Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
سالماً موفراً لم يكمله الطمع](١) ولم تنقصه الدنيا بغرورها إنما يتزين لي أوليائي بالخشوع
والذل والخوف والتقوى، يثبت في قلوبهم فيظهر على أجسادهم فهو ثيابهم التي يلبسون(٢)
ودثارهم الذي يطهرون، وصبرهم الذي يستشعرون، ونجاتهم التي بها يفوزون، ورجاؤهم
الذي إياه يأملون، ومجدهم الذي به يفخرون، وسيماهم الذي بها يعرفون، فإذا لقيتهم
فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني
بالمحاربة، ثم أنا الثائر لهم يوم القيامة .
أَخْبَرَنَا(٣) أَبُو القَاسِم علي بن إِبْرَاهيم، أَنَا رَشَأ بن نَظِيف، أَنَا الحَسَن بن إسْمَاعيل، أَنَا
أَحْمَد بن مروان المالكي، نَا أَبُو بَكْر بن أبي الدنيا، نَا هارون بن سفيان، حَدَّثَنِي عُبَيْد اللّه بن
مُحَمَّد، عَن نعيم بن مورع، عَن جُويبر، عَن الضّحّاك قال:
دعا مُوسَى حين وُجّه إلى فِرْعون، ودعا رَسُول الله بَّه يوم حنين، ودعا كل مكروب
كنت وتكون كنت حياً لا يموت تنام العيون وتنكدر النجوم وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا
نوم (٤).
أَنْبَأنَا أَبُو الوحش سُبيع بن المسلم، وأَبُو تراب حيدرة بن أَحْمَد، قَالا: أنا أَبُو بَكْر
الخطيب، أَنَا أَبُو الحَسَن بن رزقوية، أَنَا أَحْمَد بن سندي، أَنَا الحَسَن بن علوية، نَا إسْمَاعيل
ابن عيسى، أَنَا إِسْحَاق بن بشر، عَن عَبْد اللّه بن زياد بن(٥) سمعان قال: بلغني عن وهب بن
مُنَبّه قال :
إن مُوسَى لما دخل على فِرْعون كان أمامه سلطان الله عزّ وجلّ، وعن يمينه ملائكة الله،
وعن يساره ملائكة الله، فلمّا رأى ذلك سرير فِرْعون اهتز حتى رجف(٦) عليه فِرْعون، وتغيّر
لونه، وجعل يقطر منه البول، ولم يستطع النظر إلى مُوسَى، وذلك من قدرة الله أن اهتز
سريره، والله يفعل ما يشاء.
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا إدريس، عَن وهب بن مُنَبّه قال:
(١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك للإيضاح عن د، و(ز)، وم.
(٢) الأصل: يلبسونها، والمثبت عن د، و((ز))، وم.
(٣) كتب فوقها في د، و((ز)): ملحق.
(٤) كتب بعدها في د، و((ز)): إلى.
(٥) تحرفت بالأصل إلى: عن، والمثبت عن د، و(ز))، وم.
(٦) تحرفت بالأصل إلى: زحف.

٦٢
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
إن مُوسَى حين ﴿قالَ ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما﴾(١) عبادٌ له ﴿إن كنتم تعقلون﴾
قال فِرْعون: يا مُوسَى، ما عقلتُ هذا وما عقل أحدٌ أن له إلهاً غيري، ف ﴿لئن اتخذت إلهاً
غيري لأجعلّنك من المسجونين﴾(٢) يقول لأخلدّنك(٣) في السجن أبداً، قال: فقال له
مُوسَى: ﴿أَوَلو جئتك بشيءٍ مبين﴾ (٤) - يعني بأني قد جئتك بشيء مبين، - يعني: برهاناً بيّناً
يحول بينك وبين ما تريد، وتعلمُ صدقي وكذبك، وأيّنا على الحق، قال فِرْعون: ﴿فائت به
إن كنت من الصادقين﴾(٥) قال: فهز مُوسَى عصاه ثم ألقاها ﴿فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده
فإذا هي بيضاء للناظرين﴾(٦) لها شعاع كشعاع الشمس، قال له فِزْعون: هذه يدك، فلمّا قالها
فِرْعون أدخلها مُوسَى في جيبه ثم أخرجها الثانية لها نور تكلُّ منه الأبصار، لها نور ساطع في
السماء، قد أضاءت ما حولها، يدخل نورها في البيوت وتُنوّر منها المدينة، ويُرى من الكوّة
ومن وراء الحُجُب، فلم يستطع فِرْعون النظر إليها، ثم ردّها مُوسَى في جيبه ثم أخرجها، فإذا
هي على لونها الأول.
أَخْبَرَنَا(٧) أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَتْدي، وأَبُو مُحَمَّد عَبْد الكريم بن حمزة، قَالا: أنا عَبْد
الدائم بن الحَسَن، أَنَا عَبْد الوهَاب بن الحَسَن، نَا مُحَمَّد بن خريم، نَا هشام بن عمّار، نَا عبد
الأعلى بن مُحَمَّد السكري، نَا سلام بن مسكين قال: سألت الحَسَن عن هذه الآية: ﴿فأراه
الآية الكبرى﴾(٨) قال: يده وعصاه(٩).
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن الفرضي، أَنَا أَبُو الحَسَن بن أبي الحديد، أَنَا جدي أَبُو بَكْر، أَنَا
مُحَمَّد بن يوسف الهروي، أَنَا مُحَمَّد بن حمّاد، نَا عَبْد الرزّاق، أَنَا مَعْمَر، عَن قتادة في قوله :
﴿تلقف ما صنعوا﴾(١٠) قال: ألقى مُوسَى عصاه، فتحولت حيّة تأكل حبالهم، وما صنعوا.
أَخْبَرَنَا أَبُو البَرَكَاتِ الأَنْمَاطِي، أَنَا أَحْمَد بن الحَسَن بن خيرون، أَنَا عَبْد الملك بن
مُحَمَّد، أَنَا أَبُو عَلى مُحَمَّد بن أَحْمَد بن الحَسَنِ، نَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَبِي شَيبة، أَنَا
(١) سورة الشعراء، الآية: ٢٨.
(٣) كذا بالأصل ود، و((ز))، وم، وفي المختصر: لأجلدنك.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ٣٠.
(٦) سورة الشعراء، الآية: ٣٢ و٣٣.
(٨) سورة النازعات، الآية: ٢٠.
(١٠) سورة طه، الآية: ٦٩.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ٢٩.
(٥) سورة الشعراء، الآية: ٣١.
(٧) كتب فوقها في د، و((ز)): ملحق.
(٩) كتب بعدها في د، و((ز)): إلى.

٦٣
موسى بن عمران بن یصهر بن قاهٹ
المنجاب، نَا أَبُو سعيد العنقزي(١)، عَن أسباط عن السّدّي قال: قال ابن عبّاس: كانت
السحرة بضعاً وثلاثين ألفاً .
قال: ونا المنجاب، أَنَا جنادة بن سلم (٢) عن الكلبي قال: كانوا اثنين وسبعين ساحراً،
اثنان من آل فِرْعون، وسبعون من بني إسرائيل .
قال: ونا المنجاب، أَنَا أَبُو سعيد العنقزي عمرو أنا مُوسَى بن عبيدة، عَن مُحَمَّد بن
المنكدر قال: كانت السحرة ثمانين ألفاً.
أَخْبَرَنَا أَبُو الوحش سبيع بن المسلم، وأَبُو تراب الأنصاري، قَالا: نا أَبُو بَكْر
الخطيب، أَنَا ابن رزقويه، أَنَا ابن بكر بن سندي، أَنَا الحَسَن بن علوية، أَنَا إِسْمَاعيل بن
عيسى، أَنَا إِسْحَاق، أَنَا إدريس، عَن وهب بن مُنَبِّه أنه قال:
إن مُوسَى لمّا ألقى عصاه فصارت العصا ثعباناً، أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، أسود،
مدلهم، يدبّ على قوائم غلاظ، فصارت في مثل بدن البُختي العظيم، إلاّ أنه أطول منه بدناً
وعنقاً ومشفراً، وإن له ذنباً يقوم عليه، يشرف على حيطان المدينة برأسه وعنقه، ثم يقع على
الأرض، فلا يلوي على شيء إلاّ حطّمه، ويحش بقوائمه الصخر والرخام والحيطان والبيوت
حين يرمي بعضها على بعض، فما مرّ بشيء إلاّ حطمه بكلكله يتنفس في البيوت والجزائر
فيشتعل كلّ شيء فيه ناراً، وله عينان يتوقدان ناراً، ومنخران يخرج منهما الدخان، وقد صَار
له المحجن عرفاً علوّ (٣) ظهره، وشعره أسود غلاظ مثل الرماح الطوال، لا يصيب منه شيء
إلاّ قطعه، وقد جعلت الشعبتان له فم (٤) مثل القليب الواسع، يخرج منه رياح السَّمُوم، لا
يصيب أحدٌ منهم نفخة إلاّ صَار أسود مثل الليل الدامس في فيه أضراس وأنياب، في أعلى
شدقه اثنان وسبعون ضرساً، وفي أسفله مثل ذلك، له صرير يصمُّ من سمعه، ما يسمع الرجل
كلام جليسه إذا صرّت أضراسه بعضها على بعض، وإنه ليهدر مثل البعير، يتزبد (٥) شدقاه
زبداً أبيض(٦) يتطاير لعابه فلا يقع منه قطرة على أحد إلاّ اشتعل برصاً، فأدخل الثعبانُ أحدَ
(١) إعجامها مضطرب في د، و((ز))، وهذه النسبة إلى العنقز وهو المرزنجوش واسمه عمرو بن محمد العنقزي
القرشي، أبو سعيد وقد كان يبيع العنقز فنسب إليه، (الأنساب).
(٢) تحرفت بالأصل وم إلى: سالم، والمثبت عن د، و((ز)).
(٣) في ((ز))، وم، ود: غلو ظهره.
(٥) تقرأ بالأصل: ((تزيد)) وفي م و((ز)): (سربد)) والمثبت عن د.
(٦) الأصل، وم، و(ز))، ود: أبيضاً.
(٤) كذا بالأصل ود، و((ز))، وم.

