Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أخْبَرَنا أَبُو بكر وَجيه بن طاهر، أنا أحْمَد بن عَبد الملك بن عَلي المؤذن، أنا أبُو
الحسَن عَلي بن مُحمّد بن علي بن السّقّا، نا أبُو العَباس الأصَم قال: سَمعت العَباس بن
مُحمّد الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: إبراهيم بن أدهَم رجلٌ من العَرب
من بَنِي عِجْل.
أُخْبَرَنا أبو البركات عَبد الوَهّاب بن المبارك، أنا أبو الفضل أحمَد بن الحسن بن
خَيرُون، أنا أبُو العَلاء مُحمّد بن عَلي بن يعقوب، أنا أبُو بَكر محمّد بن أحْمَد بن
محمّد بن مُوسَى البابسيري، نا أبُو أمية الأخْوَص بن المُفَضّل بن غَسان الغَلّبي، أنا
أبي، أخبَرَني أَبُو محمّد اليمَامي: أن إبراهيم بن أدهم خرجَ مَع جَهضم من خُرَاسَان،
هَرب من أبي مُسلم فنزل الثغور، وَهُوَ رَجُل من بَنِي عِجْل.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السمر قندي، أنا أبو بكر بن الطبري، أنا أبُو الحسين بن
الفَضل، أنَا عَبد الله بن جَعفر، نا يعقوب بن سفيان قال(١): إبراهيم بن أدْهَم عَربي كان
ينزل خُرَاسَان فَتحوّل إلى الشام(٢).
ذَكَر لي أبُو عدي العَسقلاني أنه غزا مَع إبراهيم، وهوَ من الخيَار الأفاضل.
أخْبَرَنا أَبُو مُحمّد بن الأكفاني، نا عَبد العزيز بن أحْمَد الكتاني، أنا تمام بن
محمّد، أنا أبُو عَبد اللّه جَعفر بن محمّد بن جَعفر الكِنْدي، نا أبو زرعة في ذكر نفر أهل
فضلٍ وَزهدٍ منهم: إبراهيم بن أدهم.
قرأت على أبي الفضل بن ناصِر، عن أبي الفضل جَعفر بن يحيَى التميمي، أنا أبُو
نَصر عُبَيد اللّه بن سَعيد بن حَاتم، أنا الخَصيب بن عَبد الله بن محمّد، أخبَرَني أبُو
مُوسَى بن أبي عَبد الرَّحمُن النَسَائي، أخبَرَني أبي قال: أبُو إسحاق إبراهيم بن أدْهَم ثقة
مأمُون، أحَد الزهاد.
أخْبَرَنا أبُو غالب محمّد بن إبراهيم بن محمّد الصَيقلي - يفيد (٣) - وَأَبُو مُحمّد
نوشتكين بن عَبد اللّه الشهريَاري، قالا: أنا أبُو عمرو بن مَنْدَه، أنا أبي قال إبراهيم بن
(١) المعرفة والتاريخ ٤٥٥/٢ .
(٢) كذا بالأصل وفي المعرفة والتاريخ: ((الليث)) كذا، بدل ((الشام)).
(٣) كذا، ولعلها «بمنین) قياساً إلى سند مماثل.

٢٨٢
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر بن ثعلبة بن سَعيد بن حلام بن غزية بن أُسَامة بن
رَبِيعَة بن ضُبَيعة بن عِجْل بن لُجَيم، نسبَه إبراهيم بن يعقوب عن محمّد بن كناسة.
أُخْبَرَنا أبُو المُظَفّر بن القُشَيْري، قال: قال لنا أبي الأستاذ أبُو القاسِم (١): ومنهم
أبُو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن مَنصُور بن يزيد بن جابر من كورة بَلْخ كان من أبناء
الملوك فخرج يوماً متصيداً(٢)، وَأثار ثعلباً أو أرنباً وَهو في طلبه فهتف به هَاتف: ألهذا
خلقت أم لهذا أُمرت؟ ثم هتف به من قربوس سرجه: وَالله مَا لَهَذا خلقتَ وَلا بهذا
أُمرتَ، فنزل عن دَابته وَصَادف راعياً لأبيه، فأخذ جبة الراعي (٣) من صُوفٍ فلبسهَا
وَأعطَاه فَرَسِه وَمَا مَعَه، ثم أنه دخل البادية ثم دخل مكة، وَصَحب بها سفيان الثوري،
وَالفضيل بن عياض، ودَخل الشام وَمَات بهَا (٤). وكان يأكل من عَملِ يَده مثل الحصَاد
وَحفظ (٥) البساتين وَغير ذلك. وَأنه رَأَى رَجلاً في البادية عَلّمه اسم الله الأعظم فدعا به
بَعده، فرأى الخَضِر عَليْهِ السَّلام وقال: إنما علّمك أخي دَاوُد اسم الله الأعظم.
أخْبَوَني بذلك الشيخ أبُو عَبد الرَّحمُن السّلمي، نَا مُحمّد بن الحسن بن
الخَشاب، نا أبُو الحسَن عَلي بن محمّد المصْري، حَدَّثني أبُو سَعيد الخراز، نا
إبراهيم بن بَشّار (٦) قال: صَحبت إبراهيم بن أدْهَم فقلت: خَبّرني عن بدو أمرك، فذكر
هذا.
وكان إبراهيم بن أدْهَم كبير الشأن في بَاب الوَرع، يُحكى عنه أنه قال: أطبْ
مَطعمك ولا عليك أن لا تقوم بالليْل وَلا تصُوم بالنهار. قال: وَكان عامة دُعائه: اللهُمّ
انقلني من ذل مَعصیتك إلى عزّ طاعتك.
وَقيل لابراهيم بن أدْهَم إن اللحم قد غلا فقال: أَرخصُوهُ، أي لا تشتروه.
أنْبَأنا أبُو الفرَج غَيث بن علي السّلمي - ونقلته من خَطّه - نَا أبُو بَكر الخَطيْب، نا
(١) الرسالة القشيرية (٤) ص ٣٩١.
(٢) الرسالة القشيرية: يتصيد.
(٣) الرسالة القشيرية: جبة للراعي.
(٤) الرسالة القشيرية: فيها.
(٥) الرسالة القشيرية: والعمل في البساتين.
(٦) إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت عن الرسالة القشيرية.

٢٨٣
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أبُو حَازم عمر بن أحمَد بن إبراهيم العَبْدَوي، أنا علي بن عيسَى بن المُثَنّى، نا محمّد بن
المُنْذر - شَكَّر (١) - قال: سمعت عبد الملك بن علي - بالرملة - يقول: سَمعت أيوب بن
إسحاق يقول: سَمعت إبراهيم بن شماس يقول: سمعت الفضل بن مُوسَى يَقُول: حجّ
أدهم أبُو إبراهیم بأمّ إبراهيم، وكانت به حُبلى فولدت إبراهيم بمكة، فجعلت تطوف به
على الحلق في المَسجد، وَتقول: ادعُو لابني أن يجعَله الله رجلاً صالحاً(٢).
أخْبَرَنا أبُو غالب محمّد بن إبرَاهْمُ بن محمّد - بمنين(٣) - وَأَبُو محمّد
نوشتكين بن عَبد اللّه الشهريَاري، قالا: أنا أبُو عمرو بن مَنْدَه، أنا أبي قالَ: سمعت
عَبد الله بن محمّد بن الحارث قال: سَمعت إسْمَاعيل بن منير البَلْخي قال: سَمعتَ
عبد اللّه بن محمّد بن الحارث العَابد يَقُول: سَمعت يُونس بن سُليمَان البَلْخي يَقُول:
كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه من الأشراف، كثير المال وَالخدم،
وَالمواكب والجنائب والبُزاة(٤)، فبينا إبراهيم في عَمله ذلك، وقد أخذ بزاته وكلابه
للصَيد، وَهوَ عَلى فَرَسه يركضه إذا هوَ بصوت من فوقه: يَا إبرَاهيْمٍ: مَا هَذا العَبث؟
﴿أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعُون﴾(٥) اتق الله، وَعليك بالزاد ليوم
الفاقة. قال: فنزل عن دابته وَرفض الدنيا وأخذ في عَمل الآخرة (٦).
أَخْبَرَنا أبُو الحسَن عَلي بن أحمد بن مَنصُور، أنا أبي أبُو العَباس الفقيه، نَا أبُو
مُحمّد عَبد الوَهّاب بن علي بن نَصر المالكي القاضي، نَا أبُو الفتح يُوسف بن عمَر
القَوّاس، نا أبُو طَالب عَبد الله بن محمّد بن شهاب - قراءة سمعته من لفظه من أصله -
حَدَّثني أبُو الحسَن علي بن محمّد بن خالد، نا إبراهيم بن بشار الطويل صَاحب (٧)
إبراهيم بن أدهم قال: سَألت إبراهيم بن أدهم قلت: يا أبا إسحاق كيف كان أوائل أمرك
حتى صرت إلى مَا صرت إليْه؟ قال غير هَذا أوْلى بك من هَذا، قلت: هو كما تقول
(١). ضبطت عن تبصير المنتبه ٦٨٦/٢ .
(٢) الخبر في مختصر ابن منظور ١٨/٤ وجزء منه في سير أعلام النبلاء ٣٨٨/٧.
(٣) رسمها غير واضح بالأصل، ولعل الصواب ما أثبت قياساً إلى سند مماثل تقدم قريباً.
(٤) البزاة ج بازي، وهو ضرب من الصقور.
(٥) سورة (المؤمنون))، الآية: ١١٥.
(٦) الخبر في سير أعلام النبلاء ٣٨٨/٧.
(٧) في حلية الأولياء ٣٦٨/٧ ((خادم))، والخبر بتمامه فيها وفي مختصر ابن منظور ١٩/٤ - ٢٠.

