Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أنْبَأنا أبُو محمّد بن الأكفاني، نا عَبد العزيز بن أحمَد، أنا علي بن الحسن بن
علي الرَّبَعي، ورشأ بن نظيف، قالا: أنا أبُو الفتح محمّد بن إبراهيم بن محمّد
الطَّرَسُوسي، أنا أبُو بَكر محمّد بن محمّد بن دَاوُد الكَرخي، نا أبُو مُحمّد
عَبد الرَّحمن بن يُوسُف بن سَعيد بن (١) خِرَاش، نا محمّد بن مَيمُون المكّي، نا سفيان
قال: قال رَجل لإبراهيم بن أدهم: لو تزوجت فقال: لو أمكنني أن أطلّق نفسي
لفعلتُ(٢).
أَخْبَرَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا رشَأ بن نظيف، أنا الحسن بن إِسْمَاعيْل،
أنا أحمَد بن مَروَان، أنا أبُو إِسْمَاعيْل الترمذي، نا الرَّبيع بن نافع، قال: سَمعت عَطاء بن
مُسْلم يَقُول: نفذت نفقة إبراهيم بمَكة فبقي خمسة عشر يوماً يستفّ الرَّمل (٣).
قالَ: وَأنا مُحمّد بن عمرو، نا خلف بن تميم قال: كنا مع إبراهيم بن أدْهَم في
بلاد الروم وكانت عليه فروة فنزعها وَجَعَلها تحت إبطه وَالدغل قد عمل في جسمه، فقيل
له في ذلك، فقال: يكون بجنبي وَلا يكون بفروتي، ثم قال: مَتى أجد ثمانية درَاهم
اشتري بهَا فرواً.
أَخْبَرَنا أبُو بَكر محمّد بن أحمَد بن الحسَن البُرُوجِرْديّ (٤)، أنا أبُو سَعْد علي بن
عَبد الله بن أبي صَادق الحِيْري(٥)، أنا محمّد بن عَبد الله بن بَاكُويه(٦)، نا عَبد الوَاحد
- يعني ابن بكر - نا إسْمَاعيل بن علي المَرْوَزي، وَإسحاق بن علي بن أحمد، قالا: نا
إبراهيم بن يُوسُف، نا أحمَد بن أبي الحوَاري، قال: سمعت أبا علي الجَرْجَرَائي يُحدّث
أبا سُليمَان قال: صَلّى إبراهيم بن أدْهَمِ خمس (٧) عشرة صَلاة بُوضُوءٍ وَاحدٍ.
أخْبَرَنا أبُو الوقت السِّجْزي، أنا يَعْلَى بن هبة الله حَ.
(١) بالأصل ((نا)) تحريف والصواب ما أثبت، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٥٠٨/١٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣٩٢/٧، والبداية والنهاية ١٣٨/١٠ وفيها: لطلقتها.
(٣) الخبر في حلية الأولياء ٧/ ٣٨١ وفيها ((ضاعت)) بدل ((نفدت)).
(٤) ضبطت عن الأنساب، وهذه النسبة إلى بروجرد، بلدة من بلاد الجبل على ثمانية عشر فرسخاً من همذان.
(٥) بالأصل ((الحبري)) والصواب ما أثبت وهذه النسبة إلى حيرة نيسابور وانظر الحاشية التالية.
(٦) ضبطت عن التبصير، وانظر ترجمته في سير الأعلام ١٧ / ٥٤٤ .
(٧) بالأصل ((خمسة عشر)).

٣٠٢
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
وَأخْبَرَنا أَبُو محمّد الحسن بن أبي بكر، أنا الفضل بن أبي منصور.
قالا: أنا عَبد الرَّحمن بن أبي شريح، أنا مُحمّد بن عقيل البَلْخي، أنا أبُو عَبد اللّه
محمّد بن إبراهيم، قال: قالَ أبُو صَالحٍ: وَأخبَرَني علي بن بكار قال: كان إبراهيم بن
أدهم يَحصُد في تلك المزرعة - وأشار بيده إلى أسْفل جيحَان - وَنحن في المسجد مَعَ
أصحابه، کما یحصد رجلین اثنین، و کان إذا كان عند الظهيرة یقیل أصحابُه ثم يدخل هوَ
المدينة فيشتري (١) خُبزاً فرنياً ولبناً وجبناً رطباً وتمراً (١) ثم يخرجه فيضعه ثم يستقي بماء
بارد فيضعه ثم ينبههم فيُصَلّون ثم يقرب إليهم ذلك الطعام، فيأكلون ذلك الخبز الطيّب،
وَالتمر واللبن والخبز الطري وَالزبد وَهو صَائم ثم مَا يذُوقه.
قالَ: وَنَا محمّد بن عقيل، نا محمّد بن إبرَاهْم، نا أبُو صَالح، قال: سمعت أبا
إسحاق الفَزَاري يَقُول: كان إبراهيمُ بن أدْهَم يغزو مَعَنا المغازي فلا يُطعم معنا من اللحم
ولا من طرف أهل الرّوم شيئاً فقلت له: تدع ذلك وأنت تشتهيه قال بأبي الشهوة. قال
الفَزاري: ظننت أنه يشتهيه وَيدعه.
قالَ: وَنَا محمّد بن عقيل، نا مُحمّد بن إبراهيم، نَا أبُو صَالح، قال: سَمعت أبَا
إسحَاق الفَزَاري، أخبَرَني إبراهيم بن أدهم قال: أصَابتنا مجاعة بمكة، فمكث ثمانية أيام
يبلّ الرَّمل بالماء وَيَأكله(٢).
أخْبَرَنا أَبُو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد اللّه محمّد بن
عَبد الله، أنا جَعفر بن محمّد بن نُصَير المنصُوري، حَدَّثني إبراهيم بن بشار
الصُّوفي (٣)، قال: خرجت أنا وَإبراهيم بن أدْهَم وَأَبُو يُوسُف الغاسُولي (٤) وَأَبُو عَبد اللّه
السخاوي(٥) نرید الإسكندرية، فمررنا بنهرٍ يُقال له نهر الأردن، فقعدنا نستريح وكان مع
أبي يُوسُف كُسيرات يَابسَات فألقاهُن بين أيدينا فأكلنا وَحَمدنا الله، فقمت أسعَى أتناوَل
ماء لإبرَاهيْم، فبادَر إبراهيم فدَخل النهر حتى بلغ الماء ركبتيه، فقال بكفيه في الماء
(١) ما بين الرقمين بالأصل: ((فيشتري خبز فرنى ولبن ملتث وجبن رطب وتمر)).
(٢) الخبر في حلية الأولياء ٧/ ٣٨١.
(٣) في حلية الأولياء ٧/ ٣٧٠ الرطابي.
(٤) كذا، وفي حلية الأولياء وسير أعلام النبلاء ٣٩٣/٧ ((الغسولي).
(٥) بالأصل ((السنجاري)) والمثبت عن الحلية.