٦٤
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهٹ
شدقيه تحت سرير فِرْعون والآخر فوقه، وفِزْعون على سريره، فسلح في ثيابه، فلمّا عاين
الناس ذلك من أمر الثعبان وكان قد اجتمع أهل المدينة بأسرها، فلما انهزموا ولَّوْا ذاهبين،
تزاحموا في الأبواب وتضاغطوا، وضاقت عليهم، فوطى بعضهم بعضاً، فمات يومئذ خمسة
وعشرون ألفاً، وقام فِرْعون فوقع عن سريره، وكان الله قد أملأه حتى صار آية، كان يمكث
أربعين يوماً لا يخرج من بطنه شيء، ولا يُحدثُ إلاّ في كل أربعين يوماً مرة، فلما كان يومئذ
أحدث في ثيابه، حتى علم بذلك جلساؤه، وكان يأكل ويشرب جاهداً لا يبصق، ولا
يتمخط(١) ولا يتنخّع(٢)، ولا يسعل، ولا تذرف عيناه، ولا يمرض، ولا يصدّع، ولا يسقم،
ولا يهرم، ولا يفتقر، شاب السن، والله عز وجلّ يُملي له أربع مائة سنة، فلمّا كان يوم
الثعبان، وعاين ما عاين، أحدث، وامتخط، وبصق، وأخذه الصداع والمرض، واختلف بطنه
أربعين مرة، فلم يزل بعد ذلك يختلف حتى مات، فلمّا عاين من أمر مُوسَى والثعبان خاف أن
يدخل قومه من ذلك الرعب مثل الذي دخله فيؤمنوا به .
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا يزيد - يعني - ابن إِبْرَاهيم عن الحَسَن أنه قال:
لما عاين فِرْعون من أمر مُوسَى والثعبان قال له فِرْعون: يا مُوسَى، ارجع يومك هذا،
وكف ثعبانك هذا يقول سراً دون أصحابه - وقال لأصحابه: ﴿إن هذا لساحر عليم﴾(٣)، قال:
فدعا مُوسَى، فقال له: يا مُوسَى ألا رفقت بالأمر، قتلت خمسة وعشرين ألفاً، بهذا أمرك
ربك الذي بعثك؟ قال: يا فِرْعون، أنت فعلت هذا، يا فِزْعون أسألك واحدة، وأعطيك
أربعاً، قال: وما الذي تسألني؟ قال: أسألك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وأعطيك الشباب
لا تهرم، والملك لا ينازعك فيه أحد، والصحة لا تسقم، والجنّة خالداً. قال فِرْعون:
ورفع (٤) وخضع، حتى استأمر آسية بنت مزاحم فدخل عليها فقال: يا آسية، أَلاَ ترين إلى
مُوسَى إلى ما يدعوني وما أعطاني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أن أعبد الله ولا أُشرك
به شيئاً، وأن لي الشباب فلا أهرم، والملك لا ينازعني فيه أحد، والصحة لا أسقم، والجنّة
خالداً، قالت: يا فِزعون، وهل رأيت أحداً يصيب هذا فيدعه؟
قال: فخرج فدعا هامان فاستشاره، فقال له هامان: أتعبد بعد أن كنت تُعْبَد، قال: فبدا
(١) الأصل: يمخط، وفي ((ز))، وم: ((يسخط)) والمثبت عن د.
(٢) الأصل: ((ينجع)) وفي ((ز))، وم: ((سحع)) وفي د: ((يتنحنح)) والمثبت عن المختصر.
(٣) سورة الشعراء، الآية: ٣٤.
(٤) يقال: رافعني فلان، وخافضني فلم أفعل، أي داورني كل مداورة (تاج العروس: رفع).

٦٥
موسى بن عمران بن بصھر بن قاهٹ
له، قال: فقال الحَسَن: إن هامان كان لا يعرف له نسب، وكان إبليس يتراءى لفِزعون في
صورة الإنْس يغويه، قال: فقال له: أنا أَذَرك(١) شاباً، قال: فخَضَبه بالسواد، وهو أول من
خضب بالسواد، فدخل على آسيه فقال: يا آسية أَلاَ ترين صرتُ شاباً؟ فقالت: مَن فعل هذا
بك؟ قال: هامان، قالت: ذاك إن لم ينصل(٢).
قال: وأنا إِسْحَاق، قَال: وأَخْبَرَني جويبر عن الضّحّاك عن ابن عبّاس قال:
إن فِزْعون لما قال للملأ من قومه :
﴿إن هذا لساحر عليم﴾ قالوا له: ابعث إلى السحرة، فقال فِرْعون لمُوسَى: يا مُوسَى،
اجعل ﴿بيننا وبينك موعداً لا نخلفه﴾(٣)، فتجتمع أنت وهارون، وتجتمع السحرة، فقال
مُوسَى: ﴿موعدكم يوم الزينة﴾(٤)، قال: ووافق ذلك اليوم السبت في أول يوم من السنة،
وهو يوم النيروز، ﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾ - يعني: وأن يحشرهم ويجمعهم ضحىّ(٥)،
قال: فاجتمعت السحرة ﴿لميقات يوم معلوم﴾(٦)، وقيل: ﴿هل أنتم مجتمعون لعلنا نتّبع
السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾(٧)، قال: فاجتمع خمسة عشر ألف ساحر، قال: ليس منهم
ساحر إلاّ وهو يحسن من السحر ما لا يحسن صاحبه، وكان كبراؤهم ألف ساحر، وهم الذين
عملوا بالعصي والحبال، فلمّا دخلوا على فِرْعون قالوا: أيها الملك، ما هذا الذي يعمل به
هذا الساحر فنعمل مثله؟ قال: يعمل بالعصا، قالوا: نحن نعمل، فقال: اعرضوا علي
سحركم، فقام الذين يعملون بالعصي والحبال فألقوها بين يدي فِزْعون، وسحروا أعين
الناس، فإذا حبالهم وعصيهم صارت حيات وأفاعي، ففرح بذلك فِرْعون واستبشر، وطمع أن
يظفر بمُوسَى، وظنّ أنّ عصيّهم وحبالهم صارت حيات، فقال لهم: اجهدوا على أن تغلبوه،
فإنه ساحر لم يُر مثله، فقالوا: أيها الملك، ﴿إنّ لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين﴾(٨) - يعني -
(١) الأصل، ود، و((ز))، وم: أدرك، والمثبت عن المختصر.
(٢) الأصل ود، و((ز))، وم: (يتصل)) والمثبت عن المختصر، ونصل الشعر ينصل: زال عنه الخضاب واللون (راجع
اللسان).
4
(٤) سورة طه، الآية: ٥٩.
(٣) سورة طه، الآية: ٥٨.
(٥) أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلاً في
ظلام كيما يروج عليهم محالاً وباطلاً، بل طلب أن يكون نهاراً جهرة لأنه على بصيرة من ربه.
(٦) سورة الشعراء، الآية: ٣٨.
(٨) سورة الأعراف، الآية: ١١٣.
(٧) سورة الشعراء، الآيتان ٣٩ و٤٠.