٢٨٤
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
رحمك الله لعَل الله ينفعَنا به يوماً، ثم سَألته الثانية. قالَ: لا، ويحك اشتغل بالله، فقلت
له الثالثة إن رَأيت رحمك الله لعَل الله ينفعني به يَوماً مَا. قال: كان أبي من مُلُوك خُرَاسان
وكان من المياسير، وكان قد حبّب إليّ الصّيد، فبينا أنا رَاكبٌ فَرسي وكلبي مَعي، فأثرت
ثعلباً أو أرنباً - شك إبراهيم - فحركت فَرسي، فأَسمَعُ نداء من وَرائي: يَا إبرَاهيم ليسَ
لهذا خُلقتَ وَلا بَهَذَا أُمرتَ، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحداً، قلت: لعن الله
إِبليْس، ثمّ حركت فَرسي فأَسمَعُ نداء أجهَر من الأول: يَا إبراهيم ليسَ لهذا خُلقتَ وَلا
بهَذا أُمرتَ، فوقفت مستمعاً أنظر يُمنة ويسرة فلم أرَ أحداً، فقلت: لَعن الله إبليس، ثم
حَرّكت فَرسي فأَسمعُ من قَرَبُوس(١) سَرجه: يَا إبراهيم بن أدهم وَالله مَا لهذا خُلقتَ وَلا
بهذَا أُمرتَ، فوقفت فقلت: هيهَات هَيهَات جَاءني النذير(٢) من ربّ العالمين، وَالله لا
عَصيتُ رَبِي بَعد يَومي هَذا مَا عصمني رَبي، فتوجهت إلى أُهْلي فجانبت(٣) فرَسي،
وَجئت إلى بعض رعاة أبي، وأخذت منه جبته وكسَاء وَألقيت ثيابي إلیه، فلم تزل أرض
ترفعني وأرض تضعني حَتى صرت إلى بلاد العراق فعَملت بها أيّاماً، فلم يَصفُ لي شيء
من الحلال، فَسَألت بَعض المشايخ عن الحلال فقالوا: إن أردت الحلال فعلیك ببلاد
الشام، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة - وهي المِصِّيصة (٤) - فعملت بها أياماً فلم
يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقال لي: إذا أُرَدتَ
الحَلال فعليك بطَرَسُوس(٥) فإن بها المباحَات وَالعمَل الكثير، فبينما أنا كذلك قاعدٌ عَلى
بَاب البحر (٦)، جاءني رجل فاكتراني أنظر إليه بستان، فتوجهت معه، فمكثت في
البُستان أياماً كثيرة، فإذا أنا بخادم قد أقبل، وَمَعه أصحَابٌ له - ولو عَلمت أن البُستان
لخادم مَا نظرته - فقعد في مَجلسه هوَ وَأصحابه فقال: يَا ناطور يَا ناطُور؛ فأجبته فقال:
اذهَب فائتنا بخير رُمَّان تقدر عَليه وَأطيبه، فأتيته فأخذ الخادم رُمَانة وكسرها فوَجَدهَا
(١) القربوس: حنو السرج، وللسرج قربوسان، مقدم ففيه العضدان وهما رجلا السرج، ويقال لهما حنواه،
والقربوس الآخر فيه رجلا المؤخرة، وهما حنواه (انظر اللسان والقاموس).
(٢) إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت عن الحلية.
(٣) الحلية: فخليت عن فرسي.
(٤) المصيصة مدينة على شاطىء جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس (ياقوت).
(٥) طرسوس مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم (معجم البلدان).
(٦) كذا بالأصل وحلية الأولياء، وفي المختصر: باب المرّ.

٢٨٥
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
حَامضة فقال: نَاطور أنت مذ كذا وكذا في بستاننا (١) تأكل من فاكهتنا وَرُماننا مَا تعرف
الحُلو من الحَامض؟ قلت: وَالله مَا أكلت من فاكهتكم شيئاً، ولا أعرف الحلو من
الحامض قال: فغمز الخادم أصحابه وقال: مَا تعجبُون من كلام هَذا، وقال لي: تراك لو
كنت إبراهيم بن أدهم زدت عَلى هَذا، فلما كان من الغد حَدّث الناس في المَسجد
بالصفة، وَمَا كانَ فجاء الناس عُنُقَاً (٢) إلى البُستان، فلما رَأيت كثرة الناس اختفيت؛
الناس دَاخِلُون وَأنا هَارب منهم، فهذا مَا كان أوَائل أمري.
أخْبَرَنا أبو القاسم عَلي بن أحْمَد بن بيان الرزاز (٣) - في كتابه - ثم حَدَّثنا أبو بكر
يَحيَى بن إبراهيم بن أحمد السَّلَماسي عنه، أنا أبُو القاسم عبد الملك بن محمّد بن
بشران، أنا أبُو بَكر محمّد بن الحسَين الآجري، نا أبُو الفَضل العَباس بن الفَضل
الشِّكْلي (٤)، حَدَّثني إبراهيم بن زياد المقرىء - بَغدادي ـ نا عَبد الله بن الفرج - وقد
ذكر إبراهيم بن أدهم يوماً فقال عبد اللّه بن الفَرَج -:
حَدَّثني إبراهيم بن أدْهَم بابتدائه كيف كان قال: كنت يوماً في مجلس لي له مَنظرةٌ
إلى الطريق، فإذا أنا بشيخ عليه أطمارٌ، وكان يَوماً(٥) حَاراً فجلس في فيء القصر
ليستريح، فقلت للخادم: اخرج إلى هَذا الشيخ فأقره مني السّلام، وَسَله أن تدخله إلينا
فقد أخذ بمَجَامِع قلبي؛ فخرَج إليْه فقام مَعَه فدخل عليّ فسَلم فردَدت عليْهِ السَّلام،
وَاستبشرت بدخُوله وأجلسته إلى جَانبي، وَعَرضت عليه الطعَام، فأبى أن يَأْكُل، فقلت
له: من أين أقبلتَ؟ فقال: من وَرَاء النهر؛ فقلت: أين تريد؟ فقال: أريد الحج إن
شاء الله - قال: وكان ذلك أوّل يَوم من العشر أو الثاني - فقلت: في هذا الوقت؟ فقال:
بل يَفعَل الله ما يشاء، فقلت: فالصُحبة، فقال: إن أحببت ذلك حتى إذا كان الليل، قالَ
لي: قُمْ، فلبستُ مَا يَصلح للسّفر، وَأخذ بيدي، وَخَرَجنا من بَلْخ، فمرَرنا بقرية لنا،
فلقيني رَجَل من الفلاحين، فأوصَيته ببعض ما أحتاج إليه، فقدم إلينا خبزاً وَبيضاً وَسَألنا
(١) عن الحلية والمختصر وفي الأصل ((ناطورنا)).
(٢) عنقاً: جماعات.
(٣) رسمها غير واضح بالأصل، والصواب ما أثبت، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٥٧/١٩.
(٤) ضبطت عن الأنساب، وهذه النسبة إلى شكل، وذكره باسم أبي الفضل العباس بن يوسف الشكلي.
(٥) بالأصل: ((يوم حار)) والصواب عن المختصر.

