Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
كِدتُ أقضي الغَدَاةِ مِن جَلَلهْ
رَسْم دَارٍ وقفتُ في طَلِلِه
إذْ بَدَا رَاكبٌ عَلى جَمَلهْ
بَينمَا هُنّ في الأرَاك مَعاً
أكرميْه حُبِِّت في نُزُلِه
فناظرن (١) ثم قلن لَهَا
أنبأنا أبو الفرح غيث بن علي أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أبُو نُعيم الحافظ، نبأنا
سُليمَان بن أحمَد الطَبَرَاني، نبَأنا أبُو خليفة الفضل بن الحُبَاب، نبَأنا مُحمّد بن سَلام
الجُمَحي قال: سمعت أبا سلامًا يقول اجتمعَ الفرزدق وَجمَيْل بن معمر وكُثَيِّر عنْد
سُكينة (٢) ابنة الحسَين فقالت للفرزدق: امرأة أوتك وَأدخلتك وَأسقتك ثم أصْبَحت
تفشي عَليْهَا تقول(٣):
كما انفضّ بازٍ أقتم الريش کاسرُه
هُمَا دَليَاني من ثمانينَ قامةٌ
أحيٌّ يُرَجّى أم قتيل نحاذره
فلمّا استقرت رجلاي بالأرض ثارتا (٤)
مُغَلقةً دونِي عَليْهَا دَسَاكِرُه
فَأَصْبَحت في القوم الجلوس وأصبحت
وَقالت لكُثَيِّر: أنت القائل وقد تخطت البلاد إليك وَزارتك فحرمتها :
حين الزيارة فارجعي بسلام(٥)
طَرقتك صَائدة القلوب وليسَ ذا
وقالت لجمیل إلیك حيث تقول:
وكلّ قتيلٍ عندهن شهيدُ(٦)
لكلّ حديثٍ عندهن بشاشة
وَالقَصيْدة التي تقول فيها :
وَدَهراً يُولي(٧) يا بُثَينَ يُعُودُ
ألا ليت ريعَان الشباب جديد
(١) الأغاني: ((فتأطّرنَ)) والتأطر: التثني.
(٢) رسمها غير واضح بالأصل والمثبت عن الأغاني ١٦/ ١٦١. والخبر فيها، والذين اجتمعوا هم راوية جرير
وراوية الفرزدق وراوية جميل وراوية كثير وراوية نصيب وراوية الأحوص.
(٣) الأبيات في الأغاني ١٦٦/١٦ .
(٥) البيت في الأغاني ٣٨/٨ و١٦١/١٦ و١٦٣ منسوباً لجرير، وهو في شرح ديوانه ط بيروت ص ٤١٦ من
قصيدة بعنوان «مهلا فرزدق» ومطلعها :
(٤) في الأغاني: فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا.
سرت الهموم فبتن غير نيام
وأخو الهموم يروم كل مرام
(٦) ديوان جميل ط بيروت ص ٤٠ برواية: بينهن بشاشة.
(٧) في الديوان ص ٣٨ ((ودهراً تولی)).

٢٦٢
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
وَكنا كما كنا نكون وأنها صَديق(١) وإذ مَا تبذلين زهِيد
أخْبَرَنا أبُو القاسِمَ بن السّمر قندِي، وَأَبُو الفضل أحمَد بن الحسَن بن العَالمة،
قالا: أنبأنا أبو الخطاب عَبْد الملك بن أحمد بن عَبْد اللّه بن أحمَد بن حمدان الخطيب
الشرلي، أنبأنا أبُو عَبْد اللّه الحسين بن مُحمّد بن جَعْفر بن محمّد بن الحسَين الرافقي
الخالع، نبأنا سُليمَان بن أحمد الطَّبَرَاني، أنشدنا أبُو العَبّاس ثَعلب، أنشدَنا ابن الأعرابي
لجميل بن مَعْمَر العُذري(٢).
رسمٍ دَارٍ وَقَفْتُ في طلِلِةْ كدت أقضي الغَدَاة مِن جللة
الطلل: مَا شَخَصَ من آثار الدّيار مثل الأثافي وَالمَسْجد وَالاري، وَالرسم: مَا لزق
بالأرض مثل النوى، وَالرمَاد. يُقال فَعلت ذلك من جَللك وَمِن أجللك، ومِن جراك ومن
جرائك کما قال:
موحشاً مَا يَرى به أحد تنتسج الريحُ تُربَ مُعْتَدِلَةْ
معتدلة: ما استوی منه، نسجته الريح: غيّرته.
وَصَريعاً من الثمام(٢) ترى
بين عَلَيَاءِ وَابشٍ وَبُلّي
واقفا عند رَبع أمّ جُسير (٤)
يَا خليلي إنّ أم جُسير
روضةٌ ذات حَنوةٍ وخُزَامى (٥)
قد أصُونُ الحديثَ دون أخٍ (٦)
وَخليْلٍ صَافِيتُ مُرضّياً
عارمَات المَدَبِّ في أسَلِةْ
فالْغَمِيمِ الذي إلى جَبلِه(٣)
من ضُحَى يَومِهِ إلى أُصُلِهِ
حين يدنو الضجيعُ مِن عِلِلِه
جَادَ فِيهَا الربيعُ من نَسله
لا أَخَافُ الأذاة مِن قبلَهْ
وَخليْل فَارَقتُ مِن ملله
(١) في الديوان: فنبقى كما كنا نكون وأنتم قريبٌ.
ديوانه ط بيروت ص ١٠٥ والأغاني ٨/ ٩٤.
(٢) بالأصل ((التمام))، والمثبت عن الديوان.
(٣) وابش: واد أو جبل بين وادي القرى والشام، ويلي: تل قصير أسفل حاذة بينها وبين ذات عرق. والغميم:
موضع بالحجاز (انظر معجم البلدان ومعجم ما استعجم).
(٤) الديوان: ((واقفاً في ديار أم حسين)) وأم جسير: هي أخت بثينة صاحبة جميل.
(٥) غير مقروءة بالأصل، والمثبت عن الديوان.
(٦) في الأغاني: دون خلیل.

٢٦٣
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظییان بن حُنّ بن ربيعة
غير بغض له وَلَ مَلق(١) غيرَ أنّي أَلَحْتُ مِن وَجَلِهْ
ألحت: حَاذرت.
أَخْبَوَنا أبُو العز بن كادش - إذناً وَمُناوَلة وَقرأْ عَلي إِسْنادُه - أنْبَأْنَا أَبُو عَلي
الجازري، أنبأنا المعَافى بن زكريا القاضي(٢)، نبأنا إبراهيم بن مُحمَّد بن عرفة الأزْدي،
أنبَأنا أحمَد بن يحيى، عَن أبي عَبْد اللّه القرشي، قال: خرج عمر بن أبي رَبيعَة إلى الشام
حَتى إذا كان بالجناب(٣) لقيَهُ جميل بن مَعْمَر فاستنشده عمر بن أبي رَبِيعَة، فأنشده كلمته
التي يقول فيها:
خليْليّ فيمَا عشتما هَل رَأيتما قتيلاً بكى من حُبّ قاتله قَبْلي
ثم استنشده جميل، فأنشده قافيته التي أولها:
عَرفت مصيف الحي وَالمتربعَا [ببطن حُلَيّاتٍ دوارس بلقعا]
حتی بلغ إلی قوله:
وَقَرّبْنَ أَسْبَابَ الهوَى لمتيَّم
يقيسُ ذرَاعاً كلّما قاسَ إصبعا
فصَاحَ جميْل وَاسْتحياً(٤) وقال: لا وَالله مَا أحْسن أن أقول مثل هَذا، فقالَ له عمر :
اذهَب بنا إلى بُثنية لنتحدث عندها، فقال له: إن السلطان أهدر دمي مَتی جئتها. قال:
فَدلني عَلى أبيَاتِهَا، فدلّه، وَمَضى حتى وَقف عَلى الأبيَات وَتأَنَّس وَتعرف، ثم قال: يَا
جَارية أنا عمر بن أبي رَبَيْعة، فأعلمي بُثينة بمكاني. قال: فأعلمتها فخرجت إليهِ فقالت
له: لاَ وَالله يَا عمَر مَا أنا من نسَائك اللاتي تزعمُ أن قد قتلُن الوَجدُ بك، قال: وَإذا امرأة
◌ُوَالة أدماء حَسناء فقال لها حينئذ عمر: فأين قول جميل:
عَرَض اليَوم نظرةً فرَآنا
وَهُمَا قالتا لَو أن جميْلاً
قد أتانا - وَمَا عَلمنا - مُنانا
نظرتْ نحو تربهَا ثم قالت
أوضع النقص سيرة الزفيانا(٥)
بينمَا ذاك منهمَا رَأْتاني
(١) الديوان والأغاني: غير ما بغضة ولا لاجتناب.
(٢) الجليس الصالح الكافي ١٢٧/٤ ط بيروت والأغاني ١٤٤/٨ - ١٤٥.
(٣) الجناب موضع في أرض كلب في السماوة بين العراق والشام.
(٤) الأغاني: واستخدى.
(٥) الجليس الصالح: الرتکانا.

