Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
من غلوتين(١) ومن المبين(٢)
قد جربوني ثم جربوني
خلّوا عناني ثم سيّبوني
حتى إذا شابوا(٣) وشيبوني
أيها الناس، إنّي قد سألت هذا الوفد من أهل العراق عن عاملهم مُصْعَب بن الزُبَيْر،
فأحسنوا الثناء، وذكروا منه ما أحبّ، أن مُضْعَباً اطَّى (٤) القلوب حتى لا تعدل به، والأهواء
حتى لا تحول عنه، واستمال الألسن بثنائها، والقلوب بصحتها، والأنفس بمحبتها، فهو
المحبوب في خاصّته، المأمون في عامته، بما أطلق الله به لسانه من الخير، وبسط به من
البذل، ثم نزل.
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم بن الحُصَينِ، أَنَا أَبُو عَلي بن المُذْهِب، أَنَا أَحْمَد بن جَعْفَر، نَا عَبْد
اللّه بن أَحْمَد، حَدَّثَنِي أَبي(٥)، نَا مؤمّل، نَا حمّاد - يعني - ابن سَلَمة، نَا عَلي بن زيد قال:
بلغ مُصْعَب بن الزُّبَيْر عن عريف الأنصار شيء، فهمّ به، فدخل عليه أنس بن مالك
فقال له: سمعت رَسُول الله وَ له يقول: ((استوصوا بالأنصار خيراً)) - أو قال: معروفاً - ((اقبلوا
من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)).
فألقى مُصْعَب نفسه عن سريره وألزق خده بالبساط وقال: أمر رَسُول اللّهِ وَ له على
الرأس والعين، فتركه[١٢١٠٧].
أَخْبَرَنَاه أَبُو المُظَفّرِ بنِ القُشَيْرِي، أَنَا أَبُو سعد مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمُنِ، أَنَا أَبُو عَمْرو بن
حمدان .
ح وأخبرتنا أم المجتبى العلوية قالت: قُرىء على إِبْرَاهيم بن منصور، أَنَا أَبُو بَكْر بن
المقرىء، قالا: أنا أَبُو يَعْلَى.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو غالب أَحْمَد، وأَبُو عَبْد اللّه يَحْيَى ابنا البنّا، قَالا: أنا أَبُو سعد مُحَمَّد بن
(١) الغلوة: الغاية مقدار رمية، كما في الصحاح، وفي المصباح: الغلوة هي الغابة، وهي رمية سهم أبعد ما يقدر،
يقال هي ثلثمائة ذراع إلى أربعمئة ذراع (راجع تاج العروس: (غلو) ٢٣/٢٠).
(٢) كذا بالأصل وبقية النسخ، وفي المختصر: المئين.
(٣) في ((ز)): شاب أو شيبوني.
(٤) في تاج العروس طبو: وفي حديث ابن الزبير: ((أن مصعباً اطبى القلوب حتى ما تعدل به)) أي تحبّب إلى
قلوب الناس وقربها منه .
(٥) رواه أحمد بن حنبل في المسند ٤/ ٤٨٠ رقم ١٣٥٢٨ طبعة دار الفكر.

٢٢٢
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
الحُسَيْن بن عَبْد اللّه بن أَبي علانة قال: قُرىء على أَبي طاهر المخلّص، أَنَا أَبُو القَاسِم
البغوي .
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ بنِ السَّمَرْ قَنْدي، وأَبُو عبد اللّه الحُسَيْن بن ظفر المناطقي(١)
قالا: أنا أَبُو الحُسَيْنِ بنِ النَّقُور، أَنَا أَبُو طَاهِرِ المُخَلّص، أَنَا البغوي.
قَالا: نا عبد الأعلى بن حمّاد، نَا حمّاد بن سَلَمة، عَن علي بن زيد.
إن مُصْعَب بن الزُبَيْرِ همّ بعريف الأنصار أن يقتله، فدخل عليه أنس بن مالك فقال:
سمعت رَسُول اللهِ وَّ يقول: ((استوصوا بالأنصار خيراً - أو معروفاً - وقال أَبُو عَلي: ومعروفاً
اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)).
فنزل مُصْعَب من - وقال ابن النَّقُور: عن - سريره على بساطه، وأَلزق جلده، أو قال:
خده، أو قال: تمعك وقال: أَمر رَسُول الله وَّر على الرأس والعينين - زاد ابنا البنّا: أمر النبي
وَل﴿ على الرأس والعينين - قال: وتركه، وقال ابن النَّقُور: فتركه(٢).
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، أَنَا رَشَأْ بن نَظِيف، أَنَا الحَسَن بن إِسْمَاعيل، أَنَا
أَحْمَد بن مروان، نَا إِسْمَاعيل بن إِسْحَاق السَّرَّاجِ، نَا العباس بن هشام، عَن أبيه، عَن الحكم
ابن هشام الثقفي قال :
دخل أسقف نجران على مُصْعَب بن الزُبَيْر، فضرب وجهه بالقضيب فأدماه، فقال
الأسقف: إنْ شاء الأمير أخبرته بما أنزل الله على عيسى: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيهاً،
ومنه يلتمس الحلم، ولا جائراً ومنه يلتمس العدل.
قال: وأنا مروان، نَا إسْمَاعيل بن يونس، نَا الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول:
قال أسقف نجران لمُصْعَب بن الزُبَيْر وغضب عليه حتى قنعه بقضيب في رأسه فقال له :
لا ينبغي للملك أن يغضب، لأن القدرة من وراء حاجته، ولا يكذب لأنه لا يقدر أحد على
استكراهه على غير ما يريد، ولا يبخل فإنه لا يخاف الفقر، ولا يحقد لأن خطره قد جلّ عن
المجازاة .
أَخْبَرَنَا أَبُو المُظَفّر بن القُشَيْرِي، وأَبُو القَاسِمِ زَاهِر بن طَاهِر، قَالا: قُرىء على سعيد
(١) غير واضحة بالأصل ود، والمثبت عن (ز))، وم.
(٢) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠) ص٥٢٦.

٢٢٣
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
ابن مُحَمَّد بن أَحْمَد البحيري، أَنَا أَبُو زكريا يَخْيَى بن إِسْمَاعيل الحربي، أَنَا أَحْمَد بن حمدون
ابن رُسْتم، نَا أَحْمَد بن منصور، وعَبْد العزيز بن مُنيب، قَالا: نا عَبْد العزيز بن أبي رزمة، أَنَا
عَبْد اللّه بن المُبارك قال:
دخل أسقف نجران على مُصْعَب بن الزُبَيْر، فرمى إليه مُصْعَب بشيءٍ فشجّه، فقال له
الأسقف: أعطني الأمان حتى أُخبرك بما أنزل الله على عيسى بن مريم في الإنجيل، فقال له:
لك الأمان، وما أنزل الله عليه؟ فقال الأسقف: أَنزل الله عليه: ما للأمير وللغضب ومن عنده
يُطلب الحلم، وما له وللجور ومن عنده يُطلب العدل، وما له وللبخل ومن عنده يُطلب
البذل .
أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد هبة الله بن أَحْمَد، وعَبْد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل بن بشر،
قَالُوا: أنا أَبُو الحُسَيْن بن مكي، أَنَا أَبُو الحَسَن مُحَمَّد بن أَحْمَد بن العباس الإِخميمي، حَدَّثَني
أَبُو الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه بن سعيد المهراني قال:
سمعت رجلاً من أهل العلم يقول: بلغ مُضْعَب بن الزُبَيْر عن رجلٍ من أهل البصرة كِبْرٌ
فقال مُصْعَب: العجب من ابن آدم، كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرّتين.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن بن قُبَيْس، نَا - وأَبُو مَنْصُور بن خَيْرُون، أَنَا - أَبُو بَكْر الخطيب(١)،
أَخْبَرَني الأزهري، نَا مُحَمَّد بن العبّاس، نَا مُحَمَّد بن خلف بن المرزبان، أَخْبَرَني أَبُو عَلي
السجستاني، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللّه بن سلموية قال:
أسر مُصْعَب بن الزُبَيْر رجلاً، فأَمر بضرب عنقه، فقال: أعزّ الله الأمير، ما أقبح بمثلي
أن يقوم يوم القيامة فأتعلق بأطرافك الحَسَنة، وبوجهك الذي يُستضاء به، فأقول: يا ربّ، سَلْ
مُصْعَباً فيمَ قتلني؟ فقال: يا غلام اعفْ عنه، فقال: أَعزّ الله الأمير، إنْ رأيت أن تجعلَ ما
وهبتَ لي من حياتي في عيش رخي قال: يا غلام، أعطه مائة ألف، فقال: أعزَّ الله الأمير،
فإنّي أشهد الله وأشهدك أنّي قد جعلت لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفاً، فقال له: ولِمَ؟
فقال: لقوله فيك :
إنّما مُصْعَب شهاب من الله
-
تَجَلّت من وجهه الظَّلْماءِ(٢)
(١) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٠٦/١٣.
(٢) مرّ البيت قريباً.