٢٨٦
إبراهیم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أن نأكل، فأكلنا، وَجَاءنا بماء فشربنا، ثم قال لي: بسم الله قُمْ، فأخذ بيدي، فجعلنَا
نَسير وَأنا أنظر إلى الأرض تُجذب من تحتنا كأنهَا المَوج، فمررنا بمدينةٍ بَعَد مَدينةٍ،
يقول: هَذه مدينة كذا، هَذه مدينة كذا، هَذه الكوفة، ثم إنه قال: الموعد هَا هُنا في
مکانك هذا في هذا الوقت - يعني من الليل - حتى إذا كان الوقت إذا به قد أقبل، وأخذ
بیدي وقال: بسم الله.
قال: فَجَعَل يَقُول هَذا منزل كذا، هَذا منزل كَذا، وَهَذا منزل كذا، وَهذه فَيْد(١)،
وَهَذه المدينة، وَأنا أنظر إلى الأرض تُجذب من تحتِنا كأنها المَوج، فصرنا إلى قبر
رَسُول الله وَلَيهِ فزرناه ثم فارقني، وقال: الموعد في الوقت في الليْل في المُصَلّى.
حَتى إذا كان الوقت خَرجت فَإِذا به في المُصَلّى، فأخذ بيدي ففعَل كفعله في
الأولى والثانية حتى أتينا مَكة في الليل، ففَارقني، فقبضت عليه فقلت: الصُحبة، فقال:
إني أريد الشام، فقلتُ: أنا مَعَك، فقال لي: إذا انقضى الحج فالمَوعدُ هَا هنا عند زمزمَ.
حتی إذا انقضی الحج إذا به عند زمزم، فأخذ بيدي، فطفنا بالبيت، ثم خرجنا من
مَكة، ففعَل كفعله الأول والثاني والثالث، فإذا نحن ببيت المقدس، فَلمَّا دَخل المسجد
قال لي: عليك السلام، إنا عَلى المقام إن شاء الله هَا هُنا، ثم فارقني، فما رأيته بعد ذلك
وَلا عرّفني اسمه.
قالَ إبراهیم: فرجعت إلى بلدي فجعلت أسیر سیر الضعفاء منزلاً بعد منزل حتى
رجعت إلى بلغ وكان ذلك أوّل أمري.
أنبَأنا أبُو جَعفر أحمَد بن محمّد المكي، أنا الحسين بن يحيى، أنا الحُسين بن
علي بن مُحمّدع.
وَأنْبَأنا أبُو سَعد أحمَد بن عَبد الجَبَّار بن الطَّيُّوري، عن عَبد العزيز بن(٢) عَلي
الأَزجي.
وَأنْبَأنا أبو الحسن علي بن الحسن الموازيني، عن عَبد العزيز بن بُنْدَار.
(١) فيد: بليدة في نصف الطريق من الكوفة إلى مكة.
(٢) بالأصل ((عن)) تحريف والصواب ما أثبت انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٨/١٨ (١٢).
١

٢٨٧
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
قالُوا: أنا أبُو الحسَن بن جَهضم، نا محمّد بن جعفر بن سُليمَان، نا
عَبد الرَّحمن بن المُفَضّل، نا محمّد بن الفَضل، نا أحمَد بن مَخْلَد، وقال المكي بن
خالد، نا محمّد بن يحيى بن نُعَيْمِ الرَبَعي، حَدَّثني أحمَد بن عَبد اللّه صَاحبٌ
لإبراهيم بن أدهم قال: كان إبراهيم من أهل النعم بخراسان، فبينَمَا هوَ مُشرف ذات يَوم
من قصره إذْ نظر إلى رَجُل بيده رغيف يأكله في فيء(١) قصره، فاعتبر، وَجَعَل ينظر إليه
حَتى أكل الرغيف، ثم شرب مَاء، ثم نامَ في فيء(١) القصر، فأَلَهَم الله عزَّ وَجَل
إبراهيم بن أدهم الفكر فيه، فوَكل به بَعض غلمانه، وَقَال له: إذا قام هَذا من نومه
جىء(٢) به، فلما قام الرجل من نَومه قال له الغلام: صَاحب هَذا القصر يُريدُ أن يكلّمك،
فدَخل إليه مَع الغلام، فلما نظر إليه إبراهيم قال له: أيّها الرّجل، أكلت الرغيفَ وَأنا
جَائعٌ؟ قال: نعم، قال: فشبعتَ؟ قال: نعم، قال إبراهيم: وشربتَ الماءَ تلك الشَّربةَ
وَرويتَ؟ قال: نَعم، قال إبراهيم: ونمت طيباً بِلاَ همّ وَلا شغل؟ قال: نعم، قال
إبرَاهيم: فقلتُ في نفسي: فما أصنعُ أنا بالدنيا. والنفس تقنع بما رأيت؟
فخرج إبراهيم سَائحاً إلى الله عزَّ وجلّ على وجهه، فلقيه رَجُل حَسن الوَجه،
حسن الثياب، طيّب الريح، فقال له: يا غلام من أين؟ وَإلى أين؟ قال إبراهيمُ: من الدنيا
إلى الآخرة؟ فقال له: يا غلام أنت جَائع؟ قال: نعم، فقام الشيخ فصَلّى ركعتين خفيفتين
وَسَلّم، فإذا عن يَمينه طَعَام وعن شماله مَاء، فقال له: كُلْ، فأكلتُ بقدر شبعي، وَشربتُ
بقدر رَبيّ، فقال لي الشيخ: اعقل وافهَم، لا تحزن وَلا تستعجلْ، فإن العجلة من
الشيطان، وَإياك وَالتمرّد عَلى الله، فإن العبد إذا تمرّد عَلى الله، أورث الله قلبه الظُلمة
والضَّلالة مَعَ حرمَان الرزق، وَلاَ يبالي الله تعَالى في أيّ وَادِ هَلك، يَا غلام إن الله عز
وَجهل إذا أُرَاد بعبدٍ خيراً جعل فِي قلبه سرَاجاً يفرق بين الحق وَالباطل، والناسُ فيهما
متشابهُون؛ يا غلام إني مُعَلّمك اسم الله الأكبر - أو قال: الأعظم - فإذا أنت جُعتَ فادع
الله عَزّ وَجَل به حَتى يشبعك، وَإذا عَطشت فادع الله عزّ وجل به حتى يرويك، وَإِذا
جَالست الأخيار فكن لهُم أرضاً يَطؤوك، فإن الله تعَالى يغضبُ لغضَبهم وَيَرْضى
لرضاهم، يا غلام خذ كذا حتى آخذ كذا. قال: لا ابرح، فقال الشيخ: اللهُم احجبني
(١) المختصر: فناء.
(٢) المختصر: جئني به.