٦٦
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
إن غلبنا إنّ لنا لمنزلة وفضيلة، قال فِزْعون: ﴿نعم، وإنكم إذاً لمن المقربين﴾(١) في
المجالس والدرجة عندي، فقالوا: أيها الملك، واعدِ الرجل، فقال: قد واعدته يوم الزينة،
وهو عيدكم الأكبر، ووافق ذلك يوم السبت، فخرج الناس لذلك اليوم، فقال فرعون:
اجمعوا ﴿كيدكم ثم ائتوا صفاً﴾ (٢) كلّ ألف ساحر صف، فكانوا في قول الحَسَن: خمسة
وعشرين صفاً، وقال الضحاك: خمسة عشر صفاً، مع كلّ ساحرٍ عمل ليس مع صاحبه،
وخرج مُوسَى وهارون، وبيد مُوسَى عصاه في جودياءة(٣) وعباءة حتى انتهوا إلى الصفوف،
وخرج فِرْعون في عظماء قومه، فجلس في مجلس له على سريره، عليه خيمة ديباج ميل في
ميل، ومعه هامان وزيره، وقارون بين يديه، قد استكفّ(٤) له الناس، واجتمعوا في صعيد
واحد، وخرج الناس يقول(٥) بعضهم لبعض: ننظر من الغالب فنكون معه، فوقف مُوسَى
وهارون قبل السحرة، فقال لهم مُوسَى: ويلكم لا تفتروا على الله كذباً﴾ (٦) - يعني - لا
تقولوا على الله إلاّ الحق، ﴿فيسحتكم﴾ - يعني - فيبعثكم ﴿بعذاب، وقد خاب﴾ - يعني - وقد
خسر ﴿من افترى﴾ قال: ﴿فتنازعوا أمرهم بينهم، وأسرّوا النجوى﴾(٧)، فصارت السحرة
يناجي كلّ واحدٍ صاحبه سرّاً، يقول: ما هذا بقول ساحر، ولكن هذا كلام من رب الأعلى،
فعرفوا الحق، ثم نظروا إلى فِرْعون وسلطانه وبهائه، ونظروا إلى مُوسَى في كسائه وعصاه،
فنكسوا على رؤوسهم، و﴿قالوا: إن هذان لساحران﴾، الآية كلها(٨)، ثم قال كبيرهم: ﴿يا
مُوسَى، إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى﴾(٩)، فهمّ مُوسَى أن يلقي، فأمسك الله يده
وألقى على لسانه أن ابدؤا(١٠) فألقوا، فألقى كل رجلٌ منهم ما كان في يده من حبل أو عصا،
قال: إنهم أخرجوا ثلاثمائة وستين وسقاً ما بين عصا وحبل، قال: فلما ألقوا قالوا: ﴿بعزّة
فِرْعون﴾(١١) - يعني - بإلهية فِرْعون، ﴿إنا لنحن الغالبون﴾ - يعني: القاهرون، قال: ﴿فلما
ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاءوا بسحر عظيم﴾(١٢)، ملئوا الدنيا في أعينهم
(١) سورة الشعراء، الآية: ٤٢.
(٣) كذا بالأصل ود، و((ز))، وم هنا، وتقدم قريباً: جودياء، وهو الكساء. (راجع تاج العروس: جود).
(٤) استكفوا حوله: أحاطوا به ينظرون إليه (القاموس).
(٥) بالأصل وم، ود، و((ز)): ويقول.
(٧) سورة طه، الآية: ٦٢.
(٩) سورة طه، الآية: ٦٥.
(١١) سورة الشعراء، الآية: ٤٤.
(٢) سورة طه، الآية: ٦٤.
(٦) سورة طه، الآية: ٦١.
(٨) سورة طه، الآية: ٦٣.
(١٠) الأصل: ((ابتدوا)) والمثبت عن د، و((ز))، وم.
(١٢) سورة الأعراف، الآية: ١١٦.

٦٧
موسی بن عمران بن یصھر بن قاهٹ
حيّات وأفاعي، فكان أول ما خطفوا بسحرهم بصر مُوسَى وهارون، ثم فِزْعون والناس،
وألقى كل رجل منهم ما كان في يده، فأقبلت الحيات والأفاعي فامتلأ الوادي يركب بعضها
بعضاً، وهرب الناس منها، وتكسفوا هاربين، ﴿فأوجس﴾(١) مُوسَى ﴿في نفسه خيفة﴾،
فقال: لقد كانت هذه عصا في أيديهم وإنها صارت حيّات، فظن مُوسَى وخاف أن تكون
صارت حيات كما صارت عصاه ثعباناً، فأوحى الله إليه: أنّي بمكانٍ أسمع وأرى، وجاء
جبريل حتى وقف على يمينه، بين مُوسَى وهارون قال: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما
في يمينك تلقف ما صنعوا، إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾(٢)، فذهب
عن مُوسی ما کان یجد.
أَخْبَرَنَا(٣) أَبُو القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِي، أَنَا أَبُو القَّاسِم عَلي بن أَحْمَد بن البسري، أَنَا أَبُو
الحُسَيْن مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمُن بن خشنام، نَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن غيلان الحرار (٤)،
نَا أَبُو هشام الرفاعي، نَا ابن يمان، نَا سهل بن حنيفة، عَن حجّاج، عَن الحكم بن مينا، عَن
عائشة قالت: قال رَسُول اللهِوَِّ: ((الطُوفان: الموت))[١٢٥٤٠].
أَخْبَرَنَا أَبُو رشيد هبة الله بن خليفة بن عَبْد المؤمن بن هبة الله بن أَحْمَد الواعظ
المزكي، وأَبُو المرجّى الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الفضل العسَّال، قَالا: أنا أَبُو منصور مُحَمَّد بن
أَحْمَد بن شكروية، أَنَا إِبْرَاهيم بن عَبْد اللّه بن خرّشيد قوله، أَنَا أَبُو القَاسِم عَبْد اللّه بن مُحَمَّد
ابن إِسْحَاق المعروف بحامض رَاس، نَا حمدون بن عُمَارة بن نوح، نَا عَبْد اللّه بن عَمْرو، نَا
حمّاد بن سَلَمة، عَن أَبي المهزم، عَن أَبي هريرة قال: قال مُوسَى عليه السلام لفِرْعون: لك
ملكك وشبابك، فإذا متّ دخلتَ الجنّة، قال: حتى أشاور هامان، قال: فشاوره فقال له:
أنت تدعى ربّاً (٥) صرت تدعى عبداً، قال: فخذله الله(٦).
أَخْبَرَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ الأَنْمَاطِي، أَنَا أَبُو الفَضْلِ بن خَيْرُون، أَنَا أَبُو القَاسِم بن بشران، أَنَا
أَبُو عَلي الصوّاف، نَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَبِي شَيبة، نَا المنجاب، أَنَا أَبُو سعيد العَنْقَزي، أَنَا
إسرائيل، عَن سِمَاك، عَن ◌ِكْرِمة، عَن ابن عبّاس قال: مكث مُوسَى فَي آل فِرْعون بعدما
(١) سورة طه، الآية: ٦٧.
(٢) سورة طه، الآيتان ٦٨ - ٦٩.
(٣) كتب فوقها في د، و((ز)): ملحق.
(٤) الأصل و((ز))، وم، وفي د: الخراز.
(٥) كذا بالأصل ود، وفي ((ز))، وم بياض بسيط بين لفظتي ((ربا)) و((صرت)).
(٦) كتب بعدها في د: إلى.

