Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
والسّبّ: الخيط، والسّب أيضاً: الكفؤ من السباب كما قال الشاعر:
إنّ سِبّي مِن الرِّجالِ الكريمُ(١)
لا تَسُبَّنَّنِي فَلَسْتُ بسبِّي
وقال الأخطل(٢):
بني أسد لستم بسبّي فَأَقْصِرُوا(٣) ولكنما سِبِي سُلَيْمٌ وعامرُ
وقوله أو نضا الدرع سالبه، معنى نضاه: خلعه، يقال: نضا السيف من غِمده، وانتضاه
(٤) .
ونضا الثوب عنه إذا خلعه، قال امرؤ القيس"
فجئت(٥) وقد نَضَّتْ لنوم ثيابها
الذي السّتْر إلاّ لُبْسة المُتَفَضَّلِ
وقوله منطق رخيم، الرخيم: الذي فيه يقطع يستحسن ومثله قوله أيضاً:
لها بَشَرّ مثلُ الحَرِيرِ ومنطقٌ رخيمُ الحَوَاشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ(٦)
ومن هذا قولهم: رخّمت الدجاجة إذا قطعت بيضها، ومنه ترخيم الكلام في العربية
کقولك : یا حار ویا مال.
وقوله: تعلل جادبه: الجادب: العائب، ومنه الخبر: جدب لنا عمر السَّمّر بعد العشاء)»
أي عاب السمر وكرهه بعد العشاء.
وقوله أَلاَ يا أسلمى معناه: يا هذه أسلمي، وعلى هذا المذهب قراءة من قرأ ﴿ألا با
اسجدوا﴾ ومن هذا النحو قول الأخطل(٧):
أَلاَ يا أسلمي يا هندُ هند بني بَدْرٍ
وإنْ كان حَيَّانا عِدّى آخر الدَّهرِ
وقول آخر :
يا لعنةُ الله والأقوامُ كُلْهم والصالحين على سَمْعَان من جَارِ
وهذا باب واسع جداً، ونحن نشبع القول فيه إذا انتهينا إلى البيان عن قول الله تعالى
(١) البيت في تاج العروس (بتحقيقنا: سبب) قاله عبد الرحمن بن حسان يهجو مسكيناً الدارمي.
(٢) البيت في ديوانه ط بيروت ص ١٧١ من قصيدة يهجو خنجر الأسدي ومطلعها:
بنو أسد رجلان: رجل تذبذبت
ورجل أضافتها إلينا التراتر
(٣) في الديوان: فتشتموا.
(٤) البيت في ديوان امرىء القيس ط بيروت ص ٤٠.
(٥) كذا بالأصل والديوان، وفي الجليس الصالح: فقمت.
(٦) البيت لذي الرمة، ديوانه ص ٢١٢ وفيه: دقيق الحواشي.
(٧) البيت في ديوانه ط بيروت ص ١١٠ مطلع قصيدة قالها في مدح عبد الملك بن مروان وهجاء القيسيين.

١٦٢
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
﴿ألا يا سجدوا لله﴾(١) وشرح ما فيه من التأويل والقرآات في موضعه من كتبنا في علل التأويل
والتلاوة إن شاء الله.
وقول ذي الرمة: على حين راهقت الثلاثين، بنصب حين، هكذا رويناه وهو الوجه
المتفق على صحته في الإِعراب، والمختار عند كثير من نُظّار النحاة [الفتح](٢) من إضافة إلى
مبني غير معرب، وذلك راهقت الذي هو فعل ماضٍ كما قال الشاعر:
على حين عاتبتُ المشيبَ على الصبا وقلتُ أَلَمَا تَصُحّ والشيبُ وازعُ(٣)
وعلى هذا الوجه قراءة من قرأ من القرّاء ﴿ومن خزي يومئذ﴾(٤) ومن قرأ(٥): يومئذ
﴿ومن عذاب يومئذ﴾ وهذا كله مشروح مع تسمية من قرأ به وحُجج المختلفين فيه في كتبنا
المؤلفة في حروف القرآن وتأويله.
أَنْبَأنا أَبُو سعد الطَّيُّوري، عَن أَبِي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عَلي الصوري، أَنْبَأْنَا أَبُو مُحَمَّد
عَبْد الغني بن سعيد الحافظ، حَدَّثَنِي جَعْفَر بن هارون بن رباب، حَدَّثَنِي عَبْد اللّه بن أَبي
سعيد، حَدَّثَنَا يزيد بن يزيد بن المُهَلَب بن المغيرة المُهَّبي، حَدَّثَنِي عَبْد الصَّمد بن المُعَدل،
عَن أَبيه، عَن جده غَيْلان بن الحكم قال:
وفد علينا ذو الرّمة ونحن بكُنَاسة الكوفة فأنشدنا قصيدته الحائية فلما انتهى إلى قوله(٦):
إذا غَيْرَ اليأسُ(٧) المحبّينَ لم يَكَدْ رَسِيسُ (٨) الهَوَى من حبّ مَيّةً يبرحُ(٥)
فقال له ابن شُبْرُمة: أراه قد بَرح، ففكر، ثم قال: لم أجد رسيس الهوى من حبّ مية
يبرح. فرجعت بحديثهم إلى أبي الحكم البَخْتَري بن المختار فقال أخطأ ابن شُبْرُمة حين ردّ
عليه، وأخطأ ذو الرّمّة حيث قبل منه. إنّما هذا كقول الله عز وجل ﴿إذا أخرج يده لم يكد
يراها﴾(٩) أي لم يَرَها ولم یگَدْ.
(١) سورة النمل، الآية: ٢٥.
(٣) البيت للنابغة، دیوانه ص ٥١.
(٥) الأصل: فزع، والمثبت عن الجليس الصالح الكافي.
(٦) البيت في ديوانه ص ٧٨ رقم ٦ من قصيدته الحائية ومطلعها:
أمنزلتي ميّ سلام عليكما
والأغاني ٢٩/١٨.
(٧) في الديوان والأغاني: غيّر النأي.
(٩) سورة النور، الآية: ٤٠.
(٢) الزيادة عن الجليس الصالح الكافي.
(٤) سورة هود، الآية: ٦٦.
على النأي والنائي يود وينصح
(٨) الرسيس: الخفي، والكلام الخفي.