٢٨٨
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
عَنْهُ، وَاحجبه عَني، فلم أدرِ أين ذهَب.
فأخذت في طريقي ذلك، وَذكرتُ الاسم الذي علّمني، فلقيني رَجُلٌ حسن الوجه
طيب الريح حسَن الثياب فأخذ بحُجزتي(١) وقال لي: حَاجتك؟ ومن لقيت في سَفرك
هذا؟ قلت: شيخاً من صفته كذا وكذا، وَعليه كذا وكذا؛ فبكى فقلت: أقسمت عليكِ
بالله، مَن ذلك الشيخ؟ قال: ذاك إليَاس عليه السلام، أرْسَله الله عز وجلّ إليك ليعلّمك
أمرَ دينك؛ فقلت: فأنت يرحمك الله، مَن أنت؟ قال: أنا الخَضِر؛ عَليهما السّلام.
أخْبَرَنا أبو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبُو زكريا بن أبي إسحاق،
أنا أبو بكر بن دَاوُد الزاهد، حَدَّثني إبراهيم بن عَبد الوَاحد العَبسي، نَا وُرَيْزَةِ(٢) بن
محمّد الغساني، نا مُسَيّبُ بن واضح، قال: سَمعت أبَا عُتْبة الخَوّاص يَقُول: سَمعت
إبراهيم بن أدهم(٣) يَقُول: من أرَاد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة(٤) من
کان یخالط، وإلّ لم ينل ما يُريد.
قالَ: وَأَنَا أَبُو بَكر، أنا أبُو عَبد الرَّحمن السّلمي، قال: سَمعت مَنصُور بن عَبد اللّه
يقول: سَمعت محمّد بن حَامد يَقُول: سَمعت أحْمَد بن خَضِروَيه يَقُول: سَمعت
إبراهيم بن أدهم يَقُول: التوبة الرجوع إلى الله بصفَاء السرّ.
قرأت على أبي الفضل بن ناصر، عن جَعفر بن يحيَى التميمي، أنا عُبَيَد اللّه بن
سَعيد بن حَاتم، أنا الخصيب بن عَبد اللّه بن محمّد بن الخصيب، أخبَرَني
عَبد الكريم بن أبي عَبد الرَّحمن النَسَائي، أخبَرَني أبي أبُو عَبد الرَّحمن، أنا علي بن
محمّد بن علي، قال: سَمعت خلفاً - يعني ابن تميم - قال: سَمعت إبراهيم بن أدهم
يقول: رَآني ابن عجلان، فاستقبل القبلة سَاجداً ثم قال: تدري لم سَجدت؟
[سجدتُ](٥) شكراً لله حين رأيتك؟
أنبَأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم النسيب، حَدَّثنا عَبد العزيز بن أحمَد، أنا
(١) الحجزة بالضم، معقد الإزار (قاموس).
(٢) إعجامها غير واضح بالأصل، ما أثبت والضبط عن التبصير.
(٣) بالأصل ((المنذر)) خطأ، والصواب ما أثبت فهو صاحب الترجمة، والخبر في سير أعلام النبلاء ٣٨٩/٧.
(٤) في سير أعلام النبلاء: وليدع مخالطة الناس.
(٥) ما بين معكوفتين زيادة اقتضاها السياق عن سير أعلام النبلاء ٣٨٩/٧.

٢٨٩
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
عَبد الوَهّاب الميداني، أنا أبُو العَباس أحمَد بن محمّد بن علي بن هَارُون البَردَعي، نا
محمّد بن سَهل المُؤْصلي، نا محمّد بن إدريس الحنظلي، قال: سَمعت أبَا نُعَيم يَقُول:
[سمعت](١) سُفيان الثوري [يقول](١): إبراهيم بن أدهم كان يشبه إبراهيم
خليْلِ الرَّحمن، ولو كان في أصحَاب النبيّ وَِّ لكان رَجُلاً فاضلاً (٢).
قالَ: وَأنا أبُو العَباس البَرْدَعي، نَا أَبُو يَعقوب الأذرعي، نا سُليمَان بن أيوب،
قال: سَمعت عَبد الرَّحمن بن مَهدي يَقُول: قلت لابن المبَارَك إبراهيم بن أدهم ممن
سَمع؟ فقال قد سَمع من الناس وَلكن له فضل في نفسه، صَاحب سرائر، وَمَا رَأيته يظهر
تسبيحاً ولا شيئاً من الخير، وَلا أكل مَع قوم طَعاماً قط إلّ كان آخر من يَرفع يَدْيه من
الطعام.
أَخْبَرَنا أبُو الحسين بن أبي الحديد، أنا جَدي أبُو عَبد اللّه، أنا أبُو الحسَن بن
السّمسَار، أنا أبُو عَبد اللّه بن مَروَان، أنا أبُو يَزِيد خلاد بن محمّد، نا ابن خُبَيق، حَدَّثني
خلف بن تميم، قال: سمعت أبا الأحْوَص يَقُول: رأيت من بكر بن وَائل خمسة مَا رَأيت
مثلهم قطّ: إبراهيم بن أدهم، وَيُوسُف بن أسْبَاط وَحُذَيفة المرعشي، وَنعيْم العِجْلي،
وَأَبَا يُونس القوني.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمر قندي، أنا أبُو محمّد أحمَد بن علي بن الحسَن بن أبي.
عثمان المقرىء، أنا أبُو محمّد الحسَن بن محمّد بن الحسين بن محمّد بن الحسَن
الخَلّل - قراءة عَليْه - نا أحمَد بن إبراهيم بن شاذان، نا أبُو طَلحةِ الفَزَاري، نَا
عَبد الله بن خُبَيَق، قال: قالَ بشر بن الحارث أربَعَة رَفعهم الله بطيب المطعم:
وهيب بن الوَرْد، وَإبرَاهيْم بن أدهم، وَيُوسُف بن أسبَاط، وَإِبراهيم الخواص.
أنبَأنا أبُو القاسم النَسيْب، نا عَبد العزيز بن أحمَد، أنا عبد الوهاب الميدَاني، أنا
أبُو العَباس أحمَد بن محمّد بن علي بن هَارُون البَرْدَعي نا عثمان بن أحمد الدقاق، نا
يَحيَى بن أبي طَالب قال: سَمعت بشر بن الحارث يَقُول: مَا أعرف عالماً إلّ وَقد أكل
(١) الزيادة عن سير الأعلام ٧/ ٣٩٠، والخبر في البداية والنهاية ١٣٦/١٠.
(٢) زيد في البداية والنهاية: ((له سرائر، وما رأيته يظهر تسبيحاً، ولا شيئاً ولا أكل مع أحد طعاماً إلّ كان آخر من
يرفع يديه)). وسيرد هذا في خبر مستقل نقلاً عن عبد الرحمن بن مهدي.

٢٩٠
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
بدينه إلّ أَرْبَعة: وَهيب بن الوَرد، وَإبراهيم بن أدهم، وَيوسف بن أسبَاط، وَسُليمَان(١)
الخواص.
أنبَأنا أبُو المُظَفّر بن القُشَيْري وغيره، عن محمّد بن علي بن مُحمّد، أنَا أبُو
عَبد الرَّحمن السّلمي، قال: وَسَألته - يَعني الدّار قطني - عن إبراهيم بن أدهم فقَال: إذا
حَدّث عَنهُ ثقة، فهو صَحيح الحَديث.
أُخْبَرَنا أبُو مَنصُور بن خَيْرُون، أنا وَأَبُو الحسَن عَلي بن الحسَن بن سَعيْد، نا أبُو
بكر الخطيب، أنا محمّد بن علي بن الفتح، نا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، نا أبُو
الحسين الحسن بن أحمد بن صَالح بن كثير الزيات الوَاسطي - بَبَغدَاذ - نا أبو الفضل
جَعفر بن عامر العَسْكري، نا محمّد بن يَزيد، أخبَرَني مُوسَى بن داود الضبّي، حَدَّثني
مُعَاوية بن حَفصٍ، قال: إنما سَمع إبراهيم بن أدهم، عن مَنصُور حَديثاً: فأخذ به فَسَاد
أهْل زمَانه قال: سَمعت إبراهيم بن أدهَم يَقُول: حَدثنا مَنصُور، عن رِبْعي بن خِرَاش،
قال: جَاءَ رَجُل إلى النبيِوَّه فقال: يَا رَسُولُ اللهِ دُلّني على عَملٍ يحببني الله عزّ وَجَل به
وَيحبّني الناس قال: ((إذا أردت أن يُحبّك الله فابغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبّك الناس
فما كان عندَك من فضولها فانبذه إليهم)) فأخذ به، فسَادَ أهْلَ زَمَانه [١٥٤٩].
أنْبَأنا أبو القاسم الحسَيني، نا عَبد العزيز بن أحمَد، أنا عَبد الوَهّاب الميدَاني،
أنا أبو العباس البَردعي، أنا إسماعيل بن عَبد اللّه، نا أبو بكر بن أبي الدنيا، نا أبُو
الرَّبيع، عن إدريس، قال: جَلَس إبراهيم بن أدهم إلى بعض العلماء، فجعلوا يتذاكرُون
الحَديث، وَإبرَاهيم سَاكت قال: ثم قالَ إبراهيم: حَدثنا مَنصُور ثم سَكت، فلم ينطق
بحَرفٍ حتى فرغ أو قام من المجلس، فقال بَعض أصحَابه: يا أبا إسحاق ابتدأت الحَديث
ثم قطعت، وقد كان القوم أنصتوا لك فقال: إني لأخشَى مضرة ذلك المجلس في قلبي
إلى اليوم.
قالَ: وَأنا أبُو العَباس، نا عَبد اللّه بن الحسن القاضي، نا أبُو أمية، نا بشر بن
المنذر،
قالَ: غزونا مَع إبراهيم بن أدهم قيل له: مَا لك مَا حفظت كما حفظ أصحَابك
(١) سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٠: سلم.