٦٨
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات: الجرّاد، والقُمَّل، والضفادع، فأَبَوْا(١).
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم الحُسَيْن بن الحَسَن بن مُحَمَّد، أَنَا عَلي بن مُحَمَّد بن علي، أنا عبد
الرحمن بن محمد بن ياسر أنا أبو القاسم(٢) عَلي بن يعقوب بن أَبي العقب، نَا أَبُو مُحَمَّد
القاسم بن مُوسَى بن الحَسَن الأشيب، نَا إِسْحَاق بن إِبراهيم بن حبيب بن الشهيد، نَا عتاب
ابن بشير، عَن خصيف، عَن ◌ِكْرِمة، عَن ابن عباس قوله: ﴿تسع آيات بينات﴾(٣) قال:
اليد، والعصًا، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، والسنين، ونقص من
الثمرات .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ، نَا أَبُو الحُسَيْن بن المهتدي، أَنَا عيسى بن عَلي، أَنَا
عَبْد اللّه بن مُحَمَّد، نَا داود بن عَمْرو، نَا أَبُو معشر، عَن مُحَمَّد بن كعب ﴿ولقد أتينا موسى
تسع آيات بينات﴾ قال: يده، وعصاه، والسنين، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع،
والدم، والبحر (٤).
أَنْبَانَا أَبُو الحَسَنْ عَلي بن مُحَمَّد بن عَلي، أَنَا أَبُو الحَسَن بن الحَمّامي.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم إِسْمَاعيل بن مُحَمَّد بن الفضل، أَنَا أَبُو منصور بن شكرويه، أَنَا
أَبُو بَكْر بن مردوية، قَالا: أنا أَبُو بَكْر الشافعي، نَا مُعَاذ بن المُثَنّى بن مُعَاذ العنبري، نَا مسدد،
نَا أَبُو عوانة، عَن المغيرة، عَن عامر في قوله: ﴿ولقد آتينا مُوسَى تسع آيات بينات﴾قال:
يده، وعصاه، والسنين، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، ونقص من
الثمرات.
أَنْبَانَا أَبُو عَلي المقرىء، أَنَا أَبُو نعيم الحافظ(٥)، أَنَا عَبْد اللّه بن مُحَمَّد، نَا عَلي بن
إِسْحَاق، نَا الحُسَيْن المروزي، نَا الهيثم بن جميل، نَا يعقوب بن عَبْد اللّه، عَن جَعْفَر بن أَبي
المغيرة، عَن سعيد بن جُبِير قال:
(١) الخبر السابق مكرر بالأصل.
(٢) أقحم بعدها بالأصل: الحسين بن الحسن بن محمد، أنا علي بن محمد بن علي أنا عبد الرحمن بن محمد.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ١٠١.
(٤) كذا في هذه الرواية ((والبحر)) بدلاً من ((والنقص في الثمرات)) وقد جاء في سورة الأعراف، الآية: ١٣٠ ﴿ولقد
أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص في الثمرات لعلهم يذكرون﴾.
(٥) رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء ٢٧٨/٤ في ترجمة سعيد بن جبير.

٦٩
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهٹ
بينما مُوسَى جالس عند فِرْعون إذ نقّ ضفدع، فقال مُوسَى: ماذا قصّتكم (١)، فقالوا:
وما عسى أن يكون هذا وأذاه؟ قال: فأرسل عليهم الضفادع، قال: فإن كان الرجل منهم
ليلبس ثوبه فيجده ممتلئاً ضفادع، وأرسل عليهم الدم، فإن كان الرجل ليستقي من بئره ونهره،
فإذا صار في جرته صار دماً عبيطاً، فقالوا: يا مُوسَى، ادعُ لنا ربّك أن يكشف عنا ونحن نؤمن
بك، فدعا الله فكشفه عنهم، فلم يؤمنوا، قال: فكان فِزْعون أوفاهم، قال لبني إسرائيل:
اذهبوا معه .
قال: ونا أَبُو مُحَمَّد بن حيّان، نَا الوليد بن أبان، نَا يونس بن حبيب، نَا عامر، نَا
يعقوب نحوه، وزاد: فكان الرجل منهم لا يستطيع الكلام حتى ثبت(٢) الضفدع في فيه.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن عَلي بن المسلم، أَنَا أَبُو الحَسَن بن أَبي الحديد، أَنَا جدي أَبُو بَكْر،
أَنَا مُحَمَّد بن يوسف بن بشر قال: قُرىء على مُحَمَّد بن حمّاد، أَنَا عَبْد الرَّزَّاق، أَنَا مَعْمَر، عَن
قَتَادة في قوله: الطوفان: المدّ حتى قاموا فيه قياماً، ثم كشف عنهم فلم ينتهوا وأخصب
بلادهم خصباً لم يخصب مثله، فأرسل الله عليهم الجراد فأكلته إلاّ قليلاً، فلم يؤمنوا، فأرسل
الله عليهم الجراد فأكلته إلاّ قليلاً فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم القُمّل الدَّبَا(٣) - أولاد
الجراد(٣) - فأكلت ما بقي من زرعهم فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع فدخلت عليهم
بيوتهم، ووقعت في آنيتهم وفرشهم فلم يؤمنوا، ثم أرسل الله عليهم الدّم، فكان إذا أراد
أحدهم أن يشرب ماء تحول ذلك دماً، قال الله تعالى: ﴿آيات مفصلات فاستكبروا﴾(٤) فلما
وقع عليهم ﴿الرجز﴾ يقول: العذاب.
قال: وأنا مَعْمَر، عَن قَتَادة، عَن ابن عبّاس في قوله: ﴿تسع آيات﴾ قال: هي
متتابعات، وهي في سورة الأعراف: ﴿ولقد أخذنا آل فِرْعون بالسنين ونقص من الثمرات﴾(٥)
قال: السنون لأهل البوادي، ونقص من الثمرات لأهل القرى، فهاتان إثنان، و﴿الطوفان
(١) الأصل: قضكم، والمثبت عن ((ز))، ود، وم، والذي في حلية الأولياء: ماذا يصيبكم؟.
(٢) كذا بالأصل، ود، و(ز))، وم: ((ثبت)) والذي في الحلية: تثب.
(٣) القمل كسكر صغار الذر والدبا، وقيل هو الدبا الذي لا أجنحة له أو شيء صغير بجناح أحمر. وقال ابن خالويه:
جراد صغار يعني الدِّبًا، وقيل: شيء يشبه الحلم لا يأكل أكل الجراد ولكن يمتص الحب إذا وقع فيه الدقيق وهو
رطب فتذهب قوّته وخيره (تاج العروس: قمل).
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٣٣.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٣٠.

٧٠
موسى بن عمران بن یصھر بن قاهٹ
والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم﴾(١)، فهذه خمس، ويد مُوسَى إذ أخرجها ﴿بيضاء من
غير سوء﴾(٢)، والسوء: البرص، وعصاه إذ ألقاها ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾(٣)، و﴿إذا هي
تلقف ما يأفكون﴾ (٤).
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، أَنَا رَشَأْ بن نَظِيف، أَنَا الحَسَن بن إسْمَاعيل، نَا
أَحْمَد بن مروان، نَا ابن أبي الدنيا، نَا هشام بن القاسم الحرار(٥)، نَا عُثْمَان بن عَبْدِ الرَّحْمن،
نَا تميم الأزدي قال: أظنه ابن حوشب قال: سمعت ابن شهاب الزهري يقول:
دخلت على عُمَر بن عَبْد العزيز فقال لي: يا ابن شهاب، أخبرني عن قول الله تعالى:
﴿ولقد آتينا مُوسَى تسع آيات بيّنات﴾(٦) ما هنّ؟ قال: قلت: الطُّوفان، والجراد، والقُمّل،
والضفادع، والدم، ويده، والبحر، والطَّمْسَة(٧) وعصاه، فقال عُمَر بن عَبْد العزيز: هكذا
يكون العلم يا ابن شهاب، قال: ثم قال: يا غلام ائتني بالخريطة، قال: [فأُتي](٨) بخريطة
مختومة، ففكها، ثم نثر ما فيها، فإذا فيها دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول، فقال:
كُلْ يا ابن شهاب، فأهويتُ إليه، فإذا هو حجارة، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا
مما أصاب عَبْد العزيز بن مروان في مصر، إذ كان والياً وهو مما طمس(٩) الله عليه من
أموالهم.
أَنْبَأنَا أَبُو تراب حيدرة بن أَحْمَد، وأَبُو الوحش سُبَيْع بن المُسَلّم قالا: نا أَحْمَد بنْ عَلي
الحافظ، أَخْبَرَني مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد، أَنَا أَحْمَد بن سندي، نَا الحَسَن بن عَلي، نَا
إِسْمَاعيل بن عيسى، نَا إِسْحَاق بن بشر قال: وأَخْبَرَني المضارب بن عَبْد اللّه السامي، أَخْبَرَني
من رأى بمصر النخلة مصروعة، وإنّها لحجر، ولقد رأيت ناساً كثيراً قياماً وقعوداً في
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٣٣.
(٢) سورة القصص، الآية: ٣٢.
(٣) سورة الشعراء، الآية: ٣٢.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ٤٥ وفي التنزيل العزيز: فإذا.
(٥) كذا بالأصل و((ز))، وم، وفي د: الخراز.
(٦) سورة الإسراء، الآية: ١٠١.
(٧) في تاج العروس: الطمس، آخر الآيات التسع، وزيد في التهذيب للأزهري: التي أوتيت موسى، وفي اللسان:
التي أوتيها موسى عليه السَّلام حين طمس على مال فرعون بدعوته .
(٨) زيادة لازمة للإيضاح عن المختصر.
(٩) قال الأزهري: ويكون الطمس بمعنى المسخ، ومنه قوله تعالى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ قالوا: صارت
حجارة، وقيل: أهلكها (تاج العروس: طمس بتحقيقنا: طبعة دار الفكر).