١٦٣
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
قرأت بخط أَبي الحسَن رَشَأ بن نظيف، وأَنْبَأنيه أَبُو القاسم العَلَوي، وأبُو الوحش عنه،
حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الفَرَضي، حَدَّثَنَا الصولي، حَدَّثَني المغيرة بن مُحَمَّد، حَدَّثَنِي عَبْدِ الصَّمد بن
المعدل بن غَيْلاَن، حَدَّثَني أَبي المعدل عن أَبيه غيلان بن البختري، عَن أبيه قال: كنت واقفً
بكُنَاسة الكوفة وذو الرمة ينشد قصيدته الحائية :
إذا غير النأي المحبّین لم یکذ
رسیسُ الھوی مِنْ حُبّ میّة يبرحُ
فقال له ابن شُرمة القاضي: أراه قد برح یا غيلان فغيّره وقال:
رسیسَ الھوی مِنْ حبّ میّة یبرحُ
إذا غيّر النأي المحبّين لم أجد
قال: وبادرت إلى أَبي فقال لي: يا بني أخطأ ابن شُبْرُمة في تغييره عليه، وأخطأ ذو
الرمة في قبوله منه، والمعتز لم يبرخ ولم يَكَذ، وهو مثل قول الله عز وجل ﴿إذا أخرج يده لم
یکد یراها﴾ المعنی لم يرَها ولم یگَدّ.
قال: وحَدَّثَنَا الصولي، حَدَّثَنَا ثعلب، حَدَّثَنَا الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول
أحسن ما قيل في الثغر قول ذي الرمة(١):
من العنبرِ الهندي والمسكُ يُصْبَحُ
وتجلو بفرع(٢) من أَراكٍ كأنّه
إليه النَّدَى من رامة (٤) المتروح
ذُرا أقحوانٍ واجَه(٣) الطلّ وارتقى
لأَخْرَسَ عنه كاد بالقول يُفْصِحُ
هجا[ن] الثنايا مغرباً(٥) لو تَبَسَّمَتْ
أَخْبَرَنا أَبُو السعود أَحْمَد بن علي بن المُجْلي، أَنْبَأَنَا الشيخ أَبُو منصور عَبْد المحسن بن
مُحَمَّد بن عَلي، حَدَّثَنَا القاضي أَبُو القَاسم يَحْيَى بن القاضي أَبِي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن سلامة بن
جَعْفَرِ، أَنْبَأْنَا أَبُو يعقوب يوسف بن يعقوب بن خُرّزاد النّجيرمي، أنشدنا أَبُو القَاسم
جَعْفَر ... (٦) أنشدنا أَبُو عمر مُحَمَّد بن عَبْد الواحد الزاهد، أنشدنا أَبُو العباس أَحْمَد بن يَحْيَى
ثعلب الشيباني لذي الرمة(٧):
تجيش إليَّ النفس في كلِّ منزلٍ
أراني إذا هَوَّمْتُ يا ميّ زُزْتني
(١) ديوانه ص ٨٣.
(٢) الفرع: القضيب، يعني السواك.
(٣) الدیوان: راحه الليل وارتقى.
(٤) رسمها بالأصل: رأيه، والمثبت عن الديوان.
لمَيَّ ويَرْتَاعُ الفؤادُ المُشَوَّقُ
فيا نعمتا لو أنّ رؤياي تَصْدُقُ
(٥) مغرباً أي شديد البياض.
(٦) بياض بالأصل.
(٧) الأبيات في ديوانه ص ٣٩٠.

١٦٤
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
بها السُّخْمُ(١) تَرْدِي والحَمَامُ المُطَوَّقُ
أَلاَ ظَعَنَتْ ميّ فهاتيك دَارُها
ولذي الرمة(٢):
شفاءٌ وفي الصبر الجَلاَدَةُ والأَجْرُ
وفي هَمَلاَن العين من غُصَّة الهَوَى
إذا الهجر أفنى طوله وَرَقَ الھوی
من الإلف لم يقطع هَوَى ميّة الهجرُ
رخيم الحواشي لا هراء ولا نَزْرُ
الهراء: الكلام الكثير، الذي ليس له معنى.
لها بَشَرّ مثل الحرير ومنطق
ولذي الرمة :
فعولان بالألباب ما تَفْعَلِ الخَمْرُ
عينان قال الله کوني فکانتا .
[قال ذو الرمة] (٣):
إذا غيّر النأي المحبّين لم أجد
فلا الحبّ(٥) يبدي من هواها ملالةٌ
إذا خَطَرَتْ مِنْ ذكر ميّة خَطْرَةٌ
تَصَرَّفَ أهواءُ القلوبِ ولا أرى
[وقال ذو الرمة](٧).
ألا أيها(٨) القلب الذي بَرَّحَتْ به
أفي كلّ أطلالٍ لها منك حَتّة
ولا برء من ميّ وقد حيل دونها
ولذي الرمة (١١):
بكيت على ميّ بها إذْ عَرَفْتُها
(١) السحم: السود، الواحد: أسحم، يعني الغربان.
(٢) ديوان ذي الرمة ص ٢١٠.
(٤) الأَبيات التالية في ديوانه ص ٧٨.
(٦) في الديوان: على النفس.
(٨) الأبيات التالية في ديوانه ص ٣٣٤.
(٩) غير مقروءة بالأصل، ونميل إلى قراءتها: (والعرار)) والعران أثبتت عن الديوان.
(١٠) الوظيفان عظما اليدين.
(١٢) في الديوان: وهجت الهوى.
رسيسَ الهوى من ذكر ميّة يبرحُ(٤)
ولا حبّها إِن تنزح الدارُ ينزحُ
على القلب(٦) كادت في فؤادك تجرحُ
نَصیبك من قلبي لغيرك یُمْنَحُ
منازلُ ميّ والعِرَان(٩) الشّواسع
كما حَنّ مقرون الوظيفين(١٠) نازع
فَمَّا أنتَ فيما بين هاتين صانع
وهجت البُكَا(١٢) حتى بكى القومُ من أجلي
(٣) زيادة لازمة للإيضاح.
(٥) في الديوان: القرب یدني.
(٧) زيادة للإيضاح.
(١١) الأبيات في ديوانه ص ٤٨٥.

١٦٥
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
من الدهر(١) أو مدنيك يا ميّ من أهلي
وَهَلْ هَمَلانُ العين راجع ما مضى
لقاءٌ لميّ وارتجاع من الوَصْلِ
أَلاَ لا أبالي الموتَ إنْ كان قبله
عَلَى دعصةٍ غَرَّاء من عُجَمِ الرمل
إذا كان المِرْط حين تَلُوثُه
أناة بطيئة القيام، والمِرْط: الإزار، وغَرّاء بيضاء، وعجم الرمل ومعظمه، والدعصة من
الرمل كثبان صغار
أسيلة(٢) مُسْتَن الوِشَا حَيْنٍ قانىء بأطرافها الحناء سَبطٍ طَفْلٍ
مستن الوشاحين حيث يجري الوشاحان، سبط: طويل، يريد الأصابع، طفل: رطب،
قاني شديد الحمرة
وَحَلْيُ الشَّوَا منها إذا حُلْيتْ به على قَصَبَات لا شخات عُصْلٍ(٣)
الشوى: يديها (٤) ورجليها، والشخات(٥) الرقاق، وعصل: معوجة.
أَنْبَأنَا أَبُو الحسَن عَلي بن مُحَمَّد، وأخبرني أَبُو المُعَمّر المبارك بن أَحْمَد عنه.
ح وَأَخْبَرَنا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَتْدي، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلي بن المُسْلِمةِ، وأَبُو الحسَن
الخرائطي، حَدَّثَنَا إِسْماعيل بن أبي حاتم، حَدَّثَنَا عَلي بن مُحَمَّد، عَن ابن أَبي شيخ حَدَّثَتَني(٦)
عمة لي قالت:
كان ذو الرمة ينزل عندنا هو ومية في رَبْع لهم، فقلت له: يا غيلان ههنا من هو أحسن
من ميّ؟ فما ترى فيها؟ فقال: والله ما أظن الله خَلَقَ خلقاً أحسن من ميّ، وإنّي وإياها كما قال
الأول:
تَرَی العین من تھوی ملیحاً وَمَنْ یکن
بغيضاً إليها لا تملح شمائله
في نسخة ما.
أَخْبَرَنا به أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْ قَنْدي، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الوهَاب بن عَلي، أَنْبَأَنَا أَبُو
الحسَن عَلي بن عَبْد العزيز قال: قُرىء على أَحْمَد بن جَعْفَر، أَنْبَأنَا الفضل بن الحُبَاب، حَدَّثَنَا
(١) الديوان: من الوجد.
(٢) أسيلة: طويلة.
(٣) بالأصل: على قصبات لا سحاب ولا عضل والمثبت عن الديوان.
(٤) كذا بالأصل: الشوى: يديها ورجليها.
(٥) الأصل: السحاب، والمثبت قياساً إلى رواية الديوان.
(٦) بالأصل: حدثني.