٢٦٤
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
ويروى: أُعمل النقص سيرة زفيانا.
فقالت له: لو استمدّ جمَيْل منك مَا أفلح، وَقد قيل: ((اشدد العير مَع الفرس، فإن
لم يتعلّم من جریه تعلّم من خُلُقه انتهى.
قال القاضي: مَعنى أوضَع النقص سَيرُه الزفيانا(١): أنه يَحمله على سُرعة السَّيْر،
قال اللهُ تعَالى: ﴿وَلَّ وضعُوا خِلَاَلَكُم﴾(٢) قال أبو عُبَيدة: الإيضَاع في السير: السّرعة.
يقال: أوضَعتُ بَعيري وأوضعت ناقتي إذا أسْرَعتُ. فإذا كانت هي الفاعلة قلت:
وضعت الناقة تضع وَضعاً، يقال: أوضَع (٣) الرّجُل يضع إذا سَار أسْرَع سَيْرٍ، قال
دريد بن الصّمّة (٤):
يَا ليتني فيهَا جذعْ أخُبّ فِيهَا وَأضعْ
مِن الخبب وَالوضع، وقد اختلف في بيت عمر بن عَبْد اللّه بن أبي رَبِيعَة:
تباً لهن بالعرفان لما نكرنني وَقلن: امرؤٌ باغ أكلّ وأوضعا
فروَاه قوم هكذا، وَجَعلُوا أكلَّ من الكلال، وَهو مِنَ الذروح والاعياء، قالُوا إنه
لجده في (٥) نمَاء ناقته أوضع في طلبه لها وَأسرَع مَعَ الكلال ليُدْركهَا، فاجتمعَ عَليْه
الكلال وَالأجيَاعِ (٦). وَرَوَاه آخرون: وَقلن امرؤٌ باغ أضل وَأوضعًا، يَعني أنه أضلّ بَعيرهُ
فحمَل في بغائه وَأوضع في طلبه، وَقوله: النقض: يُريد الذي قد هَزله السير فصَار ◌ِنِقْضاً
بالياً وَيجمع أنقاضاً، والزفيان كنحوه. وَقوله: امرأة طوَالة، يَعني طويلة، وَهَذا ممَّا
جاء على فعيل وَفُعال: يقال رَجُل طويل وَطُوَال [وطُوَّال](٧) قال الراجر:
جَاءوا بصيدٍ عَجب من العَجَبْ أزبَرق العَينين طُوَّال الذنبْ
وَيَقال: أمرٌ عَجيبٌ(٨) وَعُجَابٌ، قال الله تبَارَك وَتَعالى: ﴿إنّ هَذا لشيءٍ
(١) الجليس الصالح: الرتكانا.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٤٧ .
(٣) الجليس الصالح: وضع الرجل.
(٤) قاله في يوم حنين، الرجز في الشعر والشعراء ص ٦٣٦ واللسان ((وضع)).
(٥) في الجليس الصالح: إنه لد.
(٦) كذا، وفي الجليس الصالح: والإيضاع.
(٧) زيادة عن الجليس الصالح.
(٨) في الجليس الصالح: عجب.
٠

٢٦٥
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظییان بن حُنّ بن ربيعة
عُجَابٌ﴾(١) وَمِثله كبير وَكُبَار [وكُبّار](٢) قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مكراً كُبَّاراً﴾(٣) وَمن
الكُبَار قول الأعشَى (٤).
كحلفة من أبي ريَاحِ (٥)
يَسْمَعُهَا لاهه الكُبَارُ
وَهَذا بَابٌ وَاسِعٌ وَاستقصاؤه يَطُول، وَلهُ مَوضع هُوَ أولى به.
أَخْبَرَنا أبو الحسن علي بن محمّد بن العَلّف في كتابه، وَأخبَرني عَنهُ أبُو المعمر
الأنصاري عنه حينئذ.
وَأخبَرَنا أبُو القاسِمْ بن السّمر قندي، أنبأنا أبو علي بن المَسْلَمَة وَأَبُو الحسين بن
العَلاف، قالا: أنبَأنا أبُو القاسِمْ بن بشرَان، أنبَأنا أحْمَد بن محمّد بن جَعْفر الخرائطي،
أنبأنا الحسَيْن الحراز، أنبأنا المثنى بن سَعيد الجُعْفي، قال: بلغني أن كثيّر عزّة لقي
جميلا فقال له: متى عَهدك بيْنَينة؟ قال: مَا لي بها عَهْد منذ عَام أوّل وهي تغسل ثوباً
بوَادي الدَّوْم (٦) فقال له كُثَيّر أتحب أن أخذها لك الليلة؟ قال: نَعم، فأقبل راجعاً إلى
بثينة، فقال له أبُوهَا: أيَا فلان مَا رَدَّك؟ مَا كنت عندنا
(٧) قبيل؟ قال: بلى،
وَلكن حَضرني أبيَات قلتها في عَزّة، قال: وَمَا هِيَ؟ قال(٨):
عَلى (٩) نأي دَارٍ وَالرسُول موكلٌ
فقلت لهَا: يَا عَزُّ أُرسلُ صَاحبي
وَأن تخبريني بالذي فيه أفعَلُ
بأن تجعلي بَيَني وَبَيَنك مَوعداً
بأسْفلٍ وَادي الدّوم والثوبُ يُغسَلُ
أما تذكرين العَهْد يَومَ لقيتكم(١٠)
فقالت بثينة: اخسأ، فقال: أبوها مَا هاجِك، قالت: كلب لا يزال يَأتينا من وَرَاء
(١) سورة ص، الآية: ٥.
.(٢) زيادة عن الجليس الصالح.
(٣) سورة نوح، الآية: ٢٢.
(٤) ديوان الأعش ص ١٩٣ .
(٥) هو رجل من ضبيعة، قتل رجلاً فطولب بديته فحلف ألّ يفعل، ثم قتل أبو رياح بعد ذلك فبرت يمينه،
فضربت يمينه مثلاً .
(٦) الدوم: وادٍ معترض في شمالي خيبر إلى قبليها يفصل بين خيبر والعوارض (ياقوت).
(٧) بياض بالأصل.
(٨) الأبيات في ديوانه ص ٤٥٣ والأغاني ٨/ ١٠٧ .
(٩) في الأغاني: إليك رسولاً والموكل مرسل.
(١٠) الأغاني: وآخر عهدي منك يوم لقيتني.

