Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
بلادي في طلب الخير فرزقني الله صحبتك فأحسنتَ صحبتي وعلّمتني مما علمك الله
وقد نزل بك الموت فلا أدري أين أذهب، قال: بلى، أخ لي بمكان كذا وكذا فائته فاقرئه
مني السلام وأخبره أني أوصيت بك إليه واصحبه فإنه على الحق، فلما هلك الرجل
خرجت حتى أتيت الذي وصف لي قلت: إن فلاناً أخاك يقرئك السلام، قال: وعليه
السلام ما فعل؟ قلت: هلك، وقصصت عليه قصتي ثم أخبرته أنه أمرني بصحبته فقبلني
وأحسن صحبتي، وأجرى عليّ مثل ما كان يجري علي عند الآخر، فلما نزل به(١)
جلست عند رأسه أبكيه. فقال: ما يبكيك؟ فقلت: أقبلت من بلادي يرزقني الله صحبة
فلان فأحسن صحبتي وعلّمني مما علمه الله فلما نزل به الموت أوصى بي إليك فأحسنتَ
صحبتي، وعلمتني مما علمك الله، وقد نزل بك الموت فلا أدري أين أتوجه، قال:
بلى، أخ لي على درب الروم، انته فاقرءه مني السلام وأخبره أني أمرتك بصحبته فاصحبه
فإنه على الحق.
فلما هلك الرجل خرجت حتى أتيت الذي وصف لي فقلت: إن فلاناً أخاك يقرئك
السلام، قال: وعليه السلام(٢) ما فعل؟ قلت: هلك، وقصصت عليه قصتي، وأخبرته
أنه أمرني بصحبتك [فقبلني](٣) وأحسن صحبتي وعلّمني مما علمه الله، فلما نزل به
الموت جلست عند رأسه أبكي قال: ما يبكيك؟ فقصصت عليه قصتي، ثم قلت: رزقني
الله صحبتك وقد نزل بك الموت فلا أدري أين أذهب قال: لا أين، إنه لم يبق على دين
عيسى عليه السلام أحد من الناس أعرفه، لكن هذا أوان - أو إبان - مخرج نبي يخرج - أو
قد خرج - بأرض تهامة فالزم قبتي وسل من مرّ بك من التجار، وكان ممر [تجار](٣) أهل
الحجاز عليه إذا دخلوا الروم - وسل من قدم عليك من أهل الحجاز هل خرج فيكم أحد
تنبأ فإذا أخبروك أنه قد خرج فيهم رجل فائته فإنه الذي بشر به عيسى عليه السلام، وآيته
إن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، قال: فقُبض الرجل،
ولزمت مكاني لا يمر بي أحد إلّ سألته من أي بلاد أنتم؟ حتى مرّ بي ناس من أهل مكة
فسألتهم من أي بلاد أنتم؟ قالوا: من الحجاز، قلت: هل خرج فيكم أحد يزعم أنه نبي؟
قالوا: نعم، قلت: هل لكم أن أكون عبداً لبعضكم على أن يحملني عقبه ويطعمني كسرة
(١) يعني الموت، كما في الحلية.
(٢) بالأصل: ((مهما)) والمثبت عن الحلية.
(٣) الزيادة عن الحلية.

٣٨٢
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
حتى يقدم بي مكة، فإذا قدم بي مكة فإن شاء باع وإن شاء أمسك، قال رجل من القوم:
أنا، فصرت عبداً له فجعل يحملني عقبه (١) ويطعمني كسرة حتى قدمت مكة.
فلما قدمت مكة جعلني في بستان له مع حبشان، فخرجت خرجة فطفتُ بمكة فإذا
امرأة من أهل بلادي، فسألتها فكلمتها فإذا مواليها وأهل بيتها قد أسلموا كلهم، فسألتها
عن النبي ◌َّل فقالت: يجلس في الحجر - إذا صاح عصفور مكة - مع أصحابه حتى إذا
أضاء له الفجر تفرقوا قال: فرجعت فجعلت اختلف ليلتي كراهية أن يفتقدني أصحابي
قالوا: ما لك؟ قلت: أشتكي بطني، فلما كانت الساعة التي أخبرتني أنه يجلس فيها أتيت
النبي ◌َّقر فإذا هو محتبٍ في الحجر وأصحابه بين يديه، فجئته من خلفه فعرف الذي أريد
فأرسل حبوته فسقطت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه فقلت في نفسي : الله أكبر هذه
واحدة . .
فلما كان في الليلة المقبلة صنعت مثل ما صنعت في الليلة التي قبلها لا ينكرني
أصحابي فجمعت شيئاً من تمر، فلما كانت الساعة التي جلس (٢) فيها النبي تلقي أتيته :-
فوضعت التمر بين يديه فقال: ((ما هذا؟)) قلت: صدقة، قال لأصحابه: ((كلوا)) ولم يمد
يده، قال: فقلت في نفسي: الله أكبر هذه ثنتان، فلما كان في الليلة الثالثة جمعت شيئاً
من تمر ثم جئت في الساعة التي يجلس فيها فوضعته بين يديه قال: ((ما هذا؟)) قلت:
هدية، فأكل وأكل القوم، قال: قلت: أشهد أن لا إله إلّ الله وأنك رسول الله، فسألني
رسول الله وَله عن قصتي فأخبرته فقال لي رسول الله ولايته:
((انطلق فاشتر نفسك)) فأتيت صاحبي فقلت: بعني نفسي، قال: نعم، أَبيعك
نفسك بأن تغرس لي مائة نخلة إذا نبتت وتبين نباتها أو ثبتت وتبين ثباتها جئني بوزن نواة
[من ذهب](٣) فأتيت النبي ◌َّر فأخبرته قال: فأعطه الذي سألك، وجئني بدلو من ماء
البئر التي يسقي - أو تسقى به - ذلك النخل، قال: فانطلقت إلى الرجل فابتعت منه نفسي
فشرطت له الذي سألني، وجئت بدلوٍ من البئر التي يسقى به ذلك النخل فأتيت النبي وَله
فدعا لي رسول الله * فيه فانطلقت فغرست به ذلك النخل، فوالله ما غدرت منه نخلة
(١) كذا بالأصل وحلية الأولياء، وكتب مصححها بالحاشية: وقصة إسلام سلمان في المدينة بلا شك.
(٢) كذا، وفي الحلية: يجلس.
(٣) ما بين معكوفتين زيادة عن الحلية.