١٦٦
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
أَبُو عَبْد اللّه الجُمَحِي، حَدَّثَنِي أَبُو البَيْدَاءِ قال(١):
كان ذو الرمة يشبّبُ بميّ بنت(٢) طُلَبة بنت قيس بن عاصم المِنْقَري وكانت كثيرة(٣) أمة
مولده لآل قيس بن عاصم وهي أم سَهْم بن بُرْدة الذي قتله سِنَان بن مُخَيْس القُشَيري أيام
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان فقالت كثيرة (٤) (٥) :
وتحت الثياب الخزي لو كان بادیا
على وجه ميّ مسحةٌ من ملاحةِ
أَلَمْ تَرَ أنّ الماء يخبث(٦) طعمه
ولو كان لون الماء في العين(٧) صافيا
ونحلتهما ذا الرمة، فامتعض من ذلك، وحلف بجهد أيمانه ما قالهما، وقال: تالله كيف
أقوله وقد قطعتُ دَهري، وأفنيت شبابي أشبب بها وأمدحها، ثم أقول هذا؟ ثم اطّلع على أن
كثيرة(٤)، قالتهما، ونحلتهما (٨) إياه.
قال: وأنا ابن سَلام، قال: فأخبرني أَبُو سوّار(٩) الغَنَوي وكان فصيحاً قال(١٠):
رأيت ميّ ورأيت معها بنين لها فقلت: فصفها لي، قال: مسنونة الوجه، طويلة الخدّين
شماء الأنف عليها وسم جمال. فقالت لي: ما تلقّيت بأحدٍ من هؤلاء إلاَّ في الإبل، فقلت
له: إذْ كانت تنشدك ما قال فيها ذو الرمة قال: أي والله تسخ سخًا ما رأى مثله أحد.
قال: وحَدَّثَنَا ابن سَلاّم قال: كانت ميّ عند ابن عمِّ لها يقال له عاصم ففيه يقول ذو
الرُّمَّةِ(١١):
ولم تَشْتَعبني للمنايا شَعُوبُها
ألا ليت شعري هل يَمُوتنّ عاصمٌ
(١) الخبر والشعر في الأغاني ١٨/ ٢٥ -٢٦.
(٢) في الشعر والشعراء ص ٣٣٥ مية بنت فلان بن طلبة وفي وفيان الأعيان ٤/ ١١ مية ابنة مقاتل بن طلبة.
(٣) رسمها بالأصل: (كره)) وفي المختصر: ((كنزه) والمتبت عن الأغاني.
(٤) في الأصل هنا: كمره.
(٥) البيتان في الأغاني ٢٦/١٨ والشعر والشعراء ص ٣٣٥ ووفيات الأعيان ١٢/٤ وملحق ديوان ذي الرمة ص ٦٧٥
فيما نسب إليه من شعر.
(٦) في ملحق الديوان: ((يخلف)) وفي المصادر كالأصل.
(٧) كذا بالأصل والأغاني، وفي ملحق الديوان والشعر والشعراء: أبيض صافياً.
(٨) تقرأ بالأصل: وانحلهما، والمثبت عن الأغاني.
(٩) الأصل: أبو شرار، والمثبت عن الشعر والشعراء.
(١٠) الخبر في الشعر والشعراء ص ٣٣٥.
(١١) البيتان في ديوانه ص ٦٧.

١٦٧
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
دعا(١) الله من حتف المنية عاصماً بقاصمة(٢) يدعى لها فَيُجيبُها
أخبرتنا شهدة بنت أَحْمَد بن الفرج في كتابها قالت: أَنْبَأَنَا جَعْفَر بن أَحْمَد بن الحُسَيْن
القارىء، أَنْبَأَنَا أَبُو طالب مُحَمَّد بن عَلي البيضاوي بقراءتي عليه من أصل أَبي بكر بن شاذان
قال: قُرىء على أَبِي عَبْد اللّه إِبْرَاهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفة قال: وقال ذو الرمة(٣):
وقد يُلْتَوَى دون الحبيب فيهجرُ
عَدَثْنِي العَوَادِي عنك يا ميّ بُرْهَةً
ومي نظري من نحو أرضك (٤) أَضْوَرُ
على أنني في كلّ سيرٍ أسيره
فلا ناشر سرّاً ولا مُتَغَيَّرُ
فما تُحدِث الأيامُ يا ميّ بيننا
أَخْبَرَنا أَبُو العزّ بن كادش إذناً ومناولة وقرأ علي إسناده، أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ، أَنْبَأنَا
المعافى بن زكريا القاضي(٥)، حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن الفهم، حَدَّثَنَا ابن أبي سعد، حَدَّثَني النافع
بن بشر السعدي، حَدَّثَنَا أَبُو المهلهل الحُدَاني(٦) قال:
ارتحلت إلى الرمال في طلب ميّ صاحبة غيلان ذي الرمة، فما زلتُ أطلب موضع بيتها
حتى أُرشدتُ إلى البيت، فإذا خيمةٌ كبيرةٌ على بابها عجوز هتماء فَسَلَّمْتُ عليها ثم قلت لها:
أين منزلُ ميّ، قالت: ميّ ذي الرمة؟ قلت: نعم، قالت: أنا ميّ، فعجبتُ منها ثم قلت لها:
العجب كلّ العجب من ذي الرمة وكثرة ما قال فيك، ولستُ أرى من المشاهد التي وصفك
بها(٧) شيئاً، فقالت: لا تعجبنَّ يا هذا منه، فإنّي سأقوم بعذره عندك قال: ثم قالت: يا فلانة،
قال: فخرجت من الخيمة جاريةٌ ناهد (٨) عليها برقع، فقالت لها: أسفري عنك، فلما
أسفرت(٩) تحيرتُ لما رأيتُ من جمالها وبراعتها وفصاحتها، فقالت لي: عَلَق ذو الرمة بي
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت عن الديوان.
(٢) في الديوان: بقاضية.
(٣) الأبیات في دیوانہ ص ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٤) الديوان: ((دارك)) وأصور: مائل، والصور: الميل.
(٥) رواه المعافى بن زكريا الجريري في الجليس الصالح الكافي ٢٤٨/٢ وما بعدها، وانظر عيون الأخبار ٤/ ٤٠ ورد
فيه الخبر بدون الشعر.
(٦) كذا ورد السند بالأصل، والذي في الجليس الصالح الكافي: [قال المعافى:] حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي
قال: حدثنا أبو الممهلهل الحداني قال.
(٧) في الجليس الصالح: ولست أرى من الشاهد والوصف شيئاً.
(٨) في الجليس الصالح: جارية ناهدة: وكلاهما صحيح.
(٩) الأصل: سفرت، والمثبت عن الجليس الصالح.

