Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هم إلَّ ولد، ولكن يحسنون ويحملون ويقبلون مني كسوة، [فدعا بكسوة](١) فكساهم. قال: ونا المفضل (٢) بن غسان، نا محمَّد بن عمر، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: ما نعلم أحداً ساد في الجاهلية بغير مالٍ إلَّ عُثْبة بن ربيعة بغير مال. أَخْبَرَنَا أَبُو بكر محمَّد بن عَبْد الباقي، أَنَا الحسَن بن عَلي (٣)، أَنَا أَبُو عمر بن حيّوية، أَنَا عَبْد الوهاب بن أبي حَيّة، أَنا محمَّد بن شجاع، نا محمَّد بن عمر الواقدي، حَدَّثَني ابن أَبي الزناد، عن أبيه قال: ما سمعنا بأحدٍ ساد بغير مالٍ إلَّ عُتْبة بن ربيعة (٤). أَخْبَرَنَا أبُو الحسين بن الفراء، وأبو غالب، وأبُو عبد اللّه ابنا أَبي عَلي، قالوا: أنا محمَّد بن أحمَد بن محمَّد، أَنا محمَّد بن عَبْد الرَّحمن، أَنا أحمد بن سليمان، أَخْبَرَنَا الزبير قال : وسمعت عَبْد الرَّحمن بن عبد الله الزهري يقول: لم يسد مُملق من قريش إلاَّ عتبة بن ربيعة، وأبو طالب بن عَبْد المطلب، فإنهما سادا ولا مال لهما . قال: ونا الزبير قال: وحَدَّثَني عمي مُصْعَب بن عبد الله، قال: لم يعرف لعُتبة بن ربيعة رَفْتٌ إلَّا كلمتان قالهما يوم بدر، قال لأبي جهل: يا مُصَفّر استه (٥)، وقال حمزة: أنا أسدُ اللّه، وأسدُ رسوله، فقال عتبة: أنا أسد الحَلْفَاء. قال: ونا الزبير، قال: أنشدني محمَّد بن الضَّحّاك الحِزَامي، قال: سمعت ذلك من أَبي الضحاك بن عثمان قال: قال عُتبة بن ربيعة في يوم عُكَاظ يمدح أحد بني خطل بن أسد بن جابر بن تيم بن غالب بن فِهْر بن مالك: شائك الأنياب عبل مناكبه کان أخا الأخطال في الروع(٦) تتقی به (١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وأضيف عن م. (٢) الأصل: الفضل، والمثبت عن م. (٣) (بن علي)) كرر بالأصل، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٦٨/١٨. (٤) مغازي الواقدي ١/ ٦٠ - ٦١ . (٥) ورد في تاج العروس بتحقيقنا مادة صفر: ويقال في الشتم: يا مصفر استه أي ضراط، وهو من الصفير لا الصفرة، كأنه نسبه إلى الجبن والخور، وقد جاء ذلك في قول عتبة بن ربيعة لأبي جهل: سيعلم المصفر استه من المقتول غداً. يقال: إنه رماه بالأُبنة وأنه يزعفر استه. (٦) عن م وبالأصل: الورع. ٢٤٢ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وأمنعه للضيم ممن (١) يحاربه هوت أمه ما كان أحسن وجهه بباب ◌ُكَاظِ يوم تحدى حلايبه هو الأبيض الجعد الذي ليس مثله وكان عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مَنَاف نديماً لمُطْعِم بن عَدِي بن نَوْفَل بن عبد مَنَاف. أَخْبَرَنَا أَبُو عبد اللّه الفُرَاوي، أَنَا أَبُو بكر البيهقي، أَنَا أَبُو عبد الله الحافظ، وأَبُو عَبْد الرَّحمن محمَّد بن الحسين السُّلَمي. ح وَأَخْبَرَنَا أبُو بكر وجيه بن طاهر، أَنَا أَبُو صالح أحمَد بن عَبْد الملك، أَنَا أَبُو الحسن بن السّقّا، وأبُو محمَّد بن بالويه، قالوا: أنا محمَّد بن يعقوب، نا عباس بن محمَّد، نا يحيى بن معين، نا محمّد بن فُضَيل، نا الأجلح عن الذيال بن حَرْمَلة، عن جابر بن عبد الله، قال : قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر والكهانة والشعر فكلمه، ثمن أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة (٢): لقد سمعت قول السحر والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علماً، وما يخفى عليّ إن كان كذلك. فأتاه، فلما أتاه قال له عتبة: يا محمد، أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد اللَّه؟ (٢) قال: فلم يجبه. قال: فيم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت راساً ما بقيت، وإن كان بك الباه زوجناك عشر نسوة، تختار من أي أبيات قريش شئتَ، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك. ورسول الله وَل﴿ل ساكت لا يتكلم. فلما فرغ قال رسول الله وَليل: ﴿بسم الله الرَّحمن الرحيم حم، تنزيل من الرَّحمن الرحيم، كتابٌ فُصّلتْ آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿أَنْذَرَتْكُم صاعقةٌ مثل صَاعِقَةِ عادٍ وثَمود﴾ (٣) فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرجْ إلى أهله، واحتبس عنهم، فقال أبُو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عُتْبة إلَّ قد صَبَأ إلى محمَّد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلاّ من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه، فأتوه، فقال له أبو جهل: والله يا عُتبة ما حسبنا إلَّ أنك صَبَوْتَ إلى محمَّد وأعجبك أمره، فإنْ كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمَّد، فغضب، وأقسم بالله لا يكلم محمَّد (١) في م: مني. (٢) ما بين الرقمين العبارة بالأصل مضطربة، وفيها تقديم وتأخير صوبناها بما يتفق وعبارة م. (٣) سورة فصلت، الآيات: ١ - ١٣ وبالأصل: يعقلون بدل يعلمون. ٢٤٣ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أبداً، وقال: لقد علمتم أنّي من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته - فقص عليهم القصة - فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة، قرأ ﴿بسم الله الرَّحمن الرحيم، حَم، تنزيل من الرَّحمن الرحيم، كتابٌ فُصِّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعقلون﴾، قال يحيى: هكذا قال فيه: ﴿لقوم يعقلون﴾ حتى بلغ ﴿أَنْذَرَتُكُم صاعقةٌ مِثْلَ صاعقةِ عَادٍ وثمود﴾ فأمسكت بفيه وناشدته الرَّحمَ (١) يكف، وقد علمتم أن محمَّداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخِفْتُ أن ينزلَ بكم العذاب. أخبرناه عالياً أبُو المُظَفّر بن القُشَيري، أَنا أَبُو سعد الجَنْزَرودي، أَنَا أَبُو عمرو بن حمدان . ح وأخبرتنا أم المجتبى بنت ناصر، قالت: قُرىء على إبراهيم بن منصور، أَنا أَبُو بكر بن المقرىء. قالا: أنا أَبُو يَعْلَى المَوْصِلي، نا أبُو بكر، نا عَلي بن مُسْهِر، عن الأَجْلَح، عن الذّيّال بن حَرْمَلة الأسدي، عن جابر - زاد [ابن](٢) حمدان: ابن عبد اللّه - قال: اجتمعت قريش للنبي و ﴿ يوماً، فقال: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأتِ هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعابَ ديننا، فليكلّمه ولينظر ما يردّ عليه، قالوا: ما نعلم أحداً غير عُتْبة بن ربيعة، قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عُتْبة فقال: يا محمَّد أأنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله وَلّل، قال: أنت خير أم عَبْد المطلب؟ فسكت رسول الله بَّةٍ، قال: فإنْ كنتَ تزعم أن هؤلاء خير منكم فقد عبدوا الآلهة التي عبدتَ، وإنْ كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إناً والله ما رأينا سَخْلَة (٣) قط أشم على قومك منك، فَرَّقْتَ جماعتنا، وشَثَّتَّ أمرنا، وعبتَ ديننا، فضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلاَّ مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضاً إلى بعض بالسيوف حتى تبغانا، أيها الرجل إنْ كان إنّما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش، وإن كان إنّما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئتَ فنزوجك عشراً، قال له رسول الله وَّل: ((أفرغتَ؟)) قال: نعم، قال: فقال رسول الله وَله: ((﴿بسم الله الرَّحمن الرحيم، حَمّ، تنزيل من الرَّحمن الرحيم﴾ حتى بلغ ﴿فإنْ أعرضوا فَقُلْ أَنْذَرَتْكُم صاعقةٌ مِثْلَ (١) الأصل وم: الرحمن، والمثبت عن المختصر ٥١/١٦. (٢) سقطت من الأصل وأضيفت عن م. (٣) السخلة: ولد الشاة ما كان ج سخل وسخال وسخلان وسِخلة (القاموس المحيط). ٢٤٤ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف صاعقةٍ عَادٍ وثَمود﴾(١)) فأطال عتبة حسبك (٢) ما عندك غير هذا قال: ((لا))، فرجع إلى قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلّمونه به إلاّ كلمته ــ زاد ابن المقرىء: به - قالوا: هل أجابك؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده ما فهمتُ شيئاً مما قال، غير أنه قال ﴿أَنْذَرَتُكُم صاعقةٌ مِثْلَ صاعقةِ عادٍ وثَمودٍ﴾ قالوا: ويلك يكلّمك رجل بالعربية لا تدري ما قال، قال: لا والله، ما فهمتُ شيئاً مما قال غير ذلك: الصاعقة. أَخْبَرَنَا أبُو القاسم إسْمَاعيل بن أحمَد، أَنا أحمَد بن محمَّد بن النّقّور، أَنا أبو القاسم عيسى بن عَلي، أَنا عبد الله بن محمَّد البغوي، أَخْبَرَنَا داود بن عمرو الضّي، أَخْبَرَنَا أَبُو راشد صاحب المغازي، عن محمَّد بن إسحاق(٣)، حَدَّثَني نافع مولى عبد الله بن عمر. أن قريشاً اجتمعت لرسول الله وص له، ورسول الله وَّ جالس في المسجد، فقال لهم عتبة بن ربيعة: دعوني حتى أقوم إليه فأكلمه، فإنّي عسى أن أكون أرفق (٤) به منكم، فقام عُتْبة حتى جلس إليه، فقال: يا ابن أخي إنّك أوسطنا وأفضلنا، فكأنّ وقد أدخلتَ على قومك ما لم يُدْخِلْ رجلٌ على قومه قبلك، فإنْ كنت تطلب بهذا الحديث مالاً فذلك لك على قومك أن تجمع له حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنتَ تريد شرفاً فنحن مُشَرّفوك حتى لا يكون أحدٌ من قومك فوقك، ولا تقطعُ الأمورُ دونك، وإنْ كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر (٥) عن النزوع عنه، بذلنا لك خزائننا حتى يعذر في طلب الطب لذلك منك، وإن كنت تريد ملكاً ملكّناك، قال رسول الله وَله: ((أفرغتَ يا أبا الوليد؟)) قال: نعم، قال: فقرأ عليه وَّهِ ((حَمّ السجدة)) حتى مرّ بالسّجدة(٥) فسجد، وعُتبة ملقٍ يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها، وقام عتبة لا يدري ما يراجعه به إلى نادي قومه، فلما رأوه مقبلاً قالوا: لقد رجع إليكم بوجهٍ ما قام به من عندكم، فجلس إليهم، فقال: يا معشر قريش قد كلّمته بالذي أمرتموني به، حتى إذا فرغتُ كلّمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي بمثله قط، فما دريت ما أقول له، يا معشر قريش أطيعوني [اليوم، واعصوني] (٦) فيما بعده، اتركوا الرجل واعتزلوه، فوالله ما هو بتاركٍ ما هو عليه، وخلّوا بينه وبين سائر العرب، فإنْ يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم، وعزّه عزّكم، وملكه (١) سورة فصلت، الآيات: ١ - ١٣. (٢) الأصل: حبسك، والمثبت عن م، وفيها: حسبك حسبك. (٣) قارن مع سيرة ابن إسحاق ص ١٨٧ رقم ٢٦٨ وسيرة ابن هشام ٣١٣/١. (٤) الأصل: أفرق، والمثبت عن م. (٦) . ما بين معكوفتين سقط من الأصل وأضيف عن م. (٥) الآية ٣٨ من سورة فصلت. ٢٤٥ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ملككم، وإنْ يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم، قالوا: صَبَأْتَ يا أبا الوليد؟ . أَخْبَرَنَا أَبُو العزّ بن كادش - إذناً ومناولة وقرأ علي إسناده - أنا أبُو عَلي محمَّد بن الحسين، أَنا المعافى بن زكريا (١)، نا أَبُو بكر بن الأنباري، نا محمّد بن یحیی المَرْوَزي، نا أحمَد بن أيوب، نا إبراهيم بن سعد، عن محمَّد بن إسحاق(٢)، عن يزيد بن زياد مولى بني هاشم، عن محمَّد بن كعب القُرَظي قال: قال عُثْبة بن ربيعة وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله وَله منفرد ناحية، أريد أن أقوم إلى محمَّدٍ فأعرض عليه أمراً ليكفّ عن أمره هذا، فأيها شاء أعطيناه إذا رجع لنا عن هذا، فقالوا له: شأنك أبا الوليد، وكان عتبة سيداً حكيماً(٣)، فجاء إلى النبي ◌َ ◌ّ فقال له: يا ابن أخي إنّك منا بحيث قد علمت من السِّطة(٤) في النسب، والمكان من العشيرة، وإنّك قد أتيت قومك بما لم يأتِ أحدٌ قومه بمثله، سَفّهتَ أحلامنا، وكفّرت آباءنا، وعبتَ آلهتنا، وفرّقت كلمتنا، فإنْ كان هذا لمالٍ (٥) تبغيه جمعنا لك أموالنا حتى تكون أيسرنا، وإنْ كنتَ تميل إلى الرياسة رأَسناك علينا، ولم نقطع أمراً دونك، وإنْ كان الرئي من الجن يعتادك أعذرنا في الجد والاجتهاد حتى ينصرف عنك، فإن الرئي يحمل صاحبه على ما لا يصل معه إلى تركه، ورسول الله ﴿ ساكتٌ يسمعُ، فلما سكت عُتْبة قال له رسول الله وَلقوله: ((اسمع يا أبا الوليد ما أقول ﴿بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، حَمّ، تنزيل من الرَّحمن الرَّحيم، كتابٌ فُصِّلَتْ آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرضَ أكثرُهُم فهم لا يسمعون﴾(٦) ومضى رسول الله وَّل في القراءة حتى انتهى إلى السجدة فسجد، وعُتْبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره، فلمّا قطع رسول الله وَي﴿ القراءة قال له: ((يا أبا الوليد، قد سمعتَ الذي قرأتُ عليك فأنتَ وذاك))، فانصرف عُتْبة إلى قريش في ناديها، فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم، ثم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: والله لقد سمعتُ من محمَّدٍ كلاماً ما سمعتُ مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر، ولا الكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي، خلّوا مُحَمَّداً واعتزلوه، فوالله ليكوننّ لما سمعتُ من قوله نبأ، فإن أصابته (١) الخبر رواه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ٣٢٨/٣. (٢) قارن مع سيرة ابن إسحاق ص ١٨٧ رقم ٢٦٨ وسيرة ابن