٣٠٣
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
فملأهما ثم قال: بسم الله وَشرب، فقال: الحمد لله (١)، ثم إنه خرَج من النهر فمدّ
رجليه قال: يَا أبَا يُوسُف لو علم الملوك وَأبناء المُلُوك مَا نحن فيه من النُّعَيْم والسُّرور
لجالدُونا (٢) بالسيوف أيَام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب، فقلت
له: يا أبا إسحاق طلب القوم الراحة وَالنُّعَيْم فأخطأوا الطريق المستقيم، فتبسم ثم قال:
من أين لك هذا الكلام؟
أخْبَرَنا أَبُو بَكر محمّد بن أحمد البُرُوجِرْدي، أنا أبُو عَطاء عَبد الأعلى بن
عَبد الوَاحد بن أحمَد، أنا إسْمَاعيل بن إبراهيم بن محمّد الفقيه، أنا أبُو يَعْلَى
الحسين بن الزبيري، نا أبُو حَامد أحمَد بن محمّد الفراء المؤدب، نا إسحاق بن إبراهيم
الحنظلي، والحسن بن عَبد اللّه الشامي قالا: نابقية بن الوليد قال: صَحبت إبراهيم بن
أَذْهَم إلى المِصِّيْصَة، فبينا أنا مَعه إذا رَجل يَقُول: من يَدلني على إبراهيم بن أدْهَم قال:
فأشرت بإصبعي(٣) إليه، فتقدم إليْه فقال: السلام عليك وَرَحمة الله، قال: وَعَليك
السَّلام، مَن أنت؟ قال: أُخبرك أن أبَاك توفي، وَخلّف مَالاً عظيماً، وَأنا عَبدك فلان،
وَهَذه البغلة لك، وَمعي عشرة آلاف درهم تُنفقها على نفسك، وَتزخل إلى بَلْخ، وَالمَال
مستودع عند القاضي.
قال: فسكت ساعة ثم قال: إن كنت صَادقاً فيما تقول، فأنت حرّ، والبغلة لك
وَالمال تنفقه على نفسك.
قال بقية: ثم التفت إليّ فقال: هَل لك في الصُحبة؟ قلت: نعم، فارتحلنا حتى
بَلَغْنا إلى حُلوَان (٤)، فلا وَالله لا طَعِمَ وَلَا شربَ، وكان [في](٥) يَوم مثلج فقال: يَا بقيّة
لَعَلك جَائع؟ قلت: نعم، قال: ادخل هَذه الغيضة، وَخذ منها مَا شئت؛ قال: فمضيت
فقلت في نفسي: يَومٌ مثلجٌ، من أين لي، قالَ وَدَخلت فإذا أنا بشجرة خَوخ، فملأت
جرابي وَجئت، فقال لي: مَا الذي في جرَابك؟ قلت: خوخ، فقال: يا قليل اليقين، هَل
(١) زيد في الحلية: ثم يبدأ ثانية فقال: بسم الله ثم شرب ثم قال الحمد لله.
(٢) في الحلية: إذا لجالدونا على ما نحن عليه بأسيافهم أيام الحياة.
(٣) بالأصل: ((بأصبعه)) والمثبت عن المختصر.
(٤) حلوان بلد بالعراق وهي آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد (ياقوت).
(٥) الزيادة اقتضاها السياق، عن مختصر ابن منظور.

٣٠٤
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
يكون هَذا؟ لعلك تفكرت في شيء آخر؟ وَلو ازدَدتَ يقيناً لأكلتَ رطباً كما أكلت مَریم
ابنة عمرَان في وَسَط الشتاء؛ ثم قالَ لي: هَل لك في الصُحبة؟ قلت: بلى.
قال فمشينا، ولاَ والله مَا عليه حذاءٌ وَلا خفٌّ حَتى بلغنا إلى بَلْخ، فدخل على
القاضي فسلّم عَليْه وقال: بلغني أن أبي توفي واستودعَ عندك مَالاً. قال: أما أدْهَم فنعم،
وَأمّا أنا فلا أعرفك، قال: فأرَاد أن يقوم، قال: فقال القوم: هَذا إبراهيمُ بن أذْهَم،
فقال: مكانك فقد صح لي أنك ابنه قال: فأخرَج المال، قال: لا يمكن إخراجه قال:
دُلني على بَعضه قال: فدَله على بَعضه فصَلّى ركعتين وَتَبَسَّم، فقال القاضي: بَلغني إنك
زاهدٌ قال: وَمَا الذي رأيت من رغبتي قال: فَرحك وَتَبسّمك قال: إنما فَرَحي وتبسمي
من صُنع الله إياي هَذَا مَال كان حبيساً عن سَبيْل اللّه، وَأعانني الله حتى جئت في إطلاقه،
جَعلتها كلها في سبيل الله، وَنفض ثيابَه وَخَرج.
قال: فقلت له: يا أبا إسحاق لم نُطعم منذ شهرَان قال: قد ذكرتني هَل لك في
الطعَام؟ قلت: نعم، فصَلّى ركعتين، فإذا حَوله دنانير فحملت ديناراً وَمضينا.
أخْبَرَنا أبُو عَبد اللّه الفُرَاوي، أنا أبُو عثمان الصَابُوني، أنا أبُوْ نَصر عُمَر بن
عَبد العزيز بن عمر بن قَتَادة، أنا أبُو مُحمّد يَحيَى بن مَنصُور بن يَحيَى، نَا مُحمّد بن
إبرَاهْم البُوشنجي، نا أبُو صَالح الفراء، أنا علي بن بكار قال: كان إبراهيم بن أدْهَم
جالساً بفناء بجنب المسجد إذ أقبل رَجل مَربُوع القامة عليه أثر سفر حتى وقف علينا
فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم فأخذ بيده فنحاهُ وقال: أي شيء أرَدت قال: أنا غلامه
بعثني أخوته وَمَعي عشرة آلاف وَفَرس وَبغلة. فقال له إبراهيم: إنْ كنت صادقاً فأنت حرّ
وَمَا مَعَك لك، اذهَبْ فلا تخبر به أحداً.
أُخْبَرَنا أبُو الوقت عَبد الأوّل بن عيسَى، أنا يَعْلَى بن هبة الله حَ.
وَأخْبَرَنا أبُو مُحمّد الحسَن بن أبي بكر، أنا الفضل بن أبي مَنصُور، قالا: أنا
عَبد الرَّحمن بن أبي شريح، أنا محمّد بن عقيل، نا أبُو عَبد اللّه مُحمّد بن إبراهيم، نا
أبُو صَالح، أنا عَلي بن بكار، قالَ: كان إبرَاهيمُ بن أدهَمْ جالساً مَعَنا عندَ المسجد إذ أقبل
رَجُل مَرَبُوع أحمَر عليه أثر سَفر حَتى وقف علينا فقالَ: أيّكم إبراهيم بن أدهم فإمّا قال
القوم: هَذا، وَإِمّا قال: أنا، فقامَ إليه إبراهيم فأخذ بيده فنحاه فقال: أي شيء أردت

٣٠٥
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
قال: أنا غلامك بعثني إخوتك إليك وَمَعي عشرة آلاف وَفرس وَبغلة، فقال له إبراهيم بن
أذْهَم: إن كنت صَادقاً فأنت حُر وَمَا مَعَك لك اذهَب لا تخبر أحداً (١).
قالَ وَنَا محمّد بن عقيل، نا محمّد بن إبراهيم، نا أَبُو صَالح قال: سَمعت علي بن
بكار يَقُول: كان إبراهيم بن أدْهَم لا يرد هَدية وَيكافىء بمثلها قال: فخرجنا مَعَه يوماً
نشيعه وَهوَ يُريد الشام، فَلما بلغ عين الخل (٢) وأرادنا الرجوع نزع إزاره مؤتزراً به تحت
فروَة، فدفعه إلى أبي إسحاق قال: بيعُوه واشتروا به كذا وكذا وَابعثوا به إلى فلان، فقال
له أبو إسحاق: ليسَ عليك إزار ولا على جلدك قميص، إنما هوَ هَذا الفرو امسكه، نحن
نکافئه عنك، فأبی فأخذنا منه.
أخْبَرَنا أَبُو القاسم الحسَيني، أنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسَن بن إسْمَاعيْل، أنَا
أحْمَد بن مَروَان، نا محمّد بن عَبد العزيز، نا محمّد بن حفص، قال: سمعت
الحُسين بن محمّد المَرْوَزي يقول: أهدى رَجُل لإبراهيم بن أدهم عنباً وتيناً على طبق،
فلم يكن عنده مَا يكافئه فنزع فرواً فوضَعه على الطبق وَبَعث به إليه(٣).
قالَ: وَنَا أُحمَد بن مروان، نا محمّد بن عمرو، نا مهدي بن أبي مهدي، حَدَّثني
بقية، قال: سَهرت مَعَ إبراهيم بن أدهم على حائط صُور فحدثني عن رجل عن النخعي
عن عائشة قالت: قال النبي وَّر: ((إذا دَخل عليك صبي جَارك ضعي في يده شيئاً فإن
ذلك يحقق لك المودة في قلوبهم)) (١٥٥١].
قالَ بقية: فقمت إلى شيء من طرائف البَحر فأهديته إليْه ثم ندمت بعد ذلك.
فقلت لبقية: لم ندمتَ قال: لأنه بعث إليّ بكساء كان يلبسه في الشتاء وَخفِّ كان يلبسه
في الغَزو.
و
قالَ: وَنَا أَحْمَد بن مروان، نا هَارُون بن الحسَن، نا خَلف بن تميم قالَ: دَخل
إبراهیم بن أدهم الجبل معه فأس رومي، فاحتطب حطباً کثیراً ثم جاء به فباعه واشترى به
(١) حلية الأولياء ٣٨٣/٧ وزيد فيها: قال: فذهب.
(٢) كذا رسمت بالأصل، ولم أجدها.
(٣) انظر الخبر في الحلية ٣٨٤/٧.