٢٩١
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
فقال: كان همّي هديُ العلماءِ وَآدابهم.
أخْبَرَنا أبُو غالب محمّد بن إبراهيم الصيقلي - بفَيْد (١) - أنا أبُو عمرو بن مَنده، أنا
أبي، أنا محمّد بن أحمد بن يَعقوب وَإبراهيم بن أحمَد، قالا: نا أحمَد بن مُغَلِّس، نا
إبراهيم بن سَعيد الجَوهري، نا بشر بن الوَليْد - قاضي المَصِّيصة - قال: قيل
لإبراهيم بن أدهم: ألا تحدث فقد كانَ أصحابك يحدثون؟ فقال: كان همي هَديُ
العلماء وَآدَابھم.
أخْبَرَنا أبُو الوقت عَبد الأول بن عيسى بن شعَيْب، أنا أبُو صَاعد يَعْلَى بن هبة اللّه
الفضیلي حَ.
وَأَخْبَرَنا أبُو مُحمّد الحسَنِ بن أبي بكر الهَرَوي، أنا الفضيل بن أبي مَنصُور،
قالا: أنا عَبد الرَّحمن بن أبي شُرَيح، نا محمّد بن عقيل بن الأزهر البَلْخي، نا
عَبد الصمد بن الفضل، قال: سَمعت مَنصُور بن مُجَاهد يَقُول: سَمعت رَشدين بن سَعد
يَقُول: مَرَّ إبراهيم بن الأدهَم - صَاحبكم - بالأوزاعي، وَحَوله الناسُ فقال: عَلى هَذا
عَهدت الناس، كأنك معَلّم وحَولك الصّبيان، لو أن هذه(٢) الحلقة على أبي هُرَيرة لعجز
عنهم، قال: فقام الأوزاعي.
أخْبَرَنا أبُو الأسْعَد هبة الرَّحمن بن عَبد الواحد بن عَبد الكريم، وَأَبُو المكارم
عَبد الرَزاق بن عَبد اللّه بن عَبْد الكريم القُشَيريان، قَالا: أخبَرَتنا جَدتنا الحرة فاطمة
بنت الأستاذ أبي علي بن الحسن الدقاق، أنا الحَاكم أبُو عَبْد اللّه الحافظ، أنَا أبُو عَمرو
عثمان بن أحمد بن عَبد الله بن السمّاك - ببَعدَاذ - نا أبُو علي الحسَن بن عمرو السَبيعي،
قال: سمعت بشر بن الحارث يَقُول: سمعت يحيى بن يَمان يَقُول: سَمعت إبراهيم بن
أدهم یَقُول: قَد سَمع سُفیان كما سمعنا، ولو شاء أن یسکت كما سكتنا.
أخْبَرَنا أبُو الحسين عَبد الله بن أحمد بن محمّد المَرْوَزي - بمَرو - أنا أبو بكر بن
خلف، أنا أبُو عَبد الله محمّد بن عَبْد اللّه الشيرازي، أنا محمّد بن أحمَد الأُرموبي(٣)
(١) كذا رسمت بالأصل، وفيد على الطريق من الكوفة إلى مكة.
(٢) بالأصل ((ذي)).
(٣) بضم الألف وسكون الراء، هذه النسبة إلى أرمية وهي من بلاد أذربيجان (الأنساب).

٢٩٢
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
- بهَا - نا عَبد اللّه بن سَهل الرازي، قال: سَمعت عَباس بن عَبد اللّه، نا دَاوُد، قال لي
إبراهيم بن بشار: قيل لابراهيم بن أدْهَم: لم لا تكتب الحَديث؟ قال: إني مَشْغُول
بثلاث: أوّلها الشكر على النعم، وَالثاني الاستغفار للذنوب، وَالثالث الاستعداد
للموت؛ ثم صَاح وَغَشي عليه، فسمعنا صَوتاً ولا نرى الشخص: لا تدخلوا بَينِي وَبين
أوليائى.
أخْبَرَنا أَبُو الحسَن بن قُبَيْس، نا وَأَبُو منصُور عَبد الرَّحمن بن محمّد بن رزين، أنا
أبُو بَكر أحْمَد بن علي الخطيب، أخبَرَني محمّد بن أحمد بن رزق، نا محمّد بن
محمّد بن قريش، قال: سَمعت صَالح بن أبي رُمَيح يَقُول: سَمعت محمّد بن مَكتوم
قال: مَرّ إبراهيم بن أدْهَم بسفيان الثوري وَهوَ قاعد مَع أصحابه، قال سُفيان لا برَاهيْم:
تعالَ(١) حتى أقرأ عليك علمي، قال: إني مشغول بثلاث، وَمَضى.
قال سُفيان لأصحابه: ألا سَألتموه مَا هَذه الثلاث! ثم قام سُفيان وَمَعه أصحَابه
حتى لحق إبراهيم؛ فقال له: إنك قلت: إني مشغول بثلاث عن طلب العلم فما هَذه
الثلاث؟ قال: إني مشغول بالشّكر لما أنعَم علي، والاستغفار لما سَلف من ذنوبي،
والاستعداد للموت. قال سفيان: ثلاث وأيّ ثلاث.
أخْبَرَنا أبُو غالب محمّد بن إبراهيم بن محمّد الجُرجَاني - بفيد - وَأَبُو محمّد
نوشتكين بن عَبد الله الشهرياري(٢) قالا: أنَا أبُو عمرو بن مَنْده، أنا أبي أبُو عَبد اللّه، أنا
محمّد بن مُحمّد بن يعقوب، نا مُحمّد بن سَلم بن إبراهيم، نَا مُحمّد بن عمرو بن مُكرم
قال: سَمعت سَلم (٣) بن مهران الطَرَسُوسي قال: سَمعت أبَا يُوسُف يَقُول: كان
إبراهيم بن أدهم إذا سُئل عن العلم جاء بالأدب (٤).
أخْبَرَنا أبُو غالب الجُرجَاني، أنا أبُو عمرو بن مَنْدَه، أنا أبي، أنا عَبد اللّه بن
محمّد بن الحارث، نا مُحمّد بن أحمد بن مُوسَى بن سَلام، نا إبراهيم بن محمّد بن
شقيق بن إبراهيم البَلْخي، حدثني أبي عن أبيه قال: قال أبُو حَنيفة لإبراهيم: رزقت من
(١) بالأصل ((تعالى)) والمثبت عن المختصر.
(٢) رسمها غير واضح بالأصل، والمثبت قياساً إلى سند مماثل، وقد تقدم قريباً.
(٣) في حلية الأولياء ٨/ ٢٧ سالم.
(٤) الخبر في حلية الأولياء ٨/ ٢٧ .