٢٦٦
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبیان بن حُنّ بن ربيعة
الجَبَل بالليل ولأنصاف النهار، قال: فرجعَ إليه فقالَ له: وَعدتك مِن وَرَاء هَذا الجَبَل
بالليل وَأَنصَاف النھَار فَالقها إذا شئت انتهى.
قال: ونبأنا يَعقوب بن عيسَى الزُّهري، عَن الزبير بن بكار، عَن المؤمّل قال: قال
جمَيْل بن معمِر (١) :
بُثَينةُ يسقيها الرِّشاشَ مَعينُ
كأنّ دُمُوعَ العَيْنِ يَومَ تحمّلتْ
لبثينة: سِرٌّ في الفؤاد، كمينُ(٢)
وَرُحن وَقد أودعن عِندي أمَانةً
تَوَى في قرارِ الأرض وَهو دَفينُ
كسر الندى لم يَعلم الناس أنه
أَخْبَرَنا أبو القاسِمُ بن السّمر قندي، قال: وَأنشدَنا بعض أصحابنا لجميل(٣):
منها فهَل لك في اعتزال البَاطلِ؟
ويقلن: إنّكَ قد رَكنت(٤) بباطلٍ
أشهى إليّ من البغيضِ البَاذلِ
وَلِبَاطِلٌ ممن ألذ وَأشتهي (٥)
أَخْبَرَنا [أبُو] القاسم بن السّمر قندي، أنبأنا عَبْد الوَهّاب بن علي - إجازة - أنبأنا
أبُو الحسَن الطاهِرِي، أنبَأنا أحْمَد بن جَعْفر، نبَأنا الفضل بن الحُبّاب، نبَأنا محمّد بن
سَلام الجُمحي أبُو الغراف عَن الأجبل بن أبي الأجبل، حَدثني أحمد (٦) التميمي، قال:
لقيني كُثَيِّرِ عَزّة فقال: لقيني جميل بن مَعْمَر في هَذا المَوضع الذي لقيتك به، فقال: من
أين أقبلت؟ فقلت: من عند أبي الحَبيبَة - أعني أبا بُثينة - ثم قال لي: وَإلى أين تُريد؟
فقلت: إلى الحَبيبة - أعني عَزَّة - فقال لي لا بدّ من أن ترجع عَودك عَلى بدئك فتستجدّ لي
موعداً. فقلت: إن عَهدي بأبيها السّاعة وَأنا استحي، قال: قال لِي: لا بد من ذلك،
قال: قلت فمتى آخِر عَهدك بهم قال: بَالدَّوْم وهم يرحضُون ثيابهم، قال: فأتيت أبَاهَا،
فقال: ما رَدّك يَا ابن أخِي؟ فقلت أبيَات عرضَت لي أحبَبت أن أعْرضهَا عَليْك قال:
هَات، فأنشدته (٧):
(١) ديوانه ص ١٢٧ .
(٢) بالأصل: مكين.
(٣) ديوانه ص ١٠٧ والأغاني ٨/ ١٠١.
(٤) الأغاني: رضيت ... اجتناب الباطل.
(٥) الأغاني: ولباطل مما أحب حديثه.
(٦) مختصر ابن منظور ١١٣/٦ أدهم التميمي، والخبر في الأغاني ١٠٦/٨ - ١٠٧ باختلاف السند والرواية.
(٧) في الأغاني: فأنشدته وبثينة تسمع.

٢٦٧
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
عَلى نأي دَارٍ وَالمُوَكَّلُ مَرسلُ
فقلت لهَا يَا عزّ أُرسُل صَاحبي
وَأن تأمُريني ما الذي فيك أفعلُ
بأن تجعلي بَيَني وَبَينك مَوعداً
بأسْفَل وَادي الدَّومِ وَالثوب يُغْسَلُ
وَآخِر عَهْد منكم يَوم لقيتني
قال: فضربت بُثينة جَانب الخدر وَقالت: اخسَأْ، فقال أبُوهَا مَهْيَمْ (١) يَا بُثَينَة،
قالت: كلبٌ يَأتينا إذا نوّم الناس من وَرَاء الرابية، قال: فَأتيته فأخبرته أن قد وَعَدته إذا
نوّمَ الناس من وراء الرابية، انتهى.
قال: وَمن قوله أيضاً يَعني جميلاً(٢):
وَفِي الصَّدْرِ بْنٌ بَيْنُهُن بَعِيْدُ
فأَقْسِمُ طَرفي بَيَنهنّ فيستوي
بوَادي القرى؟ إنّي إذاً لسَعِيْدُ
وَمَا مرَّ من عَصْر الشباب حَديد
فذلكَ في عَيش الحيَاة رشيد
وَيَحيَى، إذا فارقتُها، فيَعُودُ
أَلاَ ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً
وَهل ألقين سَعْداً(٣) مِن الذّهرِ مرَّةً
وَمَنْ يُعطى في الدنيا قريناً كمثلهَا
يموت الهوى مني إذا ما ذكرتها
ومِن قولِه أيضاً (٤):
وَكُنَا إِذا مَا مَعشر أجحفوا (٥) بنا
وَضعنا لهم صَاعَ القِصَاصِ رهينةً
تری الناس (٦) مَا سِرْنا یَسیرُون خلفنا
وَمَرّتْ جَواري طيرهن وَتعيّقوا
ونحن نُوَفيهَا إذا الناسُ طفّفوا
وَإن نحن أوَمأنا إذ الناس وقّفوا
فنشدَ الفرزدق علی هَذا البیت فقال: أنا أحق به وقال له لا تعد فیه فلم یکترث له،
وَكذلك تروى: أويانا وَأومَأنا:
بأسْيَافنا إذ يَوكل المُتَضعَّفُ
برَزنا وَأصحَرنا لكل قبيلةٍ
كما قد أَفأنا وَالمُفَاخِرُ منصَفُ
فأيّ مَعدِّ كان فيء رمَاحِهِ(٧)
(١) مهيم: كلمة يمانية معناها ما أمرك وما الذي أرى بك .. (اللسان).
(٢) الأبيات في ديوانه ص ٣٩ وبعضها في الأغاني ٨/ ١٠٣ و١٠٤.
(٣) الديوان: ((سعدى)) الأغاني: فرداً بثينة مرة.
(٤) ديوانه ص ٨٥.
. (٥) الديوان: نصبوا لنا ... طيرهم وتعيفوا.
(٦) الديوان: نسير أمام الناس والناس خلفنا.
(٧) الديوان: رماحهم ... والمفاخر ينصف.

٢٦٨
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
وَنحن منعنا يَوْمِ أَوْلِ ذمَارنا(١)
ونحن حمَينا يَوْم مَكّةَ بَالقنا
فحُطْنَا بِهَا أكناف مَكّةَ بَعْدَمَا
وقال يَمدحُ عَبْد العزيز بن مَرْوَان(٣):
إلى القَرْمِ الذي كَانت يَدَاهُ
إذا مَا أغلَى(٤) الحَمد اشتراه
أمينُ الصّدر يَحفظُ مَا تولّى
أبا مروَان، أنت فتى قريشاً
توليْه العَشيرَةُ مَا عَناهَا
إليكَ تشِيرُ أيديهم، إذا مَا
كِلاَ يَومِيَه بالمعرُوفِ طَلِقٌ
تمايلَ في الذُّؤابةِ مِن قُرَيشٍ
أرومٌ ثابتٌ، أيهتزّ فيهِ
وَيوم أفيٍّ وَالأَسِنّة ترعُفُ
قُصَيّاً وَأطرافُ القنا يتقَصّفُ
أرَادتهَا(٢)، مَا قد أبى الله خِنْدِفُ
لفعلِ الخَيْرِ سَطوةَ من يُنِيْلُ
فمَا إن تستقيلَ وَلا يُقيلُ
بمَا يكفي القويُّ به، النبيْلُ
وكهلُهُم إذا عُدّ الكهُولُ
فلا ضيقُ الـذرَاعِ وَلا بِخِيلُ
رُمُوا أو غالهُم أمرٌ جَليْلُ
وَكِلُّ بلائه(٥) حَسَنٌ جميلٌ
ثناه المَجدُ، وَالعزّ الأثيلُ
بأكرمَ مَنْبَتٍ فرعٌ طَويلٌ
أَخْبَرَنا أبو العز بن كادش - إذناً وَمُناوَلة وَقرأ إسنادهُ عَلي - أنبَأْنا أبُو عَلي
محمّد بن الحسين، نبَأنا المعَافى بن زكريا(٦)، [نبَأنا محمّد بن داود بن سليمان
النيسَابُوري، نبَأنا علي ابن الصّبَاح](٧)، حَدثني أبُو المنذر، حَدثني شيخٌ من أهل وَادِى
القرى قالَ: لمَا استعدَى آل بُثنية مرْوَان بن الحكم عَلى جَمَيْل وَطلبه ربعي بن دجاجة
العَبْدِي، صَاحب تيماء (٨) هَرَب إلى أقاصي بلادهم، فأتى رَجُلاً من بني عُذرة شِرِيفاً،
وَله بَنات سَبْع كأنهن البَدُور جمالاً ، فقال: يا بناتي تحلّیَن بجید حُلیکن، وَالبسن جيّد
ثيابكن، ثم تعرّضن لجميل، فإنَي أنفس على مثل هذا من قومي، فكان جميل إذا مَرَّ
(١) الديوان: نساءنا.
(٢) الديوان: أرادت بها.
(٣) دیوانه ص ١١٨ .
(٤) الديوان: غالي.
(٥) مطموسة بالأصل والمثبت عن الديوان.
(٦) الجليس الصالح الكافي ٥١٤/١ - ٥١٥ ومصارع العشاق ص ٢٨٠.
(٧) ما بين معكوفتين ليس في الجليس الصالح.
(٨) تيماء بليدة في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام.