٢٢٤
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
أَنْبَانَا أَبُو الحسن(١) عَلي بن مُحَمَّد بن العلاف.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو المعمر الأنصاري عنه.
ح وأنا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدي، أَنَا أَبُو عَلي بن المسلمة، وأَبُو الحَسَن بن العلاّف،
قَالا: أنا عَبْد الملك بن مُحَمَّد، أَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهيم، أَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، نَا عَلي بن
الأعرابي قال:
أخذ مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ رجلاً من أصحاب المختار بن أَبي عُبيد، فأَمَرَ بضرب عنقه،
فقال الرجل: أيها الأمير، ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحَسَنة، ووجهك
هذا الذي يُستضاء به، فأَتعلق بأطرافك وأقول: يا ربّ، سَلْ مُصْعَباً فيمَ قتلني؟ فقال مُصْعَب:
أطلقوه، فقال الرجل: أيها الأمير، اجعل ما وهبتَ لي من حياتي في خفض، فقال مُصْعَب:
أعطوه مائة ألف درهم، فقال الرجل: فإنّي أشهد الله أن لعبيد اللّه(٢) بن قيس الرقيّات خمسين
ألفاً، قال مُضْعَب: ولِم ذاك؟ قال: لقوله:
إنّما مُضْعَب شهاب من الله
تَجَلَّت عن وجهه الظَّلْماءُ
قال: فضحك مُصْعَب وقال: إنّ فيك لموضعاً للصنيعة، وأَمره بلزومه.
أَخْبَرَنَا(٣) أَبُو القَاسِم عَلي بن إِبْرَاهيم، أَنَا رَشَأْ بن نَظِيف، أَنَا الحَسَن بن إسْمَاعيل، أَنَا
أَحْمَد بن مروان، نَا عَبْد اللّه بن مسلم بن قتيبة، نَا الرياشي، نَا الأصمعي، عَنِ أَبِي عَمْرو بن
العلاء، وأَبي سفيان بن العلاء قالا :
أخذ مُصْعَب بن الزُبَيْر رجلاً من أصحاب المختار فأَمر بضرب عنقه، فقال له: أيها
الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحَسَنة، ووجهك هذا الذي يُستضاء
به، فأتعلّق بأطرافك وأقول: يا ربّ، سَلْ مُضْعَباً فيم قتلني؟ فقال مُضْعَب: أطلقوه وأعطوه
مائة ألف، فقال: بأبي وأمي، أشهد بالله أن لابن قيس منها خمسين (٤) ألفاً، قال مُصْعَب:
ولم؟ قال: حيث يقول:
إنّما مصعب شهاب من الله تَجَلّتْ عن وجهه الظَّلْمَاءُ
(١) تحرفت بالأصل إلى: ((الحسين)) والمثبت عن م، و((ز))، ود.
(٢) بالأصل وم ود: لعبد الله.
(٤) بالأصل وم ود: خمسون ألفاً.
(٣) الخبر التالي سقط من (ز).

٢٢٥
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
قال: فضحك مُضْعَب، وأمره بلزومه حتى قُتل .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر يَخْيَى بن إِبْرَاهيم بن أَحْمَد السلماسي، عَنْ أَبِي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن أَبي
نصر الحميدي، أَنَا منصور بن النعمان، أَنَا مُحَمَّد بن عُبَيْد اللّه، عَن عَبْد اللّه بن عُبَيْد اللّه
الصقري(١)، عَن أَبي بكر الصنوبري، أَنَا عَلي بن سُلَيْمَان الأخفش قال: قال مُحَمَّد بن يزيد
المبرد :
قيل للقاسم بن مُحَمَّد: كيف كان مُصْعَب؟ قال: كان نبيلاً، أنيساً، رئيساً، نفيساً.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن المالكي، نَا - وأَبُو مَنْصُور بن خَيْرُون، أَنَا - أَبُو بَكْر الخطيب(٢)، أَنَا
الحَسَن بن أبي بكر، نَا - أَبُو سهل أَحْمَد بن مُحَمَّد بن زياد القطّان، أَنَا مُحَمَّد بن الفضل
السقطي، نَا مُحَمَّد بن عبيد بن حساب، نَا مُحَمَّد بن حمران(٣)، نَا عيسى بن عَبْد الرَّحْمُن
السلمي، أَخْبَرَني الشعبي قال:
مرّ بي مُصْعَب بن الزُبَيْر وأنا على باب داري، قال: فقال بيده هكذا، قال: فتبعته،
قال: فلما دخل أذن لي، فدخلت عليه، فتحدثت معه ساعة، ثم قال بيده هكذا، فرفع الستر،
فإذا عائشة بنت طلحة امرأته فقال: يا شعبي، رأيتَ مثل هذه قط؟ قال: قلت: لا، ثم
خرجتُ ثم لقيني بعد ذلك، فقال لي: يا شعبي، تدري ما قالت لي؟ قلت: لا، قالت:
تجلوني عليه ولا تعطه شيئاً، قال: فقد أمرت لك بعشرة آلاف، فأخذتها، فكان أول مال
ملكته .
أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ المعدّل، وأَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا أَبِي عَلي، قَالوا: أنا أَبُو
جَعْفَر بن المسلمة، أَنَا أَبُو طَاهِرِ المُخَلّص، أَنَا أَحْمَد بن سُلَيْمَان، أَنَا الزُبير بن بكار، قال:
وقال أخو بني أُسید بن عمرو بن تمیم یمدحه مُضْعَب :
ساقتنا السنون الغبر
والرحم ما بالرحم عنك صبر
الناس أحساء وأنتَ بحر
(١) بدون إعجام بالأصل، والمثبت عن ((ز)، ود، وفي م: الصعرى وفوقها ضبة.
(٢) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٠٥/١٣ و١٠٦.
(٣) كذا بالأصل وبقية النسخ، وفي تاريخ بغداد: حمدان.