هشام ٣١٣/١. (٣) في م والمصادر: حليماً. (٤) السطة : الشرف. (٥) الأصل: ((المال)) والتصويب عن م والجليس الصالح. (٦) سورة فصلت، الآيات: ١ - ٤. ٢٤٦ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإنْ كان ملكاً أو نبياً كنتم أسعدَ الناس به لأن مُلْكَه ملككم، وشَرَفه شرفكم، فقالوا: هيهات، سَحَرَك محمَّد با أبا الوليد، فقال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما شئتم . أَخْبَرَنَا أبو القاسم إسْمَاعيل بن أحمَد، أَنا أحمد بن أحمَد، أَنَا أَبُو طاهر المُخَلّص، أَخْبَرَنَا رضوان بن أحمَد - إجازة - نا أحمَد بن عَبْد الجبار، نا يونس بن بُكَير، عن محمَّد بن إسحاق (١)، حَدَّثَني يزيد بن زياد مولى بني هاشم، عن محمَّد بن كعب قال :. حُدّثت أن عُتْبة بن ربيعة وكان سيداً حليماً قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله وم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش أَلا أقومُ إلى هذا فأكلّمه فأعرض عليه أمراً (٢) لعلّه أن يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء، ويكفّ عنا؟، وذلك حين أسلم حمزة بن عَبْد المطلب، ورأوا أصحاب رسول الله وَله يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى، فَقُمْ يا أبا الوليد فكلّمه، فقام عُتْبة حتى جلس إلى رسول الله بَّ فقال: يا ابن أخي، إنّك منا حيث قد علمت من السّطة في العشيرة والمكان(٣)، وإنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيمٍ فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعبتَ به آلهتهم ودينهم، وكفّرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر (٤) فيها لعلك أن تقبل منا بعضها، فقال رسول الله وَله: ((قُلْ يا أبا الوليد أسمع))، فقال: يا ابن أخي، إنْ كنتَ إنّما تريدُ شرفاً شرّفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإنْ كنتَ تريد ملكاً ملّكناك علينا، وإنْ كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه ولا تستطيع أن تردّه عن(٥) نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك، فإنّه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو لعل هذا الذي يأتي به شعراً جاش به صدرك، فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون (٦) منه على ما لا يقدر عليه أحد، حتى إذا فرغ عنه ورسول الله وَّ يسمع منه، قال رَسُول الله وَّ: ((أفرغتَ يا أبا الوليد؟)) قال: نعم، قال: ((فاسمع منيّ قال(٧) أفعل)) (٨)، (١) سيرة ابن إسحاق ص ١٨٧ رقم ٢٦٨ وسيرة ابن هشام ٣١٣/١. (٢) المصادر: ((أموراً)). وفي م: ((أموراً)) أيضاً. (٣) في م والمصادر: والمكان في النسب. (٤) الأصل: ينظر، والتصويب عن م والمصادر. (٥) الأصل: يستطيع .. يرده، والتصويب عن م والمصادر. (٦) الأصل وم: يقدرون، والمثبت عن سيرة ابن إسحاق. (٧) قسم من الكلمة سقط، والمثبت عن م وسيرة ابن إسحاق . . (٨) في م: فقل. ٢٤٧ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف فقال رسول الله وَله: ((﴿بسم الله الرّحمن الرحيم حم، تنزيل من الرَّحمن الرحيم، كتابٌ فُصّلت آياته قرآناً عربياً﴾ فمضى رسول الله وَّر فقرأها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت له وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه، حتى انتهى رسول الله وَ لَه للسجدة [فسجد](١) فيها، ثم قال: ((قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ، فأنتَ وذاك)) فقام عُتْبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أَبُو الوليد بغير الوجد الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أنّ والله قد سمعتُ قولاً ما سمعتُ بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها في، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونَنّ لقوله الذي سمعتُ نبأ، فإن يصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإنْ يظهر على العرب فملكُهُ ملكُكُم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سَحَرَك والله يا أبا الوليد بلسانه، فقال: هذا رأي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم. قال: ونا يونس، عن ابن إسحاق قال(٢): ثم إنّ الإسلام جعل يفشو بمكة حتى كَثُرت الرجال والنساء، وقُريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من الناس، فقال أبُو طالب يمدح عُتْبَة بن ربيعة حين ردّ على أبي جهل، فقال: ما ينكر أن يكون محمَّد نبياً: عجبت لحكم(٣) یأبى شيبة حادث يقولون شائع من أراد مُحَمَّداً ولا تَرْكَبَنّ الدهر مني ظلامةً ولا تتركنه ما حييت لمطمع تذودُ(٤) العِدَا عن ذروة هاشمية فإنّ له قربى لديك قريبةٌ ولكنه من هاشم(٥) في صميمها وَزَاحِمْ جميع الناس عنه وكن له وأحلام أَقوام لديك سِخَافٍ بسوءٍ وقم في أمره بخلاف وأنت امرؤ من خير عبد مَنَاف وكُنْ رجلا ذا نجدة وعفاف إلّ فُهُمُ في الناس خير إلّف وليس بذي حِلْفٍ ولا بمضاف إلى أبحر فوق البحار صواف ظهيراً على الأعداء غير مجاف (١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وأضيف عن م وسيرة ابن إسحاق. (٢) سيرة ابن إسحاق ص ١٨٩ رقم ٢٦٩ : الخبر والشعر. (٣) سيرة ابن إسحاق: عجبت لحلم. (٤) الأصل وم: بذود، وفي سيرة ابن إسحاق: تدور. (٥) الأصل: هشام، والمثبت عن م وابن إسحاق، وفي سيرة ابن إسحاق: ولأنه بدل ولكنه. ٢٤٨ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بني عمّنا ما قومكم بضعاف فإنْ غضبَتْ فيهِ قُرَيشٌ فَقُل لهم وما بال أحلام هناك خفاف فَمَا بالكم تَغْشَوْنَ منا ظُلامة وما نحن فيما سَاءهم بخواف وما قومنا بالقوم تغشون ظلمنا (١) وعز ببطحاء الحطيم مواف ولكننا أهل الحفاظ (٢) والنُّهَى أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم الحَسَني، أَخْبَرَنَا رَشَأْ بن نظيف، أَنَا الحسَن بن إِسْمَاعيل، أَنَا أحمَد بن مروان، أَنا محمَّد بن أحمد الأزدي، نا معاوية بن عمرو، عن أَبي إسحاق، عن الأوزاعي، قال: قال عُتبة بن ربيعة لأصحابه يوم بدر : ألا ترونهم (٣) - يعني أصحاب النبي وَّ - قد جئوا على الركب يَتَلَمَّظون تَلَمُّظَ الحیَّات. أُخْبَرَنَا أبُو عَلي الحسَن بن المظفر بن السبط، أَنا محمَّد الحسَن بن عَلي. ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو القاسم بن الحُصَين، أَنَا أبُو عَلي الواعظ . قالا: أنا أبُو بكر بن مالك، أَخْبَرَنَا عبد اللّه بن أحمَد، حَدَّثَني أَبي (٤)، أخبرنا حَجّاج، أَخْبَرَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرّب، عن عَلي قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها(٥) وأصابنا بها وَعْك، وكان النبي وَّل يتخبّر عن بدرٍ، فلمّا بَلَغَنا أن المشركين قد أقبلوا سَارَ رسولُ اللهِ وَهَ إلى بدرٍ، وبدرٌ بئر، فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين منهم، رجلاً من قريش ومولّى لعُقبة بن أَبي مُعيط، فأما القرشي فأنفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ قال: هم والله كثير عددهم، شديدٌ بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي وَّر، فقال له: ((كم القوم))؟ قال: هم والله كثير عددهم، شديدٌ بأسهم، فجهد النبي وَّر أن يخبره كم هم فأبى، ثم إن النبي ◌َّر سأله: ((كم ينحرون من الجُزُر؟)) فقال: عشراً في كل يوم، فقال رَسُول اللهِوَّ: ((القوم ألف، كلّ جَزُور لمائة وتَبَعِها)) ثم إنه أصابنا من الليل طش(٦) من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف (٧) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ◌َلا يدعو ربه (١) في م: ظلامة، وفوقها ضبة. (٣) الأصل: ترنهم، والمثبت عن م. (٢) في م وسيرة ابن إسحاق: الحفائظ . (٤) مسند أحمد بن حنبل ٢٤٨/١ رقم ٩٤٨. (٥) اجتويناها أي أصابنا الجوى، وهو المرض، داء الجوف ويقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه. (٦) الطش: المطر الضعيف، وهو فوق الرذاذ (اللسان: طشش). (٧) الحجف: جمع حجفة، وهي الترس. قيل هي من الجلود خاصة وقيل هي من جلود الإبل مقوّرة. ٢٤٩ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ويقول: ((اللّهم إنّك [إن](١) تهلك هذه الفئة لا تُعْبَد))، قال: فلمّا أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد اللّه، فجاء الناس من تحت الشجر والحَجَف، فصلّى بنا رسول الله وَّل، وحرَّض على القتال، ثم قال: ((إنّ جَمْعَ قريش تحت هذه الضُّلَع الحمراء من الجبل)» فلما دنا القوم منا وصافَتّاهم (٢) إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسيرُ في القوم، فقال رسول الله وَله: (يا علي، نادٍ لي حمزة)» وكان أقربهم من المشركين مَنْ صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله وَ له: ((إنْ يكن في القوم أحدٌ يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر))، فجاء حمزة، فقال: هو عُثْبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم إنّي أرى قوماً مستميتين، لا تصلون إليهم وفيكم خير، ياقوم أعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جَبُنَ عُتْبَة بن ربيعة وقد علمتم أنّي لست بأجبنكم، قال: فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا، والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملأت رئتُك جوفك رُعباً، فقال عُتبة: إياي تعني يا مصفّر استه؟ ستعلم اليوم أيّنا الجَبَان، قال: فبرز عُتبة وأخوه شَيبة وابنه الوليد حمية، فقالوا: مَنْ يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار ستة(٣)، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، [ولكن](٤) يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب، فقال رسول الله وَليهِ: ((قُمْ يا علي، وقُمْ يا حمزة، وقُمْ يا عبيدة بن الحارث بن المطلب)) فقتل الله عُتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عُتبة، وجُرح عُبيدة، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيراً(٥)، فقال العباس: يا رسول الله إنّ هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح (٦) من أحسن الناس وجهاً، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: ((اسكتْ، فقد أيّدك الله بمَلَكِ كريم))، فقال علي: فأسرنا من بني عبد المطلب: العباس، وعقيلاً(٧)، ونوفل بن الحارث. أَخْبَرَنَا أَبُو بكر محمَّد بن شجاعٍ، أَنَّا أَبُو منصور بن شكروية وأبو بكر محمَّد بن عَلي السمسار. (١) الزيادة عن م ومسند أحمد. (٢) صافناهم أي واقفناهم وقمنا حذاءهم (اللسان: صفن). (٣) تقرأ بالأصل وم: شيبة، والمثبت عن المسند، وفي المختصر ٥٣/١٦ شببة (أي شبان)، ولعل هذه اللفظة هي الأقرب. (٥) بالأصل وم: أسير، والتصويب عن المسند. (٤) الزيادة عن م والمسند. (٦) الرجل الأجلح: الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه. (٧) بالأصل وم: وعقيل، والتصويب عن المسند. ٢٥٠ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو محمَّد هبة الله بن أحمَد بن طاوس، أَنَا أبُو منصور بن شكرويه. وأَخْبَرَنا أَبُو طاهر محمَّد بن أبي نصر بن أبي القاسم، أَنا محمود بن جعفر بن محمَّد الگوسج. قالوا: أنا إبراهيم بن عبد اللّه بن محمَّد، أَنا أحمَد بن محمّد بن سليم المخزومي، أَنَا أبُو عبد اللّه الزبير بن بكّار الزُّبَيري، حدّثني عمامة بن عمرو السهمي، حَدَّثَني مسرور بن عَبْد الملك اليَرْبُوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المُسَيّب قال: كان ابن(١) البرصاء اللّيثي من جلساء مروان بن الحكم ومحدّثيه، فكان يسمر معه فذكروا عند مروان ألفيء فقالوا: مال الله وقد سنّ رسول الله وَّ﴿ قسمه، ووضعه عمر بن الخطاب مواضعه، فقال مروان: المال، مال أمير المؤمنين معاوية، يقسمه لمن شاء ويمنعه من شاء، ما أمضى فيه من شيءٍ فهو مصيب، فخرج ابن (١) البرصاء فذكر ذلك لسعد بن أبي وقاص، فقال سعيد بن المُسَيّب: فلقيني سعد وأنا أريد المسجد، فضرب عَضُدي ثم قال: الحقني تَرِبَتْ يداك، فخرجت معه لا أدري أين أريد حتى دخلتُ على مروان في داره، فلم أَهَبْ مثل هيبتي له، وجلستُ لئلا يعلم مروان أنّي كنت مع سعد، فقال له سعد لمّا دخل عليه قبل أن يُسَلّم: أنت الذي تزعم أن المالَ مال معاوية؟ فقال مروان: فقلت ذاك، [فمه؟ فردها الثانية، فقلت ذلك](٢) فَمَه؟ فردها الثالثة، قال: فقلت ذاك فَمَه؟ قال: فرفع سعد يديه إلى الله عز وجل يدعو، فزال رداؤه عنه، وكان أسعر(٣) بعيد ما بين المنكبين، فوثب إليه مروان، فأمسك يده(٤) وقال: اكفف عني يدك أيها الشيخ، إِنّا حُملنا على أمر فركبناه وليس الأمر كذلك، قال سعد: أما والله لو لم تنزع ما (٥) زلت أدعو عليك حتى يستجاب لي أو تنفرد هذه السالفة . فلما خرج سعد ثبتّ في مجلسي عند مروان فقال: مَنْ ترون؟ قال لهذا الشيخ ما قلت قال: ابن البرصاء الليثي، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على أن قلت ما [قلت؟ قال الليثي: ذلك حق، قلت: ما](٦) كنت أظنك تجترىء على الله عز وجل، وتفرقُ من سعد، فقال له (١) عن المختصر: ابن البرصاء، وبالأصل وم: ((أبو)) وسترد صواباً فيهما. (٢) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وم، واستدرك للإيضاح عن المختصر ٥٤/١٦. (٣) الأسعر، من السعر وهو لون يضرب إلى السواد فويق الأدمة (اللسان). (٤) في م: يديه. (٥) الأصل: ينزل، والمثبت عن م والمختصر ١٦/ ٥٤. (٦) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وأضيف عن م. ٢٥١ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف مروان: أو كُلّ ما سمعتَ تكلّمتَ به؟ أما والله لتعلمنّ، ثم أمر أن يُجَرّد من ثيابه [فجرد من ثيابه](١) وبرز بين يديه، فبينما نحن على ذلك إذ دخل حاجبه فقال: هذا أبُو خالد حكيم بن حِزَام، قال: ائذن له، ثم قالوا: رُدُّوا عليه ثيابه، أخرجوه عنا [لا](٢) يهيج علينا هذا الشيخ كما فعل بالآخر قبله، فلما دخل حَكيم بن حِزَام قال مروان: مرحباً أبا خالد، ادنُ مني، فحالَ له مروان عن صدر المجلس حتى كان بينه وبين الوسَادة، ثم استقبله مروان فقال: حَدَّثَنَا حديثَ بدر، فقال: نعم، خرجنا حتى إذا نزلنا الجُحفةَ رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها وهي زُهْرة، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بدراً، ثم خرجنا حتى نزلنا العُدْوة التي قال الله عز وجل (٣) فجئت عُتْبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد هل لك أن تَذْهَبَ بشرفِ هذا اليوم ما بقيتَ؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمَّد ◌َّهِ إلَّ دَمَ الحَضْرَمي (٤) وهو حليفك فتحمّلْ بديّته وترجع بالناس، قال: أنت وذاك، وأنا أتحمّل بدية حليفي، فاذهب إلى ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فَقُلْ له: هل لك أن ترجع اليومَ بمن معك عن ابن عمك، فجئته، فإذا هو في جماعة بين يديه ومن ورائه، وابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول: قد فسختُ عقدي من بني عبد شمس وعقدي (٥) إلى بني مخزوم، فقلت له يقول عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليومَ عن ابن عمك بمن معك؟ قال: أما وجد رسولاً غيرك؟ فقلت: لا، ولم أَكُنْ لأكون رسولاً لغيره، قال حكيم: فخرجت أبادر إلى عُتبة لئلا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة متّكىء على إيماء بن رَحَضة الغِفَاري، وقد أهدى إلى المشركين عَشْرَ جزائر، فطلع أبُو جهل بالشّرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ (٦) سَحْرُك؟ فقال له عتبة: ستعلم، [فسلّ أبو جهل سيفه، فضرب به متن فرسه. فقال له: بئس الفأل هذا. فعند ذلك قامت الحرب . رواه غيره](٧) عن الزبير فقال؛ مسور بن عبد الملك. أَخْبَرَنَا أبُو محمَّد بن الأكفاني، أَنا أَبُو بكر أحمد بن علي بن ثابت، نا أبُو الحسَين (١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل وأضيف عن م. (٢) زيادة للإيضاح عن م. (٣) يريد قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منكم﴾ الآية ٤٢. (٤) كذا بالأصل وم، وهو عمرو بن الحضرمي، انظر تاريخ الطبري ٤٤٣/٢ . (٥) عن م وبالأصل: وعقد. (٦) انتفخ سحرك، يقال ذلك للجبان (اللسان). (٧) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك للإيضاح عن م. ٢٥٢ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الفضل، أَنا محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن عتّاب، أَخْبَرَنَا القاسم بن عبد اللّه بن المغيرة، أَخْبَرَنَا إسْمَاعيل بن أَبِّي أُويس، أَخْبَرَنَا سهل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عُقبة قال: وأقبل المشركون حتى نزلوا، وبعثوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم، فسعى حَكِيم بن حِزَام إلى عُتْبة بن ربيعة، فقال: هل لك أن تكون سيدَ قريشٍ ما عشتَ؟ قال عتبة: فأفعل ماذا؟ قال: تجبر بين الناس وتحمّل بدية ابن الحَضْرَمي، وبما أصاب محمَّد من تلك العير، ودم هذا الرجل، قال عتبة: نعم قد فعلتُ، ونِعْمَ ما قلتَ، ونعم ما دعوتَ إليه، فاسمع في عشيرتك، فأنا أتحمّل بهذا، فسعى حَكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه . فركب عُثْبة بن ربيعة جملاً له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحَضْرَمي، وما أصابوا من عيركم تلك، وأنا أتحمّل بوفاء ذلك، ودعوا هذا الرجل، فإنْ كان كاذباً ولي قتله غيركم من العرب، فإنْ فيكم رجالاً(١) فيهم قرابة قريبة، وإنكم إنْ تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه أو أخيه أو ابن أخيه، أو ابن عمه، فيورث(٢) ذلك فيكم إحناً وضغائن، وإنْ كان هذا الرجل ملكاً كنتم في ملك أخيكم وإن كان نبياً لم تقتلوا النبي فَتُسَبُّوا به، ولن تخلصوا أحسبُ إليهم حتى يصيبوا أعدادهم، ولا آمن أن تكون لهم الدَّبَرة عليكم . فحسده أبُو جهل على مقالته، وأبى الله إلاَّ أن ينفذ أمره، وعُتْبة بن ربيعة يومئذ سيد المشركين، فعمد أبُو جهل إلى ابن الحَضْرَمي وهو أخو المقتول، وعُتْبَة بن ربيعة فقال: هذا عُتْبَة يُخَذّل بين الناس، وقد تحمّل بدية أخيك، يزعم أنك قابلها، أفلا تستحيون من ذلك، أن تقبلوا الدية؟ وقال أبو جهل لقريش: إنّ عُتبة قد علم أنكم ظاهرين على هذا الرجل ومن معه، وفيهم ابنه وبنو عمه وهو يكره صلاحكم، وقال أبو جهل: لعتبة وهو يسير فيهم ويناشدهم: انتفخ سَحْرُك، وزعموا أن النبي ◌َّ قال وهو ينظر إلى عُثْبَة: أن يكون(٣) عند أحدٍ من القوم خير (٤) فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإنْ يطيعوه يرشدوا فلمّا حرّض أبُو جهل قريشاً على القتال أمر النساء يُعولن عمراً، فقمن يَصِحْنَ: واعمراه(٥)، تحريضاً على القتال، وقال رجال (١) بالأصل: ((رجلا لكم)) والمثبت عن م. (٢) الأصل: فمورث، والمثبت عن م. (٣) في م: إن يكن، وهو أظهر. (٤) الأصل: خبر، والمثبت عن م. (٥) في م: واعمراه واعمراه. ٢٥٣ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف فتكشفوا، يعيرون بذلك قريشاً، فاجتمعت قريش على القتال، وقال عُتْبَة لأبي جهل: ستعلم اليوم من انتفخ (١) سَحْرُه، وستعلم أيّ الأمرين أرشد، وأخذت قريش مصافّها للقتال، وقالوا العُمَير بن وَهْب: اركبْ فاحزر لنا مُحَمَّداً وأصحابه، فقعد عُمَير على متن فرسه فأطاف برسول الله وَيٍّ وأصحابه ثم رجع إلى المشركين، فقال: حزرتهم ثلاثمائة مقاتل زادوا شيئاً أو نقصوا شيئاً، وحزرت سبعين بعيراً أو نحو ذلك، ولكن انظروني حتى أنظر: هل لهم مدداً أو خبيء؟