١٦٨
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
وأنا في سنها، فقلتُ: عذره الله ورحمه، أنشديني مما قال فيك، قال: فجعلتْ تنشد وأكتب
أياماً(١) كنت مقيماً عندها ثم ارتحلتُ، فكان مما أنشدتني قوله(٢):
ولا ذو حمى(٣) يستنطق الدار يُعْذَرُ(٤)
خليليّ لا رَبْعْ بوهبين يخبر
حراجيج (٥) أمثالُ الحَنِيَّاتِ ضُمَّرُ
فسيرا فقد طال الوقوف وملّه
به لم أَذَرْهُ(٦) أن يُعَزَّى ويُنْظَرُ
فیا صاح لو كان الذي بي من الهوى
أغيض البُكًا في دارِ ميّ وأزفُرُ
خليلي(٧) ألا عُجْتَ إِذ أنا واقفٌ
القصيدة .
قوله عجوز هَتْماء الهَتَم: سقوط الأسنان من فوق ومن أسفل، يقال امرأة هَتْماء،
ورجل أهتم، ويقال: ضربه فهتم فاه، قال الفرزدق(٨):
إنّ الأراقم لن تنال قديمنا كلبٌ عوى مُتَهَتُّم الأَسْنَانِ
في نسخة الكتاب الذي.
أَخْبَرَنا به أَبُو القَاسمِ إِسْمَاعيل بن أَحْمَد، أَنْبَأَنَا عَبْد الوهّاب بن علي، أَنْبَأَنَا عَلي بن
عَبْد العزيز قال: قُرىء على أَحْمَد بن جَعْفَر، أَنْبَأنَا الفضل بن الحُبَاب، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللّه
مُحَمَّد بن سَلام، قال:
وكان ذو الرمة أيضاً يشبب بخرقاء إحدى بني عامر بن ربيعة تحل ... (٩) ويمر بها
الحاج فتقعد لهم فتحادثهم وتهاديهم وتقول: أنا منسك من مناسك الحج، ثم كانت تجلس
معها فاطمة بنتها، فحَدَّثَني من رآهما قال: لم يكن مثلها، وكانت تقول: أنا منسك من
مناسك الحج لقول ذي الرمة :
(١) في الجليس الصالح: وأكتب أنا ما كنت مقيماً عندها.
(٢) الأبيات في ديوانه ص ٢٢٢.
(٣) في الديوان والجليس الصالح: مخبر ولا ذو حجى.
(٤) الربع: المنزل. ووهبين: أرض بناحية البحرين لبني تميم.
(٥) كذا بالأصل والجليس الصالح، وفي الديوان: قلائص.
والحراجيج: التي طالت من الهزال.
(٦) في الديوان: أصاح .... لم أدعه.
(٧) في الديوان: ((لك الخير هلاً عجت)) مكان ((خليلي ... )).
(٨) ديوانه ط بيروت ٣٤٥/٢.
(٩) غير واضحة بالأصل.

١٦٩
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
على خرقاء واضعة اللثام(١)
تمام الحج أن تقف المطايا
وفيها يقول(٢):
ماءُ الصّبابةِ من عينيك مَسْجُومُ
أإن توسمت(٣) من خَزْقَاء منزلةً
شماء مارتها بالمسك مرثومٌ(٤)
تُشني الخِمَار على عِرنين أرنبةٍ
قال: وحَدَّثَنَا ابن سَلام، حَدَّثَني ابن عَبْد اللّه، قال: دخلت على خَرْقاء فقالت: اخرجي
يا فاطمة يعني ابنتها، فخرجت امرأة جميلة ليست كأمها.
قرأت على أبي القاسم زاهر بن طاهر، عَن أَبي بكر البيهقي، أَنْبَأَنَا الحاكم أَبُو عَبْد اللّه
الحافظ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر الفارسي وهو مُحَمَّد بن إِبْرَاهيم بن عِمْرَان الجوري، حَدَّثَنَا عَبْد اللّه
ابن مُحَمَّد العامري، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن إسْمَاعيل السهمي، حَدَّثَنا الأصمعي قال:
كان سبب تشبيب ذي الرمة بخَزْقَاء أنه مرّ في بعض أسفاره ببعض البوادي، فإذا خَرْقاء
خارجة من خباء فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم بذلك كلامها،
فقال لها إنّ رجل على ظهر سفر وقد تخرّقت إداوتي فأصلحيها لي، فقالت: والله لا أحسن
العمل، وإنّ لخَرْقَاء وفيها يقول:
أإن توسمت من خَرْقَاء مَنْزَلةً
ماء الصبابة من عينيك مسجوم
(٥)
منها على عدواء الدار تسقيم
هام الفؤاد بذكراها وخَامَرَه
تعتادني زفراتُ من (٦) تذكرها
تكاد تنفضُّ منهن الحيازيم(٧)
وبلغني عن ثعلب قال: وذكر مُحَمَّد بن الحسن بن دينار الأحول الراوية عن رجاله أنّ
ذا الرُّمة أنشد خَرْقَاء قصيدته التي يقول فيها(٨):
(١) ملحق ديوانه ص ٦٧٣ والشعر والشعراء ص ٣٣٦ ووفيات الأعيان ١٤/٤.
(٢) ديوانه ص ٥٦٧.
(٣) في الديوان: أعن ترسّمت.
(٤) المارن: ما لان من الانف، ومرثوم: الرئمة بياض في شفة الفرس العليا، يقول: تمسح أنفها بالمسك فتكون
کالرثمة، ويقال: وثم أنفه إذا ضربه .
(٥) مسجوم أي مصبوب صباً.
(٦) الأصل: ((مي أذكرها)) والمثبت عن الدیوان ص ٥٦٩.
(٧) الحيازيم: الصدور وما اشتمل عليه، والحيزوم: الصدر.
(٨) القصيدة في ديوانه ص ٩٩.

١٧٠
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
بخَزْقَاء(٢) أو أنحى لك السيفَ ذَابخُ
سواء عليك اليومَ إن(١) ضاعت النَّوَى
حتی انتھی إلی قوله(٣):
أحبّك حبّاً خالطته فصاحةٌ.
وما کلّ ذي ودّ من الناس ناصحُ
فقالت خَرْقَاء ومتى تكون محبًّا غيرنا صح؟ قال: إذا آثرت ما أهوى من قربك على ما
تهوين من بعدك، واتخذتك برداً، عليّ منه جماله وستره وحضانته ونعمته، وعليك منه ابتداء
إلى أعطافه وسجّى أطرافه، فهناك نظرتُ لنفسي عليك، فأدّيتْ حقّ النصيحة إليها لا إليك
قال: وأنشد:
ونيلُك ممنوعٌ ومثواكِ نَازخُ
وأهوى لك الحسنى وأنتِ مسيئة
فقالت خَرْقَاء: والله ما أدري أي تفسيريك (٤) أحسن، السالف من نشرك، أم الرادف من
نظمك؟ فقال ذو الرمة :
لأَحْسَنُ في هذا وهذاك نَظْرَةٌ لعينيك فيها منكِ آسٍ وجارحُ
وقالت له: من ذا يغالبك في محاورة؟ فقال:
يشاكسها طَوْراً وطوراً يُسامحُ
يغالبني مِن مهجتي ، في إساره
يُتَيّمني منه مراضٍ صحائحُ
وَمَنْ لم أزل أبغي السُّلُوّ ولم أزلْ
فيعطفني منه بُروقٌ لوامح
وأصدفُ عن سقيا ثناياه آيساً
تجلى جبينٌ من سنا الفجر واضحُ
مضاحك غُرّ لو تبسمن في الدجى
أَلاَ كلّ ما قَرّتْ به العين صالح
يَقَرّ بعيني قُرْبُها وكِذَا بُها
قال: ثم قطع المحاورة والاقتضاب، ورجع إلى الإنشاد حتى استكمل قصيدته.
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسم عَلي بن إِبْرَاهيم، أَنْبَأَنَا رَشَأ بن نظيف، أَنْبَأَنَا الحسن بن إسْمَاعيل،
أَنْبَأَنَا أَحْمَد بن مروان، حَدَّثَنَا إِبْرَاهيم بن إسحاق، حَدَّثَنَا أَبُو(٥) نصر قال(٦):
مرّ رجل(٧) في بادية بني عُذْرة فإذا فتاة كأحسن ما يكون فنظر إليها فقالت له عجوز: ما
(١) الديوان: أنصاعت.
(٣) البيت التالي، والأَبيات التي تليه ليست في الديوان.
(٤) الأصل: تفسيرك، والمثبت عن المختصر.
(٥) كتبت ((أبو)) فوق الكلام بين السطرين بالأصل.
(٦) الخبر باختلاف الرواية في الأغاني ١٨/ ٤١.
(٢) في الديوان: بصيداء.
(٧) في الأغاني: رجل من بني النجار.