٣٨٣
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
واحدة فلما تبين نبات النخل - أو ثبات النخل (١) - فدعا رسول الله ولو بوزن نواة من
ذهب فأعطانيها فذهبت بها إلى الرجل(٢) في كفة الميزان ووضع له نواة في الجانب
الآخر، فوالله ما قلت من الأرض فأتيت بها النبي وَ ل﴿ فقال: ((لو كنت شرطت له وزن كذا
وكذا لرجحت تلك القطعة عليه)) قال: فانطلقت إلى النبي ◌ّ﴾ فكنت معه .
أَنْبَأنا أَبُو علي الحداد ثم حَدَّثَنِي أَبُو مسعود الأصبهاني عنه ، أَنَا أَبُو نُعَيم الحافظ،
نا عبد اللّه بن مُحَمَّد بن جعفر، نا القاسم بن فورك، أَنا عبيد الله بن يعقوب، نا جدي
إسحاق بن إبراهيم بن حُمَيد قالا: نا عبد اللّه بن أبي زياد القطواني، نا سيار بن حاتم
العَنَزَي، نا موسى بن سعيد الراسبي، نا أَبُو مُعَاذ، عن أَبِي سَلَمة بن عبد الرَّحمن عن
سلمان الفارسي قال:
إني كنت فيمن ولد برامهُرْمُز وبها نشأت، وأما أَبي فمن أهل أصبهان، وكانت أمي
لها من غناء وعيش، فأسلمتني أمي إلى الكتّاب، فكنت أنطلق مع غلمان من قريتنا إلى
أن دنا مني فراغ من كتّاب الفارسية، ولم يكن في الغلمان أكبر مني ولا أطول، وكان ثمّ
جبل فيه کهف في طريقنا، فمررت ذات يوم وحدي، فإذا أنا فيه برجل طویل علیه ثياب
شعر، ونعلان من شعر، فأشار إليّ فدنوت منه، فقال: يا غلام تعرف عيسى بن مريم؟
فقلت: لا، ولا سمعت به، قال: أتدري من عيسى بن مريم؟ هو رسول الله، آمِنْ
بعیسی، إنه رسول الله، وبرسول يأتي من بعده اسمه أَحْمَد أخرجه الله من غم الدنيا إلى
روح الآخرة ونعيمها، قلت: ما نعيم الآخرة؟ قال: نعيمها لا يفنى. فلما قال إنها لا
تفنى، فرأيت الحلاوة والنور يخرج من شفتيه، فعلقه فؤادي، ففارقت أصحابي وقلت:
لا أذهب ولا أجيء إلّ وحدي، وكانت أمي ترسلني إلى الكتّاب فأنقطع دونه، وكان أول
ما علمني شهادة أن لا إله إلّ الله وحده لا شريك له، وأن عيسى بن مريم رسول الله
ومُحَمَّد بعده رسول الله، والإيمان بالبعث بعد الموت فأعطيته ذلك، وعلّمني القيام في
الصلاة وكان يقول: إذا قمت في الصلاة فاستقبلت القبلة فإن احتوشتك(٣) النار فلا
تلتفت، وإن دعتك أمك وأَبُوك في صلاة الفريضة فلا تلتفت إلّا أن يدعوك رسول من
(١) في الحلية: فلما تبين ثبات النخل أو نباته.
(٢) كذا بالأصل، ولعله سقطت لفظة ((فوضعها)) أو ((فوضعتها)).
(٣) احتوشتك النار، يقال احتوش القوم على فلان: جعلون وسطهم (اللسان: حوش).

٣٨٤
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
رسل (١) الله، وإن دعاك وأنت في فريضة فاقطعها، فإنه لا يدعوك إلّ بوحي من الله،
وأمرني بطول القنوت، وزعم أن عيسى عليه السلام قال: طول القنوت الأمان على
الصراط وأمرني بطول السجود، وزعم أن طول السجود الأمان من عذاب القبر، وقال:
لا تكونن مازحاً ولا جاداً حتى تسلم عليك ملائكة الله أجمعين وقال: لا تعصينّ في طمع
ولا عنت، حتى لا تحجب عن الجنة طرفة عين. ثم قال: إذا أدركت مُحَمَّداً الذي يخرج
من جبال تهامة فآمن به واقرأ عليه السلام مني، وذكر إسلامه بطوله.
أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم إسماعيل بن أَحْمَد، أَنا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُّور، أَنَا أَبُو
طاهر المُخَلّص، نارضوان بن أَحْمَد.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عبد اللّه الفُرَاوي، أَنَا أَبُو بكر البيهقي، أَنَا أَبُو عبد اللّه الحافظ،
وأَحْمَد بن الحَسَن القاضي.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن بن قُبَيس، نا وأَبُو منصور بن زُريق، أَنَا أَبُو بكر
الخطيب (٢)، أَنَا القاضي أَبُو بكر أَحْمَد بن الحَسَن بن أَحْمَد الحرشي، قالا: نا أَبُو
العباس مُحَمَّد بن يعقوب، قالا: أنا أَبُو عمر أَحْمَد بن عبد الجبار العُطاردي، نا
يونس بن بُكَير، عن مُحَمَّد بن إسحاق، ح قال الخطيب: وأنا أَحْمَد بن عثمان بن مياح
السكري، وعلي بن مُحَمَّد بن علي الأَيادي - قال أَحْمَد: أَخْبَرَنَا، وقال علي: حَدَّثَنَا
- أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، نا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّد بن شداد
المسمعي، نا عبد اللّه بن هارون بن أبي عيسى، نا أَبي عن مُحَمَّد بن إسحاق.
قال الخطيب: وأخبرني علي بن مُحَمَّد الأَيادي أيضاً، نا أَبُو بكر الشافعي
- إملاء - نا إسماعيل بن مُحَمَّد بن أبي كثير الفارسي القاضي، نا شهاب بن مَعْمَر.
البَلْخي، نا أَبُو بكر يحيى بن سليمان الأَسواري، عن ابن إسحاق.
قال الخطيب: وأنا مُحَمَّد بن أَحْمَد بن رزق البزار، أَنا عثمان بن أَحْمَد الدّقّاق، نا
مُحَمَّد بن أَحْمَد بن البراء، قال الخطيب: وأخبرني علي بن مُحَمَّد المالكي، نا
مُحَمَّد بن عبد الله بن إبراهيم، نا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشطوي أَبُو أَحْمَد قالا: نا الفضل
(١) بالأصل: ((رسول)) والصواب عن م.
(٢) الخبر في تاريخ بغداد ١٦٤/١ - ١٦٥ نقلاً عن ابن إسحاق.

٣٨٥
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
- زاد الشطوي: ابن غانم - نا سَلمة - قال الشطوي [وقال](١) ابن الفضل: حَدَّثَنِي
مُحَمَّد بن إسحاق - ولفظ الحديث وسياقه ليونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٢) - حَدَّثَني
عاصم بن عمر بن قَتَادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس. حَدَّثَني سلمان الفارسي
قال :
كنت رجلاً من أهل فارس من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ، وكان أَبي دهقان
أرضه(٣)، وکان يحبني حباً شديداً لم يحبه شيئاً من ماله ولا ولده، فما زال به حبه إياي
حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية، حتى كنت قطن
النار الذي يوقدها فلا يتركها تخبو ساعة، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلّ ما
أنا فيه، حتى بنى أَبي بنياناً له وكانت له ضيعة فيها بعض العمل. فدعاني فقال: أي بني
إنه قد شغلني ما ترى من بنياني [هذا] (٤) عن ضيعتي(6) هذه، ولا بد لي من اطّلاعها.
فانطلق إليها(٦) فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبسن عني فإنك إن احتبست عني شغلتني عن
كل شيء، فخرجت أريد ضيعته. فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها،
فقلت: ما هذا؟ فقالوا : هؤلاء النصارى يصلون، فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من
حالهم، فوالله ما زلت جالساً عندهم حتى غربت الشمس، وبعث أَبي في طلبي في كل
وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته. فقال أَبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت
لك؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم: النصارى، فأعجبتني صلاتهم ودعاؤهم،
فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال: أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت: لا
والله ما هو بخير من دينهم. هؤلاء قوم يعبدون الله ويدعونه ويصلون له، ونحن نعبد
- وفي حديث رضوان - إنما نعبد ناراً نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت، فخافني فجعل في
رجلي حديداً، وحبسني في بيت عنده، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا
الدين الذي أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام، فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك أناس فآذنوني
(١) زيادة للإيضاح عن تاريخ بغداد.
(٢) الخبر في سيرة ابن إسحاق رقم ٦٨ صفحة ٦٦ - ٦٧ ونقله البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٩٢ وما بعدها من
طريق أبي عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي.
(٣) تاريخ بغداد: قريته.
(٤) زيادة للإيضاح سقطت اللفظة من الأصل ومن م.
(٥) بالأصل: صنعتي، والصواب عن م وانظر سيرة ابن إسحاق.
(٦) في ابن إسحاق وتاريخ بغداد: إليهم.