٣٠٦
إبراهیم بن أدهم بن منصور بن یزید بن جابر أبو إسحاق التميمي
ناطفاً (١)، ثم جَاء به إلى أصْحَابه فقال: كلُوا كأنكم تأكلون في رَهْن (٢).
أخْبَرَنا أبُو البركات عَبد الله بن مُحمّد بن الفضل الفُرَاوي - في كتابه - نا
إسْمَاعيْل بن عبد الله السّاوي(٣) - إملاء - أنا محمّد بن عَبد الله، حَدَّثني عَبد العزيز بن
الفَضل، حَدَّثني عَبد الجبَّار بن عَبد الصَّمد، حَدَّثني الحسَن بن أحْمَد، حَدَّثني
محمّد بن عَبد الله الأَرْدَبيلي، عن أبي شعيب، قال: سَألت إبراهيم بن أدْهَم أن أصْحَبه
إلى مكة فقالَ لي على شريطة على أنك لا تنظر إلّ الله وَبالله فشرطت له ذلك على نفسي
فخرجت مَعه فبينًا نحن في الطواف فإذا أنا بغلام قد افتتن الناسُ به لحُسنه وَجَماله فجعَل
إبراهيم يُديم النظر إليه فلما أطَال ذَلك قلت: يا أبا إسحاق أليس شرطت على أن لا تنظر
إلّ الله وَبالله؟ قال: بلى، قلت: فإني أرَاك تديم النظر إلى هَذا الغلام، فقال: إن هَذا ابني
وَوَلدي وَهؤلاء غلماني وَخَدمي الذين مَعَه، ولولا شيء لقبلته وَلكن انطلق فسلّم عليه
مِنِي وَعانقه عني.
قالَ: فمضيت إليه وَسلّمت عليه من والده، وَعانقته فجاء إلى والده فسَلّم عليه ثم
صَرفه مَعَ الخدَم فقال: أرجع النظر، إيش يُراد بك، فأنشأ يَقُول:
وَأيتمتُ العيَال لكي أرَاكا
هَجرت الخلق طُرّاً في هَوَاكَا
لما جنّ الفؤادُ إلى سوَاکا
وَلو قطَّعتني في الحبّ إرباً
أُخْبَرَنا أبو القاسم إسْمَاعيل بن الفضل الحافظ، أنا أبُو الخير محمّد بن أحمَد بن
رَرَا(٤)، أنَا أحمَد بن مُوسَى، نا مُحمّد بن عَبد الله بن إبراهيم المؤدب، نا علي بن
سَعيْد، نا محمّد بن يزيد البزار، نَا مُحمّد بن شقيق بن إبراهيم البَلْخي، قال: قالَ إني
رَأيت إبراهيم بن أدْهَم وَأُهْدي إليه يَوماً سلة من تين، وَهو عند غروب الشمس، فقسمَه
على جيرانه وَعَلى الفقهاء فقال له بَعض أصْحَابه: ألا تدع لنا شيئاً قال: ألستم صُوَاماً؟
(١) الناطف وهو القُبيط، وهو ضرب من الحلوى يصنع من اللوز والجوز والفستق قال أبو نواس:
من يشتري الحلو من الحلو
يقول والناطف في كفه
(انظر اللسان والقاموس والمعجم الوسيط).
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٢.
(٣) هذه النسبة إلى ساوة بلد بين الري وهمذان.
(٤) إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت والضبط عن التبصير ٥٩٨/٢.
١

٣٠٧
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
قالُوا: بَلى، قالوا: قال: سُبحَان الله أمَا لكم حباً، أمَا لكم أمَانة، أمَا تخافون من الله
العُقوبة بسوء ظنكم بالله، وَطول الأمَل إلى المسَاء، ثقوا بالله وَأحسنوا الظن بمَا وَعَد الله
فإن الله يقول: ﴿مَا عندكم يَنْفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقِ﴾(١).
أنْبَأنا أبُو القاسِمْ عَلي بن إبراهيم، نا عَبد العزيز، أنا عَبد الوَهّاب الميدَاني، أنا
أبُو العَباس البَرْدَعي، نا عَبد الله بن الحسين الأُرْدُني، نا أبُو حَفص النَسَائي، حَدَّثني
محمّد بن الحسَين، عن يحيى بن أيّوب، حَدَّثني حَواري بن حوَاري، قال: كان
إبراهيم بن أدْهَم يتألف الناس بأخلاقهم، وَيَأْكل مَعَهم وَربمَا اتّخذ لهم الشواء
وَالجوذبان(٢) وَالخبيص (٣) وَطَعَام الطيب، وَربما خلا هوَ وَأصحابه الذين يأنس إليْهم،
وكان يَعمل عمل الرَّجلين، وكان إذا أكل وَحده أكل الطَعَام الدُون، وكان كريمَ النفس إذا
اصطَنع إليه إنسَان مَعرُوفاً يحرص على إكرامه وأكثر بما يصنع به.
أخْبَرَنا أبُو جَعفر أحمَد بن محمّد بن عَبد العزيز المكي - بقراءتي - أنا الحسن بن
عَبد الرحمن بن الحسَن الشافعي، أنا أحمَد بن إبراهيم بن فِرَاس، أنا أَبُو جَعفر
الدَيْيُلي، نا عصَام بن رَوَّاد، قال: سمعت أبي يَقُول: كنت ليلة مَعَ إبراهيم بن أدهم
بالثغر فأتاه رَجُل بباكورةٍ، فنظر حوله هَل يرى شيئاً من رحله يكَافئه، فلم يَر شيئاً فنظر
إلى سَرجي. فقال: خذ ذاك السّرج فأخذه الرجل وَمَضى.
قالَ أبي: فما دَخلني سُرور قط مَا دخلني حين علمت أنه صَيّر مَالِي وَمَاله
وَاحداً (٤).
كذا رَوَاه لنا أبُو جَعْفَر وَإنما يَرويها ابن قواس، عن العَباس بن مُحمّد بن قتيبة،
عن عصام.
أَخْبَرَنا أبو القاسم الشّخّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد الله الحافظ، أنا
(١) سورة النحل، الآية: ٩٦.
(٢) إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت عن البداية والنهاية ١٤٨/١٠ .
(٣) الخبيص: حلواء مخبوصة من التمر والسمن، جمع أخبصة (معجم وسيط).
أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٢ ونحوه في حلية الأولياء ٧/ ٣٨٤.
(٤)