٢٢٦
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
غطا مط(١) جم العباب غزر
فأعطاه أربعين ألف درهم في كل(٢) بيت عشرة آلاف، وقال: لو زدت لزدناك.
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ زَاهِر بن طَاهِرٍ، أَنَا أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِي، أَنَا أَبُو الحَسَنْ عَلي بن أَحْمَد بن
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الزاهد البخاري - قدم علينا حاجاً - نا أَبُو نصر أَحْمَد بن نصر بن حمدوية
الفقيه - إملاء - نا مُحَمَّد بن أيوب، نَا أَبُو بَكْر بن أَبِي شَيبة، عَن مُحَمَّد بن بشر، نَا عَبْد الله بن
الوليد، أَخْبَرَني عَمْرو بن أيوب، أَخْبَرَنِي أَبُو أَياس معاوية بن قرّة قال:
كنت نازلاً على عَمْرو بن النعمان بن مُقرن، فلما حضر رمضان جاءه رجل بألفي درهم
من قبيل مُصْعَب بن الزُّبَيْر، فقال: إنّ الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول: إنّا لم ندع قارئاً
سريعاً إلاّ قد وصل إليه منا معروف، فاستعن بهاتين على نفسك شهرك هذا، فقال عَمْرو: اقرأ
على الأمير السلام وقُلْ له: إنّا والله ما قرأنا القرآن نرید به الدنيا، ورد عليه.
أَخْبَرَنَا أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعيل، وأَبُو المحاسن أسعد بن عَلي، وأَبُو بَكْر أَحْمَد
ابن يَحْيَى، وأَبُو الوقت عبد الأول بن عيسى، قالوا: أنا أَبُو الحَسَن الداودي، أَنَا عَبْد اللّه بن
أَحْمَد بن حمُّوية، أَنَا عيسى بن عُمَر بن العباس، أَنَا عَبْد اللّه بن عَبْد الرَّحْمُنِ، أَنَا أَحْمَد بن
حميد، نَا مُحَمَّد بن بشر، نَا عَبْد اللّه بن الوليد، عَن عُمَر بن أيوب، عَن أَبي إِياس قال:
كنت نازلاً على عُمَر (٣) بن النعمان فأتاه رسول مُصْعَب بن الزُّبَيْر حضره رمضان بأَلفي
درهم، فقال: إن الأمير يقرئك السلام وقال: إنّا لم نَدَعْ قارئاً سريعاً إلاّ قد وصل إليه منا
معروف، فاستعن بهذين على نفقة شهرك هذا، فقال: اقرأ الأمير السلام، وقُلْ له: إنا ما قرأنا
القرآن نريد به الدنيا ودرهمها(٤).
أَخْبَرَنَا أَبُو العزّ أَحْمَد بن عُبَيْد اللّه السلمي، أَنَا أَبُو مُحَمَّد الجَوْهَرِي، أَنَا أَبُو عُمَر بن
حيُّوية، نَا حرمي بن أبي العلاء، نَا الزبير بن بكّار، حَدَّثَني عمي قال(٥):
(١) الغطامط الصوت، أي صوت غليان موج البحر (تاج العروس بتحقيقنا: غطمط).
(٢) كتبت فوق الكلام بين السطرين بالأصل.
(٣) كذا بالأصل وبقية النسخ هنا: ((عمر)) ومرّ في الرواية السابقة: عمرو.
(٤) كذا بالأصل ود، وم: ((ودرهمها)) وفي (ز)): ((وردهما)).
(٥) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠) ص٥٢٦ وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٤٢.

٢٢٧
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
أُهديت لمُصْعَب بن الزُبَيْر نخلة من ذهب، عناقيدها(١) من صنوف الجوهر، فدعا لها
المقوّمين فقوّموها بألفي ألف دينار، وكانت من متاع الفرس، فقال: والله ما أدري ما أصنع
بها، أما إنّي(٢) سأعطيها رجلاً أحبه، فاستشرف لها ولده وَمَنْ حواليه، فدفعها إلى عَبْد الله بن
أَبي فروة(٣).
وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن شجاع، وأَبُو مُحَمَّد بن طاوس، قَالا: أنا مُحَمَّد بن أَحْمَد
بن عَلي .
وأَخْبَرَنَا أَبُو طاهر مُحَمَّد بن أبي نصر بن أبي القاسم هاجر، أَنَا مَحْمُود بن جَعْفَر بن
مُحَمَّد الكوسج .
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر اللفتواني، أَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَلي السمسار.
قالوا: أنا إِبْرَاهيم بن عَبْد اللّه بن مُحَمَّد التاجر، أَنَا أَبُو الحَسَن أَحْمَد بن مُحَمَّد
المخرمي، نَا الزبير بن بكّار، حَدَّثَنِي عَبْد اللّه بن نافع قال:
كان عَبْد اللّه بن الزبير لا يكسو أسماء ابنة أبي بكر بكسوة إلاّ كساها مُضْعَب مثلها .
أَخْبَرَنَا أَبُو القَّاسِم بن السَّمَرْقَنْدي، أَنَا أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَد بن مُحَمَّد، وأَبُو منصور بن
العطّار، قَالا: أنا أَبُو طَاهِرِ المُخَلّص، أَنَا عُبَيْد اللّه السكري نَا زكريا المنقري، نَا الأصمعي،
نَا أَبُو عاصم النبيل قال:
قيل لعَبْد الملك شرب مُصْعَب بن الزُبَيْر الشراب؟ فقال: والله لو كان ترك الماء مروءة
عند مُضْعَب لترك الماء.
[قال: ](٤) وكان عَبْد اللّه بن الزبير إذا كتب لرجلٍ بجائزة إلى مُصْعَب بألف درهم
جعلها مُضْعَب مائة ألف.
أَخْبَوَنَا أَبُو مَنْصُور بن خَيْرُون، أَنَا أَبُو بَكْر الخطيب(٥)، أَنَا الجوهري والتنوخي.
(١) كذا بالأصل وبقية النسخ، وفي المصدرين: عثاكلها.
(٢) قوله: ((أما إني)) مكانها بالأصل: ((ما لى)) والمثبت عن ((ز))، ود، وم.
(٣) هو كاتب مصعب بن الزبير، كما في الأغاني ١٢٥/١٩.
(٤) الخبر التالي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠) ص٥٢٦ وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٤٢.
(٥) تاريخ بغداد ١٠٦/١٣.

٢٢٨
:
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو غالب [و] أَبُو نصر بن رضوان، أَنَا أَبُو مُحَمَّد الجَوْهَرِي.
نَا مُحَمَّد بن العبّاس الخزاز(١)، أَنَا مُحَمَّد بن خلف بن المرزبان، حَدَّثَنِي أَبُو العبّاس
مُحَمَّد بن إِسْحَاق، نَا ابن عائشة قال: سمعت أبي يقول:
قيل لعَبْد الملك بن مروان وهو يحارب مُضْعَباً: إن مُضْعَباً قد شرب الشراب، فقال عَبْد
الملك: مُصْعَب يشرب الشراب؟! والله لو علم مُصْعَب أنّ المدعى من الماء ينقص من
مروءته ما روى منه .
أَخْبَوَنَا أَبُو الْبَرَكاتِ الأَنْمَاطِ، أَنَا أَحْمَد بن الحَسَن بن خيرون، أَنَا أَبُو القاسم بن
بشران، أَنَا أَبُو عَلي بن الصوّاف، نَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أَبِي شَيبة، نَا أَبي، نَا يزيد بن
هارون، عَن أَبِي شَيبة، عَن الحكم قال: أوّل من عرف الكوفة مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِي، أَنَا أَبُو بَكْر بن الطبري، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الفضل،
أَنَا عَبْد اللّه بن جَعْفَر، نَا يعقوب(٢)، نَا أَبُو بَكْر الحميدي، نَا يَحْيَى بن سليم(٣) قال: سمعت
عَبْد الرَّحْمُن بن عَلي، عَن(٤) نافع بن جُبير بن مطعم يقول: قال عَبْد اللّه بن عُمَر: كتبت إلى
عَبْد الملك بن مروان، وكتبت إلى عَبْد اللّه بن الزُبير، ولم يمنعني أن أكتب إلى مُصْعَب بن
الزُّبَيْر إلاّ مخافة تزيّد أهل العراق.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الفرّاء، وأَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا البنّا، قالوا: أنا أَبُو جَعْفَر
ابن المسلمة، أَنَا أَبُو طَاهِر المُخَلّص، نَا أَحْمَد بن سُلَيْمَان، نَا الزُبير قال: وقال عُبَيْد اللّه بن
قيس الرقيات يمدح مُصْعَب بن الزُّبَيْر(٥):
أمْ زمانٌ لقيته(٦) غيرِ هرجٍ
ليت شعري أأول الهرج هذا
قد أتانا من عيشنا(٧) ما نُرَجِّي
إنْ يعشْ مُضْعَبٌ فنحن بخيرٍ
(١) في د: الخرار، وفي م و((ز)): ((الحرار)) تصحيف وفوقها في م ضبة.
(٢) رواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٧٥٨/٢.
(٣) كذا بالأصل وبقية النسخ، وفي المعرفة والتاريخ: يحيى بن سليمان.
(٤) تحرفت في المعرفة والتاريخ إلى: ((بن)).
(٥) الأَبيات في ديوانه ص١٧٩ (ط. صادر - بيروت)، والأغاني ١٩/ ١٣٢.
(٦) في الديوان: ((في فتنة)) وفي الأغاني: ((من فتنة)) بدلاً من: «لقيته)).
(٧) الديوان: من عيشه.