٣٨٦
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
فقالوا: نفعل، فقدم عليهم ناس من تجارهم فبعثوا إليّ أنه قد قدم علینا تجار من تجارنا،
فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا [الخروج فآذونوني بهم. قالوا: نفعل، فلما
قضوا حوائجهم وأرادوا] (١) الرحيل بعثوا إليّ بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجلي
ولحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها. قلت: من أفضل أهل هذا
الدين؟ قالوا: الأسقفّ(٢) صاحب الكنيسة فجئته فقلت: إني قد أحببت أن أكون معك
في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير، قال: فكن معي، قال: فكنت
معه، وكان رجل سوء كان يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها، فإذا جمعوها له اكتنزها ولم
يعطها المساكين(٣)، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات فلما
جاءوا ليدفنوه. قلت لهم: إن هذا رجل سوء كان يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها حتى
إذا جمعتموها - وقال رضوان: إذا ما جمعتموها - إليه اكتنزها، ولم يعطها المساکین،
فقالوا: وما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج إليكم - وقال رضوان ؛ لكم - كنزه، فقالوا:
فهاته، فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهباً ووَرِقاً فلما رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن
أبداً فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه، ولا والله يا
ابن عباس ما رأيت رجلاً قط لا يصلّي الخمس أرى انه أفضل منه؛ أشد اجتهاداً ولا أزهد
في الدنيا، ولا أدأبَ ليلا ولا نهاراً منه. ما أعلمني أحببت شيئاً قط قبله، فلم أزل معه
حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله وإني والله ما أحببت
شيئاً قط حبك فماذا تأمرني، وإلى من توصيني؟ فقال لي: أي بُني(٤) والله ما أعلمه إلّ
رجل بالموصل فأته فإنك ستجده على مثل حالي؛ فلما مات وغيب لحقت بالموصل
فأتيت صاحبها فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا فقلت له: إن فلاناً
أوصاني إليك أن آتيك فأكون معك، قال: فأقم أي بني، فأقمت عنده على مثل أمر
صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت له إن فلاناً أوصاني إليك، وقد حضرك من أمر الله ما
(١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن م، وانظر سيرة ابن إسحاق ص ٦٧ وتاريخ بغداد
ودلائل البيهقي.
(٢) بتشديد الفاء ويقال بتخفيفها، عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم.
(٣) في تاريخ بغداد: ولم يعط المساكين شيئاً.
(٤) عن سيرة ابن إسحاق وبالأصل: شيء.

٣٨٧
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
ترى، فإلى(١) من؟ فقال: والله ما أعلمه أي بني إلّ رجلاً (٢) بنصيبين وهو على مثل ما
نحن عليه فالْحق به. فلما دفناه ألحقت بالآخر فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إلى
فلان، وفلان أوصى بي إليك. قال: فأقم أي بني، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى
حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما تری وقد کان فلان أوصی
بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك فإلى من؟ قال: أي بني
والله ما أعلم أحداً على مثل ما نحن عليه إلّ رجلاً (٢) بعمورية من أرض الروم فائته فإنك
ستجده على مثل ما كنا عليه، فلما واريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية
فوجدته على مثل حالهم فأقت عنده واكتسبت حتى كانت له غُنيمة وبقيرات ثم حضرته
الوفاة فقلت: يا فلان إن فلاناً كان أوصی بي إلى فلان، وفلان وفلان إلى فلان، وفلان
إليك وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى من توصيني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه بقي
أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلّك زمان نبي يبعث من الحرم؛
مهاجره بین حرتین إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفی بین کتفیه خاتم
النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل،
فإنه قد أظلّك زمانه. فلما واريناه أقمت حتى مرّ بي رجال من تجار العرب من كَلْب
فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموا بي - وقال رضوان: تقدموني - أرض العرب
وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي، قالوا: نعم فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاءوا بي
وادي القرى ظلموني فباعوني عبداً من رجل من يهود بوادي القرى، فوالله لقد رأيت
النخل وطمعت أن یکون البلد الذي نعت لي صاحبي؛ وما حقّت عندي حتى قدم رجل
من بني قُرَيظة من يهود وادي القرى. فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده؛ فخرج بي
حتى قدم بي المدينة فوالله ما هو إلّ أن رأيتها فعرفت نعته. وأقمت في رقّي مع صاحبي
وبعث الله عز وجل رسوله ول* بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق،
حتى قدم رسول الله وَ﴿ قباء وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاء ابن
عم له. فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلَة (٣)، والله إنهم الآن لفي قُباء مجتمعون على رجل
(١) بالأصل: ((ما لي)) والمثبت عن سيرة ابن إسحاق.
(٢) بالأصل وم: رجل، والمثبث عن سيرة ابن إسحاق.
(٣) بالأصل: ((قبله)) والصواب عن م وانظر سيرة ابن إسحاق ص ٦٩ .
وبنو قيلة هم أم الأوس والخزرج.

٣٨٨
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلّا أن سمعتها فأخذتني العُرَواء (١) - يقول:
الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع
مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: ما لك ولهذا أقبل على عملك - وقال رضوان
أقبل قبل عملك - [فقلت: ](٢) لا شيء إنما سمعت خبراً فأحببت أن أعلمه. فلما أمسيت
وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ◌َّ﴾ وهو بقبا فقلت له: إنه قد
بلغني أنك رجل صالح وأن معك أصحاب لك غرباء وقد كان عندي شيء للصدقة "
فرأيتكم أحق مَنْ بهذه البلاد به، فهاك هذا فكل منه، فأمسك رسول الله وَ لآيس يده وقال
لأصحابه : ((كلوا)) ولم يأكل فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي، ثم
رجعت وتحول رسول الله ﴿ إلى المدينة، فجمعت شيئاً كان عندي ثم جئته به. فقلت :
إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة، فأكل رسول الله وليه
وأكل أصحابه. فقلت: هذه خلتان، ثم جئت رسول الله وَعليه وهو يتبع جنازة وعليّ
شملتان لي وهو في أصحابه فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني
رسول الله والقر استدبرته عرف أني استثبت شيئاً قد وصف لي، فوضع (٣) رداءه عن ظهره
فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي. فقال:
((تحول يا سلمان هكذا)) فتحولت، فجلست بين يديه وأحب أن يسمع أصحابه
حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك، فلما فرغت قال رسول الله ويليه :
(كاتب يا سلمان)) فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له وأربعين أوقية،
فأعانني أصحاب رسول الله وي ليه بالنخل ثلاثين ودية(٤)، وعشرين ودية(٥)، وعشراً(٦)، كل
رجل منهم على قدر ما عنده، فقال لي رسول الله وَله :
((فقر لها، فإذا فرغت، فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي)) ففقرتها وأعانني
(١) العرواء: الرعدة من البرد، والانتفاض.
(٢) زيادة لازمة عن سيرة ابن إسحاق.
(٣) تاريخ بغداد: فرفع.
(٤) الودية: النخلة الصغيرة.
(٥) بالأصل: ((وماية)) والصواب ما أثبت عن تاريخ بغداد.
(٦) بالأصل: ((وعشر)) والصواب ما أثبت، عن تاريخ بغداد، وفي سيرة ابن إسحاق: ثلاثين ودية إلى عشرة
(كذا).