٢٦٩
جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظییان بن حُنّ بن ربيعة
بهن (١) وَرَآهن أعرَض بوَجهه فلا ينظر إليهُن، ففعَلن ذلك مرَاراً، وفَعَله جميْل، فلمّا
علم ما أريد بهن أنشأ يقول:
وَالصَّدق خيرٌ في الأمور وَأنجحُ
جَعَلت لكي تعلُمَنّ أني صَادق (٢)
وَرؤيتها عندي أَلَذّ وأُمْلِحُ
لتكليمُ يومٍ من بُثَينة وَاحدٍ
أعَالج قلباً طَامحاً حیث يطمحُ
مِن الدهر لو أخلُو بكنّ وَإنما
قال: فقال أبُوهن: ارجعن، فوالله لا يفلح هَذا أبداً انتهى.
أَخْبَرَنا أَبُو العز بن كادش، أنبأنا أبو محمّد الجَوهَري، أنبَأنا أبُو عمَر بن حَيُّوية،
أنبأنا محمّد بن خلف، أخبَرَني أبو بكر، أنبأنا المدَائني، قال: قال هشام بن محمد:
سَمعت رجلاً من عُذْرة يُحدّث لمَا علق جميل بثينة وَجَعل يشبب بها استعدى عَليْه أهْلهَا
رَبعي - يَومئذ - ابن دجاجة(٣)، وَهو يَومَئذ أمير تيمَاء قال: فخرج جميْل هَارباً حَتى
انتهى إلى رَجلٍ من بَنِي عُذْرة بأقصى بلادهم وَكان سَيّداً فاستجارَ به، وَكان للرجُل سَبع
بَنات فلمّا رَأْى جميْلاً رغبَ فيه وَأَرَادَ أن يزوجه ليسلو عن بُثينة، فقال لبنَاته: البسن
أحْسَن ثيابكن، وَتحلّين بأحْسَن حليكن، وَتعرّضن له فلعَل عَينه تقع على إحداكن
فأزوجُهُ قال: وَكان جميل إذا أرَاد الحاجة أبْعَدَ في المذهَب فإذا أقبل رَفعن جانب
الخباء، فإذا رَآهُن صَرف وَجْهَهُ قال: ففعَلن ذلك مرَاراً فعرف جميْل مَا أرَاد به الشيخ
فأنشأ يَقُول:
وَالصِّدق خيرٌ في الأمور وَأنجح
حلفت لكيْمًا تعلميني صَادقاً
وَرؤيتها عندِي أَلَذّ وَأَمْلح
لتكليم يَوم وَاحِدٍ من بثينةَ
أعَالج قلباً طَامحاً حيث يَطمح
من الدّهْر لو أخلو بكنّ وَإنمَا
فقال الشيخ: أرخين عليكن الخباء، فوالله لا يفلح هذا أبداً.
أَخْبَرَنا أبُو الحسَن بن العَلاف في كتابه، وَأَخبرَني عَنه أَبُو معمر الأنصاري
حينئذ .
وَأخبرنا أبو القاسِم بن السّمر قندي، أنبأنا أبُو عَلي بن المَسْلَمَة وَأَبُو الحَسَن بن
(١) الجليس الصالح: إذا تزيّنّ وراهن.
.. (٢) الديوان ص ٢٧: حلفت لكيما تعلميني صادقاً.
(٣) رسمها غير واضح، والمثبت يوافق الرواية السابقة.

٢٧٠
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
)(١)، نبَأنا أحمَد بن إبراهيم الكِنْدي، أنبَأنا
العَلاف قالا: أنبأنا أبو القاسِم (
محمّد بن جَعْفر الخرائطي، أنبأنا العَباس بن الفضل، نبأنا العباس بن هشام الكلبي، عَن
أبيه، عَن جَده، حَدثني رَجُل من بني عُذْرة قال: لَما كثر جميل بالتشبيب ببثينة استَعَدى
عَليه أهْلِهَا، فألح أهْلهُ عَليْه على لائمته وَعذله، فلما ألحوا عَليْه تحمل هَارباً إلى وَادي
القرى فطُلب فهرَبَ مِنه فلحق بشيخ مِن بَني عُذرة أبي بَنات في خيمة له، فقال الشيخ
لبَنَاته: البسن خير ثيابكن، وَأَحَسن حليكنّ، وَتشرفن له عَسَى أن تقع عَيْنيه عَلى .
بَعْضكن، فإن وجها منه فينقطع هذا الأمر عنا ففعلن وتعرضن له، فلمّا أکثرن قال لهُن
بحیث یسمعن :
وَلَلصّدق خيرٌ في الأمور وأنجحُ
حَلفت لكيمًا تعلمُوني صَادقاً
وَرؤيتها عندي ألذّ وَأُمْلِحُ
لتكليم يومٍ من بثينةً وَاحدٍ
أعالج قلباً طامحاً حیث یطمحُ
مِن الدهر لّو أخلُو بكنّ وَإنما
قال: فذكرن ذلك لأبيهن، فقال: خلين عَن هَذا فإنه لا يفلح أبداً، انتهى.
قال: وَأَنبَأْنَا إِسْمَاعيْل الزبيري، عَن أبي العباس المَرْوَزي، قال: قال محمّد بن
أحمَد: إن أهل بُثَيْنة مشوا إلى جميل بن مَعْمَر وأهْله وَاستوهبُوهم مِن جميْل وَكان
الصّوت قد ارتفع به وَعَلا وَلاقوا جميْلاً وَنهوه وعذلوه في أبياتها، فلم يَسْمع قول قائل
منهُم فاعزوه بحبّهَا فذلك حيث يقول(٢):
يا ليتهم وَجَدُوا مِثل الذي أجدُ
وعَاذلُوني(٣) ألحُوني في مَحبّتها
لا تُكثروا، كل هَذا اللوم وَاقتصدوا (٤)
لما أطالوا عتابي فيك، قلت لهم:
مُرَقِّشٌ (٦) وَاشتفى مِن عروة(٧) الكمَدُ
قدمَات قبلي أخو هِند(٥) وَصَاحِبُه
(١) كلمة مطموسة بالأصل لم نصل إليها.
(٢) دیوانه ص ٤٥ .
(٣) الديوان: وعاذلين ألحوا في محبتها.
(٤) عن الديوان وبالأصل ((واقتصد)).
(٥) الديوان: أخو نهد، وهو عبد الله بن عجلان النهدي، شاعر جاهلي، وأحد العشاق الذين قتلهم الحب،
و کان یشبب بصاحبته هند.
(٦) وهو المرقش الأكبر، مات بحب ابنة عمه أسماء، وقد أبعدوه عنها .
(٧) هو عروة بن حزام العذري، أحد عشّاق العرب الملوعين والذي مات مسلولاً بحب ابنة عمه عفراء، ولم
یزوجوه منها .