٣٠٨
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
جَعفر بن محمّد بن نُصَير، نا إبراهيم بن نَصر المنصُوري(١).
وَأخْبَرَنَا أَبُو السَعَادَات أحمَد بن حمد المتوكلي، أنا وأبُو مُحمّد عبد الكريم بن
حمزة السُلَمي، أنا أبو بكر الخطيب، أنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز، وعلي بن
أحمد بن عمر المقرىء، قالا: أنا جَعفر الخالدي، نا إبراهيم بن نصر، نَا إبراهيم بن
بشار، قال: أمسَينا - يَعني مَعَ إبراهيم بن أدْهَم - ذات ليلة وَليس مَعَنا شيء نفطر عليه
وَلَا لنا حيلة فرآني مغتمّاً حَزيناً فقال: يَا إبراهيم بن بَشار مَا إذا أنعَم الله على الفقراء
وَالمساكين من النعيم وَالراحة في الدنيا والآخرة لا يَسألُهُم يَوم القيامة عن زكاةٍ، وَلا
عن حجٍّ، وَلا عن صَدقةٍ، وَلا عن صلة رَحمٍ، وَلا عن مُواسَاة؛ وَإنما يَسأل وَيُحَاسب
عَن هَذا هؤلاء المَسَاكين أغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة، أعزّة في الدنيا أذلّة يَوم
القيامة، لا تغتمّ وَلا تحزن فرزق الله مَضمُون سيأتيك. نحن وَالله المُلوك الأغنياء، نحن
الذين قد تعجلوا الرَاحة في الدنيَا وَالآخرة، لاَ تبالِ (٢) عَلى أَيّ حَال أصْبَحنا وَأمسَينا إذا
أطعنا الله، ثم قام إلى صَلاته وقمت إلى صَلاتي، فما لبثت إلّ ساعة وإذا نحن برجل قد
جَاءنا بثمانية أرغفة وتمرٍ كثيرٍ فوضعه بين أيدينا وقال: كلوا رَحمكم الله قال: فسَّم ثم
قال : - وقالَ الخطيبُ فقال : - كلّ ما معي، فدخل سَائل فقال: اطعمونا شيئاً، فأخذ
ثلاثة أرغفة مَع تمرٍ فدَفعه إليه وأعْطَاني ثلاثة وَأكل رغيفين، وقال: الموَاسَاة من أخلاق
المؤمنین.
أخْبَرَنا أبُو عَلي الحَداد - في كتابه - أنا أبُو سَعيْد عَبد الرحمن بن أحمد بن
عمر بن يزيد الصَفار - قراءة عَليْه - نا جَدي أبُو بَكر عَبد الله بن أحمَد بن القاسم، نَا
إبراهيم بن مُحمّد بن الحُسَين، نا مُحمّد بن یزید المُستملي، نا علي بن بكار، قال (٣).
كان الحصاد أحب إلى إبرَاهيْم من اللقاط. وكان سُليمَان الخواص [لا يرى باللقاط](٤)
بأساً، وكانت أسنانهما قريبة، [و](٥)كان إبراهيم(٦) أفقه، وكان من العرب من بَني
(١) حلية الأولياء ٧/ ٣٧٠.
(٢) بالأصل: تبالي.
(٣) حلية الأولياء ٧/ ٣٧٣ وسير أعلام النبلاء ٣٩٢/٧ والبداية والنهاية ١٤٤/١٠.
(٤) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن هامشه والحلية.
(٥) زيادة عن الحلية.
(٦)) سقطت من الأصل وكتبت بين السطرين.

٣٠٩
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
عجل(١)، كريم الحسَب فكان إذا عَمل ارتجز وقال:
اتّخذ الله صَاحِبا وَدَعِ الناسَ جَانِبَا
وكان يلبس في الشتاء فرو ليسَ تحته قميص، ولم يكن يلبس خفين وَلاَ عمامة،
وَفي الصيف شقتين بأربعة دَراهم، يتّزر بوَاحدة وَيرتدي بأخرى، وَيَصُوم في السَّفر
وَالحضر، لا ينامُ الليل وكان يتفكر، فإذا فرغ من الحصَاد أرسَل بعض أصحابه فحاسَبَ
صَاحب الزرع، ويجيء بالدرَاهم وَلا يمَسهَا بيده، يقول لأصحابه: اذهَبُوا كلُوا بِهَا
شهواتكم فإذا لم يكن حصَاد أجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع، وكان يجلس
فیطحن بیدٍ واحدة مُگنْ قمح.
قالَ أبو إسحاق: يعني قفيزين.
أخْبَرَنا أبو القاسم إِسْمَاعيْل بن محمّد بن الفضل، أنا إسْمَاعيل بن عمرو - يَعني
البختري - نا عمي، نا محمّد بن أحمد البختري، نا أحمد بن محمّد بن یحیی الفقیه، نا
يُوسف بن مُوسَى المرورُّوذي، نا أحمَد بن إبراهيم بن أدهم، نا خلف بن تميم قال:
سَمعت إبراهيم بن أدْهَم يَقُول: لا ينبغي للرَّجل أن يَرفع نفسه فوق قدره، وَلا يضع نفسه
دُون درجته.
اخْبَرَنا أبو القاسم الحسَيني، أنا رشاء بن نظيف، أنا الحسَن بن إسْمَاعيْل، أنا
أحمَد بن مَرَوَان، نا مُحمّد بن عمرو البزاز، نا أبُو يُوسُف الغاسُولي(٢) قال: دعَا
الأوزاعي إبراهيم بن أدهم إلى الطعَام فقصَّر في الأكل فقال له الأوزاعي: رأيتك قصَّرتَ
في الأكل قال: لأنك قَصّرت في الطعَام(٣) .
قال: وَهَيأ إبراهيم (٤) طَعَاماً وَوَسَّع فيه وَدَعَا الأوزاعي فقال له: أما تخاف أن
يكون سَرَفاً؟ فقال له إبراهيم: إنما السَّرف (٥) مَا ينفقه الرجل في معصية الله، فأما مَا
(١) عن الحلية وسير الأعلام، وبالأصل ((علي).
(٢) في سير الأعلام ٣٩٣/٧ ((الغسولي).
(٣) إلى هنا ينتهي الخبر في سير الأعلام.
(٤) في البداية والنهاية ١٤٨/١٠ (من تحقيقنا): ثم عمل إبراهيم طعاماً كثيراً ودعا الأوزاعي.
(٥) في البداية والنهاية: إنما السرف ما كان في معصية الله.

٣١٠
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أنفقه على إخوانه فهو من الدّین.
أخْبَرَنا أبُو طاهر محمّد بن أبي بكر بن عبد الله السِّنْجي(١)، أنا أبُو طاهر
عَبد الكريم بن عَبد الرزاق الحَسَنابَاذي (٢)، أنا أبُو الفتح منصُور بن الحسين بن علي بن
القاسم، أنا أبُو بَكر محمّد بن إبراهيم بن علي بن المقرىء، أنا أبُو يعْلى المَوْصلي قال:
سَمعت مَرْدُوَيه الصَابِغِ يَقُول: سَمعت شقيق (٣) البَلْخي يقول: بينا نحن ذات يَوم عند
إبراهيم بن أدْهَم إذ مَرّ به رَجُل من أصحاب (٤) الضياع فقال إبراهيم: أليس هَذا فلان؟
فقيل: نعم، فقال لرجلٍ: أُدركُهُ، فقال له: قال إبراهيم بن أدْهَم مَا لك لم تسلّم؟ قال:
لا وَالله إلّا أن امرأتي وضعت الليلة، وليسَ عندي شيء فخرجت شبه المجنون(٥) قال:
فَرَجعت إلى إبراهيم فقلت له، فقال: إن لله كيف غفلنا عن صَاحبنا، حتى نزل به الأمر،
فقال: تعال يا فلان، أئتِ فلاناً صَاحب البُستان فاستسلف منه دينارين، وَاشتر (٦) له مَا
يصلحه بدينار، وَادفع الدّينار الآخر إليه قال: فدخلت السوق فأوقرت بدينار من كل
شيء، وَتوجهت إليه فدققت الباب فقالت امرأته: من هذا؟ قال: قلت: أنا أردت فلاناً،
قالت: ليسَ هوَ هَا هُنا، قال: فأمرتني بفتح الباب وتنحّت، قال ففتح الباب وأدخلت ما
على البَعير وألقيته في صَحن الدَار، وَناوَلتها الدّينار، فقالت على يدي من هَذا
رحمك الله؟ فقلت: أقرئيه السّلام وَقولي هَذا على يدي إبراهيم بن أدهم، فقالت: اللهمّ
لا تنسَ(٧) هَذا اليَوم لإبراهيم بن أدهم (٨).
قال: فجئت إلى إبراهيم فحدثته بما كان وَمَا كان من دَعوتها وقولهَا، قال ففرحَ
إبراهيم فرحاً لم يفرح مثله قط، فلما جَاء الرجل من آخر النهار وليس معه شيء فنظر إلى
صحن الدار وقد مُلىء من الخبز، وَدفعت الدينار إليه قال لهَا على يدي من هَذا؟ قالت:
(١) إعجامها غير واضح، والصواب ما أثبت، انظر الأنساب.
(٢) هذه النسبة إلى حسناباذ بفتحتين ونون، من قرى أصبهان (معجم البلدان: وترجم له ترجمة قصيرة).
(٣) في الحلية ٧/ ٣٨٢ (شفيق بن إبراهيم)) تحريف، والصواب بقافين، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء
٩/ ٣١٣.
(٤) الحلية: رجل من الصناع.
(٥) بالأصل: ((شبيه المحروه)) كذا، والمثبت عن الحلية.
(٦) الحلية: وادخل السوق فاشتر له ..
(٧) بالأصل: لا تنسى، والمثبت عن الحلية.
(٨) إلى هنا ينتهي الخبر في حلية الأولياء.