٣٨٩
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
أصحابي. يقول - حفرت لها حيث يوضع - حتى فرغنا منها، ـ زاد رضوان - ثم جئت
رسول الله ﴾ فقلت: يا رسول الله قد فرغنا منها، وقالوا: فخرج معي حتى جاءها، فكنا
تحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوى عليها، فوالذي بعثه بالحق ما مات منها ودية
واحدة، وبقيت عليّ الدراهم. فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب.
فقال رسول الله (زيتالچو :
((أين الفارسي المسلم الكاتب؟)) فدعيت له فقال: ((خذ هذه يا سلمان(١) فاد بها ما
عليك)) - وقال رضوان: فادها مما عليك - فقلت: يا رسول الله وأين تقع هذه مما علي؟
قال: ((فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك))، فوالذي نفس سلمان بيده لَوَزَنْتُ لهم منها
أربعين أوقية فأدّيتها إليهم، وعتق سلمان وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع
رسول الله وَ﴾ بدر وأُحُد ثم عتقت، فشهدت الخندق ثم لم يفتني معه مشهد (٢).
أَنْبَانا أَبُو طالب بن يوسف، أَنا أَبُو إسحاق البرمكي، ثم حَدَّثَنَا أَبُو المعمر
الأنصاري، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الطَّيُّوري، أَنَا أَبُو الحَسَن بن القزويني وأَبُو إسحاق
البرمكي، قالا: أنا أَبُو عمر بن حَيَّوية، أَنا أَبُو مُحَمَّد السكري، أَنَا أَبُو مُحَمَّد الدِّيْنَوري
قال: في حديث سلمان في تفسير قوله: قَطِنُ النار: المقيم عندها لا يفارقها، وهو من
قوله: قَطَن فلانٌ بالمكان إذا وطنه وأقام به يَقْطُنُ ويَقْطِن قَطَناً، فهو قَاطِن، وقَطَن، كما
يقال: هذا فارطكم إلى الماء وفَرَطكم، ويجوز أن يكون قَطَن جمع قَاطن مثل حارس
وحَرَس وغائب وغَيَب، وكذلك فرط (٣).
أَخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السمرقندي، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن النَّقُّور، أَنَا أَبُو طاهر
الذهبي، أَنا رضوان بن أَحْمَد، أَنا أَحْمَد بن عبد الجبار، نا يونس بن بُكَير، عن ابن
إسحاق (٤)، حَدَّثَني عاصم بن عمر بن قَتَادة، حَدَّثَني من سمع عمر بن عبد العزيز قال:
(١) بالأصل هنا: سليمان، خطأ.
(٢) خبر إسلام سلمان في غير المصادر الثلاثة التي ورد فيها الخبر، وحلية الأولياء، انظر مسند أحمد
٤٣٧/٥ ودلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٣) والبداية والنهاية بتحقيقنا الجزء الثاني، والخصائص الكبرى
للسيوطي ٤٥/١ وسير الأعلام ٥٠٦/١ وسيرة ابن هشام ٢٣٣/١ وابن سعد ٥٣/١/٤.
(٣) انظر اللسان ((قطن)).
(٤) الخبر في سيرة ابن إسحاق ص ٧٠ رقم ٦٩ ونقله ابن هشام ١/ ٢٢١ وابن سعد ١/٤/ ٥٧ وسير الأعلام
٥١١/١ - ٥١٢.

٣٩٠
سلمان بن الإسلام أبو عبد الله الفارسي
وجدت هذا من حديث سلمان فقال:
حدثت عن سلمان أن صاحب عمورية قال لسلمان حين حضرته الوفاة: انت
غيضتين من أرض الشام فإن رجلاً يخرج من إحداهما إلى الأخرى في كل سنة ليلة
يعترضه ذوو الأسقام، فلا يدعوا لأحد به مرض إلّ شفي، فسله عن هذا الدين الذي
تسألني(١) عنه، عن الحنيفية دين إبراهيم. فخرجت حتى أقمت بها سنة، حتى خرج
تلك الليلة من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، وإنما كان يخرج مستجيراً(٢) فخرج
وغلبني عليه الناس، حتى دخل في الغيضة التي يدخل فيها حتى ما بقي منه إلاّ منكبه
فأخذت به فقلت: رحمك الله، الحنيفية دين إبراهيم؟ فقال: إنك لتسأل عن شيء ما
سأل عنه الناس، اليوم، قد أظلك شيء يخرج عند هذا البيت بهذا الحرم، ويبعث بسفك
الدم فلما ذكر ذلك سلمان لرسول الله و * فقال:
((لئن كنتَ صَدَقتني يا سلمان لقد رأيت حواريّ(٣) عيسى بن مريم)) [٤٨١٩].
أخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد هبة الله بن أَحْمَد بن طاوس، أَنَا عاصم بن الحَسَن بن مُحَمَّد،
أَنا عبد الواحد بن مُحَمَّد بن عبد الله، أَنَا الحُسَيْن بن يحيى بن عياش، نا الحَسَن بن
مُحَمَّد بن الصّاح، نا عمرو بن مُحَمَّد العَنْقَزي، أَنَا إسرائيل، عن أَبي إسحاق، عن أَبي
قُرّة الكِنْدي، عن سلمان الفارسي قال:
كان أَبي من الأساورة فأسلمني الكتّاب فكنت اختلف وكان معي غلامان فكانا إذا
رجعا دخلا على قسِّ (٤) أو راهب فدخلت معهما فقال لهما الراهب: ألم أنهكما أن
تدخلا عليّ أحداً أو تعلما بي أحداً؟ فكنت أختلف حتى كنت أحب إليه منهما. فقال لي:
يا سلمان إني أريد أن أخرج من هذه الأرض، قال: قلت له: فأنا معك، فأتى قرية فنزلها
وكانت امرأة تختلف إليه قال: فلما حُضِر قال: يا سلمان احفر عند رأسي، فحفرت
فاستخرجت جرة من دراهم فقال: ضعها على صدري، فجعل يضرب بيده على صدره
ويقول. ويل للقثابين(٥) قال: ومات، فاجتمع القسيسون والرهبان وهممتُ أن أحمل
(١) بالأصل: يسألني، والمثبت عن ابن إسحاق.
. (٢) في ابن إسحاق: مستحراً.
(٣) سقطت الكلمة من سيرة ابن إسحاق.
(٤) بالأصل وم: ((قيس)) والمثبت عن سير الأعلام.
(٥) في سير الأعلام: للقنائين.