٢٧١
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبیان بن حُنّ بن ربيعة
فقد وَجَدتُ بهَا فوق الذي وَجَدوا(١)
فكلُّهُم كانوا في عشق مُنيَّتُه
إني لأرهُب بَل قد كدت أعْلمُه
أن سَوف توردني الحَوض الذي وَرَدوا(٢)
أو يَدفع الله عَني الوَاحِدُ الصَّمَدُ
إن لم تنلني بمَعرُوفٍ تجودُ به
قال: وَأَنشدني إسْمَاعيل بن الزبير لجميل فقال:
قتيلاً بكى، من حُبّ قاتله، قبلي (٣)؟
خليْلي فيمَا عشتما هَل رَأيتما
وَقد تيّمت قلبي، وَهَام بِهَا عقلي (٤)
أفي أم عمرو تعذُلاني هُدیتما
قال: وَأنشدني أبو بكر الصَندَلي لجميل أيضاً فقال:
أرأيتك إن عَطيتك الودّ عن قلى ولم يَك عنْدِي أن انتفا
وعندك لي وَلو تعلمين شفا
أتاركني للمَوت أنت لمَيّت
وَمن عثرات مَا لَهن فنا
فواكبدي من حب مَن لا يحبني
أنبَأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنبَأْنا عَبْد العزيز الكتاني، أنبأنا تمام بن
محمَّد، حذَّثني أبي، أخْبَرَنَا أبُو الحسَن علي بن محمّد الزيادي، نبَأنا الحارث بن أحمَد
العَبْدي، حَدثني محمّد بن أحمد بن جَعْفر الأهوازي، قال: كان أبُو بُثینة قد استعَدی
أمير المؤمنين على جميل فأهدر لهم دمه، فحجبوها فلم يدعُوهَا تظهر، فقال جميل في
ذلك(٥):
مقالةُ وَاشٍ أووعيدُ أميرٍ
فإن يحجبوها أو يَحُلْ دُون وَصلها
وَلن يملكُوا مَا قد يَجُنُّ ضَمیرٍ
فلن يحجبُوا عَيني عَن دائمِ البُكا
وَمن حُرَقٍ تعتادَني، وَزفيرٍ
إلى الله أشكو مَا ألاقي مِن الهوَى
أَخْبَرَنا أبُو القاسِم بن الحُصين، أنبَأنا أبُو مُحمَّد الحسَين بن عيسَى بن المقتدر،
أنبَأنا أبُو العَبّاس أحمَد بن مَنصُور السكري، أنبأنا ابن الأنباري، أنبَأنا أبُو العبَّاس قال:
مرّ رَجل بجميل فأضافه وخبز خبزة من مكوك وَثردها في لبن وسمن قال: ثم أتاه بهَا
(١) عن الديوان وبالأصل: وجد.
(٢) عن الديوان وبالأصل ((ورد)) وفي الديوان: إني لأحسب.
(٣) ديوانه ص ٩٩.
(٤) ديوانه ص ١٠٩ من قصيدة أخرى.
(٥) ديوانه ص ٦٦ .

٢٧٢
جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
فجَعَل الرَجلِ يُحدث جَميلاً عن بنت عمّ له وَيَأكل حتى أتى على الخبزة، فقال
جميل(١):
يلح عَلى قرصٍ وَيبكي على جُمْلٍ
وَقَدْ رَأيتني(٢) من جَعفر أنّ جَعفراً
بطيناً، ونسَّاك الهوَى كثرةَ الأكلِ
فلو كنتَ عُذريّ العَلاقة، لم تكن
أَخْبَرَنا أبُو السّعُود أحْمَد بن علي بن مُحمَّد بن المُجْلي، نبَأتا أبُو الحسين بن
المهتدي، أنبأنا الشريف أبو الفضل محمّد بن الحسن بن محمّد بن الفضل المأمُون،
نبَأنا أبُو بَكر مُحمَّد بن القاسِم بن بَشّار الأنباري قال: وَقرأت على أبي لجميْل بن
مَعْمَر(٣):
وَآيسُتْ بَعْد مَوْعُودٍ وَإِطِمَاعٍ
صَدّتْ بُثينة عَني أن سَعى سَاعِ
وَصدّقِتْ فيّ أقوالاً تقوّلها
فإن تبيني بلا جُرمٍ وَلا تِرَةِ
فقد يرى الله أنّي قد أحبّكم
لولا الذي أرتجي منهَا وَآمَلُهُ
يَا بَئن جُودي وَكافي عاشقاً دنفاً
إنّ القليلَ كثيرٌ منكِ يَنفعني
آليت لا اصْطَفي بالجود(٧) غيركم
قد كنت عنكم بعيد الدَار مُغترباً
فاهتاج قلبي لحزنٍ قد يضيّقه
وَلا تضيعنّ سرّي إن ظفرتِ به
أصونُ سرّك في قلبي وَأحفظه
واشٍ، وَمَا أنا للوَاشِي (٤) بمطوَاعٍ
وَتولِعي بي ظُلماً أي إيلاع
حباً أقام جوَاه(٥) بَين أضلاع
لقد أشاع، بموتي عِندَها ناع
وَاشفي بذلك أسقامي وَأوجَاعي(٦)
وَمَا سِوَاه كثيرٌ، غير نفّاعِ
حتى أُغَيّبَ تحت الرمس بالقاعِ
حَتى دعَاني لحيني منكمُ دَاعَ
فما أُغمّضُ غُمضاً غيرُ تهجَاعٍ (٨)
إنّي لسرّك حَقّاً غير مضياع
إذا تضايَقَ صَدرُ الضَّيّق الباع
(١) ديوانه ص ١١٧ .
(٢) الديوان: ويعجبني.
(٣) الأبيات في ديوانه ص ٧٥.
(٤) بالأصل ((للواشين)) والمثبت عن الديوان.
(٥) عن الديوان وبالأصل ((أبواه)) وفي الديوان: أضلاعٍ ..
(٦) بالأصل: وأوجاع.
(٧) الديوان: بالحب.
(٨) الديوان: تھیاع.

٢٧٣
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبیان بن حُنّ بن ربيعة
ثم اعلمي أنّ مَا اسْتودَعتني ثقةً يمسي وَيصبحُ عند الحافظ الراع(١)
قال أبُو بَكر: وَقال جميل بن مَعمُر (٢):
على عذبة الأنياب طَيّبة النّشْرِ
خليليّ عُوجَا الْيَومَ عني(٣) فسَلّما
فإنّكما إن عجتما بي سَاعةً
وَإِنكما إن لم تعوجا (٤) فَانني
وما لي لا أبكي، وفي الأيك نائحٌ
أَيبكي حَمام الأَّيكِ من فقد إلفه
يقولون: مسحورٌ يُجَنّ بذِكرهَا
وَأَقسم لا أنسَاكِ مَا ذرّ شارقٌ
وَمَا لاح نجم في السَماء مُعَلّقٌ
لقد شُغِفَتْ نفسي، بُئين، بذکرکم
ذكرت مقامي ليلة البَان قابضاً
فكدت وَلِم أمْلك إليهَا صَبَابةً
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً
تجود عَلينا بالحديث وَتارة
فليت إلهي (٧) قد قضى ذاك مَرّةً
وَلو سَألت مني حياتي بذلتها
شَكَرْتُكما حتّى أُغَيَّبَ في قبرٍ
سَأصرف وَجْدي فأذنًا اليَوم بالهجر
وقد فارقتني(٥) شختةُ الكَشْح والخصرِ
وَأَصْبِرُ؟ مَا بي عَن بُثينة من صَبرِ
وأقسم ما بي من جنونٍ وَلا سحر
وَمَا هبّ آل في مُلَمَّعةٍ قفر
وَمَا أورَق الأغصَانُ من فنن السّدْرِ
كما شُغِفَ المخمور يا بُئن بالخمر
على كف حَوْرَاء المدامع كالبَدِ
أهيمُ، وَفاض الدّمعُ مني على النحر
كليْلتنا، حَتى نرى سَاطعِ الفجرِ؟
تجود عَلينًا بالرضاب (٦) من الثغرِ
فَيَعْلمَ ربّي عند ذلك مَا شُكر
وَجُدْتُ بِهَا، إنْ كان ذلك من أمرٍ
قال: وأنبأنا ابن المهتدي، أنبأنا أبُو أحمَد طَالب بن عثمان بن محمّد المقرىء
الأَزْدي، نبأنا أبو بكر محمّد بن القاسِم الأنباري، قالَ: قال: وَأنشدني أبي هذا الشعر
لجمیل بن معمر وقال یروی لغيره(٨).
(١) الديوان: الواعي.
(٢) دیوانه ص ٥٧ .
(٣) الديوان: حتى تسلّما.
(٤) رسمها غير واضح بالأصل والمثبت عن الديوان.
(٥) عن الديوان وبالأصل ((فارقني)).
(٦) عن الديوان وبالأصل ((بالرضاع)).
(٧) الدیوان: فيا ليت ربي.
(٨) الأبيات ليست في ديوانه ط بيروت، وبعضها في الشعر والشعراء ص ٢٦٦ منسوباً لجميل. والأبيات في =