٣١١
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
على يَدي أخيْك إبراهيم بن أدْهَم، فقال: اللهم لا تنسَ (١) هَذا اليَوم لإبراهيم.
أنْبَأنا أبُو جَعْفر أحمَد بن عَبد العزيز المكي، أنا الحسين بن يحيَى بن إبراهيم،
أنا الحسين بن علي بن مُحمّد الشيرازي، أنا علي بن عَبد الله بن الحسن، نا محمّد بن
دَاوُد، حَدَّثني أبُو عُمَير بن عَبد الباقي - صاحب أذنة - قال: حَصد عندنا إبراهيم بن
أذْهَم في المزارع بعشرين ديناراً، وَدخل إلى أذنة وَمَعه صَاحبٌ له، فأرادَ إبراهيم
[أن] (٢) يحلق رأسه ويحتجم، فجاء إلى حجّام وَجَلس بَين يديه، فلما رآهم الحجام
حقرهم وقال: مَا في الدنيا أحد أبغض إليّ من هؤلاء، فما وَجَدوا من يخدمهم غيري،
فخدم جَماعة وَتهاوَن بإبراهيم وَصَاحِبِه، وَإِبراهيم ساكتٌ ينظر، فلما لم يبق بين يديْه وَلا
عنده أحد التفت الحجّام إليهم فقال: إيش الذي تريدون؟ فقال له إبراهيم: أريد أن
أخلق رأسي واحتجم، فَوَجَد صَاحب إبراهيم الذي مَعَه في نفسه مِن تهاون الحجام بهمَا
فقال: أمَا [أنا] (٢) فليسَ أحلق ولا احتجم، فحلق إبراهيم وَاحتجم، فلما فرغ قال
لصَاحبه: هَات الدنانير التي مَعك، فدفعها إلى الحجَام كما هيَ العشرين ديناراً فقال له
صَاحبه: حَصدت في هذا الحد فدفعتها إلى هَذا، فقال له: اسكت تركت هذا، لا تحقّر
فقير أبداً، وَدَخل من فورَه إلى طَرَسُوس، فلما أصْبَح قال لصَاحبه: هذه الكتيبات خذها
ارهنها وَجئنا بشيء نأكله، قال فخرجَ صَاحِبه ليجيء بشيء كما أمره فرأى في طريقه
خادماً على شهري (٣) وَبين يديه حمارات وَخيل وَبغال عليها صَناديق فيهَا فوق الستين
ألف دينار، وَالخادم يَقُول الذي أبغيه هو أحمَر أشقر يعرف بإبراهيم بن أدهم، فتقدم إليْه
صَاحبُه وقال له: الرجل الذي تطلب مَا يُحب هَذه الشهرة، أنا أدلك عليه، فقال لغلامه:
كن مَعه، فلما ضَربَ خيمته أخذ بيده فجاء به إلى إبرَاهيْم وَهوَ جَالس، فلما رَآه الخادم
وهوَ في زي الحصَادين يستفرغ في بكاء شديد ثم قال: يَا مَولاي بَعد ملك خراسَان
صرت في هَذا الحَال؟ فقال له إبراهيم: اسكت إيش وَرَاءك؟ فقال: مَات الشيخ، فقال
إبراهيم: رَحمهُ الله موت الشيخ تأتي على كل مَا أتيت به، وإيش الذي تريد؟ فقال: أنا
غلامك وَخَادمك لما مَات الشيخ تركت كل رجس هوَاه، وَأخذوا من جانب الملكة مَا
(١) بالأصل: ((لا تنسى)) والصواب ما أثبت عن الحلية.
(٢) زيادة لازمة.
(٣) كذا.

٣١٢
إبراهیم بن أدهم بن منصور بن یزید بن جابر أبو إسحاق التميمي
استوى لهم وأخذت أنا مَا ترى مَعي فأنا عَبدك وَخادمُك، جئت أطلب الثغر أقيم به
وَأجاهِد في سَبيل الله، فقال(١) لي العُلماء: مَا يَقبل الله منك صَرفاً وَلاَ عَدْلاً حتى تَرجع إلى
مَوَاليك وَتضع يدك في أيديهم فيحكموا فيك وفيمَا مَعَك، وقد جئتك فأمرني بما
أحببت. فقالَ له إبراهيم: إن كنت صَادقاً فيما تقول، فأنت حُرّ لوجه الله تعالى، وكلّ ما
مَعَك فهوَ لك إن جئت تنفقه في هَذا الوَجه، ثم التفت إلى صَاحبه بعد أن قال للخادم:
قمْ اخرُج عَني وَيحَك، خذ هذه الكتيبات ارهنها وَجئنا بشيء نأكله.
أنبَأنا أبُو علي الحَداد، أنا أبُو نَعيْم الحَافظ (٢) نا أبي،نا أحمَد بن محمّد بن عمر،
نا الحسين بن عَبد الله بن شاكر، نا أحمَد بن أبي الحوَاري، قال: سمعت مضاء بن
عيسَى يَقُول: مَا فاق إبراهيم بن أدْهَم أصحابه بصَوْم وَلا صَلاة، ولكن بالصّدق
وَالسخاء.
أخْبَرَنا أبو بكر محمد بن داود البُرُوجردي، أنا علي بن عَبد الله بن نصر بن أبي
صَادق، أنا أبُو عَبد الله محمّد بن عَبد اللّه بن بالوَيْه(٣)، نا عَبد الوَاحد بن بكر، نا
إبراهيم بن نَصر، نا إبراهيم بن بشار قال: اجتمعنا ذات يوم في مَسْجد، فما منا أحد إلّ
تكلم بشيء إلّ إبراهيم بن أدْهَم فإنه سَاكت، فلما تفرق الناس عاتبته على ذلك فقال:
الكلام يظهر حمق الأحمق وَعقل العاقل قال: قلت: فِلِمَ لم تتكلم؟ فقال: إذا اغتممتُ
للسكوت أحب إليّ من أن أندَم للكلام.
أُخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمر قندي، أنا أبُو مُحمّد أحمَد بن علي بن الحسن بن أبي
عثمان، أنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر، أنا أبُو عَلي الحسين بن صفوان،
أنا أبُو بكر بن أبي الدنيا، حَدَّثني علي بن أبي مريم، عن خلف بن تميم، نا أبو إسحاق
الفزاري، قال(٤): كان إبراهيم بن أدْهَم يطيل السكوت، وَإذا تكلم رُبما انبسَط. فأطال
ذات يوم السكوت فقلت له: لو تكلمت(٥)، فقال: الكلام عَلى أرْبَعَة وُجُوه: فمن الكلام
(١) بالأصل: فقالوا.
(٢) الحلية ٧/ ٣٨٤ باختلاف.
(٣) بالأصل (بالويه)) والصواب ما أثبت، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٤٤ وانظر الخبر في حلية
الأولياء ٨/ ٢٠.
(٤) مختصر ابن منظور ٢٦/٤.
(٥) في المختصر: فقلت له: لم؟ ألا تكلمت؟.