٢٢٩
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
ـرك في أمره الضعيفَ المُزَجِّي
ملك يبرمُ الأمورَ ولا يشـ
بلغت خيلُه جبال الزرنج(١)
جلب الخيلَ من تِهامة حتّى
تاف يرجعن بين قُفِّ ومرج(٢)
ساهم الوجه تحت أحناء سرج
ـر يوفين(٣) بعد عَزْجِ بعرج
لبن البُخت(٤) في عِسَاسِ الْخَلَتْجِ (٥)
حيث لم يأت قبله خيل ذي الأكـ
كلّ خِرَقٍ سميدع وسبوق
أنزلوا من حصونهم بنات التـ
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي
قال: وقال الفرزدق يمدح مُصْعَب بن الزُبَيْرِ (٦):
وساع بنو صفية في لهاتي
أَلَمْ تَرَ في شخیب بآل حرب
قوافي في البلاد مشهرات
وحد كالسلام يصيب منها
مذلّلةً بأفواه الروات
يعجب لمُضْعَب منها ذنوباً
وأيام النبي الصالحات
أليس أَبُوك فارس يوم بدر
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَتْدي، أَنَا أَبُو بَكْر بن الطبري، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الفضل،
أَنَا عَبْد اللّه بن جَعْفَر، نَا يعقوب(٧)، نَا أَبُو غسَّان مالك بن إسْمَاعيل، نَا إِسْحَاق بن سعيد،
عَن سعید قال:
جاء ابن عُمَر مُصْعَب بن الزُبَيْر فسلّم عليه، فقال: مَنْ أنت؟ قال: أنا ابن أخيك
مُصْعَب بن الزُبَيْر، قال: صاحب العراق؟ قال: نعم، قال ابن عُمَر: أسألك عن قوم خالفوا
وخلعوا الطاعة، وقاتلوا حتى إذا غلبوا دخلوا قصراً وتحصنوا فيه، وسألوا الأمان على دمائهم
فأعطوا، ثم قتلوا بعد ذلك، قال: وكم العدد؟ قال: خمسة آلاف، قال: فَسَبَّح ثم قال:
عمرك الله يا مُضْعَب، لو أنّ امرأً أتى ماشية للزبير فذبح منها خمسة آلاف شاة في غداة أكنت
تعده أو تراه مسرفاً؟ قال: فسكت مُصْعَب، فقال: أجبني، قال: نعم، إني لأعدّ رجلاً يذبح
خمسة آلاف شاة في يوم مسرفاً، قال: أفتراه إسرافاً في البهائم لا تعبد الله، ولا تدري ما الله،
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت عن ((ز))، وم، ود. والديوان، وفيه: قصور زرنج. وزرنج قصبة سجستان،
وسجستان اسم الكورة كلها .
(٢) ذو الأكتاف، سابور ملك الفرس، وكان من كبار غزاتهم.
(٣) في الديوان: يأتين.
(٤) البخت: الإبل الخراسانية.
(٥) الخلنج: شجر تتخذ من خشبه الأواني.
(٦) ليست في ديوانه.
(٧) الخبر ليس في كتاب المعرفة والتاريخ المطبوع الذي بين يدي.

٢٣٠
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
وقتلت: مَنْ وحّد الله؟ أما كان فيهم مستكره يراجع به التوبة أو جاهل ترجّى(١) رجعته؟ أصب
يا بن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الفرّاءِ، وَأَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا أَبي عَلي، قَالوا: أنا
مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد، نَا مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمُن، نَا أَحْمَد بن سُلَيْمَانِ، نَا الزُبير بن أَبِي
بكر، حَدَّثَني إِبْرَاهيم بن حمزة، عَن عَبْد العزيز بن مُحَمَّد الدراوردي، عَن عُمَر بن حمزة
قال :
سمعت سالم بن عَبْد اللّه يسأل أَبي: أيّ ابني الزُبير أَشجع؟ قال: كلاهما جاءه الموت
وهو ينظر إليه(٢).
أَخْبَرَنَا أَبُو العزّ بن كادش(٣) السلمي، أَنَا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن الفرّاءِ، أَنَا أَبُو
القَاسِم إِسْمَاعيل بن سعيد بن إسْمَاعيل، نَا مُحَمَّد بن موسى، نَا زُبير بن بكّار، نَا إِبْرَاهيم بن
حمزة، عَن جدي عَبْد اللّه بن مُضْعَب عن أبيه قال:
لما تفرّق عن مُضْعَب جنده قال له بعض أَوِذَائه: لو اعتصمت ببعض القلاع، وكاتبت
مَنْ بعد عنك من أوليائك كمثل المهلّب والأشتر، وفلان، وفلان، فإذا اجتمع لك من ترضاه
لقيتَ القوم بأكفائهم، فقد ضعُفت جداً، واختلّ أصحابك، فلبس سلاحه وخرج فيمن بقي
من أصحابه وهو يتمثل بشعرٍ - قيل لطريف العنبري، وكان طريف يعدّ بألفٍ فارسٍ من فرسان
خُراسان (٤) - فقال:
إذا أنا لم أركب به المركب الصَّعْبًا
علام تقول السيف يُثقل عاتقي
سأحميكم حتى أموتَ وَمَنْ يمت
كريماً فلا لوماً عليه ولا عتبا:
أَخْبَرَنَا أَبُو العزّ - مناولة وإذناً وقرأ عليّ إسناده - أنا مُحَمَّد بن الحُسَيْن، أَنَا المعافى بن
زكريا (٥)، نَا إسْمَاعيل بن يونس بن أَبي اليسع أَبُو إِسْحَاق، نَا الزُبير بن بكار، حَدَّثَنِي إِبْرَاهيم
(١) في ((ز)): ((ترحارسه)) وفوق: ((ترحا)) فيها ضبة.
(٢) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠) ص٥٢٧ وسير أعلام النبلاء ١٤٢/٤.
(٣) في ((ز)): كابس.
(٤) كذا بالأصل والنسخ، وهو طريف بن تميم بن نامية من بني عدي بن جندب بن العنبر، وكان فارساً من فرسان
الجاهلية، من العرب، قتله حمصيصة أخو شراحيل الشيباني، وكان طريف قد قتله، وقد قتله حمصيصة في يوم
مبايض راجع معاهد التنصيص ١/ ٧١.
(٥) رواه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ٤٥٦/١ - ٤٥٧.