٢٧٤
جميل بن عبد اللّه بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
حَتّى وَلَجْتُ إلى خفيّ المَوْلِجِ
فدنوت مختبئاً ألم(١) ببیتها
بمخضّب الأطراف غير مشنج (٢
فتناولت رأسي ليَعرف مَسّهَا
لُنَّهِنّ القومَ إن لم تخرُجِ
قالت: وَعيش أخي وَنعمة(٣) وَالدِي
فَعَلَمتُ أنّ يَمِينِهَا لم تَلْجَج (٤)
فخَرجتُ خيفةَ قولهَا فتبسّمتْ
شرب (٥) النَّزيفِ ببرد ماءِ الحشرج
فلثمت فاها آخذاً بقرونها
أنبَأنا أبو عَلي أحمد بن محمّد بن عَبْد العزيز بن المهدي، أخْبَرَنَا أبُو الحجّاج
يُوسف بن مكي بن يُوسُف عَنه، أنبأنا أحمد بن محمد العَتيقي، أنبأنا أبو بكر أحمَد بن
إبراهيم بن شاذان، أنبأنا مُحمَّد بن أبي الأزهر، أنشدنا الزبير قال: قرأ علينا محمد بن
أبي بكر المؤملي لجميْل، وَأَنشدَنا محمّد بن يزيد هَذِهِ الأبيَات مَا خلا البيت الأول(٦):
مِن الدّهرِ شيءٌ بَعدهن يلينُ
فقد لانَ أيام الصّبا ثم لم یکد
من الناس إلّ شقوة وفنونُ
ظعائن، ما في قربهن لذي هوی
وفي القلب من وجدٍ بهنّ حنينُ
وَوكلته والهَمّ، ثمّ تركته (٧)
وَيَا حَيْنَ نفسي، کیف منك تحین
فواحسرتي إِن حيل بَيني وَبينها
وَأنشزْنَ نفسي فوق حيث تكون
تُشيّبُ رَوعات الفراق مَفارقي
وأنّي بكم، حتّى الممات ضنين
سواك وَإن قالوا: بلى سَيَلين
لعل لقاءً في المنام يكون
شهدت بأني لم تَغَيّر مودتي
وَأَنّ فؤادي لا يلين إلى هوّى
وَإني لأستغشي، وَما بي نعسة
دیوان عمر بن أبي ربيعة ط بيروت ص ٨٧ - ٨٨ من قصيدة مطلعها :
نعق الغراب ببين ذات الدملج
ليت الغراب ببينها لم يزعج
(١) الشعر والشعراء: (أُضر) وفي ديوان عمر: فقعدت مرتقباً.
(٢) سقط البيت من الشعر والشعراء، وفي ديوان عمر: لتعلم مسّه.
(٣) الشعر والشعراء: ((ونقمة والدي لابنهن الحي).
وصدر البيت في دیوان عمر:
قالت: وعيش أبي وحرمة أخوتي.
(٤) البيت في دیوان عمر:
فخرجت خوف يمينها فتبسمت
(٥) الشعر والشعراء: ((فعل)) والأصل كالديوان.
(٦) الأبيات في ديوانه ص ١٢٧ - ١٢٨ .
(٧) الديوان: ووالكنه والهم ثم ترکنه.
فعلمت أن يمينها لم تخرج

٢٧٥
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظییان بن حُنّ بن ربيعة
قُلُوبٌ إلى وَادِي القُرى وَعُيُون
بثينة يسقيها الرِّشاشَ معين
أمانة سرّ في الفؤاد مَكين
ثوىّ في قرار الأرض وهو دفين
وَلما علونا اللّبتين تشوّفتْ
كأنّ دموع العين يوم تحمّلوا(١)
ورحن وقد أودعن عندي (٢) أمانةٌ
كسر الثرى (٣) لم يعلم الناس أنّه
لأغبرها في الجانبين رهين
فإن دام هذا الهجر (٤) منك فإنني
عَليك وَلم تنبتّ منك قرون
لكيما يقول الناس: مات ولم يمنْ
) (٥) أنبأنا أبو القاسم
أنبأنا أبو بكر محمد بن عَبد الله بن نصر بن (
عبد الواحد بن أحمد بن عَلي بن مُحمّد بن فهد العلاف أنبأنا عبيد الله بن أحمَد إجازة،
أنبَأْنا عَبْد الرَّحمن بن عثمان الصفار، أنبأنا محمد بن العباس الفقيه المعروف بابن
البختري أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي أحمد(٦)، نبأنا ابن عيينة عن
الزهري، عَن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((لا تقاطعوا ولا
تدابروا(٧) ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاث)) [٢٨٠٦].
قال أبُو الحسَيْن بن النحوي فجئتُ ثعلب بَعد انصرافنا من عند عَبْد اللّه، فقال: مَا
حدثكم عَبْد اللّه، فقرأتُ عَليه حديث الزهري، فقال: أنشدَنا ابن الأعرابي:
وَجَافي مَليك الناس في البر والبحر
لا تهجريني يَا بُئين وَأحسني
وَجاء به سفيان حقًّا عن الزهري
فقد جَاء قول عن رجال أتوا به
رَووهُ بإسناد عَن الحسن البصري
وَأخبرني به أيضاً غير وَاحدٍ
أخاهُ تولى الله عنه إلى الحشر
عَلى الحد الذي لم يَزل يجري
إذا هجر الإنسَان فوق ثلاثة
قبلك أن تراجع ما مضى ويجري
(١) الديوان: تحملت.
(٢) الديوان: قلبي أمانة لبثنة: سرّ في الفؤاد كمين.
(٣) الديوان: الندى.
(٤) الديوان: الصرم.
(٥) الكلمة غير مقروءة، تركناها بياضاً.
(٦) مسند الإمام أحمد ١١٠/٣.
(٧) في المسند: ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا.