٢٩٣
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
العبادة شيئاً صالحاً فلتكن من بَالك فإنه رَأس العبادة وَبه قوام الدين.
أَخْبَرَنا أبُو غالب بن البنّا، أنا مُحمّد بن أحْمَد بن محمّد بن حَسْنون النَّرْسي، نا
محمّد بن إِسْمَاعيْل بن العَباس الوَراق - إملاء - نَا علي بن أحْمَد، نا يُوسُف بن مُوسَى
المرورُّوذي، نا عَبد اللّه بن خُبَيق، حَذَّثني مُوسَى بن ظريف، حَدَّثني أَبُو عثمان
الأسوَد، قال: رافقت (١) إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنة فحججت، فلقیت سعيد بن
أبي داود فقال لي: مَا فعل أخوك وَأخونا إبراهيم بن أدهم قال: قلت بالشام في مَوضع
كذا وكذا، قال: فقال لي: إن عهدي به وإنه لیر کب وبین یدیه ثلاثون شاکریاً إذا رَکب
ولكنه أحبّ أن يبحبَح في الجنة. كذا في هذه الحكاية، وَالقائل لذلك: عَبد العزيز بن
أبي روّاد (٢).
أخْبَرَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا رَشَأ بن نظيف، أنا الحسَن بن إسْمَاعيل،
أنا أحمَد بن مروان، نا محمّد بن علي، نا ابن خُبَيق، نا مُوسَى بن ظريف، عن أبي
عثمان الأسْوَد - وَكان قد رَافق إبراهيم بن أدْهَم أربع عشرة سنة - قال: حججت فلقيت
عَبد العزيز بن أبي رَوَّاد، فقال لي: مَا فَعَل أخوك إبراهيم بن أدهم؟ قلت بالشام في
مَوضع كذا وكذا، فقال: أمّا إنّ عهدي به وَإنه ليَركب بين يديه ثلاثون شاكرياً (٣)
بخراسان، وَلكنه أحب أن يُيَحْبَح (٤) في الجنة.
أخْبَرَنا أبُو الوقت عَبد الأول بن عيسى بن شعَيْب، أنا أبُو صاعد يَعْلَى بن
هبَة اللّه، أنا أبُو مُحمّد بن أبي شريح، نا محمّد بن عقيل بن الأزهر، نا أبُو خَفص
عمر بن مُحمّد، حَدَّثني عَبد الله بن خُبَيَق، حَذَّثني مُوسَى بن طريف، عن أبي عثمان
الأسود، قال: كنت رفيق إبراهيم بن أدهَم أربَع عشرة سنة فحججتُ، فلقيت
عَبد العزيز بن أبي رَوَّاد بمكة فقال لي: مَا فَعَل أخوك، أو أخونا، إبراهيم بن أدهم؟
قال: فقلت بالشام في موضع كذا وكذا قال: فقال: أما إنّ عهدي به یرکب، بین یدیه
(١) في المختصر: كنت رفيق إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنة.
(٢) في المختصر: ((داود)) وهو عبد العزيز بن أبي رواد ميمون بن بدر شيخ الحرم ترجمته في سير الأعلام
١٨٤/٧.
(٣) الشاكري: الأجير والمستخدم معرب جاكر (قاموس).
(٤) المختصر: يتبجح.

٢٩٤
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
ثلاثون(١) شاكرياً وَلكنه أحبّ أن يتبحبح في الجنة.
كتب إليّ أَبُو سَعْد أحمَد بن عَبد الجبار بن الطَُّّوري، عن عَبد العزيز بن عَلي
الأرجي حَ.
وَأنْبَأنا أبُو الحسَن عَلي بن الحسن الموازيني، عن عَبد العزيز بن بُنْدَارحَ.
وَأنْبَأنا أبُو جَعفر أحمَد بن محمّد بن عَبد العزيز المكي، أنا الحُسَين بن يَحيَى،
أنا الحسين بن علي الشيرازي حَ.
وَأَخْبَرَنا أَبُو الحسَين بن أبي الحَديد - فيمَا أَرَى - أنا جَدي أبُو عَبد اللّه، أنا أبُو
الوليد الحسن بن محمّد الدّرْبَندي (٢) - بدمشق - نا سَلامة بن علي بن القاسم.
قالوا: نا علي بن عَبد اللّه الهَمْداني، نَا محمّد بن عَبد الرَّحمن - وَقال الحسَين
وَسلامة: أحمَد بن محمّد بن عَبد الرَّحمن بن سَهْل الحَداد - حَدَّثني عمر بن الحكم،
حَذَّثني منصُور بن محمّد بن هارون، عن أبي مَرحوم الخُرَاسَاني، قال: قالوا لشقيق: إن
إبراهيم بن أدْهَم قد رَحَل من خُرَاسَان يُريد الشام، فقال شقيق: إذا نزل فاعلمُوني، فلما
قَدم إبراهيم جَاءه شقيق وَحَوله رجال من أبناء أهل الشام يَسألونه عن الأحوال
وَالمقامَات.
وقالَ المكي: عن المقامات.
فوقف عليه شقيق وقال له: يا أبا إسحاق ما حَمَلك على أن ترحل من خُرَاسَان
وتترك بني عمك وَعشائرك؟ فقال: إبراهيم خرجت إلى الشام أطلب الحلال، من يراني
يَقُول مَسكين، وَمن يراني يَقُول حَمال، فبكى شقيق وبكى الناس الذين حَوله، فقال
شقيق: لا كاد سماء تسقي غيثها لبلد ظعنتَ منه بؤساً لقومٍ خرجت من بين أظهرهم،
کیف لا يستسقون بآثارك.
وفي رواية المكي: رجَال نبلاء من أهل الشام.
(١) بالأصل: ثلاثین شاکري.
(٢) الدربندي نسبة إلى دَرْبَند، وهو باب الأبواب، وذكره ياقوت فيمن انتسب إلى هذه الناحية، وكان ممن رحل
في طلب الحديث، وبالغ في جمعه.

٢٩٥
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أخْبَرَنا أبُو طاهر محمّد بن أبي بكر بن عَبد اللّه السِّنْجي (١)، أنَا أَبُو طاهر
عَبد الكريم بن عَبد الرَّزَّاق الحسَنابَاذي، أنَا أبُو الفتح مَنصُور بن الحسين بن علي بن
القاسم، أنا أبُو بَكر بن المقرىء، أنا أبُو يَعْلَى المَوْصلي قال: سَمعت عَبد الصمد بن
يزيد الصايغ قال(٢): سَمعت شقيق بن إبراهيم البَلْخي يقول: لقيت إبراهيم بن أدهم في
بلاد الشام فقلت: يا إبرَّهيم تركت خُراسان؟ فقال: مَا تهنيت بالعيش إلّ في بلاد الشام
أفرُّ بديني من شاهقٍ إلى شاهقٍ، أي(٣) من جَبل إلى جَبَل، فمن رآني يَقُول: مُوسوس،
ومن رآني يقول: حَمّال.
ثم قال: يا شقيق لم يَنْبُّل عندنا من نبُل بالحج ولاَ بالجهاد، وَإنما نبُل عندنَا من
نبُّل من كان يَعقل مَا يدخل جوفه - يَعني الرغيفين - من حلُّه. ثم قالَ لي: يا شقيق ماذا
أنعَم الله على الفقراء، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة وَلا عن حجّ وَلاَ عن جهَادٍ وَلا عن
صلة رحم، إنما يَسأل عَن هذا هؤلاء المساكين - يعني الأغنياء ..
أُخْبَرَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا أبُو الحَسَن رَشَأ بن نظيف، أنا أبُو مُحمّد
الحسن بن إسْمَاعيل، أنا أحمَد بن مَرَوَان المالكي، نا مُحمّد بن عَبد العزيز، نا
عَبد الصمد بن يَزيد، قال: سَمعت شقيق بن إبراهيم يَقُول: لقيت إبراهيم بن أدهم في
بلاد الشام فقلت له: تركت خُراسَان وَخَرَجت من نعمتك؟ فقال: قد تهنیت بالعيش ها
هُنا، أفرّ بديني من شاهقٍ إلى شاهقٍ، فمن يَرَاني يَقُول: مُوسوَس أو حَمَّال أو مَلّح، ثم
قال: بلغني أنه يُؤتى بالفقير يَوْم القيامة، فيوقف بين يدي الله عز وجل فيقول له: عَبدي
مَالك لم تحج؟ فيقول: يا رب أعطيتني شيئاً أحج به؟ فيقول الله تبارك وتعالى صَدق
عَبدي اذهَبُوا به إلى الجنة.
قالَ: وَنَا أحمَد بن مَروان، نا محمّد بن إسحاق، قال: سَمعت أبي يَقُول: سَمعت
خلف بن تميم يَقُول: سَألت إبراهيم بن أدهم: منذ كم قدمتَ الشام قال: مذ أربَع
وعشرين سنة، وَمَا جئتُ لربَاط وَلا لجهاد فقلت: لم جئت؟ قال: جئت أشبع من خبز
الحَلال (٤).
١
(١) ضبطت عن الأنساب، وهذه النسبة إلى سنج قرية كبيرة من قرى مرو على سبعة فراسخ منها.
(٢) الخبر في حلية الأولياء ٣٦٩/٧ وسير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٠ والبداية والنهاية ١٠/ ١٣٧ .
(٣) الحلية: ((ومن) بدل ((أي من)).
(٤) الخبر في سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٠.