٣٩١
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
المال، ثم ان الله تعالى عصمني، فقلت للقسيسين والزهبان: إنه قد ترك مالاً، فوثب
شباب من أهل القرية فقال: هذا مال أَبينا كانت سريته تختلف إليه. فقلت: يا معشر
القسيسين والرهبان دلوني على عالم أكون معه، قالوا: ما نعلم أحداً أعلم من راهب
يكون بحمص فأتيته فقصصت عليه القصة فقال: ما جاء بك إلّ طلب العلم؟ قلت: نعم،
قال: فإني لا أعلم أحداً في الأرض أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة في هذا
الشهر، وإن أنت انطلقت وافقت حماره واقفاً. قال: فانطلقت فوجدت حماره واقفاً على
باب بيت المقدس فجلست حتى خرج فقصصت عليه القصة قال: اجلس حتى ارجع
إليك، فذهب فلم يرجع حتى العام المقبل، وكان لا يأتي بيت المقدس إلّ كل سنة في
ذلك الشهر، فقلت له: ما صنعت؟ فقال: وإنك لها هنا بعد؟ قلت: نعم. قال: فإني لا
أعلم في الأرض أحداً أعلم من رجل يخرج بأرض تيماء وهو نبيٌّ، وهذا زمانه، وإن
انطلقت الآن وافقته وفيه ثلاث: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وخاتم النبوة عند
غضروف(١) کتفه لونه لون جلده.
قال: فانطلقت تخفضني أرض وترفعني أرض أخرى فلقيني ناس من الأعراب
فاستعبدوني فباعوني(٢) حتى وقعت [إلى](٣) المدينة فسمعتهم يذكرون النبي ◌َّ- فقلت
· لأهلي هبوا لي يوماً ففعلوا، فانطلقت حتى احتطبت فاحتطبت فبعثه بشيء يسير ثم أتيت
به النبي و 18 فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟ قلت: صدقة فقال لأصحابه: ((كلوا)) وأبى
أن يأكل، فقلت: هذه واحدة، قال: ثم مكثت ما شاء الله عز وجل أن أمكث، فقلت
الأهلي: هبوا لي يوماً فوهبوا لي يوماً فانطلقت فاحتطبت فبعته بأفضل من ذلك، وكان
العيش شديداً ثم جئت به فوضعته بين يدي النبي وَليم فقال: ((ما هذا؟)» قلت: هدية فقال
لأصحابه كلوا ووضع يده فأكل معهم، ووقفت خلفه وإذا رداءه قد سقط وإذا خاتم النبوة
كأنه بيضة حمامة قلت: أشهد أنك رسول الله قال: وما ذاك فحدثته حديث الراهب
وقلت: أي رسول الله هل يدخل الجنة فإنه زعم أنك نبي قال: ((لن يدخل الجنة إلاَّ نفس
مسلمة)» .
(١) في سير الأعلام: غرضوف، وهي بمعنى، نغض الكتف، ورؤوس الأضلاع ورهابة الصدر (القاموس
المحيط).
(٢) عن سير الأعلام وبالأصل: وتبايعوني.
(٣) زيادة عن سير الأعلام.

٣٩٢
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
قال: قلت: يا رسول الله إنه أخبرني أنك نبي قال: ((لن يدخل الجنة إلّ نفس
مسلمة)» [٤٨٢٠].
قال: وأنا الحُسَيْن، نا الحَسَن، نا شبابة، نا إسرائيل، عن أَبي إسحاق، عن أَبي
قُرّة الكِنْدي، عن سلمان نحوه إلّ أنه قال: ويل للقنائي.
أخْبَرَنا أَبُو علي الحد[اد](١) في كتابه ثم أخبرني أَبُو مسعود الأصبهاني عنه، أَنا
أَبُو نُعيم(٢) نا سليمان بن أَحْمَد، نا يحيى بن نافع أَبُو حبيب المصري، نا سعيد بن أبي
مريم: نا ابن لهيعة حَدَّثَني يزيد بن أبي حبيب، حَدَّثَني السلم بن الصَّلْت العَبْدي عن أَبي
الطُّفَيل البكري، أن سلمان الخیر حدثه قال:
كنت رجلاً من أهل جَيّ - مدينة أصبهان - فبينا أنا إذ ألقى الله في قلبي من خلق
السموات والأرض؟ فانطلقت إلى رجل لم يكن يكلم الناس يتحرج، فسألته أي الدين
أفضل؟ فقال: ما لك ولهذا الحديث، أتريد ديناً غير دين أَبيك؟ قلت: لا، ولكن أحب
أن أعلم من رب السموات والأرض، وأي دين أفضل؟ قال: ما أعلم أحداً على هذا غير
راهب بالموصل، قال: فذهبت إليه فكنت عنده فإذا هو قد أقتر عليه في الدنيا فكان
يصوم النهار ويقوم الليل، وكنت أعبد كعبادته.
قال أبو مسعود: فذكره بطوله، وساقه الحداد قال: فلبثت عنده ثلاث سنين ثم
توفي. فقلت: إلى من توصي بي؟ فقال: ما أعلم أحداً من أهل المشرق(٣) على ما أنا
عليه فعليك براهب وراء الجزيرة فاقرئه مني السلام قال: فجئته فاقرأته منه السلام
وأخبرته أنه توفي، فمكثت عنده أيضاً ثلاث سنين ثم توفي، فقلت: إلى من تأمرني أن
أذهب؟ قال: ما أعلم أحداً من أهل الأرض على ما أنا عليه غير راهب بعمورية شيخ وما
أراك تلحقه أم لا فذهبت إليه، فكنت عنده فإذا رجل موسع عليه، فلما حضرته الوفاة
قلت له: أين تأمرني [أن] أذهب؟ قال: ما أعلم أحداً من أهل الأرض على ما أنا عليه،
ولكن أدركتَ زماناً تسمع برجل يخرج من بيت إبراهيم عليه السلام - وما أراك تدركه -
وقد كنت أرجو أن أدركه، فإن استطعتَ أن تكون معه فافعل فإنه الدين، وأمارة ذلك أن
(١) الزيادة منا للإيضاح، قياساً إلى سند مماثل.
(٢) الخبر في حلية الأولياء ١/ ١٩٣ .
(٣) تقرأ بالأصل ((الشرق)) والمثبت عن م وانظر الحلية.