٧١
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
أعمالهم، لو رأيتهم ما شككتَ فيهم قبل أن تدنو منهم، إنهم أناس وإِنّهم لحجارة، ولقد
رأيت الرجل من رقيقهم وإنه لحارث على ثورين، وإنه وثوريه الحجارة.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ، نَا أَبُو الحُسَيْن بن المهتدي، أَنَا عيسى بن عَلي، أَنَا
عَبْد اللّه بن مُحَمَّد، نَا دَاود بن عَمْرو الضبّي، نَا أَبُو معشر المديني، نَا مُحَمَّد بن كعب:
﴿قال: قد أجيبت دعوتكما﴾(١) قال: كان مُوسَى يدعو وهارون يؤمِّن.
أَنْبَانَا أَبُو تراب وأَبُو الوحش، قالا: أنا الخطيب، أَنَا ابن رزقويه، أَنَا أَحْمَد، نَا
الحَسَن، نَا إِسْمَاعيل، نَا إِسْحَاق عن (٢) عَبْد اللّه بن السندي، عَن أَبيه عن مجاهد قال:
الطوفان طاف عليهم الموت(٣).
قال: ونا إِسْحَاق عن مقاتل، عَن الضخّاك عن ابن عبّاس قال: الطوفان: الغرق.
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا أَبُو إِلياس عن وهب بن مُنَبّه قال:
أرسل الله عليهم الطوفان وهو الماء، قال: فمطرتْ عليهم السماء ثمانية أيام ولياليهن،
لا يرون فيها شمساً ولا قمراً، وفاض الماءُ حتى ارتفع، وامتلأت الأنهار والآبار والبيوت،
فخافوا الغَرَق، فصرخ أهل مصر إلى فِرْعون بصيحة واحدة: إنّا نخاف الغرق، وإنّا قد هلكنا
جوعاً، فأرسل فِرْعونُ إلى مُوسَى يدعو إليه، فأتاه مُوسَى فقال له فِرْعون: أيّها الساحر ﴿ادعُ
لنا ربك بما عهد عندك﴾(٤) - يعني - عهد إليك بزعمك أنك رسوله إننا لمهتدون إنّا لمبايعوك
﴿لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾(٥)، قال مُوسَى: لست
أدعو لكم أبداً ما سميتموني ساحراً، فعند ذلك ﴿قالوا: يا مُوسَى، ادعُ لنا ربك بما عهد
عندك﴾، فدعا مُوسَى ربه، فكشف الله عنهم الطوفان، فأقلعت السماء، وابتلعت الأرض،
فنبتت زروعهم وكلؤهم(٦)، وخصبوا خصباً لم يروا مثله قط في أرض مصر، قال: فلمّا
أبصروا إلى ذلك الخصب نكثوا العهد، وكذّبوا مُوسَى وقالوا: لقد كان ما كنا نحذر من هذا
الماء رحمة وخصباً، جادت زروعنا وخصبت(٧) بلادنا، فنقضوا العهد وقالوا: يا مُوسَى لن
(١) سورة يونس، الآية: ٨٩.
(٢) كتبت فوق الكلام بين السطرين بالأصل.
(٣) ونقل عن مجاهد أيضاً قوله: الطوفان الماء والطاعون على كل حال (البداية والنهاية ٣٠٧/١).
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٣٤.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٣٤.
(٦) الأصل، ود، و((ز))، وم: فكلؤهم.
(٧) كذا بالأصل ود، و((ز))، وم: ((وخصبت)) وفي المختصر: وأخصبت.

٧٢
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
نؤمن لك، ولن نُرسل معك بني إسرائيل، فإنّا كنا جزعنا من شيء كان خيراً لنا، فأوحى الله
إلى مُوسَى أَنْ صلِّ ركعتين، ثم أَشِرْ بعصاك إلى نحو المشرق والمغرب، ففعل مُوسَى،
فأرسل الله عليهم الجرَاد من الأفقين أمثال الغمام المظلم الأسود، حتى امتلأت(١) أرضهم،
وحال الجراد بينهم وبين السماء، حتى صارت الشمس كأنها في سحاب، قال: فأقبلت
الجراد، فلحست ما أنبت الله من الزرع والكلأ حتى لم يَذَز منه شيئاً، ثم توجهت نحو النخل
والشجر، فجعلت تستقبل النخلة العظيمة فتأكلها حتى تحفرها عن عروقها، فيستقبل بعضها
الشجرة العظيمة المثمرة، فيقع بعضها في أعلاها، وبعضُها في أسفلها. فتأكلها حتى ما يرى
فيها عودٌ ولا ورقةٌ، ويسمع(٢) لها قضيم(٣) مثل قضيم، ثم تبتلعه كما يبتلع الجمل اللقمة،
فما ينكشف الجراد عن شيءٍ وقع عليه إلاّ صار ذلك المكان كأنما حرث بالبقر.
قال: ونا إِسْحَاق، أَنَا مقاتل بن سُلَيْمَان، عَن الضّحّاك وعطاء عن ابن عبّاس.
أن الجراد كان يأكل الأبواب والخشب ومسامير الأبواب، ويقع في دورهم ومساكنهم،
فلا يستطيع أحد منهم الخروج من بيته إلاّ أكله الجراد، وثيابهم وشعورهم قال: وثبت الجراد
عليهم ثمانية أيام ولياليهن، لا يرون الأرض حتى ركب الجراد بعضه بعضاً ذراعاً من الأرض،
قال: فصرخ أهل مصر إلى فِزْعون، فقالوا: يا سيّدنا، إنّ هذا لا تقوم له حيلتنا، وكلّ مصيبة
أهون علينا من الجوع، وإنّه متى أصابنا الجوع ظهر علينا عدوّنا، فصار بعضنا خدماً لبعض،
وإنّا لم نَرَ ساحراً قط مثله، إنّ سحره لم يزل يعظم حتى بلغ ما ترى، فادعُه وعجّلْ قبل
الهلاك، قال: فأرسل فِرْعون إلى مُوسَى، فأتاه، فقال له: ﴿يا أيها الساحر، ادعُ لنا ربك بما
عهد عندك إنّنا لمهتدون﴾(٤)، نحلف لك يا مُوسَى ﴿لئن كشفت عنا﴾ هذا ﴿لنؤمنن لك
ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾(٥)، قال: فدعا مُوسَى ربّه، فأرسل الله ريحاً شديدةً فاحتملت
الجراد فألقته في البحر، وانكشفت لهم الأرض، فلمّا نظر أهل مصر إلى الأرض، فإذا هم قد
بقي من زروعهم وكلئهم ما يكفيهم عامهم ذلك، وذلك في أرضٍ لم تصل إليه الجراد، فأتوا
مُوسَى ونكثوا العهد، وقالوا: بقي لنا منه ما نكتفي به سنتنا هذه، فلن نؤمن معك، ولن نرسل
(١) في ((ز))، وم، ود: امتلت.
(٢) الأصل: وسمع، وفي (ز))، ود: ((ومسمع)) وفي م: ((ونسمع)) والمثبت عن المختصر.
(٣) كذا بالأصل و((ز))، ود، وفي م: ((قضيم ثم تبتلعه)) وفي المختصر: ((قضم ثم تبتلعه)) وفي د: قضيم مثل قضيم
(بعدها بياض بمقدار لفظة) ثم تبتلعه .
(٤) سورة الزخرف، الآية: ٤٩.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٣٤.