٢٧٦٠
.جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
وَلم تدر إذا لم تدر أنّك لم تدرِ
فیا عاذلي في الحبّ لم تدرِ مَا الھوَى
لا أحسبَ هذا الشعر لجميل، فإن جميلا أقدم من سُفيان، وَلعَل قائله سَلك طريق
جميْل في التشبيب بِبُثَينة.
أخبرنا أبو العز بن كادش - إذناً وَمُناوَلة، وَقرأ عليّ إسناده، أنبَأنا أَبُو علي
الجازري، أنبأنا المعافَى بن زكريا (١)، أنبأنا محمّد بن الحسن(٢) بن درَيد، أنبَأْنا
العكلي (٣) عَن عوَانة، عَن رَجُل من قريش من ساكني الكوفة قال: قال لي (٤) - يعني
نُصَيب - أتروي الشعر؟ قلت: نعم، قال: أنشدنا لجميل، فأنشدته(٥):
لو تعلمينَ(٦)، بصَالحِ أن تذكرِي
إنّي لأحفظ غيبكم ويسرّني
أو نلتقي فيه، عَليَّ كأشهُرِي
وَيَكون يَومٌ لا أرى لكِ مُرْسَلا
إنْ كانَ يومٍ لقائكم لم يُقْدِرِ (٧)
يَا ليتني ألقى المنية بغتةً
هذا الغريمُ لنا، وَليس بمعسرٍ
تُقْضَى الديون وليس يُنجز موعداً
فقال: لله درّه والله ما قال أحد إلّ دون قوله. قال: لقد ترك لنا مثالاً يُحتذى (٨)
عليه أما صدقنا في شعره، فجميْل وَذكر تمام الحكاية.
وَأخبَرَنا أَبُو الحسَن علي بن أحمد بن مسور، حدثنا وَأبُو الخضر يزيد بن
عَيد اللّه قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحَافظ (٩) ، أنبأنا القاضي أبو الطيب
طاهر بن عبد اللّه الطبري، أنبأنا المعَافى بن زكريا الجُرَيري، أنبأنا محمّد بن يحيى
الصولي، حدثني أبو العَبّاس عَبد الله بن المعتز(١٠)، قال: كان أبُو العَبَّاس محمّد بن
يزيد النحوي المبرّد يجئني كثيراً إذا خرج من عند إسماعيل القاضي لقرب داره من
(١) الخبر في الجليس الصالح الكافي ٣٨/٤.
(٢) بالأصل ((الحسين)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٣) اللفظة غير واضحة بالأصل والمثبت عن الجليس الصالح، وزيد فيه بعدها ((عن ابن الكلبي)).
(٤) ثمة اختصار للرواية هنا بالأصل، انظر تمامها في الجليس الصالح.
(٥) الأبيات في الديوان ص ٦٠ والأغاني ١٠٢/٨.
(٦) الأغاني: إذ تذكرين.
(٧) الأصل: ((لم يقدري)) والمثبت عن الديوان والأغاني.
(٨) بالأصل: ((لا يحتذى)) والمثبت عن الجليس الصالح.
(٩) تاريخ بغداد ١٠/ ٩٥ في ترجمة عبد الله بن المعتز.
(١٠) بالأصل ((المغيرة)) والمثبت عن تاريخ بغداد.

٢٧٧
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبیان بن حُنّ بن ربيعة
داري وكنت لقيت أبَا العبّاس أحمد بن يحيى في المَسْجد الجَامعَ فكان [يتشوقني ويعتذر
من تأخّره عني وكنت قد امتنعت من الركوب إلى المسجد وغيره فكتب إليه] (١):
بماء مزن بارد مصفق(٣)
[(٢) ما وُجد صادٍ في الحبال موثق
لصخرة إن تر شمساً تبرق
جادت به أخلاف دجن مطبق
صريح غيث خالص لم يمذق
فهو عليها كالزجاج الأزرق
يا فاتحاً لكل علم مغلق]
إلا كوجدي بك لكن أتقى
إن قال هَذا بهرج(٥) لم ينفق
وَصيرفياً(٤) ناقداً للمنطق
نلتقي بالذكران لم نلتق
أنّا عَلى البُعَاد وَالتمزّق (٦)
فكتب إليّ ينشد(٧) وَيَقول: إنه ليسَ ممَن يَعمل الشعر فيجيب. ويشبه أوّل أبياتي
بقول جمیل :
عَلى الماء يغشين العصي حوَاني
فما صاديات حُمْنَ يَومَاً وَليلةٌ
وَلا هنّ من بَردَ الحيَاض دوَان
لواغب لا يصدرن(٨) عنه بوجهه
فهن لأصوَاتِ السّقاة رَوَان(١٠)
يرين حيّاض(٩) الماء وَالموت دُونه
وَإِن آخر أبياتي يشبه قول رُؤبة :
إنني إذا لم ترني فإنّني
أراك بالغيب وَإِن لم ترني(١١)
(١) ما بين معكوفتين موجود بالأصل ولكنه غير مقروء، والمستدرك عن تاريخ بغداد ٩٥/١٠.
(٢) ما بين معكوفتين مكانه لم يقرأ في الأصل، واستدرك عن تاريخ بغداد ٩٥/١٠ -٩٦ و٢٠٧/٥.
(٣) بعدها في تاريخ بغداد ٥/ ٢٠٧ .
بالريح لم يطرق ولم يرفق
(٤) بالأصل: ((وصدفنا)) والمثبت عن تاريخ بغداد في الموضعين.
(٥) تقرأ بالأصل: ((الهجزح)) والمثبت عن تاريخ بغداد.
(٦) تاريخ بغداد (في الروايتين): والتفرق.
(٧) في تاريخ بغداد: يشكر.
(٨) بالأصل: ((لم أقل لو تصدان)) والمثبت عن الديوان ص ١٢٩ وفي تاريخ بغداد: لوائب.
(٩) الدیوان وتاريخ بغداد: حباب الماء.
(١٠) بعده بياض بالأصل قدر سطر، وعلى هامشه كتب بخط مغاير ((كذا في الأصل)) والبيت الساقط كما في تاريخ
بغداد ٩٦/١٠ :
بأبعد مني غل صدر ولوعة عليك ولكن العدو عداني
(١١) الرجز في تاريخ بغداد ٩٦/١٠ وتاريخ بغداد ٢٠٧/٥.

٢٧٨
جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
قرأت بخط أبي الحسَين رَشأ بن نظيف، وَأنبَأنيْه أبُو القاسِم بن أبي الحسَن، وَأَبُو
الوَحش بن قيراط عَنْهُ، أنبَأنا أبُو أحْمَد عَبَيْد اللّه بن محمّد الفَرَضي، نبَأنا أبُو طَاهِر
عَبْد الوَاحِد بن عمر بن أبي هَاشِم إملاء - نا أبُو عَبْد اللّه اليزيدي، أنبَأنا أحمَد بن زهير،
نبَأنا الزبير، حَدثني محمَّد بن إِسْمَاعِيْل بن جَعْفر الجَعفري، حَدثني إبراهيم بن
إبراهيم بن الحسَن بن زيد، قال: سَمعت المسْوَر بن عَبْد الملك اليَربُوعي يَقُول: مَا
ضر من روی مِن شعر جميْل وَكثر أن لا يكُون عِندَهُ مغنیتان مطربتان.
أنْبَأنا أبُو عَبْد اللّه الفُرَاوي وَأَبُو القاسِم الشّخَّامي، عَن أبي عثمان الصَّابُوني،
أنبَأنا أبُو القَاسِم الحَسَن [بن] محمّد بن حبيب، أنبأنا محمّد بن عَبْد اللّه بن شيث،
أخبرني أحمَد بن العمي، حدثني أبي بكار بن عَلي قال: كان ابن أبي مَالك عَالماً
بالشعر، قال له رَجُل من أصحابنا: مَا أجود الشعر؟ قال: الاّ يحجُبه عَن القلب حَاجبٌ
مثل قول جُمَيْل (١) :
أَلَ أيّها الثُّوَّامِ: وَيحكُمُ هُبُوا أَسَائِلُكُمْ: هَل يقتل الرجلَ الحبُّ؟
أنْبَأنا أبُو محمّد عَبْد الرحمَن بن صَابر، أنبأنا سَهْل بن بشر، أخْبَرَنَا أبُو القاسِم
الشّخَّامي، أنبأنا أبُو يَعلى إسحاق بن عَبْد الرحمَن الصَّابُوني، أنبأنا أبو بكر بن عَبْدوس
الحِيري، أنبأنا الحسن بن محمّد بن إسحاق المهرقاني، نبأنا محمّد بن زكريا، نبأنا
الغَلّبِي، نبَأنا أبُو عَائشة، قال: قال بَعْض العلماء: إن الغناء وَالشعر درجان يجولان
فلقيا القناعة فاستقرا.
قال مُحمّد بن زكريا: أنشدنا محمّد بن عَبْد الرَّحمن السّلمي لجميل (٢):
ببين [حبيب] (٣) مَا يزال يروَّعُ (٤)
كفى حُزناً للمرء مَا عَاش إنّه
وَيَا جَزعي، إن كان للنفس مجزعُ
فواحزني لو ينفع الحزن أهله
وَأَيّ عُيُونٍ لَا تُجُود فتدمعُ؟
فأي قلوب(٥) لا تذوب لما أرى
(١) ديوانه ص ١٦ .
(٢) دیوانه ص ٧٤.
(٣) بياض بالأصل، واللفظة المستدركة عن الديوان.
(٤) عن الدیوان وبالأصل ((روع)).
(٥) الديوان: فأي فؤاد.