٣٩٣
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
قومه يقولون: ساحر مجنون كاهن؛ وأنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وإنه عند
غضروف كتفه خاتم النبوة.
قال: فبينا أنا كذلك حتى أتت عير من نحو المدينة قلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن
من أهل المدينة ونحن قوم تجار نعيش بتجارتنا، ولكنه قد خرج رجل من بيت إبراهيم
فقدم علينا وقومه يقاتلونه، وقد خشينا أن يحول بيننا وبين تجارتنا ولكنه قد ملك
المدينة. قال: قلت: فما يقولون فيه؟ قال: يقولون: ساحر مجنون كاهن فقلت: هذه
الأمارة دلوني على صاحبكم، فجئته فقلت: تحملني إلى المدينة فقال: ما تعطيني؟
قلت: ما أجد شيئاً غير أني لك عبد، فحملني فلما قدمت جعلني في نخله فكنت أسقي
كما يسقي البعير حتى دبر ظهري وصدري من ذلك، ولا أجد أحداً يفقه كلامي حتى
جاءت عجوز فارسية تسقي، فكلمتها ففهمت كلامي فقلت لها: أين هذا الرجل الذي
خرج، دليني عليه، قالت: سيمر عليك بكرة إذا صلّى الصبح من أول النهار، فخرجت
فجمعت تمراً فلما أصبحت جئت ثم قربت إليه التمر فقال: ((ما هذا أصدقة أم هدية))؟
فأشرت أنه صدقة، فقال: انطلق إلى هؤلاء، وأصحابه عنده فأكلوا ولم يأكل فقلت: هذه
الامارة .
فلما كان من الغد جئت بتمر فقال: ((ما هذا؟ قلت: هدية، فأكل ودعا أصحابه
فأكلوا، ثم رآني أتعرض لأنظر إلى الخاتم فعرف فألقى رداءه فأخذت أقبله وألتزمه
فقال: ((ما شأنك)) فسألني فأخبرته خبري فقال: ((اشترطت لهم أنك عبد، فاشتر نفسك
منهم)) فاشتراه النبي ◌َ﴿﴿ على أن يحيي له ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهباً ثم هو حر،
قال النبي ◌ُّ ر: ((اغرس)) فغرس ثم قال: ((انطلق فالق الدلو على البئر ثم لا ترفعه حتى(١)
يرتفع، فإنه إذا امتلأ ارتفع ثم رش في أصولها) فنبت النخل أسرع النبات فقالوا: سبحان
الله ما رأينا مثل هذا العبد إن لهذا العبد لشأناً، فاجتمع عليه الناس، فأعطاه النبي وَلقول تبراً
فإذا فيه أربعون أوقية(٢).
أخْبَرَنا أَبُو الأعز قراتكين بن الأسعد، أَنا أَبُو مُحَمَّد الجوهري، أَنا علي بن
(١) في الحلية: ثم ترفعه حين يرتفع.
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٩/٩ وقال: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه، وانظر سير الأعلام
٥١٥/١.

٣٩٤
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
مُحَمَّد بن أَحْمَد، نا مُحَمَّد بن إبراهيم بن أبان السراج، نا يحيى بن عبد الحميد، نا
شريك، عن عبيد المكتب، عن أَبي الطفيل، عن سلمان قال:
خرجت إلى الشام في طلب العلم فقالوا: إنّ نبينا قد ظهر بأرض تهامة فإن كان
يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وبين كتفية خاتم النبوة فهو نبي فخرجت إلى المدينة
فأتيت النبي ◌َّه بقناع من تمر فقال: ((هدية هذا أم صدقة؟)) قال: قلت: بل صدقة،
فقبض يده وأشار إلى أصحابه أن يأكلوا قال: ثم أتيته بقناع من تمر فقال: ((هدية هذا أم
صدقة؟)) قلت: بل هدية، قال: فمد يده فأكل قال: فقمت على رأسه ففطن لما أريد
فألقى رداءه عن ظهره فبان لي الخاتم فانكببت عليه وتشهدت.
أخْبَرَنا أَبُو الحَسَن علي بن المُسَلَّم الفقيه، نا عبد العزيز بن أَحْمَد قالا: أنا أَبُو
بكر مُحَمَّد بن عوف بن مُحَمَّد المزي، أَنَا أَبُو العباس مُحَمَّد بن موسى بن الحُسَيْن بن
السمسار، أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن خُرَيم، نا هشام بن عمّار، نا يزيد بن سَمُرَة قال: سمعت
عطاء الخُرَاساني یقول - وقال ابن أبي الحديد قال : - أری(١) سلمان إلی دیر - قال ابن
أبي الحديد: دير رهبان - فقال: ما أشد عبادتكم فقالوا: أجلّ وسيأتي نبي بأيسر مما
نحن فيه، وفيه علامة: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وفي كتفه خاتم النبوة؛ فلما بعث
النبي ◌َ﴿ أتاه سلمان بطبق تمر، فقال: ((ما هذا؟)) فقال: صدقة فقال: ((ضعه)) فقال
لأصحابه: ((كلوا بسم الله)) ولم يأكل ثم جاء بآخر فقال: ((ما هذا؟» فقال: هدية، فوضع
النبي ◌َّيز يده وقال: ((كلوا بسم الله)) وأكل، ودار سلمان فأكب على الخاتم فقبّله ثم
أسلم، وفداه النبي ◌َ ﴿ بأواقٍ من ذهب، وودّى غرسه فأطعم من سنته وعتق سلمان من
الذي اغتصبه نفسه.
أخْبَرَنا أَبُو غالب بن البنّا، أَنَا أَبُو يَعْلَى بن الغراء.
ح وَأخْبَرَنا أَبُو علي بن السِّبْطِ، أَنَا أَبُو الغنائم مُحَمَّد بن علي بن عَلي الدّجاجي
قالا: أنا أَبُو الحَسَن علي بن معروف بن مُحَمَّد البزاز، نا عبد الله بن سليمان، نا
مُحَمَّد بن عقيل، أَنا علي بن الحُسَيْن بن واقد، حَدَّثَنِي أَبي، حَدَّثَنِي ابن بُرَيدة قال:
سمعت أبي بُرَيدة يقول: جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله وَ لا حين قدم المدينة بمائدة
(١) كذا رسمها بالأصل. وفي م: ((أوى)) وهو الظاهر.

٣٩٥
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
عليها رطب فوضعها بين يدي رسول الله فقال رسول الله وليه:
((ما هذا يا سلمان؟)) فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك فقال: ((ارفعها فإنا لا نأكل
الصدقة)) فرفعها، قال: فأتاه من الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله وَليه- فقال
رسول الله وَجه لأصحابه عليهم السلام: ((ابسطوا - يعني أيديكم -)) قال: فنظر إلى الخاتم
الذي على ظهر رسول الله فآمن به، وكان لليهود فاشتراه رسول الله صل﴿ بكذا وكذا
درهماً، وعلى أن يغرس لهم نخيلاً فيعمل فيها سلمان حتى تطعم قال: فغرس
رسول الله وَ﴿ النخل إلّ نخلة واحدة غرسها عمر فحملت النخيل من عامها ولم تحمل
نخلة عمر فقال رسول الله وَله: ((وما شأن هذه؟)) فقال عمر: يا رسول الله أنا غرستها،
قال: فنزعها رسول الله 3 ﴾ ثم غرسها فحملت من عامها.
أخْبَرَنا أَبُو القاسم إسماعيل بن أَحْمَد، أَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن النَّقُور، أَنَا أَبُو
طاهر المُخَلّص، أَنَا أَبُو الحُسَيْن رضوان بن أَحْمَد، أَنَا أَحْمَد بن عبد الجبار، نا
يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق(١): حَدَّثَني يزيد بن أبي حبيب عن رجل من
عبد القيس، عن سلمان قال: لما أعطاني رسول الله فر ذلك الذهب فقال: ((اقض به
عنك)) فقلت: يا رسول الله وأين تقع هذه مما عليّ فقلبها رسول الله وَّر على لسانه ثم
قذفها إليّ فقال: (انطلق بها فإن الله سيؤدي بها عنك)) فانطلقت، فوزنت لهم منها حتى
أو فيتهم منها أربعين أوقية.
وقد رُوي في إسلام سلمان حديث أتم مما تقدم.
أَخْبَرَنَاه أَبُو عبد اللّه مُحَمَّد بن الفضل، أَنَا أَبُو بكر البيهقي(٢)، أَنَا أَبُو عبد اللّه
الحافظ في ((زيادات الفوائد))، نا أَبُو العباس مُحَمَّد بن يعقوب، نا يحيى بن أبي طالب،
نا علي بن عاصم، نا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب، عن زَيْد بن صُؤْحان:
أن رجلين من أهل الكوفة كانا صديقين لزيد بن صُؤْحان، أتياه، أن يكلم لهما
سلمان: أن يحدثهما بحديثه: کیف کان أول إسلامه؟ فأقبلا معه حتى أتوا سلمان وهو
بالمدائن أمير عليها، وإذا هو على كرسي قاعد، وإذا خوص بين يديه وهو يسفّه(٣).
(١) سيرة ابن إسحاق ص ٧١ رقم ٧٠ .
(٢) الخبر بطوله في دلائل النبوة للبيهقي ٨٢/٢ وما بعدها.
(٣) أي ينسجه، يقال سفّ الخوص: نسجه (النهاية)، وفي الدلائل: يشقه، وبهامشها عن نسخة: (يسفه)
وفي سير الأعلام ٥٢٦/١ يرتقه.