٣١٣
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
كلام نَرجُو منفعته وَنخشى عاقبته فالفضل في هَذا السلامة منه، وَمن الكلام كلام لا نرجُو
منفعته وَلا نخشى عاقبته فأقل مَالك في تركه خفة المؤونة على بدنك ولسانك. ومنه كلام
لاَ نرجُو منفعته ونخشى عَاقبته وَهَذا هوَ الدّاءَ العُضَال، وَمن الكلام كلام نرجو منفعته
وَنأمن عَاقبته فهذا الذي يجب عليك نَشره.
فإذا هوَ قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام.
قالَ: وَنَا أحمَد بن مروان، نا أحمَد بن علي المُخَرّمي، نا محمّد بن عمرو، عن
عَبد الله بن السّندي الخُراسَاني، قال: قالَ إبراهيم بن أدهم أعربنا (١) في الكلام فلم
نلحن(٢)، وَلحنّا في الأعمال فلَم نعرب.
أُخْبَرَنا أبُو الوقت، أنا أبُو صَاعد، أنا أبُو مُحمّد بن أبي شريح، نا محمّد بن
عقيل، قال: سَمعت سُليمَان بن الرَّبيع يَقُول: سَمعت بشر بن الحارث، عن يحيى بن
يَمان قال: كان سُفيان إذا رَأى(٣) إبراهيم بن أدهم تجوّز(٤) في كلامه ..
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أحمَد بن علي الحسين بن أبي عثمان، أنا
أبُو عَبد الله محمّد بن بكر أبي بن عمران الرازي، أنا أبُو عَبد الله محمّد بن مخلد بن
خَفص العَطار، حَدَّثني محمّد بن المُثنى، قال: سَمعت يحيى بن يمّان يَقُول: كان
سُفيان إذا قعَد مَع إبراهيم بن أدْهَم تحرّز من الكلام.
قالَ: وَحَدَّثني محمد بن المثنى قال: سمعت بشراً يقول: سَمعت ابن مَهدي
يَقُول: لقي سفيان إبراهيم - يعني ابن أدْهَم - فتسامرًا ليْلتهما حَتى أصْبَحًا (٥) .
أُخْبَرَنا أبُو القاسم الشحَامي أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو نصر بن قتادة، أخبَرَني أبُو
الحسَن محمّد بن عَبد الله السليطي، قال: سَمعت محمّد بن إسحاق السّرّاج يَقُول:
سَمعت إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدْهَم قال: أوْصَانا إبراهيم بن أدْهَم قال: فرّوا
مِن الناس كفراركم من السّبع الضاري وَلا تخلّفوا عن الجمعة والجماعة(٦).
(١) إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت عن البداية والنهاية (بتحقيقنا) ١٠/ ١٥١.
(٢) بالأصل: يلحن، والمثبت عن البداية والنهاية.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣٩٣/٧ ((إذا قعد مع)).
(٤) سير الأعلام: ((تحرز من الكلام)) وتجوّر في كلامه: يعني اختصر.
(٥) حلية الأولياء ٧/ ٣١.
(٦) الخبر في البداية والنهاية بتحقيقنا ١٤٨/١٠ .

٣١٤
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أخْبَرَنا أبو القاسم الحسَيني، أنا رَشَأْ بن نظيف، أنا الحسَن بن إسْمَاعيل، نا
أحمَد بن مَروَان، نا عَبد الرَّحمن بن محمّد، نا أبي قال: قال أبُو سُليمَان(١)
المَوْصلي: قلت لإبراهيم بن أدهم: لقد أسرع إليك الشيب في رَأسك قال: مَا شيب
رَأسي إلّ الرفقاء.
قالَ: ونا أحْمَد بن مروان، أنا محمّد بن عمرو الصَفار، نا عَبد الرَّحمن بن
عفان قال: أنا مُعَاوية الأسوَد وَعلي بن بكار يَقُولان: كنا بمَكة معَ إبراهيم بن أدهم فَإِذا
بقاتِل خاله قد لقيه بمَكة فسَلّم عَليْهِ وَأهدى إليْه هَدية فقيل له: قتل خالك وَتهدي إليه
وَتسلّم عليه فقال: تخوفت أن أكون قد رَوّعته فإنه بلغني (٢) أن لا يكون العَبد من المتقّين
حتی یأمنه عَدُوه.
أُخْبَرَنا أَبُو مُحمّد هبة الله بن أحمد، نا عَبد العزيز بن أحمَد الحَافظ، أنا أبُو
عقيل عبد الملك بن محمّد بن يُونس بن الفتح السّمر قندي، قدم عَلينا في حَاجّ خُرَاسَان
سنة خمس عشرة وَأربع مائة، نا ()(٣) علي بن إسْمَاعيل السَمان وإفادته، نا
جَدي لأمّي أَبُو محمّد عَبد الكريم بن محمّد بن مُوسَى الإمام الفقيه، نا أبُو مُحمّد
عَبد الله بن مُحمّد بن يعقوب، نا أحمَد بن أبي صَالح البَلْخي، نا محمّد بن يحيى، نا
أحمَد بن أبي جعفر، عن شقيق بن إبراهيم قال: أوصى إبراهيم بن أدْهَم قال: عليك
بالناس وَإيّاك من الناس ولا بدّ من الناس، فإن الناس هم الناس، وَليسَ الناسَ
بالناس، ذهبَ الناس وَبقي النسناس، وَمَا أَرَاهُم بالناس، وَإِنما غُمسُوا فِي مَاء
الناس.
قالَ إبراهيم: أما قولي عليك بالناس: بمجالسة العلمَاء، وَأما قولي وَإِيّاك
وَالناس: إياك وَمُجَالسة السُّفَهَاءِ، وَأمّا قولي: لاَ بُدّ من الناس، لاَ بُدّ من الصلوات
الخمسَ والجُمعة وَالحجّ والجهاد وَاتّباع الجنائز والشراء وَالبَيع وَنحوه، وَأمَّا قولي
الناس هم الناس: الفقهاء وَالحكمَاءِ، وَأمّا قولي: ليسَ الناس بالناس: أهْل الأهواء
(١) في المختصر: ((سليمان)).
(٢) في البداية والنهاية ١٤٨/١٠: بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه. وانظر حلية الأولياء
٨/ ١٤.
(٣) كلمة غير واضحة بالأصل، تركناها بياضاً.

٣١٥
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيدبن جابر أبو إسحاق التميمي
وَالبدع، وَأمّا قولي: ذهب الناس: ذهَب النبي ◌َّهِ وَأصحابه، وَأمّا قولي: وَبقي
النسناس: يَعني من يُروي عَنهم عن النبي ◌َّهِ وَأَصحَابه [وأما قولي: ](١) وَمَا أَرَاهُم
بالناس إنما مَا هُم غمسُوا في مَاء الناس نحن وَأمثَالنَا.
أخْبَرَنا أبُو الوقت عَبد الأوّل بن عيسَى، أنا يَعْلَى بن هبة الله الهروي حَ.
وَأخْبَرَنا أَبُو مُحمّد الحسَن بن أبي بكر، أنا أبُو عَاصم الفُضَيلي، قالا: أنا
عَبد الرَّحمن بن أبي شريح، أنا محمّد بن عقيل، نا محمّد بن إبراهيم أبُو عَبد الله، نا
أبُو صَالح الفراء مَحبُوب بن مُوسَى، أخْبَرَني علي بن بكار قال: كنت أنَا وَأَبُو إسحاق
الفَزَاري وَإبراهيم بن أدْهَم وَمَخْلد بن حُسَين رفقاء قال: فكنا نرعى دَوابنا على شط
سَيَحَان وَمَعنا أخرجتنا وَسلاحنا، وكان إبراهيم خادمنا قال: فكان إذا حضر كأن
الطير على رؤوسنا هَيبة له، وَإذا غابَ عَنا انبسطنا. وَلم يكن فينا أحَد يجترىء أن
يخدم قال: وكان إذا طحن كفّ رَجلاً وَمَدْ رجلاً وَمَدّ وَاحدَة فيطحن مدّاً ثم يكف هذه
وَيبسط فيطحن مدّاً آخر، قال: فكان إذا أرَادَ أن يتوضأ مال بثيابه فلفها على رأسه ثم
يَسبح في سَيحَان حَتى يقطعه فيجوز إلى تلك الناحية فيتوضأ ويقضي حَاجته ثم يُقيل
وثيابه على رأسه ملفوفة ثم يجيء.
قال: وَأنا مُحمّد بن عقيل، نَا أبُو حَامد أحمَد بن يعقوب، نا الترجمَاني، نا
بقية بن الوليد، قال(٢): قلت لإبراهيم بن أدهم أكنيك أم أدعُوك باسْمك؟ قال: إن
كنيتني قبلت منك، وإن دعوتني باسمي فهو أحبّ إليّ.
قال: فمَدحته أو قال: أثنيت عليه أنا أشك، قال الشيخ: ففطن له، فقال لرَوعة
تروع صَاحب عيال أفضل ممّا أنا فيه.
قال: قلت له أوصني قال: كن ذنباً وَلا تكن رَأْساً، فإن(٣) الرَأس يهلك وَيسلَم
الذنب.
قالَ أَبُو حَامد: حَدثنا به أحمَد الدَوْرَقي عن الترجماني عن بقية مثله.
(١) زيادة لازمة اقتضاها السياق.
(٢) في حلية الأولياء ٨/ ٢٠ قال: لقيت إبراهيم بن أدهم بالساحل فقلت ...
(٣) في الحلية ٨/ ٢١ فإن الذنب ينجو والرأس يهلك.