٢٣١
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
ابن حمزة(١)، عَن جدي عَبْد اللّه بن مُصْعَب عن أبيه قال:
لما تفرّق عن مُصْعَب جنده قال له أودَّاؤه: لو اعتصمتَ ببعض القلاع، وكاتبت مَنْ قد
بعُد عنك من أوليائك كمثل المهّب، والأشتر، وفلان، وفلان، فإذا اجتمع لك مَنْ ترضاه
لقيتَ القوم بأكفائهم، فقد ضعُفتَ جداً واختلّ أصحابك، فلبس سلاحه وخرج فيمن بقي من
أصحابه وهو يتمثل بشعرٍ، قيل إنه لطريف العنبري، وكان طريف يُعَد بألف فارس من فرسان
خراسان :
إذا أنا لم أركب به المركب الصَّعْبَا
علام تقولُ السيفُ يثقلُ عاتقي
كريماً فلا لوم عليه ولا عَتْبا
سأحميكم حتى أموتَ وَمَنْ یمتْ
قال القاضي(٢) في هذا الخبر: إنه قيل لمُضْعَب: لو اعتصمت ببعض القلاع، وهي
جمع قلعة، وهذا صحيح في القياس، ومثله في قياس العربية رقبة ورقاب، وعقبة وعقاب،
في أحرف كثيرة، وقد جاء مثله في الأخبار عن السلف الذين كلامهم حجة في اللغة لسبقهم
اللحن، وزعم ابن الأعرابي: أن القلعة لا تجمع قلاعاً، والذي قاله خطأ من جهة السماع
والقياس مَعاً، وقد حكى القلاع في جمع قلعة عددٌ من علماء اللغويين منهم أَبُو زيد وغيره.
أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدي، أَنَا أَبُو بَكْر بن الطبري، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الفضل،
أَنَا عَبْد اللّه بن جَعْفَر، نَا يعقوب بن سفيان(٣)، نَا سُلَيْمَان بن حرب، حَدَّثَني غسَّان بن مضر،
عَن سعيد بن يزيد قال :
سار عَبْد الملك إلى مُصْعَب، وسار مُضْعَب حتى نزل الكوفة فقال إِبْرَاهيم بن الأشتر
المُصْعَب: ابعث إلى ابن زياد بن عَمْرو ومالك بن مِسْمَع ووجوه من وجوه البصرة، فاضرب
أعناقهم، فإنهم قد أجمعوا على أن يغدروا بك، فأبى، قال: فقال إِبْرَاهيم: فإنّي أخرج الآن
في الخيل، فإذا قُتلت فأنت أعلم فقاتل حتى قُتل، فلمّا التقى المُصْعَب، وعَبْد الملك قلب
القوم ترستهم ولحقوا بعَبْد الملك.
قال: فقُتل المُصْعَب وقُتل معه ابنه عيسى بن مُصْعَب، وإِبْرَاهيم بن الأشتر، وخرج
مسلم بن عَمْرو الباهلي فقال: احملوني إلى خالد بن يزيد، فحُمل إليه، فاستأمن له، ووثب
(١) في الجليس الصالح: إبراهيم بن محمد بن حمزة.
(٢) يعني المعافى بن زكريا الجريري، صاحب كتاب الجليس الصالح الكافي.
(٣) ليس في كتاب المعرفة والتاريخ الذي بين يدي.

٢٣٢
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
عُبَيْد اللّه بن زياد بن ظبيان على مُصْعَب فقتله عند دير الجائليق على شاطىء نهر يقال له دُجيل
من أرض مسكن، واحتز رأسه، فذهب به إلى عَبْد الملك، فسجد عَبْد الملك لما أُتي برأسه،
وكان عُبَيْد اللّه بن زياد بن ظبيان فاتكاً رديئاً فكان يتلهف ويقول: كيف لم أقتل عَبْد الملك
يومئذ حين سجد فأكون قد قتلتُ ملكي العرب، فقال عَبْد الملك لحاجبه: أقصٍ هذا الأعرابي
عني وأخر إذنه ما استطعت، فكان يفعل به ذلك.
فجاء يوماً، فأذن الحاجب للناس وحبسه، حتى أخذ الناس مجالسهم، ثم أنزله،
فدخل والناس حول سرير عَبْد الملك، فمضى حتى جلس مع عَبْد الملك على السرير،
فغضب عَبْد الملك، فأقبل عليه فقال: يا بن ظبيان، لقد بلغني(١) أنك لا تشبه أباك، فقال:
والله لأنا أشبه به من الغراب بالغراب والقذّة بالقذّة، والماء بالماء، والتمرة بالتمرة، ولكن إنْ
شئت يا أمير المؤمنين أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال
والأعمام، قال: وَمَنْ ذاك ويحك؟ قال: سويد بن منجوف ابن ثور (٢) الذهبي(٣)، وهوقد
يجالس معه، فقال عَبْد الملك: أكذاك يا سُويد؟ قال سويد: إن ذلك ليقال، وكان عَبْد الملك
وُلِد لسبعة أشهر .
فلمّا خرجا قال ابن ظبيان: ما أحبّ أن لي بفطنتك حمر النعم، قال سويد: وأنا والله ما
يسرني أنّ لي بما قلتَ حمر النعم وسودها.
وسار عَبْد الملك من فوره حتى دخل الكوفة، وعمرو بن حریث یسیر بین یذیه.
أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِب المَاوَزْدِي، أَنَا أَبُو الحَسَنِ السِيرافي، أَنَا أَحْمَد بن إِسْحَاق، نَا أَحْمَد
ابن عمران، نَا موسی، نَا خليفة قال(٤).
سنة ثنتين وسبعين فيها سار مُصْعَب بن الزُبَيْر كما كان يسير إلى الشام، وسار عَبْد
الملك بن مروان وهو العام الذي قُتل فيه مُصْعَب، فحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن حرب، حَدَّثَنِي غسان
ابن مضر، حَدَّثَني سعيد بن يزيد قال: قال إِبْرَاهيم بن الأشتر - يعني - لمُصْعَب: إنّ مشير
عليك برأي، أضرب عنق زياد بن عَمْرو، ومالك بن مسمع، وهذه الوجوه، فإنهم والله
(١) قوله: ((بلغني أنك لا تشبه أباك)) مكانه بياض في م و((ز)).
(٢) تحرفت في ((ز)) إلى: ((محمد)) ومكانها بياض في م.
(٣) كذا بالأصل و(ز))، وم، وفي د: ((الذهلي)) وفي المختصر: ((السدوسي)).
(٤) الأخبار التالية ليست في تاريخ خليفة بن خيّاط المطبوع الذي بين يدي، (ت. العمري).

٢٣٣
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
غادرون بك، قال: لا أكون أحقّ بالغدر منهم، ولم يحدثوا أحداثاً، قال : - فاحبسهم في
سجن وضع عليهم الحرس حتى ينصرم ما بينك وبين الرجل، فإن ظفرت أكرمتهم وحبوتهم،
وإن ظفر عَبْد الملك لم يضرهم ذلك عنده، قال مُضْعَب: لا أفعل، قال: فلما التقوا قلب
القوم أترستهم ولحقوا بعَبْد الملك.
قال خليفة: وقال أَبُو اليقظان وأَبُو الحَسَن وغيرهما: التقوا بدير الجاثليق، فانقلب زائدة
ابن قدامة الثقفي إلى عَبْد الملك وطعن مُضْعَباً، قال: يا ثارات المختار، واجتز عُبَيْد اللّه بن
زياد بن ظبيان من تيم اللات رأسه، فأتى به عَبْد الملك وتمثَّل :
نعاطي الملوك الحق ما قصدوا لنا وليس علينا قتلهم بمحرّم
وقتل مع مُصْعَب ابنه عيسى بن مُصْعَب، ومسلم بن عَمْرو بن حصين بن ربيعة الباهلي،
وإِبْرَاهيم بن الأشتر النخعي، وفي ذلك يقول:
وكم قتلنا مَلِكاً رئيسا
نحن قتلنا مُضْعَباً وعيسى
وفي الحاشية الترتيسا(١)
حتى أذقنا مُضراً لبابيسا
قال خليفة: وأنشدني أَبُو الحَسَن وغيره لابن قيس الرقيّات(٢):
لقد أورث المصرين حزناً(٣) وذلَّةً
قتيلٌ بدير الجائليق مقيمُ
ولا صبرت عند اللقاء تميم
فما قاتلت(٤) في الله بكرُ بن وائلٍ
غداة دعاهم للوفاء ذميم(٥)
وكلّ يماني عند مقتل مُضْعَب
كتاب يغلي حميّها وتديمُ(٧)
ولو كان في قيس(٦) تَعَطّف حوله
بها مُضَريّ يومَ ذاك كريم
ولكنه ضَاعَ الجواد(٨) فلم يكن
بفعلهما إنّ المُليم مليم
جزى الله كوفيّاً (٩) بذاك ملامة
(١) كتب على هامش الأصل: «بخط الحافظ، قال بعض أهل اللغة: ترتست إذا طلبت الشيء طلباً حثيثاً في الطرة)).
(٢) الأَبيات في ديوانه ص١٩٦ (ط. صادر - بيروت) وانظر تخريجها فيه.
(٣) في الدیوان: خزيا.
(٤) في الديوان: نصحت.
(٥) ليس البيت في الديوان، ولا في تاريخ الطبري.
(٦) الديوان والطبري: ((بكريا)) مكان: في قيس.
(٧) الديوان والطبري: ويدوم.
(٩) رسمها بالأصل: ((مضرينا)) ومثله في ((ز))، وم، ود.
(٨) الديوان والطبري: الذمام.