، فأطاف حولهم، وبعثوا خيلهم معه، فأطافوا حول رسول الله يسلّ وأصحابه ثم رجعوا فقالوا: لا مدد لهم ولا خبيء وإنّما هم أكلة جَزُور طعام مأكول، وقالوا لعُمَير: حرّش بين القوم، فحمل عُمَير على الصف ورجعوا لمنية قريش. آخر الجزء الحادي والعشرين بعد الثلاثمائة من الأصل، وهو آخر جزء ... (٢) أَخْبَوَنَا أبُو بكر محمَّد بن عَبْد الباقي الأنصاري، أَنا أبُو محمَّد الحسَن بن عَلي الجوهري، أَنا أبو عمر محمَّد بن العباس، أَنَا عَبْد الوهاب بن أَبي حيّة، أَنا محمَّد بن شجاع الثلجي، نا محمَّد بن عمر قال(٣): فحَدَّثَني محمَّد بن عبد اللّه، عن الزهري، عن عروة، ومحمّد بن صالح، عن عاصم بن عمر، وابن رومان قالوا : لما سمع حكيم بن حِزَام ما (٤) قال عُمَير بن وَهْب (٥) مشى في الناس، فأتى عُتْبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد أنت كبير قريش وسيّدها والمطاع فيها، فهل لك أن لا تزال منها بخير آخر الدهر، مع ما فعلتَ يوم ◌ُكاظ، وعُتْبة يومئذ رئيس الناس، فقال: وما ذاك يا أبا خالد؟ قال: ترجع بالناس وتحمل (٦) دَمَ حليفك، وما أصاب محمَّد من تلك العير ببطن نَخْلَة إنكم لا تطلبون من محمَّد شيئاً غير هذا الدم والعير، فقال عُتْبة: قد فعلتُ، وأنتَ عليّ بذلك، قال: ثم جلس عُتْبة على جمله فسار إلى المشركين من قريشٍ ويقول: يا قوم، أطيعوني ولا تقاتلوا هذا الرجل وأصحابه، واعصبوا هذا الأمر برأسي، واجعلوا جُبُنها بي فإن منهم رجالاً قرابتهم قريبة، ولا يزال الرجل منكم ينظر إلى قتل أبيه وأخيه، فيورث ذلك بينكم شحناء وأضغاناً، ولن تخلصوا إلى قتلهم حتى يصيبوا منكم عددهم، مع أني لا آمن أن تكون الدُبَرة (٧) عليكم، (١) بالأصل: ((ان انفخ)) والتصويب عن م. (٣) الخبر في مغازي الواقدي ١/ ٦٢ وما بعدها. (٢) كلمة غير واضحة من سوء التصوير بالأصل. (٤) ((ما)) كتبت فوق الكلام بالأصل، بين السطرين. (٥) راجع ما قاله عمير بن وهب، آخر الخبر السابق، وانظر مغازي الواقدي ١/ ٦١ - ٦٢ . (٦) الأصل: ويحمل، وبدون إعجام في م، والتصويب عن مغازي الواقدي. (٧) الأصل وم، وفي مغازي الواقدي: الدائرة. ٢٥٤ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وأنتم لا تطلبون إلاَّ دم هذا الرجل والعير التي أصاب، وأنا أحتمل ذلك وهو علي، يا قوم، إن يك محمَّد كاذباً (١) تكفيكموه ذُؤبان العرب، وإنْ يك ملكاً أكلتم في [ملك](٢) ابن أخيكم، وإنْ يكن نبياً كنتم أسعد الناس به، يا قوم لا تردُّوا نصيحتي، ولا تسفّهوا رأيي. قال: فحسده أبُو جهل حين سمع خطبته وقال: إن يرجع الناس عن خطبة عُتبة يكن سيد الجماعة، وعُتبة أنطق الناس، وأطوله(٣) لساناً، وأجمله جمالاً، ثم قال عُثْبة: أنشدكم الله في هذه الوجوه التي [كأنها المصابيح، أن تجعلوها أنداداً لهذه الوجوه التي](٤) كأنها وجوه الحيات. فلما فرغ عتبة من كلامه قالوا: قال أبو جهل: إن عتبة يشير عليكم بهذا لأن ابنه مع محمَّد، ومحمّد ابن عمه، وهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه امتلأ والله سحرك يا عتبة، وجبنت حين التقت حلقتا البطان الآن تُخذل بيننا وتأمرنا بالرجوع؟ لا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمَّد، قال: فغضب عُتبة فقال: يا مصفّر استه، ستعلم أيّنا أجبن وألأم وستعلم قريش من الجبان المفسد لقومه : هذا جناني وأمرت أَمْري وبَشّرا(٥) بالتُّكْلِ أمّ عمرو ثم ذهب أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي أخي المقتول بنخلة فقال: هذا حليفك - يعني عُتبة - يريد أن يرجع بالناس، قد رأيت ثأرك بعينك، ويُخَذل بين الناس، قد تحمّل دمَ أخيك وزعم أنك قابل الدية، ألا تستحي تقبل الدية، وقد قدرتَ على قاتل أخيك؟، قُمْ فانشد خُفْرَتك (٦) ، فقام عامر بن الحَضْرَمي فاكتشف، ثم حثا على استه (٧) التراب، ثم صرخ وأعمراه يخزي بذاك عُتْبة لأنه حليفه من بين قريش، فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة، وحلف عامر لا يرجع حتى يقتل من أصحاب محمَّد، وقال لعُمَير بن وَهْب: حرّش بين الناس، فحمل عُمَير فناوش المسلمين لأن ينقض الصف، فثبت المسلمون على صفّهم ولم يزولوا، وتقدّم ابن الحَضْرَمي فشدّ على القوم، فنشبت الحرب. (١) الأصل: كاذب، والتصويب عن م ومغازي الواقدي. (٢) الزيادة عن م ومغازي الواقدي. (٣) كذا بالأصل وم، وفي مغازي الواقدي: وأطولهم، وهو أصح. (٤) ما بين معكوفتين إضافة عن مٍ ومغازي الواقدي. (٥) في مغازي الواقدي: هذا جبان ... فبشري. (٦) الخفرة: الذمة، وانشد خفرتك أي اذكرها. (٧) كذا بالأصل، وفي م ومغازي الواقدي: رأسه. ٢٥٥ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف فحَدَّثَني (١) عائذ بن يحيى، عن أَبي الحويرث، عن نافع بن (٢) جبير، عن حكيم بن حِزَام قال: لما أفسد الرأي أبُو جهل على الناس وحرّش بينهم عامر بن الحَضْرَمي فأقحم فرسه، فكان أول من خرج إليه مهجع مولى عمر، فقتله عامر . وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سُرَاقة، فقتله حِبّان بن العرقة، ويقال عُمَير بن الحُمام قتله خالد بن الأَعلم العُقَيلي. قال الواقدي: ما سمعت أحداً من المكيين يقول إلاَّ حِبّان بن العرقة. قالوا: وقال عمر بن الخطاب في مجلس ولايته: يا عُمَير بن وَهْب، أنت حازرنا للمشركين يوم بدر، تصعد في الوادي وتصوّب، كأني أنظر إلى فرس تحتك حوا تخبر المشركين أنه لا كمين لنا ولا مدد؟ قال: أي والله يا أمير المؤمنين، وأخرى أنا والله الذي حَرّشت بين الناس يومئذ، ولكن الله (٣) حبانا (٤) بالإسلام، وهدانا له، فما كان فينا من الشرك أعظم من ذلك، قال عمر: صَدَقْتَ. قالوا: كَلّم عُتبة حكيم بن حِزَام فقال: ليس عند أحد خِلَافٌ إلَّا عند ابن الحنظلية، اذهب إليه فَقُلْ له إنّ عتبة يحمل دم حليفه ويضمن العير. قال حكيم(٥): فدخلتُ على أَبي جهل وهو يتخلق بخَلوقٍ، درعه موضوعة بين يديه، فقلت: إنّ عتبة (٦) بعثني إليك، فأقبل عليّ مغضباً فقال: أما وجد عُتْبة أحداً يرسله غيرك؟ فقلتُ: أما والله لو كان غيره أرسلني ما مشيتُ في ذلك، ولكن مشيتُ في إصلاح بين الناس، وكان أبو الوليد سيّد العشيرة، فغضب غَضبة أخرى، قال: وتقول أيضاً سيد العشيرة، فقلت: أنا أقوله؟ قريش كلها تقوله، فأمر عامراً أن يصيح بخُفرته، واكتشف، وقال: إنّ عتبة جاع فاسقوه سويقاً، وجعل المشركون يقولون: إنّ عتبة جاع فاسقوه سويقاً، وجعل أبو جهل يُسَرّ بما صنع المشركون بعُتْبة . قال حكيم: فجئت إلى مُنَّه بن الحَجّاج فقلت له مثل ما قلت لأبي جهل، فوجدته خيراً من أَبي جهل، قال: نِعْمَ، ما مشيت (٧) فيه، وما دعا إليه عُتبة، فرجعت إلى عُتبة فأجده قد غضب من كلام قريش، فنزل عن جمله، وقد طاف عليهم في عسكرهم يأمرهم بالكفّ عن (١) انظر الخبر في مغازي الواقدي ١/ ٦٥ . (٣) ((ولكن الله)) مكرر بالأصل. (٥) ((قال حكيم)) مطموس بالأصل، والمثبت عن م ومغازي الواقدي. (٦) غير واضحة بالأصل، والمثبت عن م ومغازي الواقدي ٦٦/١ . (٧) بالأصل وم: ((مسست)) والمثبت عن مغازي الواقدي. (٢) عن م ومغازي الواقدي وبالأصل: عن. (٤) في مغازي الواقدي: جاء. ٢٥٦ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القتال، فيأبون، فحمي فنزل فلبس درعه وطلبوا له بيضة، فقدر عليه، فلم يوجد في الجيش بيضة تسع رأسه من عظم هامته، فلمّا رأى ذلك اعتجر ثم برز بين أخيه شيبة وبين ابنه الوليد بن عُتبة، فبينا أبُو جهل في الصفّ على فرس أثنى، فلما حاذى بعتبة سلّ عتبة سيفه، فقيل: هو والله يقتله، فضرب بالسيف عرقوبي فرس أبي جهل فاكتسعت(١) الفرس، فقلت: ما رأيت كاليوم، قالوا: قال عُتبة: انزل، فإن هذا اليوم ليس بيوم ركوب، ليس كل قومك راكباً، فنزل أبو جهل وعتبة يقول: ستعلم أينا أشأم عشيرته الغداة، فدعا عُتبة إلى المبارزة، ورسول الله وَّر في العريش وأصحابه على صفوفهم، فاضطجع فغشيه نوم علبه، وقال: لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم فارموهم ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم . قال أبو بكر: يا رسول الله قد دنا القوم، وقد نالوا منا، فاستيقظ رسول الله وَله وقد أراه الله في منامه قليلاً وقلّل بعضهم في أعین بعض، ففزع رسول الله ګ وهو رافع یده یناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: ((اللّهم إنْ تُظهر عليّ هذه العصابة [يظهر الشرك](٢) ولا يقم لك دين)) وأبُو بكر يقول: والله لينصرنك الله، وليبيضنّ وجهك. وقال ابن رواحة: يا رسول الله إنّي أشير عليك، ورسول الله وَلهو أعظم وأعلم بالأمر أن يشار عليه، إن الله أجل وأعظم من أن ينشد وعده، فقال رسول الله وَل ير: ((يا ابن رواحة ألا أنشد الله وعده؟ إنّ الله لا يخلف الميعاد)). وأقبل عتبة يعمد إلى القتال، فقال له حكيم بن حِزَام: أبا الوليد، مهلاً، مهلاً، تنهى عن شيء وتكون أوله، وقال خفاف بن إيماء: فرأيت أصحاب النبي وَل﴿ يوم بدرٍ وقد تصافّ الناس وتزاحفوا، فرأيت أصحاب النبي وَلّ لا يسلّون السيوف وقد انتضوا القسي، وقد تترس بعضهم عن بعض بصفوفٍ متقاربة لا فُرج بينها والآخرون قد سلّوا السيوف حين طلعوا، فعجبت من ذلك، فسألت عن ذلك رجلاً من المهاجرين فقال: أمرنا رسول الله وَليل أن لا نسلّ السیوف حتی یغشونا . قالوا: فلما تزاحف الناس قال الأسود بن عبد الأسد المخزومي حين دنا من الحوض: أعاهد الله لأشرين من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فشدّ الأسود بن عبد الأسد حتى دنا من الحوض، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه وأطنّ قدمه، فزحف الأسود : (١) اكتسعت الفرس: سقطت من ناحية مؤخرها ورمت بما عليها. (٢) ما بين معكوفتين زيادة عن م ومغازي الواقدي. ٢٥٧ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف حتى وقع في الحوض فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وأتبعه حمزة فضربه في الحوض فقتله، والمشركون ينظرون على صفوفهم وهم يرون أنهم ظاهرون، فدنا الناس بعضهم من بعض، فخرج عُتبة وشَيبة والوليد حتى فصلوا من الصفّ، ثم دعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فتيان ثلاثة من الأنصار وهم بنو عَفْرَاء(١): مُعَاذ(٢) ومُعَوّذ، وعوف؛ بنو الحارث، ويقال: . ثالثهم عبد الله بن رواحة، والثبت عندنا أنهم بنو عفراء(١)، فاستحيا رسول الله وَ لاه من ذلك، وكره أن يكون أوّل قتال لقي المسلمون فيه المشركين في الأنصار، فأحبّ أن تكون(٣) الشوكة يبني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافّهم وقال لهم خيراً. ثم نادى منادي المشركين: يا محمَّد، أخرج لنا الأكفاء من قومنا، فقال لهم رسول الله بَّر: ((يا بني هاشم، قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم، إذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله))، فقام حمزة بن عَبْد المطلب، وعلي (٤) ابن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مَنَاف، فمشوا إليهم، فقال عتبة: تكلموا (٥) نعرفكم - وكان عليهم البيض، فأنكروهم - فإن كنتم أكفاء قاتلناكم، فقال حمزة بن عَبْد المطلب: أنا حمزة بن عَبْد المطلب أسد الله، وأسد رسوله، فقال عُتبة: كفؤاً كريم، ثم قال عُتبة: وأنا أسد الحَلْفَاء، من هذان معك؟ قال: علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، قال: كفؤان كريمان. قال ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لم أسمع لعتبة كلمة قط أوهن من قوله: أنا أسد الحَلْفَاء - يعني حلفاء الأجمة - ثم قال عُتبة لأبنه: قُمْ يا وليد، فقام الوليد وقام إليه عليّ، وكان أصغر النفر، فاختلفا ضربتين، فقتله علي عليه السلام ثم قام عتبة وقام إليه حمزة، فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثم قام شيبة وقام إليه عبيدة بن الحارث - وهو يومئذ أسن أصحاب رسول الله وَ﴾ - فضرب شَيبة رجل عُبيدة بذباب السيف، فأصاب عضلة ساقه فقطعها، وكرّ حمزة وعلي على شَيبة فقتلاه، واحتملا(٦) عُبيدة فحازاه إلى الصفّ ومخ ساقه يسيل، فقال عُبيدة: يا رسول الله ألستُ شهيداً؟ قال: ((بلى))، قال: أما والله لو كان أبو طالب حياً لعلم أنا أحق بما قال منه حین یقول : (١) ما بين الرقمين سقط من م. (٢) بالأصل: ومعاذ، حذفنا الواو بما وافق عبارة مغازي الواقدي. (٣) الأصل وم: يكون. (٤) الأصل: وكان، والتصويب عن م ومغازي الواقدي. (٥) الأصل: كلموا، والمثبت عن م والواقدي. (٦) الأصل: واحتملاه، والتصويب عن م ومغازي الواقدي. ٢٥٨ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف كَذِئْتُم وبيتِ الله نُخْلي مُحَمَّداً ولمّا نطاعن دونه ونُنَاضِلِ (١) ونسلمه حتى نُصَرّع حوله ونذهلَ عن أبنائنا والحلائلِ ونزلت هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ (٢). حمزة أسن من النبي وَ ل﴿ بأربع سنين، والعباس أسنّ من النبي ◌َّ بثلاث سنين. قالوا: وكان عتبة بن ربيعة حين دعا إلى البراز قام إليه أبُو حُذَيفة يبارزه، فقال له رسول الله وَّ: ((اجلس))، فلمّا قام إليه النفر على (٣) أَبُو حذيفة بن عتبة على أَبيه يضربه. أَخْبَرَنَا أبُو طاهر محمَّد بن الحسَين، وحَدَّثَنَا أَبُو البركات بن أبي طاهر الفقيه عنه، أَنَا أَبُو بكر علي الأهوازي، أَنَا تمّام بن محمَّد، أَنَا أحمَد بن سليمان بن أيوب بن حَذْلَم (٤) ، نا العمري - يعني عبيد الله بن محمَّد - نا محمَّد بن عَبْد الرَّحمن، حَدَّثَني هارون بن صالح، نا عَبْد الرَّحمن بن يزيد (٥) ، عن