٣١٦
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
قالَ: ونا محمّد بن عقيل، ناحم بن نوح، نَا محمّد بن الجُنيْد، عن عَبد الغفار،
قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: طوبَى لكَ أقبلت على العبادة وتركت الدنيا، فقال: لك
عيَال؟ قال: نعم، قال لروعة رَجل لعياله ساعة أفضل من عبادة كذا وكذا.
أخْبَرَنا أبُو القاسم النسيب، أنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسن بن إسْمَاعيل، نا
أحمَد بن مَروَان، نا مُحمّد بن عَبد العزيز، قال: وَنَا حُذيفة بن قَتَادة المرعشي قال:
رَأى الأوزاعي إبْرَاهيْم بن أدهم ببيروت، وَعلى عنقه حزمة خَطب فقال له: يا أبا
إسحاق، أي شيء هَذا؟ إخوانك يكفونك، فقال: دعني عَن هَذا يا أبًا عمرو، فإنه بلغني
أنه من وقف موقف مَذّلةٍ في طلب الحَلال وَجبتْ له الجنّة(١).
أخْبَرَنا أبُو الوقت السجزي، أنا يَعْلَى بن هبة الله حَ.
وَأخْبَرَنا أَبُو محمّد الحسَن بن أبي بكر، أنا الفضل بن أبي منصور، قالاً: أنا
عَبد الرَّحمن بن أبي شريح، أنا محمّد بن عَقيل، أنا مُحمّد بن إبراهيم، نا أبُو
صَالح (٢)، قالَ: وَسمعت أبا إسحاق يَقُول: أخبَرَني إبرَاهيمُ بن أدْهَم قال: كنت ناطورةً
في بُستان بأرض الشام فيه أنواع الفواكه فجاء صَاحبُ البُستان يوماً وَمَعَهُ أصحاب له
فقال: ائتنا برمان حُلو فقلت له: وَالله مَا أعْرف الحُلو من الحَامض قال: سُبْحَان الله أنت
في هَذا البُستان منذ شهر لا تعرف الحُلو من الحامض قال: لا، قالَ أبُو صَالح: وكان أبُو
سَعيد التفليسي حَاضراً عند أبي إسْحَاق فقال: يا أبا إسحاق أخبرني رفيق له أنه قال - يَعني
إبراهيم بن أدْهَم أنه قال : - أتيته برُمَان نبيل فإذا هوَ حَامض قال: فقال لي صَاحبُ
البُستان: تسخر بي أنت في البُستان مُنذ شهر لا تعرف الحُلو من الحَامض؟ قال: فذهب
صَاحب البُستَان فأخبر أن ناطُورك إبراهيم بن أدْهَم، قال: فرجع إليه بغير ذلك الوجه،
فقال: إني قد استقللت كراك فأنا أحب أن أزيدك، فقال له إبراهيم: قد كنت تعطيني
كرائي فأنت اليَوم تعطيني كرادنتي (٣) لا حاجة لي في المقام مَعَك، ثم رَحَل عنه.
أخْبَرَنا أبُو غالب بن البنّا، أنا أبُو محمّد الجَوهري، أنَا أَبُو الفضل عبيد الله بن
عَبد الرَّحمُن الزّهري، نا أبُو مُحمّد عَبد الله بن أحمَد بن عتّاب، نا أبُو حَارثة أحمَد بن
(١) مختصر ابن منظور ٢٧/٤ .
(٢) هو أبو صالح الفراء، محبوب بن موسى.
(٣) كذا بالأصل.

٣١٧
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيَى الغَسَّاني، حَدَّثني أبي عن أبي يَحمر الغَسَّاني فقال:
كنت (١) لم أزل على صحة من خبره إلى أن دَخل مَدينة عسقلان، فقال رَجُل من القوم:
عندي ناطور في بُستان قد أنكرت أمره وهو خَليق بأن يكون هوَ، وذلك أني خرجت في
جماعة من أصحابي إلى البُسْتان فسألته أن يأتيتي برُمَان حلو فأتاني برُمَان حَامض، فقلت
له: من هَذا تأكل؟ فقال: إنما آكل من متاعي، إنما اكتروني لأحفظه، فقال الرجل:
ينبغي أن يكون هوَ صَاحبي، فقمنا بأجمعنَا حَتى وقفنا على باب البُستان، فاستفتح
صَاحبُهُ فخرج إلينا فَإِذا هوَ إبرَاهيْم بن أذْهَم فسَلم عليه الرجل فقال له: مَا حَاجتك؟
قال: مَولاك فلان مَات وَخَلّف شيئاً جئتك به، قال: فبسَط إبراهيم كساءه وقال له: هَات
فصب فيه ثلاثين ألف درهم، فقال الرَّجل: اقسمهَا أثلاثاً، ففعَل فقال لنا خذوا عَشرة
آلاف درهم ففرقوها على الضعفَاء وَالمسَاكين، وَعشرة آلاف درهم قوّمُوا بهَا الحائط فقد
رَأيته تشعث، وقال للرسول: خذ أنت عشرة آلاف درهَم لعيالٍ من بَلْخ فما وَضع يده
على درهم منها وَأخذ كساءه فوضعه(٢) عَلى عنقه وَخَرَج من عسقلان فما علمناه عَاد
إليهَا .
أخْبَرَنا أبو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد اللّه الحَافظ، أنَا
إبراهيم بن عصمة بن يحيى بن إبراهيم، نا أبي، نا يحيى بن يحيى، قال: سَمعت
عَبد الرَّحمن بن مَهدي، قال طالوت: قال إبراهيم بن أدْهَم: مَا صَدق اللّهَ عبدٌ أحبّ
الشهرة .
أخْبَرَنا أبو القاسم بن الحسين بن الحسن - فيما كتبته عنه وَلم يتفق سماعه - أنا أبُو
القاسم بن أبي العلاء، أنا عَبد الرَّحمن بن محمّد بن يحيى الجَوْبري(٣)، أنا علي بن
يعقوب بن أبي العَقَب (٤)، نا القاسم بن مُوسَى بن الأشيب(٥)، حَدَّثني أحمَد بن
شيبان، نا عَبد الرَّحمن بن مهدي، عن طالوت قال: سَمعت إبراهيم بن أدهم يَقُول: مَا
(١) رسمها غير واضح بالأصل ولعل الصواب ما أثبتنا، انظر تهذيب ابن عساكر ١٨٦/٢.
(٢) بالأصل: فوضع.
(٣) نسبة إلى جوبر، قرية بالغوطة من دمشق (ياقوت) وذكره ياقوت في ترجمة قصيرة.
(٤) ترجمته في سير أعلام النبلاء ٣٨/١٦.
(٥) إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت عن سير أعلام النبلاء من ترجمة ابن أبي العقب، انظر الحاشية
السابقة .