٧٣
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
معك بني إسرائيل، فلمّا علم الله ذلك من كفرهم أمر الله مُوسَى أنِ امشٍ إلى كثيبٍ في ناحية
كذا وكذا من أرض مصر، فاضربه بعصاك ثم انكته(١) من نواحيه، فانطلق مُوسَى إلى ذلك
الكثيب، فضربه بعصاه، فخرج عليهم مثل القُمَّل - وقال بعضهم: البراغيث - والقمّل هو الدبا
من الجراد، حتى خرج شيء لا يحصى عدده إلاّ الله حتى امتلأت البيوت والأطعمة ومنعهم
من النوم والقرار، فكان الرجل منهم لا يقرّ ليله ولا نهاره، ويصيح كهيئة المجنون قد اعترتهم
الحكّة، وأقبلت على بقية الزرع فأكلته حتى أخرجته من عروقه، قال: فصرخ أهل مصر إلى
فِرْعون: إنّا قد هلكنا جوعاً إنْ لم ترسل إلى هذا الساحر يدعو لنا ربه أن يكشف عنّا هذا
العذاب، فأرسل فِرْعون إلى مُوسَى، فأتاه، فقال له: ﴿يا أيها الساحر، ادع لنا ربك﴾ يكشف
عنا هذا العذاب، فإنْ فعل آمنا بك، وأرسلنا ﴿معك بني إسرائيل﴾، قال مُوسَى: قد كنتَ
حلفتَ وأعطيتني عهداً إنْ كشف الله عنكم لتؤمنن بي، ولترسلنَّ معي بني إسرائيل، قال: قد
كان ذلك فيما مضى، ولكن المرة ادع لنا، قال مُوسَى: لا أدعو لكم ما سميتموني ساحراً،
فقال: يا مُوسَى، ادع لنا ربك، قال: فدعا مُوسَى ربّه، فأمات القمل، فلم يبق منه بأرض
مصر شيء، فلمّا أن علم القوم أنه لم يبق لهم ما يعيشون به أتوا فِرْعون فجعلوا يتوامرون(٢)
ماذا يصنعنون بمُوسَى، قال: فاتفق أمرهم على أنه ساحر، وإنّما غلبهم بسحره، قال: فدعا
فِرْعون مُوسَى (٣)، فقال: يا مُوسَى، إنْ لم نؤمن لك هل يستطيع ربّك أن يفعل بنا شرّاً مما
فعل، فلن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل، فلمّا علم الله نكثهم (٤) أوحى الله إلى
مُوسَى أن يأتي البحر ثم يشير بعصاه، ففعل مُوسَى، فأرسل الله عليهم الضفادع، فتداعت
الضفادع بعضها بعضاً حتى أسمع أدناها أقصاها، وما فوق الماء منها وما تحته، فخرج كلّ
ضفدع خلقه الله في البحر، فلم يشعر الناس إلاّ والأرض مملوءة ضفادع، ثم توجّهت نحو
المدينة، فدبّت في أرضهم وبيوتهم ومجالسهم وأجاجيرهم(٥) وفرشهم وأفنيتهم، وامتلأت
الأطعمة والآنية، وكانوا لا يمشون ولا يقعدون إلاّ على الضفادع، وكان الرجل منهم لا
يكشف عن ثوبٍ ولا قِدْرٍ ولا عن آنية إلاّ وجد فيه ضفادع ميتة، حتى إنّ الرجل كان ينام على
فراشه مع أهله فإذا انتبه من نومه وجد عليه من الضفادع ما لا يحصى، وقد ركب بعضها
(١) الأصل ود، و(ز))، وم: انكثه.
(٢) أي يتشاورون.
(٣) من هنا سقط في ((ز))، سنشير إلى نهايته في موضعه.
(٤) وهو قوله تعالى : : ﴿فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾.
(٥) الأجاجير واحدها إجّار، وهو السطح الذي ليس حوله ما يردّ الساقط عنه (راجع اللسان).

٧٤
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
بعضاً، وجعل أهل المدينة لا يستطيعون أن يأكلوا طعاماً من نتن الضفادع.
قال: وأنا ابن إِسْحَاق، أَنَا سعيد بن سالم القداح، عَن ابن جريج، عَن مجاهد قال :
وأنا ابن سنان عن من يخبره عن مجاهد قال: كانت الضفادع لتسكن الجِحَرَةَ(١) فلمّا أرسلها
الله عذاباً على فِرْعون وقومه فكانت تجيء حتى تقذف نفسها في التنور المسجور، وفي
القدور، وهي تغلي تغضباً لله، فشكر الله لها، فأسكنها الماء، وجعل نعيقها التسبيح (٢).
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا أَبُو إِلياس عن وهب بن مُنْبَه قال: لما أذاهم - يعني - آل فِرْعون
القذر والنتن وأجهدهم البلاء الذي أصابهم من الضفادع صرخوا إلى فِرْعون، فأرسل فِرْعون
إلى مُوسَى، فأتاه فقال: ﴿يا أيها الساحر، ادعُ لنا ربك﴾(٣) يرفع عنا هذا الرجز فنؤمن بك،
ونرسل معك بني إسرائيل، قال مُوسَى: لولا الحجّة والعذر الذي وضعه الله بيني وبينك ما
فعلتُ، قال: فدعا ربه، فماتت الضفادع، فجعلوا يكنسونها من بيوتهم ودورهم وأفنيتهم ثم
ينقلونها إلى باب المدينة حتى جعلت ركاماً ثم أرسل الله عليهم مطراً وابلاً فسال بالضفادع
فألقاها في البحر، فلمّا كشف الله عنهم الضفادع قالوا: ما فعل هذا إلاَّ سحره، ولو صبرنا
كانت تموت الضفادع، فنكثوا وقالوا: يا مُوسَى، لن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني
إسرائيل، قال: فلمّا نكثوا أوحى الله إلى مُوسَى أن اضرب بعصاك النيل - وهو النهر الذي
يشرب به أهل مصر - ففعل مُوسَى، فتحوّل النيل دماً عبيطاً، يرده بنو إسرائيل فيشربون ماءً
عذباً صافياً، ويرده قوم فِرْعون فتختضب بها أيديهم دماً، فجرت أنهارُهم دماً وصارت
ركاياهم دماً، فلم يقدر أحدٌ منهم على ماءٍ يشربه، وكانوا لا يستقون من بئرٍ ولا نهرٍ، ولا
يغترفون من إناء إلاّ صار دماً(٤).
قال: وأنا إِسْحَاق، قَال: وأَخْبَرَني مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدَّثَني من لا أتّهم أن المرأة من
آل فِرْعون كان تخرج إلى المرأة من بني إسرائيل حين أجهدها العطش فتقول لها: اسقيني من
مائك فإنّي قد هلكت عطشاً، قال: فترحمها فتغرف لها من جرّتها أو قربتها قال: فتعود الماء
(١) الجحرة جمع جُحر.
(٢) كذا بالأصل ود، وم، وفي المختصر: النشيج.
(٣) سورة الزخرف، الآية: ٤٩.
(٤) هذا من تمام المعجزة الباهرة والحجة القاطعة، وهذا كله يحصل لهم من فعل موسى عليه السَّلام فينالهم عن
آخرهم، ولم ينل بني إسرائيل منه شيء بالكلية، وفي هذا أدل دليل .

٧٥
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
بإذن الله في إنائها(١) دماً، وفي إناء الإسرائيلية ماء صافياً، حتى إنْ كانت المرأة من آل فِرْعون
لتقول للمرأة من بني إسرائيل: اجعلي الماء في فيك ثم مُجّيه في فيّ، قال: فكانت المرأة
تأخذ الماء في فيها، فإذا مجّته في في آل فِزعون(٢) صار دماً، فمكثوا بذلك سبعة أيام
ولياليهن لا يقدرون على ماءٍ حتى بلغهم الجهد.
قال: وأنا إِسْحَاق، حَدَّثَني سعيد بن أبي عروبة، أَخْبَرَني قتادة عن كعب أنه قال:
إن آبارهم صارت قبل الدم دوداً أحمر، فاتّخذ فِرْعون لها أكوازاً على فيها كشبه(٣)
الغرابيل يقال له البرقال (٤) قال: فعند ذلك صارت أنهارهم دماً، قال: فصرخوا إلى فِرْعون:
إنّا قد هلكنا عطشاً، وإنّه لا صبر لنا، وقد هلكت مواشينا، وأنعامنا عطشاً من الظمأ فأرسل
فِرْعون إلى مُوسَى، فقال: يا مُوسَى بحقّ ربك الذي أرسلك إلينا لمّا دعوته أن يكشف عنا إننا
لمهتدون. وهي مرّتك هذا (٥) نعطيك عهداً أن لا ننكث، ونؤمن بك، ونرسل معك بني
إسرائيل، قال مُوسَى: يا فِزْعون، أليس تزعم أنّي ساحر، وأنّي أصنع هذا بسحري، فكيف
تأمرني أن أدعو ربي، قال: يا مُوسَى لا تؤاخذنا بما قد مضى ولكن ادع لنا ربك مرّتك هذه،
فدعا مُوسَى ربه، فكشف الله عنهم الرجز(٦)، وشربوا من بعد الدم ماء عذباً صافياً، قال: وما
كان دعوة مُوسَى في كل مرة إلاّ للحجة والعذر الذي قدّره الله، ورجا أن يرجعوا ويوفوا
بعهده، ويؤمنوا، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فلم يفوا وعادوا إلى أمرهم قال الله: ﴿فلما
كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون﴾(٧).
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا شعبة، عَن قَتَادة، عَن الحَسَن قال:
طاف عليهم الموت ثمانية أيام، وهو الطوفان، وقال غير الحَسَن ممن سمينا في الكتاب
وهو وهب: أنه أرسل عليهم السماء ثمانية أيام وهو حتى خافوا الغرق، وهو الطوفان، وقال
غير الحَسَن: فكان بين الطوفان وبين الجراد أربعون يوماً، وكان الجراد ثمانية أيام، وكان بين
الجراد وبين القُمّل أربعون يوماً، وكان القُمّل ثمانية أيام، وكان بين القُمّل والضفادع أربعون
(١) الأصل: ((إناء)) والمثبت عن د، و((ز))، وم.
(٣) كذا بالأصل وم، ود، وفي المختصر: كهيئة.
(٢) وفي المختصر: فإذا مجته في فيها صار دماً .
(٤) كذا بالأصل وم، ود، ولم أحله.
(٥) كذا بالأصل، ود، وم، والأشبه: هذه.
(٦) الرجز يعني العذاب، وقال ابن جبير: كان العذاب بالطاعون والسياق يقتضي أن الرجز قد يكون ما تقدم من إظهار
الآيات المتتابعات المتتاليات.
(٧) سورة الأعراف، الآية: ١٣٥.