أبيه قال: حضر عتبة بن ربيعة بدراً وهو ابن أربعين ومائة سنة . أَخْبَرَنَا (٦) أَبُو تراب حيدرة بن أحمَد، نا عَبْد العزيز الكتاني، أَنَا أَبُو محمَّد بن أَبي نصر، أَنا الحسَن بن حبيب، نا أبُو أمية (٦) الطَّرَسُوسي، نا عمر بن محمَّد، نا هشام (٧) ، نا الكلبي قال : شهد عُتْبة بن ربيعة بدراً وهو ابن ثنتين وخمسين ومائة سنة، فبارز يومئذ، فطلبوا له مِغْفَراً فلم يجدوا له مِغفراً يدخل برأسه، فلما رأى ذلك اعتجر بعمامته . أَخْبَرَنَا أَبُو بكر محمَّد بن عَبْد الباقي، أَنا الحسَن بن عَلي، أَنَا أَبُو عمر بن حيّوية، أَنَا عَبْد الوهّاب بن أَبي حية، أَنا مُحَمَّد بن شجاعٍ، أَنا مُحَمَّد بن عمر، نَا ابن أبي الزناد عن أَبيه قال: شَيْبة أكبر من عُثْبة بثلاث سنين(٨). أَخْبَرَنَا أَبُو المُظَفّرِ عَبْد المنعم بن الأستاذ أبي القاسم القُشَيري، وأبُو القاسم تميم بن أبي سعيد بن أبي العباس قالا: أنا أبُو عثمان البحيري، أَنَا أبُو الحسَن محمَّد بن عثمان بن محمَّد النّفري البيّع - بمدينة السلام - نا الحسين بن إسْمَاعيل، نا محمود بن خِدَاش، نا : (١) أي نرامي بالسهام (شرح أبي ذر ص ٨٨). (٢) سورة الحج، الآية: ١٩. (٤) في م: حزام، تصحيف. (٦) ما بين الرقمين سقط من م. (٨) مغازي الواقدي ١/ ٧٠. (٣) في مغازي الواقدي: أعان. (٥) في م: زید. (٧) في م: هشيم. ٢٥٩ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هُشَيم بن بَشير، أَنَا أبُو هاشم، عن أَبي مَخْلَد، عن قيس بن عبّاد، قال: سمعت أبا ذر يقسم قسماً إن ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا في ربهم﴾(١) أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعُبيدة بن الحارث، وعُتْبة، وشَيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة . أَخْبَوَنَا أَبُو الأعزّ قراتكين بن الأسعد، أَنا أَبُو [مُحمد](٢) الحسن بن علي بن عَبْد العزيز بن نودك(٣)، أَنَا عَبْد الرَّحمن بن أبي حاتم، حَدَّثَنِي أَبِي، نا أَبُو طاهر أحمَد بن عمرو بن السرح، نا الشافعي، حَدَّثَني محمَّد بن عَلي - يعني عمه - قال: سمعت محمَّد بن عَلي بن حسين بن ربيعة (٤) يقول: لما كان يوم بدر فدعا عُثْبَة إلى البراز، قام علي بن أَبي طالب إلى الوليد بن عتبة، وكانا مشتبهين حدثين، وقال بيده فجعل باطنها إلى الأرض فقتله، ثم قام شبيبة بن ربيعة فقام إليه حمزة، وكانا وأشار بيده فوق ذلك فقتله ثم قام عتبة بن ربيعة وقام إليه عُبيدة بن الحارث، وكانا مثل هاتين الاسطوانتين، فاختلفا ضربتين، فضربه عُبيدة ضربةً أرخت عاتقه الأيسر وأسف عُتبة لرحلي عُبيدة فضربهما بالسيف، فقطع ساقه، ورجع حمزة وعلي على عُتبة، فأجهزوا عليه، وحملا عُبيدة إلى النبي ◌َّ في العريش، فأدخلاه عليه، فأضجعه رسول الله وَله ووسّده رحل رسول الله و ◌ّل وجعل يمسح الغبار عن وجهه، فقال عُبيدة: أما والله يا رسول الله لو رآك أَبُو طالب لعلم أنّي أحق بقوله منه حين يقول : ونُسْلمه حتى نُصَرّع حوله ونُذْهل عن أبنائنا والحلائل ألستُ شهيداً؟ قال: ((بلى، وأنا الشاهد عليكم))، ثم مات، فدفنه رسول الله وَيه بالصّفْراء، ونزل في قبره، وما نزل في قبرِ أحدٍ غيره(٧٦٥٢] . أَخْبَرَنَا أبُو محمَّد بن طاوس، نا سليمان بن إبراهيم بن محمَّد الحافظ، أَنَا أَبُو عبد اللّه محمَّد بن إبراهيم بن جعفر اليَزَدي - إملاء - أنا محمَّد بن الحسين بن الحسن، نا سهل بن عمار العَتكي، نا أليسع بن سعدان، نا محمّد بن طلحة، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال : وقف رسول الله وَّل يوم بدر على القليب قال: أين أبُو جهل بن هشام وأين عُتبة بن (١) سورة الحج، الآية: ١٩. (٢) زيادة عن م. (٣) الحرف الأول بدون إعجام بالأصل وفوقه ضبة، والمثبت عن م. (٤) (بن ربيعة)) شطبت في م بخطين أفقيين. ٢٦٠ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ربيعة، وأين الوليد بن عُتبة، وأين فلان بن فلان بئست عشيرة النبي كنتم وبئس بنو عمّ النبي كنتم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، قال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هل يسمعون كلامك السّاعة؟ قد جَيّفوا؟ (١) قال: ((والذي بعثني بالحقّ إنهم يسمعون كما تسمع ولكن لا يقدرون أن یجیبوا». أَخْبَوَنَا أَبُو القاسم الحسين بن عَلي الحسين الزهري البُوشَنجي(٢)، وأَبُو الفتح المختار بن عبد الحميد بن المنتصر الأديب (٣)، وأَبُو المحاسن أسعد بن علي الموفق بن زياد، قالوا: أنا أَبُو الحسَن عَبْد الرَّحمن بن محمَّد بن المُظَفَّرِ الدَّاودي، أَنَا أَبُو محمَّد عبد الله بن أحمد بن حَمّوية الحموي (٤)، أَنَا أَبُو إسحاق إبراهيم بن خُزَيم الشّاشي، أَنَا عبد بن حميد الكشّي، حذّني علي بن عاصم، عن حُمَید، عن أنس قال : . لما هُزم المشركون جاء رسول اللهَ وَ ل﴿ فقام ثم أمر بأبي جهل بن هشام فَسُحِبَ، فَأُلقي في القَليب، ثم أمر بعتبة بن ربيعة فسُحب فألقي في القَليب، ثم أمر بأمية بن خلف فسُحب فأُلقي في القَليب، وأَبُو حُذيفة بن عُتْبة قائم إلى جنب رسول الله وََّ لم يفطن له النبي ◌َّ، فلما نظر إلى أَبيه سُحب حتى ألقي في القَليب تَغَيّر وجهه، فالتفت إليه النبيِ وَّرَ، فلما رآه قد تغيّر وجهه قال: ((يا أبا حُذَيفة كأنه ساءك ما صنعنا بعُتْبة))؟ قال: يا رسول الله ما بي أَلّ أكون مؤمناً بالله ورسوله، ولكن لم يكن في القوم أحدٌ يشبه عُتْبة في عقله وفي شرفه، فكنت أرجو أن يهديه الله عز وجل إلى الإسلام، فلما رأيت مصرعه ساءني ذلك، فقال له النبي وَلَو خيراً، فلما كان في جوف الليل خرج النبي ◌َّر، فسمعه أناس وهو ينادي في جوف الليل: ((يا أبا الجهل بن هشام، ويا عُْبة بن ربيعة، ويا شَيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خَلَف أوجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإنّي وجدتُ ما وَعَدَني ربّ حقاً)، قال: فناداه العباس: يا رسول الله أتنادي قوماً قد جُيّفوا، قال: ((والله ما أنتم بأسمع مما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا)) [٧٦٥٣] قرأت بخط أَبي الحسن الدار قطني، وأَنْبَأنا أَبُو نصر(٥) محمود بن الفضل بن محمود الأصبهاني وجماعة، قالوا: أنا أَبُو الحسين بن الطَّيُّوري، أَنَا عَبْد العزيز بن عَلي الأَزَجي، أَنَا (١) أي صاروا جيفاً (اللسان) .. (٢) الأصل وم: البوسنجي، بالسين المهملة. قارن مع المشيخة ٥٢/ ب. (٣) المشيخة ٢٣٩/ ب. (٤) كذا بالأصل، وفي م: ((الحميدي)) وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٩٢. (٥) في م: أبو محمد نصر محمود.