١٧١
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
تنظر إلى هذا الغزال النجديّ ولا حظ لك فيه؟ قالت الجارية: دعیه یا أمتاه، یکون كما قال ذو
الرمة(١):
وإنْ لم تكن إلاَّ تَعَلُّلَ ساعةٍ قليلاً(٢) فإنّ نافعٌ لي [قليلها](٣)
أَنْبَأنَا أَبُو الحسَن عَلي بن مُحَمَّد، وأخبرني أَبُو المعمر الأنصاري عنه.
أَنْبَأنَا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْ قَتْدي، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلي بن أَبِي جَعْفَر، وأبو الحسن بن العَلّف
قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسمِ عَبْد الملك بن مُحَمَّد بن بِشْرَان، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بن إِبْرَاهيم الكندي، أَنْبَأَنًا
مُحَمَّد بن جَعْفَر الخرائطي، أنشدني أَبُو جَعْفَر العبدي لذو الرُّمّة (٤):
دُمُوعُ كففنا مَاءَها كالأَصَابعِ
ولمّا تَلاقینا جرَتْ من عيوننا
وفي نسخة: كفتنا
وإِنّا تساقطنا حديثاً كأنَّه(٥)
جنى النَّحلِ(٦) ممزوجاً بماء الوَقَّائعِ
أَنْبَأنَا أَبُو عَلي بن المهدي(٧)، أَنْبَأْ أَبُو الحسَن العتيقي، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بن شاذان، حَدَّثَنَا
مُحَمَّد بن يزيد، حَدَّثَنَا الزُّبير، عَن أَبي بكر بن شَيبة الحزامي، حَدَّثَنَا أَبُو سلمة الكلابي قال:
سمعت أبي يقول لما فرغ ذو الرمة من قصيدته التي أولها (٨).
[كأنه](٩) من كُلَى مغرية سَرِبُ(١٠)
ما بال عينك منها الماء ينسكب
تبدّى له إبليس فأخذ حُجْزَته، ثم قال له: لا تظن أنك منها في شيءٍ، ما شركتني فيها
بحرف، وأنا قلتها كلها.
أَخْبَرَنا بها أَبُو العزّ أَحْمَد بن عُبَيْدِ اللّه، أَنْبَأْنَا أَبُو مُحَمَّد الحسن بن علي بن مُحَمَّد
الجوهري قال: قرىء عَلي أبي الحسن علي بن عيسى الزّماني قال: قرأت على أبي بكر
(١) البيت في الديوان ص ٥٥٠ والأغاني ٤١/١٨.
(٢) الأصل: قليل، والمثبت عن الديوان والأغاني.
(٣) بياض بالأصل، والزيادة المثبتة عن الديوان والأغاني.
(٤) البيتان في ديوانه ص ٣٥٨.
(٥) في الديوان: ونلنا سقاطاً من حديث كأنه.
(٦) جنى النحل: العسل، والوقائع مفردها الوقيعة، والوقيعة: مكان صلب يمسك الماء.
(٧) كذا السند بالأصل، وفيه اضطراب.
(٨) ديوان ذي الرمة صفحة ١.
(٩) مكانها بياض بالأصل، والمثبت عن الديوان.
(١٠) بالأصل: ((معربه سلب)) والمثبت عن الديوان.
والكلى جمع كلية وهي رقعة تكون في أصل عروة المزادة.

١٧٢
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
مُحَمَّد بن الحسن بن دريد هذه القصيدة وهو يحكي عنه أنه قال:
ليس في الدنيا من يروي شعر ذي الرمة عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن
العلاء عن ذي الرمة غيري قال:
قرىء على أبي حاتم سهل بن مُحَمَّد بن حاتم السِّجِستاني اللغوي قال: قرىء على أَبي
نصر عَبْد الملك بن قُرَيب الأصمعي قال: قُرىء على أَبي عمرو بن العلاء المازني النحوي
المقرىء عن ذي الرمة، قال ذو الرمة واسمه غيلان بن عُقْبة العَدَوي(١):
ما بالُ عينك منها الماء ینسکبُ
وفراء غرفية أَثْأى خَوَارزها
أستحدثَ الركبُ عن أشياءهم خَبَراً
مِنْ دمنةٍ نَسَفَتْ عنها الصَّبَا سُفْعاً(٣)
سَيْلاً من الدِّغْصِ أغشته معارفها (٤)
لا بل هو الشوق من دارٍ تَخَوَّنها
تبدو لعينيك منها وهي مُزْمِنَةٌ
إلى لوائح مِنْ أطلالٍ أحويةٍ
بجانب الزُّرق(٦) لم يطمس مَعَالِمَها
ديار ميّة إذ ميّ تُسَاعفنا
برّاقةُ الجيدِ واللَّبَّات واضحةٌ
بَيْنَ النهار وبَيْنَ الليل مِنْ عَقَدٍ
كأنّه من كلّ مفرية سَرِبُ
مُشَلشلٌ ضَيَّعته بينها الكُتَب(٢)
أم رَاجَعَ القلبَ من أطرابه طَرَبُ
كما تُنَشّر بعد الطِيّة الكُتُبُ
نكباءُ تَسْحَبُ أعلاه فينسحبُ
صرب(٥) السحاب ومَرًّا بارحْ تَرِبُ
نويٌ وَمُسْتَوقدُ بالٍ ومحتطبُ
كأنّها خِلَلٌ مَوْشِيَّة قُشُبُ
دَوَارِجِ المُورِ والأمطارُ والحِقَبُ(٧)
ولا يرى مثلها عُجْمٌ ولا عَرَبُ
كأنها ظبيةٌ أَفْضَى بها لببُ(٨)
على جوانبه الأَسْبَاطُ والهَدَبُ (٩)
(١) القصيدة الأولى في ديوانه.
(٢) وفراء أي واسعة. غرفية أي دبيفة بالغرف، وهو نبت تدبغ به الجلود. مشلشل هو الذي يكاد يتصل قطره لتتابعه
الكتب: الخرز: واحدها كتبة.
(٣) الأصل: ((شفعاً كأنما تنشر)) والمثبت عن الديوان. والسفع الطرائق من الرمل سود وحمر.
(٤) الأصل: معاربها، والمثبت عن الديوان، ومعارفها أي معالمها.
(٥) الديوان: مرَّا سحاب.
(٦) إعجامها مضطرب بالأصل، والمثبت عن الديوان، والزرق: اسم مكان بالدهنا.
(٧) والد وارج: عفّى الرياح، والمور: التراب.
(٨) الجيد: العنق، واللبات: موضع القلادة. واللبب: ضرب من الرمل.
(٩) الأسباط: اسم نبت، والهدب: ورق الأرطى.