٧٦
موسى بن عمران بن یصهر بن قاهٹ
يوماً، وكانت الضفادع ثمانية أيام، وكان بين الضفادع والدم أربعون يوماً، وكان الدم ثمانية
أيام .
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا ابن سمعان، عَن من يخبره عن عطاء بن أبي رباح قال: كان بين
الآيات كلها أربعون يوماً .
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا سعيد، عَن قَتَادة، عَن الحَسَن قال: ما بين الآية إلى الآية أربعون
يوماً، فقال الله عزّ وجلّ لمُوسَى: ﴿أَسْرِ بعبادي﴾(١) ليلاً ﴿إنّكم متّبعون﴾(١).
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا عَبْد اللّه بن إسْمَاعيل السندي، عَن أَبيه، عَن مجاهد، عَن ابن
عبّاس، ومقاتل عن الضّحّاك عن ابن عبّاس، وابن جُريج عن مجاهد، عَن ابن عبّاس قالوا
کلهم عنه:
إنّ الله أمهل لفِزْعون بين القولين حين قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾(٢) وقال: ﴿ما علمت
لكم من إله غيري﴾(٣)، فأمهله أربعين سنة فيما بين القولين، فكذلك حكم ربنا تعالى، ثم
أخذه بنكال الآخرة والأولى، فأمّا الأولى فقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾، والآخرة
حين حشر الناس في أمر فِرْعون فقال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ .
قال: وأنا إِسْحَاق، أَخْبَرَني مُوسَى بن عبيدة، عَن مُحَمَّد بن كعب القرظي قال :
لقد ذكر لي أن فِرْعون خرج في طلب مُوسَى على ستمائة ألف من الخيل دُهْمٌ كلها
وُزْقٌ(٤) حصان، سوى ما كان في جنده من سائر الخيل، قال: فخرجوا في طلب موسى كما
قال الله، ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾(٥) عند طلوع الشمس(٦).
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا جُوَيبر، عَن الضّحَاكِ، عَن ابن عبّاس، وعُثْمَان بن عطاء، عَن
أَبيه عن ابن عبّاس قال:
(١) سورة الشعراء، الآية: ٥٢ والآية ٢٣ من سورة الدخان وفيها: ﴿فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون﴾.
(٣) سورة القصص، الآية: ٣٨.
(٢) سورة النازعات، الآية: ٢٤.
(٤) كذا بالأصل ود، وفي م: زرق. والورق من الورقة: وهو سواد في غبرة، وقيل سواد في بياض كدخان الرمث
(اللسان: ورق). والزرق: شعرات بيض تكون في يد الفرس أو رجله، وقيل: بياض في ناصية الفرس أو قذاله
(اللسان: زرق).
(٥) سورة الشعراء، الآية: ٦٠.
(٦) تاريخ الطبري ١/ ٤٢٠ وفيه: سبعين ألف بدلاً من ستمئة ألف.

٧٧
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
خرج مُوسَى حتى انتهى إلى البحر، فلمّا انتهى إلى البحر - وهو بحر القُلْزُم - لم يكن له
عنه منصرف(١)، قال: واطّلع عليهم فِرْعون في جنوده من خلفهم والبحر أمامهم، فظن بنو
إسرائيل الظنون، وجعلوا يلومون مُوسَى بقول الله، ﴿فلما تراءى الجمعان﴾(٢) يعني:
الفريقان(٣)، قال: جند فِرْعون وأصحاب مُوسَى ﴿قال أصحاب مُوسَى: إنا لمدركون، قال:
كلا، إنّ معي ربي سيهدين﴾(٤) يقول وعدني وسينجز وعدي، ولا خلف لموعد الله، قال:
فقالت بنو إسرائيل لمُوسَى: لم تدعنا بأرض مصر، أرض طيبة، نعيش فيها ونخدم فِرْعون
وقومه، ولم نَرَ هذا البلاء، هذا البحر أمامنا، وفِرْعون وجنوده من خلفنا، إنْ ظفر بنا قتلنا،
وإن اقتحمنا في البحر غرقنا، لقد لقينا في سبيلك بلاءً وشدّة.
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا سعيد، عَن قَتَادة، عَن الحَسَن قال:
إنّ مُوسَى لما رَأى ذلك من قومه وما يتضرعون ويستغفرون من ذنوبهم ويقولون: يا
مُوسَى سل لنا ربك يضرب لنا ﴿طريقاً في البحر يبساً﴾(٥) فقد وعدنا لذلك بمصر، فاتّبعناك،
وصدّقناك، وهذا فِرْعون وجنوده قد دنا منك، قال: فانطلق مُوسَى نحو البحر، فقال: إنّ الله
أمرني أن أسلك فيك طريقاً، وضرب بعصاه البحر قبل أن يوحى إليه، فأنطق الله البحر، فقال
له: يا مُوسَى، أَنا أعظم منك سلطاناً، وأشدّ منك قوة، وأنا أوّل منك خلقاً، وعليّ كان عرش
ربنا، وأنا لا يدرك قعري، ولا أترك أحداً يمرّ بي إلا بإذن ربّي، وأنا عبد مأمور، لم يوح الله
إليّ فيك(٦) شيئاً، ودنا فِرْعون وجنوده، فجاء مُوسَى إلى قومه راجعاً، فأيس (٧) القوم، فأتاه
حزبيل بن يوحابيل المؤمن(٨) فقال له: يا مُوسَى، يا نبي الله، أليس وعدك الله البحر؟ قال:
نعم، قال: فلن يخلفك، فناج ربك، قال: فبينما هو كذلك إذ جاءه خازن البحر، فسلّم
عليه، فقال له: يا مُوسَى، أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا خازن البحار (٩)، قال: فما أوحى الله
إليك في أمر فِرْعون شيئاً؟ قال: يا مُوسَى، والله إني لخامس خمسة من خزّان الله، والله ما
أدري ما الله صانع بعد فِرْعون، ولقد خفي عليّ أمره، وإنّ الله وعدك وهو منجز ذلك،
فتضرّع إلى ربك، قال: فلمّا سمع ذلك مُوسَى تَضَرّع إلى الله، فقال: يا رب، قد ترى ما
(١) في المختصر: مصرف.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ٦١.
(٣) كذا بالأصل وم، ود، والوجه: الفريقين.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ٦١ - ٦٢.
(٥) سورة طه، الآية: ٧٧.
(٦) كذا بالأصل وم ود، وفي المختصر: قبل.
(٧) بالأصل: فأنس، والمثبت عن م، ود .
(٨) انظر ما تقدم بشأنه قريباً.
(٩) في المختصر: خازن البحر.