٢٩٦
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أَخْبَرَنا أبو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو مُحمّد عَبد اللّه بن
يُوسُف، أنا أبُو سَعيد بن الأعرابي حَ.
وَأَخْبَوَنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا رشَأْ بن نظيف، أنا الحسَن بن
إِسْمَاعِيْل، أنا أحمَد بن مَروَان.
قالا: نا أبو بكر بن أبي الدنيا، أنا مُحمّد بن الحسين، نا مسْكين بن عُبيد
الصّوفي، حَدَّثني المتوكل بن حسَين العَابد قال: قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة
أصْناف: فزهد فرضٍ، وَزهد فضلٍ، وَزهد سَلامةٍ. فالزهد الفرض الزهد في الحرام.
والزهد الفَضل الزهد في الحَلال، والزهد السلامة الزهدُ في السُّبُهات(١).
أُخْبَرَنا أبُو محمّد بن طَاوُس، أنَا أبُو الغنائم محمّد بن علي بن أبي عثمان، أنا أبُو
الحسين بن بشران، أنا الحسين بن صفوان، نا أبو بكر بن أبي الدنيا، حَدَّثني مُحمّد بن
الحسين، حَدَّثني مسكين بن عُيَيد الصوفي، حَدَّثني المتوكل بن حَسَين العابد، قال:
قالَ إبراهيم بن أدهم: الحزن حُزنان: حُزن لك، وَحُزن عليك؛ فالحزن الذي هُوَ لك:
حُزنك على الآخرة وخَيرها؛ والحزن الذي عليك: حُزنك على الدنيا وزينتها.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبُو الحسين بن النَّقُّور، أنا أَبُو بَكر
مُحمّد بن علي بن محمّد بن النضر الديبَاجي، نا علي بن عَبد الله بن مَيْسَرة، نا أبُو
حاتم، نا ابن أبي الحوَاري، نا أبُو الوَليد صَاحب إبراهيم بن أدهم قال: كان إبرَهْم بن
أَذْهَم وَأصحَابُهُ يَمنعون أنفسهم أربَع إرَادَات: الماء (٢)، وَالحذَاء وَالحمّامَات، وَلا
یجعَلُون في الملح أبزاراً(٣).
أخْبَرَنا أبو الحسن علي بن عَبد الوَاحد بن أحمَد بن العَباس الدّيْنَوَري، نَا أَبُو
الحسَن عَلي بن عمر بن محمّد بن الحسن القزويني - إملاء - أنا أبُو حَفص عمر بن
أحمد بن هَارُون المقرىء الأحوَى، نا أبُو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق، نا
الحسن بن عمرو قال: قال بشر بن الحارث: قال إبراهيم بن أدْهَم: الجُوع يرق القلب.
(١) الخبر في سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٠ والمختصر ٢٤/٤ والبداية والنهاية ١٣٧/١٠ وحلية الأولياء ٢٦/٨.
(٢) في حلية الأولياء ٧/ ٣٩٤ يمنعون أنفسهم أربعاً: لذة الماء ...
(٣) بالأصل: ((أبزار)) والمثبت عن الحلية.

٢٩٧
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
أخْبَرَنا أبو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد اللّه الحافظ، نا
جَعفر بن محمّد الخَوَّاص، حَدَّثني إبراهيم بن نصر، حَدَّثني إبراهيم بن بَشّار، قال:
سَمعت إبراهيم بن أدْهَم يَقُول: قلبُ المؤمن أبْيَض نقي مجليّ مثل المرآة، فلا يَأتيه
الشيطان من ناحية من النواحي بشيء من المعَاصي إلّ نظر إليه كما ينظر إلى وَجْهه في
المرآة، وَإذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سَودَاء، فإن تاب من ذنبه محيت النكتة من قلبه
وانجلى، وَإن لم يَتَب وَعاوَد أيضاً، وتتابعت الذنوب ذنب بعد ذنب نكت في قلبه نكتة
نكتة حتى يَسودّ القلب، وَهوَ قولُ الله عزّ وَجَل: ﴿كلّ بل رَانَ على قُلوبِهِم مَا كانوا
يكسبُون﴾(١) قال: الذنب بَعد الذنب حتى يسودّ القلب، فما أبطأ مَا تنجع في هذا القلب
المواعظ، فإن تاب إلى الله قبله الله وانجلى عن قلبه كجلاء المرآة.
أُخْبَرَنا أبو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد الرَّحمن السّلمي،
وَأَبُو نَصْر بن قَتَادة، قالا: أنا أبُو مُحمّد يَحيَى بن مَنصُور القاضي، نَا محمّد بن
محمّد بن رَجَاء بن السّندي، نا يحيى بن عثمان أبو زكريا - بَغدادي - نا بقية بن الوليد،
قال: دَعَاني إبراهيم بن أدْهَم إلى طَعَامِ له فأتيته فجلس هَكذا - وَوَضع رجله اليُسرى
تحت إليتيه وَنصب رجله اليمنى وَوَضعَ مرفق يده عليها - قال: ثم قال لي: يا أبا محمّد
تعرف هذه الجلسة؟ قلت: لا، قال: هَذه جلسة رَسُول الله وَ﴿ كان يجلس جلسة العَبيد،
وَيَأكل أكل العبيد، خذوا بسم الله[١٥٥٠] .
قال(٢): فلما أكلت قلت لرفيقه: أخبرني عن أشد شيء مَرّ بك منذ صحبته، قال:
نعم، كنا يَوماً صَياماً(٣)، فلما كان الليل (٤) لم يكن لنا شيء نفطر به قال: فلما أصْبَحنا
قلت له: يا أبا إسحاق هَل لك أن نأتي بَابَ الرستن، فنكري أنفسنا معَ هَؤلاء الحصَادين
قال: قال: فأتينا باب الرستن فجاء رجل فاكتراني بدرهم،،قال: قلت [و](٥) صاحبي؟
(١) سورة ((المطففين))، الآية: ١٤.
(٢) القائل: ((بقية)) كما يفهم من السياق، والخبر من هنا في حلية الأولياء ٣٧٩/٧ عن بقية قال: قلت لرفيق
إبراهیم، ودون أن یذکر أنه آكل.
(٣) إعجامها غير واضح والمثبت عن حلية الأولياء.
(٤) الحلية: كان عند الافطار.
(٥) زيادة عن الحلية.

٢٩٨
إبراهیم بن أدهم بن منصور بن یزید بن جابر أبو إسحاق التميمي
قال: صَاحبك(١) لا حاجة لي في صَاحبك أرَاهُ ضَعيفاً، قال: فما زلت به حتى اكتراهُ
بأربعة دوَانق. قال: فحصَدنا يَومنا ذلك، فأخذت كرائي فأتيت السوق فاشتريت
حاجتي، وَتصدّقت بالباقي فهيَأته وقربته إليه، قال: فلما نظر إليه بكى فقلت: مَا
يبكيك؟ قال: أما نحن قد استوفينا أجورنا، فليت شعري أوفينا صَاحِبنا أم لا؟ قال:
فغضبت، قال: مَا يغضبك أتضمن لي أنّا وَفينا صَاحبنا أم لا؟ قال(٢): فأخذت الطعام
فتصدقت به؛ فهذا أشدّ شيء مرّ بي مُذ صحبته.
أُخْبَرَنا أبُو الوقت عَبد الأول بن عيسى السِّجْزي، أنا يَعْلَى بن هبة اللّه
الفُضیلي حَ.
وَاخْبَرَنا أبُو محمّد الحسَين بن أبي بكر، أنا الفُضَيل بن أبي مَنصُور، قالا: أنا
عَبد الرَّحمن بن أبي شريح، أنا محمّد بن عَقيل البَلْخي، نَا إبراهيم بن الجُنَيد، نا
يحيى بن أيّوب، قال: سَمعت أبَا عِيسَى النَّخَعي حَواري بن حَواري يَقُول: رَأيت
إبراهيم بن أدْهَم بمَكة عجن عجيناً ثم جَعَل يَأكله.
قال: وَنَا إبرَاهيْم بن الجُنَيد، نا عَبد الرَّحمُن بن وَاقد، نا ضَمْرَة بن ربيعة قال:
سَمعت إبراهيم بن أدهم يَقُول: أخاف أن لا يكون لي أجر في تركي أطايب الطعام،
قال: لأني لا أشتهيه.
قال: وكان إذا جلس على سُفرة فيها طعام طَيّب رمى بمَا وَقع بين يديه إلى
أصحابه، وَأُكل هوَ الخبز والزيتون (٣).
قالَ: وَنَا إبرَاهِيمُ بن الجُنَيد، نا أبُو حَفص العَسْقَلاني عمر بن عمرو الحَنَفي،
قال: شهدت إبراهيم بن أدهم فدعَاه رَجُل من أصحابه تزوج فجلسَ بَيَنِي وَبَينه رجل ثم
أتينا بقصعة ثريد وَلحم، فرأيت إبراهيم يأكل الثريد وَلا يأكل اللحمَ.
قالَ أبو إسحاق: بلغني أنه كان يفعل هَذا إذا كانَ في الطعَام قلّة يَبقى على
أصحابه.
(١) في الحلية: صاحبك ضعيف لا أريده.
(٢) الحلية: قال: فلما رأيت ذلك أخذت منه الطعام ...
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩١ - ٣٩٢.