٢٧٩
جمیل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبیان بن حُنّ بن ربيعة
أنبأنا المبَارَك بن سَالم، أنبأنا الحسَن بن رشيق، نبَأنا يموت بن المُزَرّع، نبأنا
يزيد بن محمّد المهَلّبي، حَدثني أبي، حَدَّثني شيخ من بني سَعد بن زيد قال: خرجت أنا
ورفيق لي من السعديين قاصدين(١) مناهل العرب فرفعت لنا نيران خلت أنها نيران حي
بني سَعْدٍ فقصدناها فإذ القوم عُذريون وَإذا أنا بامرأة في هَودج قد خلا بهَا وَمَعهَا غُلِيمٌ
فسَلّمنا فرَدّت عَلينا فقلنا: من هذا الغلام؟ فقالت: هَذا مح أمْلح هَذا ابن ابني، فقلنا لهَا
أتروينَ من شعر جميل شيئاً؟ فقالت: لا، إن رجَالنا كانوا يغَارُون عَلينَا مِن شعر جميل
لأن بثينة كانت من رهطنا، وثم نزلت وَناخت بَعيرهَا فآنسنا إليها فقالت: إن السّلطان
كان نذر دَم جميْل فأباحنا إيَاه فانقطع عَنا مُدة، فوالله إني لفي ذات يوم أنا وَبُثينة نسترم
غزلاً لنا وَالحي خلوف، فما شعرنا إلّ وَقد انحدر (٢) عَلينا جميْل فقلت: من أين يا
جميْل؟ فقال: أنا وَالله في هَذه الخضراء منذ ثلاثة ورَأيته مُلوكاً كأنه في ثنايا علة فقلت
له: فما الذي أصَابَك إلى مَا أرى يا جميل؟ قال: هَذه الغول التي وَرَاءك، فقلت لبثينة:
أمَا ترين الجوع في وجهه، فوثبت إلى أقط(٣) مطحون فجعلته في قعب وَنرقته(٤) بسمن
وَرَفعته إليّ فناولته جمَيْلاً فلعق منه لعَقات ثم قال: إني أريد مصر وَجئت لأودعكم ثم
مَضی فکان ذلك آخر العهد به، انتھی.
أنبَأنا أبُو القاسِم العَلَوي، نبأنا عَبْد العزيز بن أحمَد، أنبأنا تمام بن مُحمَّد
البَجَلي، حَدَّثني أبي أبُو الحُسَين قال: وَحَدثني محمد بن أحمد بن جَعفر الأهوازي
قال: قدم جميل بن عَبْد اللّه بن مَعْمَر على عَبْد العزيز بن مَروَان بمصر، فدخل حمَاماً
لهم فإذا في الحمَام شيخ مِن أهل مِصْر، وَكان جميل رجلاً جسيماً وَسيماً فقال له الشيخ:
يا فتى كأنكَ لست مِن هَذه البلدة! قال: أجل قال: حدَّثنا فمن أين أنت؟ قال: من
الحجَاز قال: من أيّ أهْل الحجَاز؟ قال: رَجُل من بني عُذْرة قال: فَما اسمُك؟ قالَ
جميْل بن عَبْد اللّه بن مَعْمَر، قالَ: صَاحِب بثينة؟ قالَ: نَعَم، قال: فمَا رَأيت فيهَا يَا ابن
أخي فوالله لقد رأيتِهَا وَلو ذبح بعرقوبهَا طَائر لانذبح، فقال له جميْلِ: يَا عَمّ إنكَ لم ترها
(١) غير مقروءة بالأصل ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت عن الأغاني ٨/ ١٥٢.
(٣) اللفظة شطبت بخط بالأصل وعليها علامة، وعلى هامشه ((أقط)) وهو ما أثبت وانظر الأغاني. والأقط: لبن
مجفف یابس یطبخ به.
(٤) كذا.

٢٨٠
جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بن ظبيان بن حُنّ بن ربيعة
بعَيني، وَلو نظرت إليْهَا بعَيْني لأحبَبت أن تلقى الله تعَالى وَأنت زانٍ، انتهى.
قالَ: وَمَرض جميل بمصر مَرَضَه الذي مَات فيهِ فدخَل عَليْهِ العَبَّاس بن سَعْد
السَّاعِدي وهو يجُود بنفسه فقال له جميل: يَا عبَّاس مَا تقول في رَجُل لم يقتل نفساً، وَلم
يزن قطّ، وَلم يسرق قطّ ولم يشرَب خمراً قطّ، أترجُو له؟ فقال لهُ العبّاس: إي وَالله،
قال: فقال جميل: إني لأرجو أن أكون ذلك الرجل. قال العَبَّاس: فقلت له: سُبْحَان
الله، وَأَنت تتبع بُثينة مُنذ ثلاثين سَنة، فقال: يَا عَبَّاس إني لفي آخر يوم من الأيام أيَام
الدنيا، وأوّل يَوم من أيَّام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمّد بَّهَ إنْ كنتُ وَضَعتُ يَدِيّ عَلْيهَا
قطّ. قال: وَمَات رحمة الله عليه.
أَخْبَرَنا أبو الحسن بن العَلاف في كتابه، وَأخبَرني عَنهُ أَبُو المعمر الأنصاري
حينئذ، وَأخبرَنا أبو القاسم بن السّمر قندي، أنبَأنا أبُو عَلي بن المَسْلَمة وَأَبُو الحسَن
العَلاف، قالا: أنبأنا عَبْد الملك بن مُحمَّد بن بشران، نبَأنا أحْمَد بن إبرَاهيْم الكِنْدي،
أنبَأنا أبُو جَعْفر الخرائطي، أنبأنا أبُو يُوسُف يعقوب بن عيسَى الزّهري، نبَأنا الزبير بن
بكّار، عَن عبّاس بن سَهْلِ السَّاعدي، قالَ: بَيْنمَا أنَا بالشام إذا لقيني رَجُل مِن أصحابي
وَقال: هَل لك في جميل فإنه ثقيل نعُوده فَدخلنا عَليْه، وهُو يجود بنفسه وَمَا يخيل إليّ أن
الموت يكرثه(١) فنظر إليَّ ثم قال: يا ابن سَهْل مَا تقول في رَجُل لم يشرب الخمر قطّ،
وَلم يَزن وَلم يقتل نفساً، يَشَهد أن لا إله إلّ الله، قلت: أظنه قد نجَا وَأرْجُو له الجنة،
فمن هذا الرجُل؟ قال: أنا ذاك الرّجل، قلت له: وَالله مَا أحْسَبك سَلمتَ وَأنت تتشبب
مُنذ عشرين سَنة ببثينة. قال: لاَ نَالتني شفاعة محمّد وَّهِ يَوْم القيامة فإني في أوّل يوم من
أيّام الآخرة وآخر يَوْم من أيَّام الدّنيَا إن كنتُ وَضعتُ يَدِي عَليها لريبة قطْ، فما برحنا حَتى
مات رحمة الله علیه(٢)، انتھی.
أنْبَأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، وَأَبُو الوحش سُبَيْع بن المُسَلّم، عَن أبي
الحسَن رَشَأ بن نظيف، أنبَأْنا عَبْد الرحمَن بن محمّد المكتب، وَعَبْد اللّه بن
عَبْد الرحمَن المقرئان، قالا: أنبَأنا أبُو الحسَن بن رشيق، أنبأنا أبُو بشر الدّولابي،
حَدَّثني الجويني يَعني أبا بكر أحمَد بن محمّد بن القاسِم، حدثني ابن عُفير، عن أبيه،
(١) عن الشعر والشعراء ص ٢٦٦ وبالأصل ((يكثر)).
(٢) الخبر في الوافي بالوفيات ١٨٥/١١.