٣٩٦
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
قالا: فسلّمنا وقعدنا، فقال له زيد: يا عبد الله، إن هذين لي صديقين(١)، ولهما إخاء
وقد أحبا أن يسمعا حديثك، كيف كان أول إسلامك؟.
قال: فقال سلمان: كنت يتيماً من رامَهُرْمُز، وكان ابن دِهْقَان (٢) رامَهُرْمُز يختلف
إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه، وكان لي أخ أكبر مني وكان مستغنياً في نفسه،
وكنت غلاماً فقيراً، وكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج فتقنع
بثوبه، ثم يصعد الجبل، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً، قال: فقلت: أما إنك تفعل
كذا وكذا فلمَ، لا تذهب بي معك؟ قال: أنت غلام، وأخاف أن يظهر منك شيء، قال:
قلت: لا تخف، قال: فإن في هذا الجبل قوماً في برطیل (٣) لهم عبادة ولهم صلاح،
يذكرون الله ويذكرون الآخرة، ويزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان وأنّا على غير
دين. قلت: فاذهب بي معك إليهم، قال: لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، وأنا أخاف
أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتلهم، فيجري هلاكهم على يدي. قال: قلت: لم يظهر
من ذلك شيء فاستأمرهم فأتاهم، فقال غلام عندي يتيم، فأحب أن يأتيكم ويسمع
كلامكم، قالوا: إن كنت تثق به، قال: أرجو أن لا يجيء منه إلّ ما أحب. قالوا: فجیء
به، فقال لي: قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها
فائتني ولا يعلم بك أحد فإن أبي إن علم بهم قتلهم، قال: فلما كانت الساعة التي يخرج
تبعته، فصعد الجبل، فانتهينا إليهم، فإذا هم في بِرْطيلهم. قال عليّ: وأراه قال هم ستة
أو سبعة: قال: وكأن الروح قد خرجت منهم من العبادة: يصومون النهار، ويقومون
الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا. فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدِّهقان عليّ خيراً. فتكلموا
فحمدوا الله وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء، حتى خلصوا إلى
عيسى بن مريم فقالوا: بعثه الله، وولد لغير ذكر، بعثه الله رسولاً، وسخّر له ما كان يفعل
من إحياء الموتى، وخلق الطير، وإبراء الأعمى والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم،
وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلي به خلقه، قال: وقالوا قبل ذلك: يا غلام، إن لك رباً،
وإن لك معاداً، وان بين يديك جنة وناراً إليهما (٤) تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون
(١) كذا بالأصل، والظاهر: صديقان.
(٢) الدهقان: بالكسر وضم الدال: شيخ القرية والخبير بأمور الزراعة والفلاحة وما يصلح الأرض.
(٣) البرطيل: التلة والصومعة، سريانية معربة.
(٤) عن دلائل البيهقي وبالأصل وم: إليها.

٣٩٧
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
النيران أهلُ كفر وضلالة فلا يرضى (١) الله تعالى بما يصنعون وليسوا على دين. فلما
حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف. وانصرفت معه، ثم غدونا إليهم،
فقالوا مثل ذلك وأحسن، ولزمتهم فقالوا لي: يا سلمان إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن
تصنع ما نصنع، فصلٌ، ونمْ، وگُلْ، واشربْ.
قال: فاطّلع الملك على صنيع ابنه فركب في الخيل حتى أتاهم في بِرْطيلهم فقال:
يا هؤلاء قد جاورتموني فأحسنت جواركم، ولم تروا مني سوءاً فعمدتم إلى ابني
فأفسدتموه عليّ قد أجلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم بِرْطيلكم
هذا، فالحقوا ببلادكم، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء، قالوا: نعم، ما تعمدنا
مساءتك، ولا أردنا إلّ الخير. فكف ابنه عن إتيانهم، فقلت له: اتق الله فإنك تعرف أن
هذا الدين دين الله، وأن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله،
ولا تبع آخرتك بدنيا غيرك.
قال: يا سلمان هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بُقْيَاعليهم: إن تبعت القوم
طلبني أَبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في
أيديهم، قلت: أنت أعلم ثم لقيت أخي فعرضت عليه، فقال: أنا مشتغل بنفسي في
طلب المعيشة، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان قد كنا
نحذر، فكان ما رأيت. اتق الله، واعلم أن الدين ما وصيناك(٢) به، وأن هؤلاء عبدة
النيران لا يعرفون الله، ولا يذكرونه فلا يخدعنك أحد عن ذلك، قلت: ما أنا بمفارقكم،
قالوا: إنك لا تقدر أن تكون معنا: نحن نصوم النهار، ونقوم الليل، ونأكل الشجر، وما
أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك. قال: قلت لا أفارقكم قالوا: أنت أعلم، قد أعلمناك
حالنا، فإذا أتيت(٣) فاطلب حذاء يكون معك، واحمل معك شيئاً تأكله، فإنك لن
تستطيع ما نستطيع نحن. قال: ففعلت، ولقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم
فتحملوا فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزق الله السلامة حتى قدمنا الموصل، فأتينا بيعة
بالموصل، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله،
بها عبدة نيران فطردونا، فقدمنا عليكم، فلما كان بعد قالوا: يا سلمان إن ها هنا قوماً في
(١) بالأصل: ((إلا برضى)) وفي م: ((لا يرضى)) والمثبت عن دلائل البيهقي.
(٢) الدلائل: أوصيناك به.
(٣) بالأصل وم: ((فإذا أبيت)) والمثبت عن الدلائل.

