذلك كلّمتك، فبعزة وجهي لأنزلنّ على جبال العرب نوراً أملأ به ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجنّ من ولد قادر بن إسْمَاعيل نبياً أمّاً عربياً، ولتسبحن عظيمة قريتي غرباً(١) إلى مشارق الأرض بتسبيح ذلك النبي، وتقديسه وليحملن ذلك النور من عظيمة [قريتي عروبا](٢) ومغاربها(٣) ولا يبقى من ولد آدم جنس إلاّ جاءني منه (٤) بشر كثير عدد نجوم السماء، ونزلت الأرض على جبال كُوثى، وكوثى مكة بالعبرانية، كلهم يؤمن بي ربّاً وبه رسولاً، يكفرون بملك آبائهم ويبرءون منها، قال مُوسَى: سبحانك يا ربّي تقدستَ تقدستَ، لقد كرّمت هذا النبي وشرّفته فقال الله له: يا مُوسَى، إنّي أنتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأُظهر دعوته على كلّ دعوة، وأسلّطه ومن اتبعه على البر والبحر، وأُخرج لهم من كنوز الأرض، وأُذل من خالف شريعته في هذا العالم، يا مُوسَى! للعدل رتبته وللقسط رتبته(٥)، بعزة وجهي لأستنقذنّ(٦) به فئاماً(٧) من الناس عظيماً، حتمت يوم خلقت السموات والأرض أنّي مسبب ذلك الأمر على يدي(٨) مُحَمَّد، وقضيت أني جاعل العز في الأرض والنبوة في الأجراء والرعاء. فقال له مُوسَى: لقد كرّمت هذا النبي وشرّفته أيّ ربّ، أخبرني بعلامتهم من ولد آدم، قال(٩): الأزر على أنصافهم ويغسلون أطرافهم، وهم رعاة الشمس، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي، يقاتلون صفاً في سبيلي، رهبانٌ بالليل، ليوثّ بالنهار، طوبى لتلك القلوب والأرواح التي أخلصت لي، لو لم يسيروا بأرواحهم إلى غيري قط، ولم يُصفّون لي في مساجدهم كما تُصَفّ الملائكة حول عرشي، فهم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من عبدة الأوثان، وهم الذين ينصروني، قال له مُوسَى: أي ربّ، ما بعثتَ في الأنبياء مثلي، ولم تكلّم منهم غيري، قال له: أما في بني إسرائيل فلا أقيم مثلك، ولكني باعث في بلعم نبيّاً هو مثلك، قال: أي ربّ، هل أنت معطيه قرباناً مثل قرباننا؟ قال: قرباناً أفضل من قربانكم، (١) كذا بالأصل ود، وفي م: غروبا. (٣) سقطت من د. (٥) في م ود: زينته. (٦) الأصل: ((لاسندن))، وفي م: ((لاستندن)) والمثبت عن د. (٧) الفئام: الجماعة الكثيرة من الناس. (٩) الأصل وم: فان، والمثبت عن د. (٢) الزيادة عن د، ومكان الزيادة في م بياض. (٤) الأصل: منك، والمثبت عن د، وم. (٨) الأصل: ((ید)) والمثبت عن د، وم.