٧٨
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
يقول بنو إسرائيل، وما قد كربهم، وما قد نزل بهم من سوء الظن، فأسألك يا إله إِبْرَاهيم
وإِسْمَاعيل وإِسْحَاق ويعقوب ويوسف، فرّج عنا هذا الكرب، ونجّنا من فِرْعون، وأبدلْ لنا
مكان الخوف أمناً كي نسبحك كثيراً، ونعبدك حق عبادتك.
واختلط خيل فِرْعون بخيل مُوسَى، وخرج فِرْعون مُعْلِماً على فرسٍ، له حصان،
وكانت لحيته تغطي قَرَبوس سرجه، ولمّته من خلفه تغطي مؤخر سرجه، وعليه درع من
ذهب، قد علاه بالأرجوان، قال: فلما رَأى ذلك الله عزّ وجل مما دخل في قلب مُوسَى
وقلوب بني إسرائيل أوحى الله إلى مُوسَى: إنّي قد أذنت للبحر أن يطيعك، فاضرب ﴿بعصاك
البحر﴾(١) قال: فضرب مُوسَى البحر، ﴿فانفلق﴾ اثنا عشر طريقاً، ودعا مُوسَى أصحابه وقال
لهم: هلموا فثم ثَمّ قال: اللّهم اجعل هذا البحر غضباً ورجزاً (٢) ونقمة على فرعون وقومه،
ونجنا جميعاً، فإنّا جندك، ونحن أهل الذنوب والخطايا، قال: فصار البحر كما قال الله اثني
عشر طريقاً يابساً، وهو كما قال: ﴿واترك البحر رهواً﴾(٣) يعني سهلاً دمثاً، لا تخاف دركا
من فِزْعون وجنوده، ولا تخشى البحر يغرقك ومن معك.
قال: فلما كان البحر ﴿كالطود العظيم﴾ (٤) كلّ فرقة منه يعني كالجبل العظيم، وتفرّق
الماء يميناً وشمالاً، وبدت الأرض يابساً، فقالت بنو إسرائيل: إنّا نخاف أن يغرق بعضنا ولا
يَراه إخوانه، غير أنّا نحب أن يكون البحر أبواباً، ليرى بعضنا بعضاً، قال: فصار لهم أبواباً
ينظر بعضهم إلى بعض، وكان طولُ الطريق فرسخين، وعرضه فرسخاً، فاتبعه فِرْعون
بجنوده .
قال: وأنا إِسْحَاق، أَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق قال: سمعت من حدَّثني عن مُحَمَّد بن كعب
القرظي عن عَبْد اللّه بن شداد قال(٥):
لما جاز بنو إسرائيل البحر ولم يبقَ منهم أحد بقي البحر على حاله(٦)، وأقبل فِرْعون
عدو الله على حصان من دُهم الخيل، ووقف على شفير البحر، والبحر رهواً ساكناً على
(١) سورة الشعراء، الآية: ٦٣.
(٢) الأصل وم، ود: وزجراً، والمثبت عن المختصر.
(٣) سورة الدخان، الآية: ٢٤.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ٦٣.
(٥) راجع تاريخ الطبري ١/ ٤٢٠ - ٤٢١ والكامل لابن الأثير ١٣٧/١.
(٦) أي ساكناً على هيئته لم يتغير.

٧٩
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
حاله، فأراد مُوسَى أن يضرب بعصاه البحر، فتركه كما كان، فأوحى الله إليه أن ﴿اترك البحر
رهواً إنّهم جند مغرقون﴾ فتركه على حاله خامداً، فلما أبصر فِرْعون البحر خامداً اثني عشر
طريقاً يقول لجنوده: ألا ترون إلى البحر كيف أطاعني، وإنما فعل هذا لتعظيمي، وما ينشق
إلاّ فَرَقاً مني لأنه علم أنّ سأتبع بني إسرائيل، فأقتلهم، ولم يعلم عدو الله أنّ الله مكر به من
حيث لا يشعر، وقال: فانطلق ليقتحم في البحر، وجالت الخيل، فعاينت العذاب، فنفر
الحصان الذي هو عليه، وجالت الخيل فأقحموها، فعاينت العذاب ولم تقتحم، وهابت أن
تدخل البحر، فعرض له جبريل على فرس له أنثى وديق(١) فقربها من حصان فرعون، فشمّها
الفحل، فتقدم جبريل أمام الحصان فاتّبعها الحصان وعليه فِرْعون، فلما أبصر جند فِرْعون أن
فِرْعون قد دخل نادت أصحاب الخيل: يا صاحب الرمكة(٢) على رسلك لتتبعك الخيل،
قال: فوقف جبريل حتى توافت الخيل ودخلوا البحر، وما يظن فِرْعون إلاّ أن جبريل فارس
من أصحابه، فجعلوا يقولون له: أسرع الآن، فقد دخلت الخيل، أسرع يسرع الخيل في
إِثرك، فجعل جبريل يخب إخباباً وهم في أثره لا يدركونه، حتى توسط بهم في أعمق مكان
في البحر، وبعث الله ميكائيل على فرسٍ آخر من خلفهم يسوقهم(٣) ويقول لهم: الحقوا
بصاحبكم، حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس أمامه أحد من آل فِزعون، وقف ميكائيل من
الجانب الآخر ليس خلفه أحدٌ .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي بن السبط، أَنَا أَبِي أَبُو سعد، أَنَا أَبُو الحَسَن بن فراس، أَنَا أَبُو جَعْفَر
الديبلي، نَا أَبُو عُبَيْد اللّه، نَا سفيان، عَن ابن أبي نجيح، عَن أَبي سعد، عَن عِكْرِمة، عَن ابن
عبّاس قال: خرج فِرْعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وخرج مُوسَى في بني إسرائيل
ستمائة ألف، فقال فِرْعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون .
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْن بن عَلي الزهري، وأَبُو الفتح المختار بن عَبْد الحميد
البوشنجيان(٤)، وأَبُو المحاسن أسعد بن علي بن زياد قالوا: أنا عَبْد الرَّحْمُن الداودي، أَنَا عَبْد
اللّه بن أَحْمَد الحموي، أَنَا إِبْرَاهيم بن خُزَيم الشاشي، نَا عبد بن حميد الكشي، نَا إِبْرَاهيم بن
الحكم بن أبان، حَدَّثَنِي أَبي، عَن ◌ِكْرِمة، عَن ابن عبّاس قال: قال رَسُول اللهِوَ لَه: ((كان
(١) الأصل وم ود: وذق، والمثبت عن الطبري وابن الأثير والبداية والنهاية، والفرس الوديق هي التي تريد الفحل.
(٢) الرمكة: الفرس، والبرذونة التي تتخذ للنسل (اللسان: رمك).
(٣) في الطبري: يشحذهم.
(٤) الأصل: البوسنجي، والمثبت عن د، وم.

٨٠
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
(٢) طريق اثنا عشر ألفاً
(١) فكان
أصحاب مُوسَى الذين جاوزوا البحر اثني عشر
كلّهم من ولد يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم)) [١٢٥٤١]
أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، أَنَا أَبُو الحَسَن رَشَأ بن نَظِيف المقرىء، أَنَا
أَبُو مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعيل الضرّاب، أَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بن مروان المالكي، نَا إسْمَاعيل بن
إِسْحَاق، نَا مُحَمَّد بن عبيد، نَا مُحَمَّد بن ثور، عَن مَعْمَر، عَن قَتَادة قال: كان مع موسى(٣)
وَ لّ ستمائة ألف، واتبعهم فِزعون على ألف ألف ومئتي ألف حصان.
قال: ونا إسْمَاعيل، عَن عَبْد اللّه بن إسْمَاعيل، نَا عَبْد الرَّحْمُن بن زيد بن أسلم قال:
سمعت أبي يقول: بلغني أن مقاتلة(٤) بني إسرائيل يومئذ ستمائة ألف، وأن مقدمة فِرْعون
كانوا ستمائة ألف على خيل دُهم سود غرّ محجلين، ليس فيها شية مخالفة لذلك، إلاَّ أدهم
أغرّ محجّل .
قال: ونا إسْمَاعيل، نَا مُحَمَّد بن عبيد، نَا مُحَمَّد بن ثور، عَن مَعْمَر، عَن أَبِي إِسْحَاق
الهمداني، عَن عَمْرو بن ميمون الأودي في قوله عزّ وجل: ﴿فكان كل فرق كالطود
العظيم﴾(٥) مثل النخلة، لا يتحرك، فسار مُوسَى ومن معه، واتبعهم فِرْعون في طريقهم حتى
أنهم (٦) تتامُّوا فيه أطبقت عليهم، فلذلك قال: ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾(٧).
قال: ونا إسْمَاعيل بن إِسْحَاق، نَا العباس بن الوليد، نَا يزيد بن زريع، نَا سعيد، عَن
قَتَادة في قوله عزّ وجل: ﴿وإذْ فَرَقَنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فِرْعون وأنتم تنظرون﴾
قال: إنما كان عهدهم بآل فِرْعون فصار البحر طريقاً يبساً لهم يمشون فيه، وأنجاهم الله
وأغرق آل فِزْعون وهم ينظرون.
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم أيضاً، أَنَا رَشَأ بن نَظِيف، أَنَا الحَسَن بن إسْمَاعيل، أَنَا أَحْمَد بن
مروان، نَا إِبْرَاهيم الحربي، نَا يَخْيَى بن عَبْد الحميد، نَا وكيع، عَن سفيان الثوري، عَن أَبي
السليل قال: لما انتهى موسى إلى البحر قال: هُنْ أبا خالد، فأخذه أفكل يعني رعدة(٨).
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ زَاهِر بن طَاهِر، أَنَا أَبُو بَكْرِ البَيْهَقِي، أَنَا أَبُو عَبْد اللّه الحافظ، نَا أَبُو
(١) بياض بالأصل ود، وم.
(٢) بياض بالأصل ود، وم.
(٣) الأصل: ((رسول الله)) خطأ، والمثبت عن د، وم.
(٤) الأصل: لمقاتلة، والمثبت عن د، وم.
(٥) سورة الشعراء، الآية: ٦٣.
(٦) بياض في م.
(٧) سورة البقرة، الآية: ٥٠.
(٨) تحرفت في م إلى: عدة.