٣١٨
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيدبن جابر أبو إسحاق التميمي
صَدق اللّهَ عَبدٌ أحبّ الشهرة.
أخْبَرَنا أبُو الوقت عَبد الأول الهَرَوَي، أنا يَعْلَی بن هبة الله خَ.
وَأخْبَرَنا أبُو محمّد بن أبي بكر، أنا الفُضَيل بن أبي مَنصُور، قالا: أنا
عَبد الرَّحمن بن السّمسَار، أنا مُحمّد بن عَقيل البَلْخي، نا محمّد بن إبراهيم، نا أبُو
صَالح، أنا شعَيب، قال: خَرَج إبراهيم من بيت المقدس فمر بمسلحة فقالوا: عَبد؟
قال(١): نَعَم، قالوا: آبق؟ قال: نعم قال: فذهَبُوا به فحبَسُوه في السّجن بطبرية قال:
فجاء رجل يَطلب غلاماً له آبق من بيت المقدس قال: فقيل له: إن مسلحة كذا وكذا قد
أصَابُوا غلاماً آبقاً فهوَ في السّجن بطبرية قال: فذهبَ إلى السّجن فإذا هو بإبراهيم بن
أذْهَم، فقال: سُبْحَان الله مَا تصنع هَنا هنا؟ قال: أنا هَا هنا ما أحسن مَكاني، قال: فرجعَ
الرجل إلى بيت المقدس فأخبرهم، فجاء الناس من بيت المقدس عنقاً (٢) وَاحداً إلى أمير
طَبرية فقالوا: إبراهيم بن أدهم مَا يصنع في سجنك؟ قال: مَا حبسته، قالوا: بلى فبَعث
إليه فجاء به، فقال له فيما حبست؟ قال: مَررت بمسلحة فقالوا: عَبد، قلت: نعم، وَأنا
عَبد اللّه، فقالوا: آبق؟ قال: قلت: نعم، وأنا آبق من ذنُوبي، قال فخلّى سَبَيْله.
أخْبَرَنا أَبُو السّعادَات أحمَد بن أحْمَد المتوكلي، أنَا وَأَبُو مُحمّد عَبد الكريم بن
حَمزة، نا أبُو بَكر الخطيب، أنا عَبد اللّه بن أحمَد الأصْبَهَاني، نا جَعفر الخُلَّدي(٣)،
أنَا أحْمَد بن مسروق، نا علي بن مُوفق، نا عَبد الله بن الفرج القنطري العَابد قال:
اطّلعتُ على إبراهيم بن أدهم في بُستان بالشام وَهوَ مستلقٍ(٤) وَإِذا حَية في فمها طاقةٌ
نرجس فما زالت تَذُبّ عنه حتى انتبه.
وَأخْبَرَنا أبُو السّعادَات المتوكلي(٥)، أنا وَأَبُو مُحمّد السّلمي، نا أَبُو بَكر
الخطیب حَ.
(١) بالأصل: قالوا.
(٢) أي جماعة.
(٣) بالأصل ((الخالدي)) والمثبت عن سير أعلام النبلاء ٥٥٨/١٥ .
(٤) بالأصل: مستلقى.
(٥) هو أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد أبو السعادات العباسي، ترجمته في سير أعلام النبلاء
١٩/ ٤٩٨.

٣١٩
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
وَأخْبَرَنا أَبُو محمّد بن طاوُس، أنا طراد بن محمّد الزينبي، قالا: أنا أبُو
الحسين بن بشران، نا الحُسين بن صفوان، نا أبو بكر بن أبي الدنيا، حَدَّثني محمّد بن
یحیی بن أبي حاتم الأزدي، نا خلف بن تميم، حدثني عبد الجبار بن کثیر، قال: قيل
لإبراهيم بن أدْهَم هَذا السّبُع قد ظهر لنا، قال: أُرُونيه، فلما رآه - وقالَ الخطيب - جَاءه
- قال: يَا قَسْوَرة (١) إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وَإلّ فعودكَ عَلى
بدئك، قال فولّى السّبع ذاهباً، قال: أحسبه یضرِب بذنبه.
قال: فتعجبنا(٢) كيف فهم السّبُع كلام إبراهيم بن أدهم. قال: فأقبل علينا إبراهيم
قال: قولوا اللّهمّ احرسْنا بعَينك التي لا تنام، وَاكنفنا بركنك (٣) الذي لاَ يُرام، وَارحمنا
بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا (٤).
قال خلف: فما (٥) زلت أقولها منذ سَمعتها فما عرض لي لص وَلاَ غيره (٥) .
كذا قالَ ابن كثير (٦) ، وقال غيره: ابن کُلَیب.
أَخْبَرَنا أبُو القاسم الحُسَيني، أنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسَن بن إسْمَاعيْل، أنا
أحمَد بن مَروَان، نا مُحمّد بن عَبد العزيز، قال: قالَ خلف بن تميم: نا عَبد الجبّار بن
كليب، قال: كنا مَع إبراهيم بن أدْهَم في سفر فعرض لنا السبع فقال إبراهيم قولوا:
اللّهمّ احرسنا بعَينك التي لا تنام، وَاحفظنا في كنفك الذي لا يرَامِ، وَارحمنا بقدرتك
علينا، لا تهلكنا وَأنتِ رَجاؤنا، يَا الله يَا الله يَا الله، قال فوَلّى السَّبُع عنا. قال خلف: فأنا
منذ سَمعت هَذا أدعو به عند كل شدّة وکرب فما رأيت إلّ خيراً.
أَخْبَرَنا أبو الحسن علي بن المُسَلّم الفقيه، أنا أبُو عَبد الله بن أبي الحَديد، أنا أبُو
الحسَن بن السّمسَار، حَدَّثني أبي مُوسَى بن الحسين بن علي، نا أَبُو بَكر محمّد بن رشيد
(١) قسورة: من أسماء الأسد.
(٢) في الحلية ٨/ ٤: قال: فعجبنا منه حين فقه كلامه.
(٣) في الحلية: بكنفك.
(٤) الحلية: وأنت الرجاء.
(٥) (٥) ما بين الرقمين في الحلية: قال خلف: فأنا أسافر منذ نيف وخمسين سنة فأقولها لم يأتني لص قط ولم
أر إلّ خيراً قط.
(٦) وفي الحلية مثله.

٣٢٠
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
البَغْدَاذي، نا سَهل بن صَاعد، حَدَّثني إبرَاهيْم الدَوْرَقفي، حَدَّثني طالوت قال: كنت مَع
إبراهيم بن أدْهَم ونحن في قافلة فرأى القافلة وَقد وقفت فقال: مَا بَالِهَا؟ قال: خَرَج
عليهم سَبُع عَارضهم، فخرج إليه إبراهيم بن أدْهَم فقال له: إن كنت أُمرت فينا بشيء
فامضه وَإلاّ فتنحّ، قال: فمرّ ◌ُهرول.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أَبُو الحسين بن أبي الحَديد، أنا جَدي أبُو
بَكر، أنَا أَبُو بَكر محمّد بن بشر بن عَبد اللّه العسكري - إملاء بمصر - نا أبُو عَبد الله
محمّد بن أحمد الطَوسي الشيرازي الشعرَاني، نا عَبد الرَّحمن بن الجَارود البَغْدَاذي
- وكان ثقة - قال: سَمعت خلف بن تميم يَقُول(١): غزا إبراهيم بن أدْهَم قال: فقالُوا: يَا
أبًا إِسْحَاق إن السّبُع قد قطع علينا الطريق قال: فجاء إليْه إبراهيم بن أدْهَم قال: فقال:
أيّها السَّبُع إنْ كنتَ قد أُمرت فينا بشيء فامض لما أُمرت به، وَإلّ فارجع عودك عَلى بدئك
قال: فرَجع الأسد وهو يهمهم، فقال له إبراهيم بن أدْهَم: أين أنتم عن هَؤلاء الكلمات
تقولونها: اللهُمّ احرُسنا بعينك التي لا تنامَ، واكنفنا بركنك الذي لا يُرام، وَارحَمنا عَدد
نعمتك علينا، ولا نهلك وأنت الرجاء.
قالَ خلف بن تميم: أنا أقولهَا - يَعني هَذه الكلمات - على ثيابي إذا دَخلت
الحَمام، وَعلى نفقتي منذ ستين سنة أوْ سَبعين سنة، فما ذهَب لي شيء.
أنبَأنا أبُو عَلي الحَداد، أنا أَبُو نُعيم الأصْبَهَاني(٢)، قال(٣): أُخبرتُ عن
عَبد الله بن أحمد بن سَوَادَة، نا نَصر بن مَنصُور المَصِّيْصي أبُو محمّد قال: وَرَد
إبراهيم بن أدهم المَصِّيصة (٤) فأتى منزل أبي إسحاق الفَزَاري وطلبه فقيل هوَ خَارِج
فقال: أَعلموه إذا أتى أن أخاه إبراهيم طلبه، وَقد ذهبَ إلى مَرج كذا وَكَذا يرعى فَرَسه،
فمضى إلى ذلك المرج، فإذا ناس يَرعون دوَابهم فرعى حتى أمْسَى، فقالوا له: ضُم
فرَسك إلى دوَابنا فإن السباع تأتينا، فأبى وتنحّى ناحية، وَأوقدُوا النيرَان حَولهُم، ثم
(١) الحلية ٨/ ٤ بسنده عن عبد الرحمن بن الجارود، وفيه اختلاف.
(٢) إعجامها غير واضح بالأصل والصواب ما أثبت.
(٣) الخبر في حلية الأولياء ٧/ ٣٩٢.
(٤) بالفتح ثم الكسر والتشديد مدينة على شاطىء جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب
طرسوس (معجم البلدان).