١٧٣
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
عَجْزَاءُ ممكورةٌ خَمْصَانةٌ قَلِقٌ
زينُ الثيابِ وإِنُّ أثوابُها استُلِبَتْ
تريك سُنَّةً وجهٍ غير مُقْرِفةٍ
إذا أخو لذة الدنيا تبطنها
سافت(٢) بطيّبة العرنين مارنها
تزداد للعين إيهاجاً إذا سفرت
لمياء في شفتيها حوة لعس
كحلاء في بَرَجٍ صفراء في نعج
والقرط في حرة الذفرى معلقة
تلك الفتاة التي علقتها عرضاً
كأنها جمل وهمٌ وما بقيت
لا تشتكي سقطة منها وقد رقصت
كأن راكبها يهوي بمنخرق
تخذي بمنخرق السربال منصلت
ليالي اللهو يطبيني فأتبعه
زار الخيال لميّ هاجعاً لعبت
أخا تنائف أعفى عند ساهمة
معرساً في بياض الصبح وقعته
والعيس من عاسج أو واسج خبباً
عنها الوشاح وتم(١) الجسم والقَّصَبُ
فوق الحشية يوماً زانها السَّلَبُ
ملساءَ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ
والبيت فوقهما بالليل محتجبُ
بالمسك والعنبر الهندي مختضب
وتحرج العين فيها حين تنتقب
وفي اللثات وفي أنيابها شنبُ(٣)
كأنها فضة قد مسّها ذهب (٤)
تباعد الحبل منها فهو يضطرب
إن الكريم وذا الاسلام يختلب
إلاّ النحيزة والألواح والعصب (٥)
بها المفاوز حتى ظهرها حدب
من الجنوب إذا ما ركبها نصبوا
مثل الحسام إذا أصحابه شحبوا
كأنني ضارب في غمرة لعب
به التنآئف والمهرية النجب(٦)
بأخلق الدفّ من تصديرها جُلَبُ
وسائر السير إلاّ ذاك منجذب
ينحزن من جانبيها وهي تنسلب(٧)
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت عن الديوان.
(٢) الأصل: ساقت، والمثبت عن الديوان، والسوف: الشمّ.
(٣) لمياء، اللمى: السمرة في الشفة تضرب إلى الخضرة. والحوة: حمرة في الشفة تضرب إلى السواد، والشنب:
برودة عذوبة في الفم ورقة في الأسنان.
(٤) البرج: سعة في بياض العين.
(٥) الوهم: الضخم، والنحيزة: الطبيعة، والألواح: العظام، وكل عظم عريضٍ فهو لوح.
(٦) التنوفة القفر من الأرض، والمهرية: الإبل المنسوبة إلى بني مهرة، وهم حي من اليمن.
(٧) العيس: الإبل البيض تعلوها حمرة. وعاسج: مدّ الرقبة في المشي. والعسج والوسج والخبب ضروب من السير.

١٧٤
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
تصغي إذا شدها بالكور جانحة
وثب المُسَحّج من عانات معلقة
يحدو نحائص أشباهاً محملجة
لها عليهن بالخلصاء مرتعه
حتى إذا معمعان الصيف هبّ له
وصوّح البقل نأج تجىء به
وأدرك المتبقّى من ثميلته
تنصبت(٥) حوله يوماً تراقبه
حتى إذا اصفر قرن الشمس أو كربت
فراح منصلتاً يحدو حلائله
كأنه معول يشكو بلابله
يعلو الحُزُون بها طوراً ليتبعها
كأنه كلما ارفضت حزيقتها
كأنها(١٠) إبل ينجو بها نفر
والهم (١١) عين أُثَالٍ ما ينازعه
فغلّست وعمود الصبح منصدع
عيناً مطحلبة الأرجاء طامية
يستلّها جدول كالسيف منصلت
حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
كأنه مستبان الشك أو جنبُ(١)
ورق السرابيل في ألوانها خطب(٢)
فالفوجدات فجنبي واحفٍ صخب
بأجة نش عنها الماء والرطب
هيف يمانية في مرّها نكب(٣)
ومن ثمائلها واستنشىء الغَرَبَ (٤)
صُخر سماحيج في أحشائها قببُ(٦)
أمسى وقد جد في حوبائه القرب(٧)
أدنى تفاذفه التقريب والخبب
إذا تنكب عن أجوازها نكب(٨)
شبه الضرار فما يزري بها التعب
بالصلب(٩) من نهشه أكفالها كلب
من آخرين أغاروا غارة جَلَبُ
من نفسه لسواها مورداً أرب
عنها وسائره بالليل محتجب
فيها الضفادع والحيتان تصطخب
بين الأشاء تسامى حوله العُسُب(١٢)
(١) المسحج: الحمار المعضض، وعانات جمع عانة وهي من الوحش.
(٢) النحائص: الاتن التي لم تحمل.
(٣) نأَج ريح شديدة. وهيف: ريح حارة.
(٤) الثميلة: بقية كل شيء، والغرب: نوع من الشجر، والغرب بالتسكين: مجرى الدمع.
(٥) بالأصل: ينصب.
(٦) الصحر: في لونها بياض في صفرة، والسماحيج: أي طوال الظهور، وقبب: أي ضمر ودقة.
(٧) كربت: دنت من الغروب.
(٨) البلابل: الهموم والأحزان.
(٩) بالأصل: ((بالصلت من نهسة)) والمثبت عن الديوان.
والحزيقة: الجماعة.
(١٠) قوله: كأنها، يعني الآتن.
(١١) تقرأ بالأصل: والميم، والمثبت عن الديوان.
(١٢) الأشاء: صغار النخل، والعسب واحدها عسيب، وهي جريد النخل.

١٧٥
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
وبالشمائل من جلان مقتنصٍ
معدّ زرقٍ هدث قضباً مصدرة
كانت إذا وَدَقَتْ أمثالهن له
حتى إذا الوحش في أهضام موردها
فعرضت طلقاً أعناقها فرقاً
فأقبل الحقب والأكباد ناشزة
حتى إذا زلجت عن كل حنجرة
رمى فأخطأ والأقدار غالبة
يقعن بالسفح مما قد رأين به
كأنهن خوافي أجدل قرم
أذاك أم غش بالوشي أكرعه
تقيض الرمل حتى هز خلفته
ربلا وأرطى نفت عنه ذوائبه
أمسى بوهبين مرتاعا (١٠) لمربعه
كأنه ونعاج الرمل تتبعه
حتى إذا جَعَلْته بين أظهرها
وذل الثياب خفي الشخص منزرب(١)
ملس البطون حداها الريش والعقبُ(٢)
فبعضهن عن الألاف منشعب
تغيبت رابها من خيفة ريب
ثم اطباها خرير الماء ينسكبُ
فوق الشراسيف من أحشائها تجب(٣)
إلى الغليل ولم يقصعنه نغبُ (٤)
فانصعن والويل هجّيراه والحرب(٥)
وقعاً یکاد حصی المعزاء يلتھبُ
ولّى ليسبقه بالأمعز الخرب(٦)
مُسْفَع الخد غادِ ناشط شبب(٧)
تروح البرد ما في عيشه رتب (٨)
كواكب القيظ حتى ماتت الشهب (٩)
من ذي الفوارس يدعو أنفه الريب
عشبة ملك بالتاج معتصب(١١)
من عجمة الرمل أثباج لها حبب
(١) جلان: قبيلة من عنزة. وقوله: منزرب أي داخل زربه، وهو بيت الصائد.
(٢) الزرق: النصال. والقضب: عيدان السهام.
(٣) الشراسيف: أضلاع الصدر التي تشرف على البطن، وقوله: تجب أي تخفق.
(٤) يقصعنه: یکسرنه.
(٥) انصعن: أي تفرقت، والويل والحرب هجيراه أي عادته ودأبه.
(٦) الأجدل: الصقر، والخوافي: ريشتان تحت الجناح، والقرم أي شديد الشهوة إلى اللحم، والأمعز: ما غلظ من
الأرض ذات الحجارة السود.
(٧) بالأصل: شرب، والمثبت عن الديوان وقوله: مسفع أي أسود الخد.
(٨) الخلفة: المراد بها نبت في آخر الصيف.
وقوله: رتب: أي ما أشرف على الأرض كالدرج وفيه غلظ وشدة.
(٩) الربل: نبت في آخر الصيف بلا مطر، والأرطى نبت يشبه الطرفاء.
(١٠) في الديوان: مجتازا.
(١١) البيت ليس في الديوان.