٢٩٩
إبراهیم بن أدهم بن منصور بن یزید بن جابر أبو إسحاق التميمي
أخْبَرَنا أبُو عَبد اللّه الفُرَاوي، أنا أبُو عثمان الصَبَّان، أنا أبُو إسحاق بن إبراهيم
العَدل، نا أبُو عَبد اللّه الصّفار، نا مُحمّد بن المُسَيّب، نا ابن خُبيق، حَذَّثني عَبد الله بن
ضريس، قال: قال إبراهيم بن أدْهَم: يريد يدعو: كل الحَلال وَادع بما شئت.
أخْبَرَنا أبو القاسم بن الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد اللّه الحافظ، نا
أبُو عمر محمّد بن عَبد الوَاحد الزاهد - صَاحب ثعلب - نا أبُو العَباس محمّد بن هشام
الأنصَاري، حَدَّثني إبراهيم النائح - بمصر - قال: قالَ لي إبراهيم بن أدهم: يَا أبَا
إسحاق اعبد الله سِراً حتى تخرج عَلى الناس يَومَ القيامة كسيئاً.
أخْبَرَنا أبو القاسم عَلي بن إبراهيم، أنا رشا بن نظيف، نا الحسن بن إسْمَاعیل،
أنا أحمَد بن مروان، نا محمّد بن عَبد العزيز، قال: قال حُذَيفة المرعشي(١): قدمَ شقيق
البَلْخي مكة، وَإبرَاهيمُ بن أدْهَم بمَكة فاجتمع الناس فقالوا: نجمع بينهما، فجمَعُوا
بينهمَا في المَسجد الحرام فقال إبراهيم بن أدهم لشقيق: يَا شقيق عَلى مَا أَصَّلْتم
أصُولَكُم؟ فقال شقيق: إنا أصّلنا أصولَنا على أنَّا إذا رُزقنا أكلنَا، وَإذا مُنعنا صَبرنا؛ فقال
إبراهيم بن أدهم: هَكذا كلاب بَلْخ، إذا رُزقت أكلت، وَإِذا مُنعت صبرت. فقال شقیق:
على مَا أصَّلْتم أصُولَكُم يَا أبا إسحاق؟ فقال: أصَّلنا أصُولنا على أنّا إذا رُزقنا آثرنا، وَإِذا
مُنعنا حَمِدنا وَشَكرنا. قال: فقام شقيق وَجَلسَ بَين يديه، وَقالَ: يَا أَبَا إِسحَاق أنت
أستاذنا.
أَخْبَرَنا أبو القاسم الشَّخَّامي، أنا أبُو بَكر البيهقي، أنا أبُو عَبد اللّه الحَافظ، أنا
جَعفر بن محمّد، حَدّثني إبراهيم بن نَصر، حَدَّثني إبراهيم بن بشار(٢)، قال: قلت
لإبراهيم بن أدهم: أمر اليَوم أعمل في الطين؟ فقال: يا ابن بَشار إنك طالب وَمطلوب،
يَطلبك مَا لَا يُفُوتك (٣)، وَتطلب مَا قد كفيته، كأنّك بما غاب قد كشف لك، وَمَا كنت فيه
قد نقلت عنه، يا ابن بَشار كأنك لم تر حَريصاً مَحرُوماً، وَلَ ذا فاقة مرزوقاً. ثم قالَ لي:
مَا لك حيلة؟ قلت: لي عند البقال دَانق، فقلت عز عليّ بك، تملك دَانقاً(٤) وتطلب
العمل.
(١) الخبر في حلية الأولياء ٨/ ٣٧ باختلاف بسيط.
(٢) الخبر في حلية الأولياء ٨/ ١٣.
(٣) الحلية: من لا تفوته.
(٤) بالأصل: دانق.

٣٠٠
إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي
قالَ: وَسَمعت إبراهيم بن أدهَم يَقُول: قلة الحرص والطمع تورث الصّدق
والوَرع، وكثرة الحرص وَالطمع تكثر الهمّ والجزع.
أخْبَرَنا أبُو المعَالي محمّد بن يَحيَى القاضيَان، أنا أبُو القاسِم بن أبي العَلاء، أنا
أبُو محمّد بن أبي نَصر، أنا أحمَد بن سُليمَان بن أيوب بن حَذْلَم القاضي، نا خالد بن
رَوْح، نا العَباس بن الوليد، نا صَالح بن سَعيد الكوفي، عن سَهْل بن هَاشم، قال: قالَ
إبراهيم بن أدْهَم: يَا سَهل إن الناسَ يريدون منا أن نقبل منهم، وَلو قبلنا منهم لا أقل مَا
أعطونا وَأسرع مَا مَلّونا.
أَخْبَرَنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبُو القاسم إسْمَاعيل بن مَسعدة، أنا
حمزة بن يُوسُف، نا أبو إسحاق إبراهيم بن مُحمّد بن سَهل الجُرْجَاني - إملاء في سنة
سَبع وَستين وَثلاثمائة - نا مُحمّد بن الحسين الجرجَاني - سَنة تسع وثلاثمائة - نَا
أحمَد بن محمّد بن حَرب الخُراسَاني، نا أحمَد بن إبراهيم البغدادي، نا سَعيد بن
سُليمَان - وَهوَ الواسطي - عن أبي عاصم الحدّادي، قال: قالَ رَجل لإبراهيم بن أدهم
العَابد: إني أريد أن أواسيك من مَالي، قال: وَكم تملك؟ قال مائة ألف - أو زَاد - قال:
وَأَنت في طلب غيره؟ قال: نعَمْ، قال: لاَ حَاجة إلى ذلك أنت فقير، إنّا لم نؤمر أن نأخذ
من الفقراء شيئاً.
أَخْبَرَنا أبُو القاسِم علي بن إبراهيم، أنا أبُو الحسَن رَشَأ بن نظيف، أنا الحسن بن
إِسْمَاعيْل، أنا أحمَد بن مَروَان، نا محمّد بن عَبد العزيز قال: سَمعت أبي يَقُول: سَمعت
خلف بن تميم يَقُول: قالَ رَجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق إني أحبّ أن تقبل مني
هَذه الجبة كسوة فتلبسُهَا، فقال إبراهيم: إنْ كنت غنياً قبلتها منك وَإن كنت فقيراً لم
أقبلها(١) منك؟ قال: فإني غني، قال: كم عندك؟ قال: ألفان، قال: فيُسرك أن يكون
عندَك أربَعة آلاف؟ قال: نَعَم، قال: أنت فقير، لا أقبلها.
قالَ: وَأْنَا أحمَد بن مَروَان، أنَا محمّد بن عمرو الرزاز(٢)، نَا عمرو بن حفص،
حَدَّثني سَهل رفيق إبراهيم بن أدْهَم قال: سَمعت إبرَاهيْم يَقُول: لو غَسلت وجهي للناس
ما كنت إلّ مرائياً.
(١) بالأصل: أقبله.
(٢) بالأصل ((الوزاز)) والصواب ما أثبت، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٣٨٥/١٥.