٢٣٤
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
فنحن بنو العلاّت خلوا ظهورنا ونحن صريحٌ بينهم(١) وصميمُ(٢)
قال خليفة(٣): وقتل مُضْعَب وهو ابن أربعين سنة.
أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن المالكي، وأَبُو مَنْصُور بن خَيْرُون، أَنَا أَبُو بَكْر الخطيب (٤)، أَنَا أَبُو
يَعْلَى أَحْمَدِ بن عَبْد الواحد الوكيل، أَنَا إِسْمَاعيل بن سعيد المعدّل.
ح وأخبرناها عالية أَبُو العزّ بن كادش، أَنَا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّد بن الحُسَيْن، أَنَا إِسْمَاعيل
ابن سعيد .
نَا الحُسَيْن بن القاسم(٥) الكوكبي، نا مُحَمَّد بن موسى المارستاني، نَا الزُبير بن أبي
بكر(٦)، حَدَّثَني فليح بن سُلَيْمَان، وجَعْفَر بن أبي كثير عن أبيه قال:
لما وضع رأس مُصْعَب بن الزُبَيْر بين يدي عَبْد الملك بن مروان قال:
غُلاماً غير مَنَّاع المتاعِ
لقد أردى الفوارس يوم عبس
ولا ملع من الحدثان لاع
ولا فرح لخيرٍ إن أتاه
ولا حال كأنبوبِ اليراع
ولا وقّافة والخيل تعدو
فقال الذي جاءه برأسه: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته والرمح في يده تارة، والسيف
تارة يفري بهذا، ويطعن بهذا، لرأيت رجلاً يملأ القلب والعين شجاعة - زاد الخطيب: وإقداماً
- لکنه لما تفرقت رجاله و کثر من قصده وبقي وحده ما زال ینشد :
(٧)
أكذب نفسى والجفون له تقضى
وإنّي على المكروه يوم حضوره
وقال الخطيب : عند حضوره :
أذبّ بها عند المكارم عن عرضي
وما ذاك من ذلِّ ولكن(٨) من حفيظة
وإنّي لذي سلم أذل من الأرض
وإنّي لأهل الشر بالشر مرصد
(١) تقرأ في (ز))، ود: منهم، وغير واضحة في الأصل، والمثبت عن الديوان والطبري.
(٢) قوله: ((صريح بينهم وصمیم)) مكانه بياض في م.
(٣) تاريخ خليفة ص٢٦٨ (ت. العمري).
(٤) الخبر والشعر في تاريخ بغداد ١٠٧/١٣.
(٥) تحرفت بالأصل و((ز))، إلى: ((الفهم)) والمثبت عن تاريخ بغداد، وم، ود.
(٦) قوله: ((المارستاني، نا الزبير بن أبي بكر)) مكانه بياض في م.
(٧) كذا بالأصل وبقية النسخ، وفي تاريخ بغداد: تنضي.
(٨) بالأصل وم، و((ز)): ((ولكن من حفيظة)) والمثبت عن تاريخ بغداد، ود.

ؤ
٢٣٥
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
فقال عَبْد الملك: كان والله كما وصف نفسه وصدق، ولقد كان من أحبّ الناس إليَّ،
وأشدّهم لي الفاً ومودّة، ولكن الملك عقيم(١).
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد الباقي، أَنَا الحَسَن بن عَلي، أَنَا أَبُو عُمَر بن حيُّوية، أَنَا
أَحْمَد بن معروف، أَنَا الحُسَيْن بن فهم، نَا مُحَمَّد بن سعد(٢)، أَنَا مُحَمَّد بن عُمَر، نَا عَبْد اللّه
ابن جَعْفَر، عَن أم بكر بنت المسور عن أَبيها ورباح بن مسلم، عَن أَبيه، وإِسْمَاعيل بن
إِبْرَاهيم بن عَبْد الرَّحْمُن بن عَبْد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه قالوا:
قدم أَبُو عُبيد الثقفي من الطائف وكان رجلاً صالحاً، وندب عُمَر الناس إلى أرض
العراق، فخرج أَبُو عبيد إليها، فقتل وبقي ولده بالمدينة، وكان المختار يومئذ غلاماً يعرف
بالانقطاع إلى بني هاشم، ثم خرج في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد إلى البصرة،
فأقام بها يظهر ذكر حسين بن عَلي، فأخبر بذلك عُبَيْد اللّه بن زياد، فأخذه فجلده مائة جلدة،
ودرعه عباءة وبعث به إلى الطائف، فلم يزل بها حتى قام عَبْد اللّه بن الزبير ودعا إلى ما دعا
إليه، فقدم عليه، فأقام معه من أشد الناس قتالاً، وأحسنهم نيّة ومناصحة فيما يرون، وكان
يختلف إلى مُحَمَّد بن الحنفية ويسمعون منه كلاماً ينكرونه.
فلمّا مات يزيد ومات المِسْوَر بن مَخْرَمة ومُصْعَب بن عَبْد الرَّحْمُن استأذن المختارُ ابنَ
الزُبير في الخروج إلى العراق، فأذن له وهو لا يشك في مناصحته، وهو مُصِر على الغش له،
فكتب ابن الزُبير إلى عَبْد اللّه بن مطيع، وهو عامله على الكوفة، يذكر له حاله عنده ويوصيه
به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ويظهر مناصحته ابن الزبير ويعيبه في السر، ويذكر مُحَمَّد بن
الحنفیة فیمدحه ویصف حاله ويدعو إليه .
وحرّض الناس على ابن مطيع، واتّخذ شيعة(٣) في جماعةٍ وخيلِ، فعدت خيله على
خيل ابن مطيع، فأصابوهم، وخافه ابن مطيع، فهرب (٤)، فلم يطلبه المختار، وقال: أنا على
(١) كتب بعدها في ((ز)): بلغت سماعاً بقراءتي وعرضاً بالأصل على شيخنا بقية السلف أبي البركات الحسن بإجازته
من عمّه وكتب محمد بن يوسف البرزالي عاشر شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمئة. آخر الجزء التاسع
والستين بعد الأربعمئة من الأصل وكتب بعدها في : آخر الجزء التاسع والستين بعد الأربعمئة.
(٢) راجع طبقات ابن سعد ١٤٧/٥ و١٤٨ وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠) ص ٦٠ و٦١.
(٣) مكانها بياض في م.
(٤) قوله: ((فهرب، فلم)) مكانهما بياض في م.