١٧٦
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
ضم الظلام على الوحشي شملته
فبات ضيفاً إلى أرطاة مرتكم
ميلاء من معدن الصيران قاصية
وحائل من سفير الحول جائله
كأنما نفض الأحمال ذاوية
كأنه بيت عطار يضمّنه
إذا استهلت علية غبية أرجت
تجري(٥) البوارق عن مجرمز لهق
والودق يستن عن أعلى طريقته
يغشى الكناس بروقيه ويهدمه
إذا أراد انكراساً فيه عنّ له
فقد توجس ركزاً مقفر ندس
فبات يشئزه(٩) ثأد ويسهره
حتى إذا ما انجلى (١٠) عن وجهه فلق
أغباش ليل تمام كان طارقه
غدا كأن به جنّا تذاء به
حتى إذا مالها في الجدر واتخذت
ولاح أزهر مشهور بنقبته
ورائح من نشاص الدلو منسكب(١)
من الكثب بها دفء ومحتجب(٢)
أبعارهن على أهدافها كثب(٣)
حول الجراثيم في ألوانه شهب
على جوانبه الفرصاد والعنب
لطائم المسك يحويها وتنتهب
مرابض العين حتى يأرج الخشب (٤)
كأنه متقبّى يلمق عزب (٦)
جول الجمان جرى في سلكه الثقب(٧)
من هائل الرمل منقاض ومنكثب
دون الأرومة من أطنابها طنب
بنبأة الصوت ما في سمعه كذب(٨)
تذوب الريح والوسواس والهضب
هاديه في أخريات الليل منتصب
تطخطخ الغيم حتى ماله جوب
من كل أقطاره يخشى ويرتقب
شمس النهار شعاعاً بينها طبب(١١)
كأنه حين يعلو عاقراً لهبُ(١٢)
(١) شملته أي حلته. والنشاص ما ارتفع من السحاب وتراكم اسود.
(٢) قوله: مرتكم أي متراكم.
(٣) ميلاء صفة أرطاة، وهي المعوجة، والصيران جمع الصوار وهو قطيع من البقر الوحشي.
(٥) في الديوان: تجلو.
(٤) غبية: أي مطر غليظ، والدفعة من المطر.
(٦) البوارق: سحاب فيه مطر، ومجرمز: متقبض، مجتمع بعضه إلى بعض واليلمق: القباء المحشو.
(٧) الودق: المطر الشديد، والجمان: خرز يتخذ من الفضة.
(٨) الركز: الصوت الخفي. والندس: الفطن.
(٩) يشئزه أي يقلقه.
(١٠) في الديوان: جلا.
(١١) الطبيب: الطرائق من الرمل أو السحاب والشعاع، وأصل الطبب: السيور التي يخرز بها.
(١٢) بالأصل: ((عاقر اللهب)) والتصويب عن الديوان.

١٧٧
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
هاجت له جوع زرق مخضرة
جرد (٢) مهرته(٣) الأشداق ضارية
ومطعم الصيد هبّال لبغيته
مقزع أطلس الأطمار ليس له
فانصاع جانبه الوحشي وانكدرت
حتى إذا دومت في الأرض راجعه
خزاية أدركته بعد جولته
فكف من غربه والغضف يسمعها
حتى إذا أمكنته وهو منحرف
بلت به غير طياش ولا رعش
فكرّ يمشق طعناً في جواشنها
فتارة يخض الأعناق عن عرض
ينحي لها حدّ مدري يجوف به
حتى إذا كن محجوزاً بنافذة
ولّى يهز انهزاماً وسطها زعلاً
كأنه كوكب في إثر عفرية
وهن من واطي ثنييْ حويته
أذاك أم خاضبٌ بالسّيّ مَزْقَعه
شَخْتُ الجُزَارةِ(٦) مثلُ البيتِ سائره
كأنّ رجليه مِسْمًا كان من عُشَرٍ
شوازب لاحها التغريث والجنب(١)
مثل السراحين في أعناقها العذب
ألفى أباه بذاك الكسب يكتسبُ (٤)
إلاّ الضراء وإلاّ صيدها نشب
يلحبن لا يأتلي المطلوب والطلب
كبر ولو شاء نجّى نفسه الهرب
من جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب
خلف السبيب من الإجهاد تنتحب
أو كاد يمكنها العرقوب والذنب
إذا جلن في معرك يخشى به العطب
كأنه الأجر في الإقبال يحتسب
وخضاً وتنتظم الأسحار والحجب
حالاً ويصرد حالاً لهذم سلب
وزاهقاً وكلا روقيه مختضب
جذلان قد أفرخت عن روعه الكرب
مسوّم في سواد الليل منقضب
وناشج وعواصي الجوف تنشخب(٥)
أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
من المُسُوحِ خدبٌّ شوقبٌ خَشِبُ
صَقْبَان لم ينقشر عنهما النَّجَبُ(٧)
(١) التغريث: الجوع.
وقوله: الجنب الذي تلصق رئته بجنبه من العطش.
(٢) في الديوان: غضف.
(٣) مهرته الأشداق: واسعتها ومشقوقتها.
(٤) هبال من الاهتبال، وهو الأخذ بسرعة.
(٥) عواصي القلب والجوف عروق إذا تقطعت لا ترقا، أي لا تزال تدفع بالدم.
(٦) بالأصل: سحت الحرارة، والمثبت عن الديوان.
(٧) العشر من كبار الشجر وله صمغ حلو. والنجب بالتحريك: شجر.