٣٩٨
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
هذه الجبال هم أهل دین، وإنا نرید لقاءهم. فكن أنت ها هنا مع هؤلاء، فإنهم أهل دین
وسترى منهم ما تحب، قلت: ما أنا بمفارقكم. قال: وأوصوا - أي أهل البيعة - فقال
أهل البيعة: أقم معنا يا غلام، فإنه لا يعجزك شيء يسعنا. قال: قلت: ما أنا بمفارقكم،
فخرجوا وأنا معهم، فأصبحنا بين جبال وإذا صخرة وماء كثير في جرار(١) وخير(٢)
كثير. فقعدنا عند الصخرة فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال، فخرج كل
رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا فرحبوا بهم وحفّوا، وقالوا: أين
كنتم لم نركم؟ قالوا: كنا في بلاد لا يذكر الله فيها عبدة النيران، وكنا نعبد الله فيها
فطردونا، فقال: ما هذا الغلام؟ قال: فطفقوا يثنون [عليّ](٣) وقالوا: صحبنا من تلك
البلاد، فلم نر منه إلّ خيراً. قال: فوالله إنهم لکذا، إذ طلع علیھم رجل من كهف رجل
طوالٌ، فجاء حتى سلّم وجلس، فحفوا به وعظموه أصحابي الذين كنتم معهم، وأحدقوا
به، فقال لهم: أين كنتم؟ فأخبروه، قال: ما هذا الغلام معكم؟ فأثنوا عليّ خيراً،
وأخبروه باتّباعي إياهم، ولم أر مثل إعظامهم (٤) إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من
أرسل الله من رسله وأنبيائه، وما لقوا وما صنع [بهم](٥) حتی ذکر مولد عیسی بن مریم،
وأنه ولد لغير ذكر، فبعثه الله رسولاً، وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى
والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله. وأنزل عليه
الإنجيل وعلمه التوراة، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، فكفر به قوم، وآمن به قوم،
وذكر بعض ما لقي عيسى بن مريم، وأنه لما كان عبداً أنعم الله عليه، فشكر ذلك [له](٥)
ورضي عنه، حتى قبضه الله وهو يعظهم(٦) ويقول: اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى،
ولا تخالفوا فيخالف بكم ثم قال: من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً فليأخذ. فجعل الرجل
يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء، فقام إليه أصحابي الذين جئت معهم
فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم: الزموا هذا الدين، وإياكم أن تفرّقوا واستوصوا بهذا
الغلام خيراً. فقال لي: يا غلام، هذا دين الله الذي تسمعني أقوله، وما سواه كفر. قال:
(١) بالأصل: جدار، والمثبت عن الدلائل ٨٦/٢.
(٢) في الدلائل: وخبز.
(٣) زيادة عن الدلائل.
(٤) بالأصل: عظامهم، والمثبت عن الدلائل.
(٥) الزيادة عن الدلائل.
(٦) في الدلائل: يعظمهم.

٣٩٩
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
قلت: ما أفارقك، قال: إنك لا تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلّ
كل يوم أحد لا تقدر على الكينونة معي، قال: وأقبل عليّ أصحابه(١) فقالوا: يا غلام
إنك لا تستطيع أن تكون معه قلت: ما أنا بمفارقك قال: يا غلام فإني أعلمك الآن أني
أدخل هذا الكهف، ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر، فأنت أعلم قلت: ما أنا بمفارقك،
قال له أصحابه: يا أبا فلان هذا غلام ونخاف عليه قال: قال (٢) لي: أنت أعلم، قلت:
إني لا أفارقك. فبكى أصحابي الأولون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي، فقال: خذ
من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به.
ففعلت وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه، وتبعته حتى دخل الكهف
في الجبل، وانفتل وقال: ضع ما معك وكلْ واشربْ وقام يصلّي فقمت خلفه أصلّي قال:
وانفتل إلي فقال: إنك لا تستطيع هذا، ولكن صلّ ونمْ وكُلْ واشربْ، ففعلت، فما رأيته
نائماً ولا طاعماً إلّ راكعاً ساجداً إلى الأحد الآخِر. فلما أصبحنا قال: خذ جرتك هذه
وانطلق. فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خرجوا من تلك
الجبال، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه، فقعدوا وعاد في حديثه نحو المرة
الأولى، فقال: الزموا هذا الدين ولا تفرّقوا، واتقوا الله، واعلموا أن عيسى بن مريم كان
عبد اللّه (٣)، أنعم الله عليه ثم ذكرني. فقالوا: يا أبا فلان كيف وجدت هذا الغلام؟ فأثنى
عليّ، وقال خيراً، فحمدوا الله، وإذا خير (٤) كثير وماء، فأخذوا وجعل الرجل يأخذ
قدر ما يكتفي به. وفعلت، وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلی کهفه، فرجعت معه،
فلبثت ما شاء الله: نخرج في کل یوم أحد ويخرجون معه فيحفون به، ويوصيهم بما كان
يوصيهم به، فخرج في أحد فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم، وقال مثل ما كان يقول
لهم، ثم قال آخر ذلك: يا هؤلاء، إنه قد كبر سني، ودقّ (٥) عظمي، واقترب أجلي،
وإنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا ولا بد لي من إتيانه، فاستوصوا بهذا الغلام
خيراً، فإني رأيته لا بأس به. قال: فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم، وقالوا: يا أبا
(١) بالأصل: أصحابي، والمثبت عن الدلائل.
(٢) سقطت من الأصل وكتبت فوق الكلام بين السطرين.
(٣) في الدلائل: عبداً للّه.
(٤) في الدلائل: خبز.
(٥) في الدلائل: ورق عظمي.

٤٠٠
سلمان بن الإسلام أبو عبد اللّه الفارسي
فلان أنت كبير، وأنت وحدك، ولا نأمن أن يصيبك الشيء، فلسنا أحوج ما كنا إليك،
قال: لا تراجعوني، لا بد لي من إتيانه، ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً، وافعلوا
وافعلوا، قال: قلت: ما أنا بمفارقك، قال: يا سلمان، قد رأيت حالي وما كنتُ عليه،
وليس هذا كذلك، أنا أمشي أصوم النهار، وأقوم الليل، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً
ولا غيره، ولا يقدر على هذا. قال: قلت: ما أنا بمفارقك. قال: أنت أعلم، قال: يا أبا
فلان، إنا نخاف على هذا الغلام. قال: هو أعلم، قد أعلمته الحال، وقد رأى ما كان
قبل هذا. قلت: لا أفارقك، قال: فبكوا ودّعوه وقال لهم: اتقوا الله، وكونوا على ما
أوصيتكم به، فإن أعش فلعلي(١) أرجع إليكم، وإن أمت فإن الله حي لا يموت. فسلّم
عليهم وخرج وخرجت معه، وقال لي: أحمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله فخرج
وخرجت معه فمشى واتّبعته، يذكر الله ولا يلتفت، ولا يقف على شيء، حتى إذا أمسى.
قال: يا سلمان صلّ أنت ونمْ وكُلْ واشربْ، ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى (٢) إلى بيت
المقدس، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء إذا مشى حتى إذا انتهينا إلى بيت المقدس، وإذ
على الباب مُقعد. قال: يا عبد اللّه، قد ترى حالي فتصدق عليّ بشيءٍ فلم يلتفت إليه
ودخل المسجد، ودخلت معه فجعل يتتبع (٣) أمكنة من المسجد فصلّى فيها ثم قال: يا
سلمان إني لم أنم منذ كذا وكذا، ولم أجد طعم نوم، فإن أنت جعلت لي أن توقظني إذا
بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت، فإني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلّ لم أنم. قال:
قلت: فإني أفعل، قال: فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني.
فنام فقلت في نفسي: هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك، لأدعنه ينام حتى
يشتفي من النوم. وكان فيما يمشي وأنا معه يُقبل عليّ فيعظني ويخبرني أن لي ربّاً، وأنّ
بين يدي جنة وناراً وحساباً، ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد، حتى
قال فيما يقول لي: يا سلمان إن الله تعالى سوف يبعث رسولاً اسمه أَحْمَد يخرج
بتهامة - وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة ولا مُحَمَّد - علامته أنه يأكل الهدية
ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب فأما أنا فإني
شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإن أدركته أنت فصدّقه واتّبعه. قلت: وإن أمرني بترك
(١) بالأصل: فعلى، والمثبت عن الدلائل.
(٢) الدلائل: انتهينا.
(٣) بالأصل: يبيع، والمثبت عن الدلائل.