٢٣٦
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
طاعة ابن الزبير فلأي شيءٍ خرج ابن مطيع؟ وكتب إلى ابن الزبير يقع بابن مطيع ويجبّنه
ويقول: رأيته مداهناً لبني أمية فلم يسعني أن أقره على ذلك لما حملته في عنقي من بيعتك
فخرج من الكوفة وأنا وَمَنْ قبلي على طاعتك، فقبل منه ابن الزبير وصدّقه وأقرّه والياً على
الناس .
فلمّا اطمأن ورأى أن ابن الزبير قد قبل منه، سار بأصحابه إلى منزل عُمَر بن سعد بن
أبي وقّاص فقتله في داره وقتل ابنه حفصاً أسوأ قتلة(١)، وجعل يتتبع قتلة الحُسَيْن من الديوان
الذين خرجوا إليه فيقتل كلّ من قدر عليه، ويغيّب كلّ من خالفه من أهل الكوفة، ثم بعث
مسالحه إلى السواد والمدائن وعمال الخراج، فجيئت إليه الأموال، فبعث إليه عَبْدُ الملك بن
مروان عُبَيْد اللّه بن زياد في ستين ألفاً من أهل الشام، فأخذ على الموصل فدعا المختار
إِبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفاً من أصحابه لقتال عُبَيْد اللّه بن زياد، فلقيه بأرض الموصل
على نهر يدعى الخازر(٢)، فتراشقوا بالنبل ساعة وتشاولوا بالرماح، ثم صاروا إلى السيف،
فاقتتلوا أشد القتال، إلى أن ذهب ثلث الليل، وقُتل أهل الشام تحت كل حجر وهرب من
هرب منهم، وقُتل عُبَيْد اللّه بن زياد، والحصين بن نُمَير في المعركة(٣)، وبعث بالرؤوس إلى
المختار، فبعث المختار برأس عُبَيْد اللّه بن زياد وبرأس الحُصين بن نُمَير وستة نفر من
رؤسائهم مع خَلاّد بن السائب الخزرجي، فقدم بها المدينة، فنصبت يوماً إلى الليل، ثم
خرج بها إلى ابن الزبير، فنصبها على ثنية الحَجُون، وجعل ابن الزبير يسأل خلاّد بن السائب
عن التقائهم وقتالهم فيخبره، فقال: كيف رأيت مناصحة المختار؟ فقال: رأيته على ما يحب
أمير المؤمنين يدعو لك على منبره، ويذكر طاعتك ومفارقة بني مروان.
ورجع المختار ومن معه إلى الكوفة، وكتب إلى ابن الزبير يخدعه ويخبره أنه إنما يقوم
بأمره وسكّنه حتى يمكنه ما يريد، فأبصر ابن الزبير أمره وكلّمه فيه عروة بن الزُبير، وعَبْد اللّه
بن صفوان وغيرهما، وأعلموه غشه وسوء مذهبه وأنه ليس له بصاحب.
قال: فمن أولى أحتاج إلى رجل جَلْدٍ مجزيّ مقدام، فقال له مُصْعَب بن الزُبَيْر: لا تولّ
أحداً أقوم بأمرك مني قال: فقد وليتك العراق، فسر إلى الكوفة. قال: ليس هذا برأي، أقدم
(١) راجع البداية والنهاية ٢٧٤/٨ وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠) ص١٩٦.
(٢) الخازر: نهر بين إربل والموصل، ثم بين الزاب الأعلى والموصل (معجم البلدان).
(٣) بالأصل وبقية النسخ: المعرك.

٢٣٧
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
على رجل قد عرفته، إنما هواه ورأيه في غيرنا، وإنما يستتر بنا وقد اجتمع معه من الشيعة بشرٌ
كثيرٌ، ولكني أقدم إلى البصرة وأهلها سامعون مطيعون، ثم أرجف إليه بالجنود إن شاء الله،
فقال ابن الزبير: هذا الرأي! فصار مُضْعَب إلى البصرة والياً عليها.
وبلغ المختار فعرف أنه الشرّ والسيف، فكتب إلى ابن الزُبير يشتمه ويعيبه ويقول: إنه
لا طاعة لك على أحدٍ ممن قبلي، فاجلب بخيلك ورجلك.
وخطب المختار الناس بالكوفة، وأظهر عيب ابن الزُبير، وخلعه، ودعا إلى الرضا من
آل مُحَمَّد، وذكر مُحَمَّد بن الحنفية، فقرظه وسمّاه المهدي(١)، وكتب ابن الزبير إلى مُصْعَب
يأمره بالمسير إلى المختار في أهل البصرة، فأمر مُضْعَب بالتهيؤ، ثم عسكر واستعمل على
ميمنته [عمر](٢) بن عَبْد اللّه بن أبي ربيعة، وعلى ميسرته عَبْد اللّه بن مطيع(٣)، واستعمل على
البصرة عُبَيْد الله بن عُمَر بن عُبَيْد اللّه بن معمر، وبلغ المختار مسير مُصْعَب بالجنود، فبعث
إليه أحمر بن شُمَيط البجلي وأمره أن يواقعهم بالمَذَار(٤) فيَّتهم أصحاب مُصْعَب، فقتلوا ذلك
الجيش فلم يفلت منهم إلاَّ الشريد، وقُتل تلك الليلة عُبَيْد اللّه بن علي بن أبي طالب، وكان
في عسكر مُضْعَب مع أخواله بني نهشل(٥) بن دارم.
وخرج المختار في عشرين ألفاً حتى وقف بازائهم وهم فيما بين الجسر إلى نهر
البصريين، وزحف مُضْعَب ومن معه فوافوهم مع الليل، ولم يكن بينهم قتال، فأرسل المختار
إلى أصحابه(٦) حين أمسى: أَلاَّ يبرحنّ أحدٌ منكم موقفه حتى تسمعوا منادياً ينادي: يا مُحَمَّد،
فإذا سمعتم فاحملوا على القوم، واقتلوا مَنْ لم تسمعوه ينادي يا مُحَمَّد، ثم أمهل حتى إذا
حلق القمر واتّسق، أمر منادياً فنادى: يا مُحَمَّد ثم حملوا على مُصْعَب وأصحابه ثم هزموهم
ودخلوا عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا، وأصبح المختار وليس عنده أحد
[له](٧) ذكر غير عشرة فوارس، وإذا أصحابه قد وغلوا جميعاً في أصحاب مُصْعَب.
(١) بعدها في (ز)): ((أبو)) ثم بياض مقداره كلمة. وقوله: ((المهدي وكتب)) مكانه بياض في م.
(٢) مكانها بياض بالأصل، والمثبت عن ((ز))، وفي د: الحارث، ومن قوله: ((ثم .. إلى هنا) بياض في م. وفي تاريخ
الطبري ٦/ ٩٥ وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته.
(٣) في تاريخ الطبري: المهلب بن أبي صفرة على ميسرته.
(٤) بالأصل وبقية النسخ: المدار، والمثبت عن تاريخ الطبري.
(٥) مکانھا بیاض في م، واز)).
(٧) زيادة عن م، و((ز))، ود، للإيضاح.
(٦) مكانها بياض في ((ز))، وم.

٢٣٨
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
فانصرف المختار منهزماً، فأغذّ السير حتى أتى الكوفة، فدخل القصر، ورجع أصحاب
المختار حين أصبحوا حتى وقفوا موقفهم فلم يروا المختار وقالوا: قد قُتل، فهرب منهم مَنْ
أطاق الهرب، واختفى الباقون، وتوجّه منهم ثمانية آلاف إلى الكوفة، فوجدوا المختار في
القصر، فدخلوا معه، وأقبل مُصْعَب حتى خندق على سدة القصر والمسجد، وحصرهم أشدّ
الحصار، فخرج المختار يوماً على بغلة شهباء فقاتلهم في الزّيّاتين(١)، وطلب أهل القصر
الأمان من مُضْعَب فأمّنهم، وفيهم سبع مائة من العرب، وسائرهم من الموالي والعجم، فأراد
قتل هؤلاء وترك العرب، فقيل له: ما هذا بدين، دينهم واحد تقتل العجم وتدع العرب،
فقدّمهم جميعاً فضرب أعناقهم .
وبعث برأس المختار إلى عَبْد الله بن الزبير مع رجل من الشرط، فقدم الرسول، فانتهى
إلى ابن الزبير، وهو في المسجد الحرام قد صلّى العشاء الآخرة، ثم قام يتنفل، قال: فوالله ما
التفت إليه ولا انصرف حتى أسحر، فأوتر، ثم جلس، فدنا الرسول فدفع إليه الكتاب، فقرأه
ثم دفعه إلى غلام له فقال الرسول: يا أمير المؤمنين، هذا الرأس معي، [فقال:](٢) القه،
فألقاه على باب المسجد، ثم أتاه فقال: جائزتي، قال: خذ الرأس الذي جئتَ به، ولمّا قتل
مصعب المختار وظفر بالعراق، واستعمل العمّال وجبى الأموال كتب إليه إِبْرَاهيم بن الأشتر
يعلمه أنه على طاعته(٣)، وأسرع الناس إليه مع عداوته لأهل الشام، وقتله إياهم ويسأله أن
يأذن لهم في الوفادة إليه، فأجابه مُصْعَب إلى ذلك، فخلّف أبا قارب على الجزيرة، وقدم
على مُضْعَب، فأخذ بيعته لابن الزبير، وأقام عنده آثر الناس عنده، وأكرمهم عليه إنّما كان
يجلسه على سريره، واستعمل مُضْعَب المهلب بن أبي صفرة على الجزيرة والموصل،
وأذربيجان، وأرمينية، وفرّق العمال في البلدان، ثم جمع أشراف أهل المصرين، ووفد إلى
عَبْد اللّه بن الزبير، وجعل إِبْرَاهيم بن الأشتر على الوفد جميعاً، فقال له عَبْد اللّه: نظرت إلى
راية (٤) قد خَفَضَها الله فرفعتها، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا سيد من خلفي إنْ رضي رضوا،
وإنْ سخط سخطوا، فحلّ عَبْد اللّه بن الزبير أزراره فإذا ضربة على منكبه قد أخافته، ثم قال
(١) بدون إعجام بالأصل و(ز))، وم، ود، والمثبت عن تاريخ الطبري ١٠٨/٦.
(٢) زيادة عن ((ز))، وم، ود، وفي ((ز)): قال.
(٣) كذا بالأصل والنسخ، والذي في تاريخ الطبري ١١١/٦ أن المصعب بن الزبير هو الذي بادر إلى مكاتبة ابن الأشتر
ودعوته إلى مبايعة عبد الله بن الزبير.
(٤) قوله: ((نظرت إلى راية)) مكانه بياض في ((ز))، وم.