١٧٨
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
ألهاه آء وتنوم وعقبته
يظل مختضعاً يبدو فتنكره
كأنه حَبَشيّ يبتغي أثراً
هَجَنَّعُ رَاح في سوداء مُخْمَلَةٍ
أو مُقْحَمْ أضعف الأبطان حادجه
أَضَلّه راعٍا كلبيه صَدَرَا
فأصبح البَكْرُ فَرْداً من صواحبه(٢)
عليه زادٌ وأهدامٌ وأخفيةٌ
كُلّ من المنظر الأَعْلَى له شَبَه
حتى إذا الهَيْشُ أمسى شام أفرخه
يرقد في ظلُ عَرَّاصٍ ويطرده
تَبْري له صلعةٌ خرجاءٌ خاضعةٌ
كأنها دلو بئرِ جَدّ ما تحها
ويل أمها روحةً والريحُ معصفةٌ
لا يذخران من الإيغال باقية
فكلّ ما هبطا في شأو شوطهما
لا يأمنان سباعَ الليلِ أو برداً
جاءت من البيض زُغراً لا لباس لها
كأنّما فُلِقَتْ عنها ببلقعةٍ
مما تَقَيَّضَ عن عُوجِ معطّفةٍ
أشداقها كصدوعِ النَّبع في قُلل
من لائحِ المرءِ والمرعى له عُقَبُ
حالاً ويسطع أحياناً فينتسبُ
أو من معاشر في آذانها الخُرَبُ
من القطائف أعلى ثوبه الهُدَبُ(١)
بالأمس فاستأخر العِذلان والقَتَبُ
عن مطلبٍ وطُلَى الأعناق تَضْطَرِبْ
يرتاد أحليةً أَعْجَازُها شَذَبُ
قد كان يستلّها(٣) عن ظهره الحَقَبُ
هذا وهذان قَدّ الجسم والثُّقَبُ
وهنّ لا مؤيس نأياً ولا كَثَبُ (٤)
حفيفَ نافجةٍ عُثْنُونها حصب(٥)
فالخرق دون بنات البيض مُنْتَهَبُ
حتّى إذا ما رآها خانها الكرب
والغيثُ مرتجزٌ والليلُ مقتربُ
حتى تكاد تَفَرَّى عنهما الأُهْبُ (٦)
من الأماكن مفعولٌ به العجب
إنْ أظلما دون أطفالٍ لها لَجَبُ
إلاّ الدَّهاس وأمُّ بِرّةٌ وَأَبُ (٧)
جماجمُ يُبّسٌ أَو حنظل خَرِبُ
كأنها شامل أبشارها جرب
مثل الدحاريج لم ينبت لها الزَّغَبُ(٨)
...
(١) الهجنع: الظليم الواسع الخطاء.
(٣) الأصل: يجتزها، والمثبت عن الديوان.
(٥) عراص: غيم كثیف كثير الرعد والبرد.
والنافجة: ريح شديدة تأتي بمطر عظيم.
(٦) الإيغال: شدة العدو، وتفرى: تنشق.
(٨) - القلل جمع قلة، وهي رؤوس الجبال، والنبع: شجر.
(٢) في الديوان: حلائله.
(٤) الهيق: ذكر النعام.
(٧) الدهاس: الرمل اللين السهل.

١٧٩
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
كأن أعناقها كُرّاثَ سائفةٍ طارتْ لفائفه أو هيشرٌ سُلَبُ(١)
أَنْبَانَا أَبُو بَكْرِ مُحَمَّد بن عَبْد الباقي، عَن أَبي القاسم التنوخي، وأَبي مُحَمَّد
الجوهري.
وأَنْبَأنَا أَبُو البركات الأنماطي، وأَبُو بَكْر أَحْمَد بن عَلي، وأَبُو الفوارس بن سوار قالوا:
أَنْبَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بنِ الطَّيُّوري، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّد الجوهري.
قالا: أَنْبَأَنا أَبُو عمر مُحَمَّد بن العباس بن حيّوية، أَنْبَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن خلف بن
المَرْزُبان، أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بن الفضل، أخبرني أَبي، أخبرني القَخْذَمي قال:
دخل ذو الرمة الكوفة فبينما هو يسير في بعض شوارعها على نجيبٍ له إذ رأى جارية
سوداء واقفة على باب دارٍ، فاستحسنها ووقعت بقلبه فدنا إليها، فقال: يا جارية اسقني ماء،
فأخرجت إليه كوزاً فيه ماء، فشرب فأراد أن يمازحها ويستدعي كلامها فقال: يا جارية ما أحرّ
ماءك فقالت: لو شئتَ لأقبلتَ على عيوب شعرك فتركت حرّ مائي وبرده، فقال لها: وأي
شعري له عيبٌ، فقالت: ألستَ ذو الرمة؟ قال: بلى، قالت(٢):
لها ذنب فوق اسْتها أمّ سالمٍ
فَأَنْتَ الذي شَبَّهت عنزاً بقَفْرةٍ
ووطبين مسودّين مثلَ المحاجم
جعلتَ لها قرنين فوق جبينها(٣)
بِحَاذِك يا غَيْلان مثل المياسم(٤)
وساقين إن يستمسكا منك يتركا
وبين النَّقَا أأنت أَمْ أمّ سالم(٥)
أيا ظبية الوَغْسَاء بين جُلاجلٍ
فقال: نشدتك بالله إلاَّ أخذت(٦) راحلتي هذه وما عليها ولم تظهري هذا لأحد، ونزل
عن راحلته فدفعها إليها وذهب ليمضي فدفعتها إليه وضمنت له أنها لا تذکر لأحدٍ ما جرى.
أَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد بن طاوس، أَنْبَأَنَا طراد بن مُحَمَّد، أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْن بن بِشْرَان، أَنْبَأَنَا
(١) السائفة: الرملة المستطيلة.
والهيشر: شجر تثمر أغصانه طويل في رؤوسها مثل الخرز وقوله: سلب: أي سقط ورقه.
(٢) الأَبيات في الأغاني ٢٣/١٨ ونسبها إلى خياط.
(٣) الأغاني: فوق شواتها.
(٤) روايته في الأغاني:
وقرنان إما يلزقا بك يتركا
(٥) هذا البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ص ٦٢٢.
(٦) تقرأ بالأصل: إحدى، والمثبت عن المختصر.
بجنبيك يا غيلان مثل المواسم

١٨٠
غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة
أَبُو الحُسَيْن أَحمَد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الجَوْري(١)، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بن أبي الدنيا قال: قال ابن
الأعرابي حَدَّثَني سلمة بن الصفر عن سهل بن أسلم مولى بني عدي قال:
كانت وليمة عدي على مائدة عليها إسحاق بن سويد وذو الرمة فاستسقى ذو الرمة،
فسُقي نبيذاً واستسقى إسحاق بن سويد فسُقي ماء فقال ذو الرمة(٢):
واحفظ ثيابك ممن يشرب(٣) الماءَ
أما النبيذ فلا يَذْعَرُك شاربه
هم اللصوصُ وقد يُدْعَوْن قُرّاءَ
مشمرين على أنصاف سُوقِهِم
فقال إسحاق بن سويد :
ولا نرى أحداً يزري به الماء
أمّا النبيذ فقد يزري بشاربه
وفي النبيذ إذا عاقرته الداءُ
الماءُ فيه حياة الناس كلّهم
ثم قال لذي الرمة زذ حتى نزيد.
قال: وحَدَّثَنَا ابن أبي الدنيا، حَدَّثَنَا عَلي بن مسلم، حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمد بن عَبْد الوارث،
قال: سمعت أبي يحدِّث عن إسحاق بن سويد قال: هجا ذو الرمة القُرّاءَ فقال:
واحفظ ثيابك ممن يشرب الماءَ
أمّا النبيذ فلا يَذْعَزك شاربه
فأجبت عنهم:
ولا أَرى شارباً أرزى به الماءُ
أمّا النبيذ فقد يُزْرِي بشاربه
وفي النبيذ إذا عاقرته الداءُ
الماءُ فيه حياةُ الناس كُلّهم
شربَ النبيذ وللأعمال أسماء
فيه عن الخير تقصير وإبطاء
على ركوب صميم الأيم أعضاء
وهم لمن كان شريباً أخلاء
فيه مع الهتر ايماض وإِعياء
بقارىءٍ وخيارُ الناسِ قُرَّاءُ
كم من حسيبٍ أديبٍ(٤) قد أَضَرّ به
يقال هذا نبيذي لعاقره
فيه وإن قيل مهلا عن مصممه
عدوّهم كلّ قارىء مؤمنٍ ودعٍ
إن المنافق لا تصفو خليقته
ومن يسوي نبيذيّا يعاقره
(١) الأصل: الحوري، تصحيف. ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣٩٧.
(٢) البيتان في ملحقات ديوانه ص ٦٦١.
(٣) الأصل: يحفظ، والمثبت عن الديوان.
(٤) كتب فوقها بالأصل: جميل.