٢٣٩
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
المُضْعَب: أتراني كنت أحب الأشتر بعد هذه الضربة ضربنيها يوم الجمل؟ وقال مُصْعَب: يا
أمير المؤمنين، سَمّ للوفد ما بدا لك من الجائزة، وأنا أعطيهم إياه من العراق، قال: لا(١)
والله، ولا درهماً، ثم خطب عَبْد اللّه بن الزبير، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل العراق،
أتيتمونا أوباشاً من كل جهة، والله لو كانت الرجال تصرف لصرفناكم صرف الذهب، والله
لوددتُ أن لي بكلّ رجلين منكم رجلاً من أهل الشام، فقام إليه أَبُو حاضر الأسدي وكان
قاضي الجماعة بالبصرة، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ لنا ولك مثلاً قد مضى هو ما قال
الأعشى(٢):
عُلْقتها عَرَضاً، وعُلّقَتْ رجلاً غيري، وعُلّق أُخرى غيرها الرجلُ
علقناك وعلقت أهل الشام، وعلق أهل الشام إلى مروان فما عسينا أن نصنع.
قال الشعبي : فما سمعت جواباً أحسن منه.
ثم انصرف مصعب والوفد إلى الكوفة، ثم قدم مصعب البصرة، فجمع مالاً ووفد الثانية
على عَبْد الله بن الزبير بمال العراق، فعزله عن البصرة وولاها ابنه حمزة بن عَبْد اللّه، وكان
شاباً تائهاً، فأقام مُصْعَب عند عَبْد اللّه بن الزبير، ومضى حمزة إلى البصرة، فمنع الناس
العطاء، وأمر بالمال يحمل إلى ابن الزبير، فمنعه من ذلك مالك بن مسمع ووجوه أهل
البصرة، وبخسوا به فخرج من البصرة، فبلغ ذلك ابن الزبير، فولى مُصْعَباً البصرة، وأمره أن
يتوجه إلى العراق، قال الشعبي: ما رأيت أمير فرقة كان أشبه بأمر الجماعة من مُصْعَب بن
الزُّبَيْر، لم يزل مُضْعَب أحب أمراء العراق إليهم، كان يعطيهم عطاءين في السنة، عطاء
للشتاء، وعطاء للصيف، وكان يشتد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللّين، وكان محكماً
لأمره، قوياً على شأنه.
قالوا: وكان عَبْد الملك بن مروان يكتب إلى شيعته بالعراق في اغتيال مُصْعَب، وكتب
إلى شيعته بالبصرة يأمرهم أن يخرجوا على مُضْعَب، وأخبرهم أنه راكب إليهم بألف من أهل
الشام ولم يطمع في ذلك بالكوفة، ومُصْعَب بها، وكان يخرج كلّ سنة حتى يأتي بطنان حبيب
وهي من قِنَّسرين، فيعسكر بها وهي أقصى سلطانه، ويخرج مُصْعَب بن الزُبَيْر حتى ينزل
باجُمَيَرا من أرض الموصل فيعسكر بها، وهي أقصى سلطانه فقال أَبُو الجهم الكناني :
(١) قوله: ((إياه من العراق، قال: لا)) مكانه بياض في م.
(٢) من قصيدة في ديوانه ص ١٤٥ ط. صادر - بيروت.

٢٤٠
مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد
أَبيت يا مُضْعَب إلاَّ سيراً أكلّ عام لك باجُمَيرى؟
وكان إذا اشتد البرد وأرتج الشتاء انصرفوا جميعاً معاً، هذا إلى دمشق، وهذا إلى الكوفة.
وكان ابن الزبير يكتب إلى مُصْعَب في عَبْد الملك: لا تغفله واغزه قبل أن يغزوك،
فإنك في عين المال والرّجال، ففرض مُصْعَب الفروض، وأخذ في التهيئة للخروج، وقسم
أموالاً وأخرج العطاء، وبلغ ذلك عَبْد الملك، فجمع جنوده وسار بنفسه يؤم العراق لقتال
مُصْعَب، وقال لرَوْح بن زِنْباع وهو يتجهز: والله إنّ في أمرهذه الدنيا لعجباً، لقد رأيتني
ومُصْعَب بن الزُبَيْر أفقده في الليلة الواحدة من الموضع الذي نجتمع فيه(١)، فكأني وإياه،
ويفقد لي فيفعل مثل ذلك، ولقد كنت أؤتى باللُّطَف فما أراه يجوز لي أن أكله حتى أبعث به
إليه أو ببعضه(٢)، وكان يفعل مثل ذلك، ثم صرنا إلى السيف، ولكن هذا الملك عقيم، فلما
أجمع مصعب الخروج من الكوفة يريد عَبْد الملك خرج وقد اصطف له الناس بالكوفة
(٣) وهو مقبل على معرفة دابته، ثم نظر في وجوه القوم يميناً
صفّين، وقد اعتمّ عمته
وشمالاً فوقعت عينه على عروة بن المغيرة بن شعبة، فقال: يا عروة، قال: لبيك، قال:
ادن، فدنا، فسار(٤) معه، فقال: أخبرني عن حسين بن عَلي كيف صنع حين نزل به؟ قال:
فأنشأت أحدثه عن صبره وإبائه ما عرض عليه، وكراهية أن يدخل في طاعة عُبَيْد اللّه بن زياد
حتى قُتل، قال: فضرب بسوطه على معرفة برذونه ثم قال :
إن الأُلى بالطّفّ من آل هاشم تأسّوا فَسَنّوا للكرام التّأَسّيا (٥)
قال: فعرفت والله أنه لن يفر، وأنه سيصبر حتى يُقتل.
قال: والشعر لسُلَيْمَان بن قنة.
قال: ثم سار عَبْد الملك وسار مصعب حتى التقيا بمن معهما بمسكن فقال عَبْد
الملك: ويلكم ما أصبهان هذه؟ قيل: سرة العراق، قال: فقد والله كتب إليّ أكثر من ثلاثين
رجلاً من أشراف أهل العراق وكلهم يقول: إن خَيْتَ(٦) بمُضْعَب فلي أصبهان، قال: فكتبت
(١) من هنا إلى ولقد. مكانه بياض في م، و((ز)).
(٢) من قوله: أكله .. إلى هنا، مكانه بياض في م، و((ز)).
(٣) رسمها غير واضح بالأصل وم، و((ز))، ود.
(٤) قوله: ((فدنا، فسار)) مكانه بياض في ((ز))، وم.
(٥) البيت في تاريخ الطبري ١٥٦/٦ واللسان (أمى) بدون نسبة.
(٦) كلمة غير واضحة بالأصل وم، و((ز))، ود وصورتها: ((حسب)) والمثبت عن تاريخ الإسلام (٦١ - ٨٠) ص ٣٠٦.