Indexed OCR Text
Pages 1-20
تاريخ ٥ مُدِسَة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها تصنيف الإِمَامُ العَالم الحَافِظِ أَبيْ القَّاسِمِ يَلى بن الحَسَنُ ابن هِبَة اللّه بن عبد اللّه الشَّافِعِيّ المعروف بابن عَسَاكِرْ ٤٩٩ هــ - ٥٧١ هـ دَرَاسَة وَتَحْمِيٌ يُحبّ الدِّين أبي سعيد حمَ بن غْوَسَة الَّوي الجزء الأول دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع ١,٥ جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناثير ١٤١٥ هـ / ١٩٩٥ م ٤ عمر بن غرامة العمروي، ١٤١٥هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية إبن عساكر ، علي بن الحسن بن هبة الله تاريخ مدينة دمشق / تحقيق عمر بن غرامة العمروي . . . . ص ؛ .. سم ردمك ٥-٠٠-٨.٩-٩٩٦٠ ( مجموعة ) ٣-٠١-٨.٩-٩٩٦٠ (ج ١ ) ١- السيرة النبوية ٢- الصحابة والتابعون ٣- التاريخ أ- العمروي ، عمر بن ٤ - دمشق - تراجم الإسلامي ب - العنوان غرامة ( محقق ) ديوي ٩٢٠٫٠٥٦٥٣١ ١٥/١٣٢٣ رقم الإيداع : ١٥/١٣٢٣ ( مجموعة ) ردمك : ٥-٠٠-٨٠٩-٩٩٦٠ ٣-٠١-٨٠٩-٩٩٦٠ (ج ١ ) دارى ] الفكرة بَيْرُوتْ - لبنان دار الفكر: حَارَة حريك - شارع عَبْدُ النَّوْرُ - برقيًا: فكسي - تلكس: ٤١٣٩٢ فكر صَ.ت: ١١/٧٠٦ - تلفون: ٦٤٣٦٨١ - ٨٣٨٠٥٣ - ٨٣٧٨٩٨ - دولي: ٨٦٠٩٦٢ فاكس: ٠٠١٢١٢٤١٨٧٨٧٥ اهداء إلى مهد الحضارات الإنسانية وملتقى الديانات السماوية إلى أبناء العروبة والإسلام إلى أقدم مدينة في التاريخ إلى دمشق أم الشام نهدي انتاجنا : ٥ مقدمة دار الفكر تصدير أهمية التاريخ: إذا كان التاريخ سردًا لماضي الإنسانية، وسجلاً لمجرى الحوادث الذي يصنعه الأبطال والشعوب فإن التاريخ الكبير تاريخ دمشق لمحدث الشام ومؤرخها الحافظ ابن عساكر هو النور الساطع واللؤلؤة المضيئة بين كتب التاريخ. الذي يؤرخ لأعرق مدينة في التاريخ بل إنها جنة الأرض ومدينة العلم والفضل والحضارة أم الشام، يُشدّ إليها الرحال بما زخرت به من المدارس وحلقات العلم في كل فن وعلم، وبما أنجبت من علماء وفرسان أعلام في كل حلبة من حلباتها. لقد دأبت دار الفكر وديدنها منذ تأسيسها بعث أسفار التراث من شتى العلوم والفنون وإخراجها وبسطها للناس للاستفادة من كنوز الأجداد واستخلاص العبر منها . ومنذ عشرين عاماً وعند اطلاعنا على المجلد الذي حققه الاستاذ الدكتور شكري فيصل من تاريخ دمشق أثار لدينا حلماً دفيناً وأمنية من أعظم أمانينا، فقد كنا نحلم بتحقيق وإخراج هذا الكتاب وفاءً منا لهذه المدينة العظيمة الذي كان لها دور مميز في كل عصر من عصور التاريخ. فعرضنا على الدكتور رحمه الله أن نكمل الطريق معاً بإحياء هذا الأثر التاريخي النفيس وذلك بتحقيق بقية أجزاء الكتاب الثمانين، ولكن الدكتور رحمه الله أشفق علينا وقال: وأنى لنا ذلك؟! والكتاب بحر زخّار عميق الغور تقصر عن جمعه وإنجازه وتحقيقه همم الرجال لعدم اكتمال مخطوطاته في مكان واحد من جهة، ولحاجته إلى سيل فياض لتغطية أعبائه المادية ونفقات إخراجه من جهة ثانية، وهو بهذا يحتاج لرعاية دولة وليس لدار نشر؟ ولكن كما قال الشاعر العربي : * على قدر أهل العزم تأتي العزائم * . ٦ مقدمة دار الفكر وكان مما أثار حماسنا أنه أثناء المؤتمر الذي عقد فى دمشق بمناسبة مرور ٩٠٠ سنة على وفاة مصنفه الحافظ المحدث الثقة ابن عساكر ومن المناقشات التي دارت في المؤتمر لمسنا أنه لا أحدَ مهيؤٌ لإنجاز هذا المشروع الكبير الذي بدأه المجمع العلمي العربي بدمشق منذ أربعين عاماً، ولم ينجزه لأسباب شتى. ولما شاء الله وأراد لهذا الكتاب الخروج إلى النور، التقينا بالأخ الشيخ عمر العمروي في الرياض، وتعرضنا فيما بحثنا معه من أعمال مشتركة إلى الحديث عن تاريخ ابن عساكر، ورغبتنا في انجازه وإخراجه للناس. وكانت المفاجأة التاريخية العظيمة وهي أن الشيخ عمر العمروي له نفس تطلعاتنا، وقد جمع معظم مخطوطاته، وعمل فيه ثم توقف، فعقدنا العزم معاً على أن نكون وإياه يداً واحدة في سبيل تحقيق هذا المشروع الجبار، وإخراجه للناس كافة، وتم لنا ذلك بفضل الله وتوفيقه، فلله الحمد أولاً وآخراً ونسأله التمام والكمال. ومصنف الكتاب الحافظ ابن عساكر سليل أسرة عربية اشتهرت بالعلم والفقه والحديث والقضاء والفتيا. بلغ قمة العلم وتبوأ مرتبة الحفاظ والمحدثين ، يقول : متى أروي ما سمعت؟! لكنه لا يجرؤ على ذلك قبل أن يأذن له شيوخه، فقال له جدُّه، يحيى بن علي القرشي: اجلس إلى سارية من هذه السواري حتى نجلس إليك! أما أعيان شيوخه ورؤساء البلد فكلهم قالوا له: من أحق بهذا منك؟! قال الحافظ : فجلست في ذلك منذ ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وهنا تبدأ حقبة جديدة من حياة الحافظ تمتد أربعين عاماً ينصرف فيها إلى الجمع والتصنيف والرواية والتأليف والمطالعة والتسميع، ويشتهر أمره ويطير ذكره في الآفاق، فيرحل إليه الطلبة كما رحل هو من قبل إلى شيوخه، وتنتهي إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان والمعرفة التامة بالحديث متوناً وأسانيد، ويصبح إمام الحديث في عصره، وفارساً في میدانه . ثم كان دخول نور الدين زنكي إلى دمشق عام (٥٤٩) وهو قائد الجهاد ضد الصليبيين. وهذه الحقبة من التاريخ نشط فيها العلم والجهاد في آن، ورقي خبر ابن عساكر إلى نور الدين، يقول الحافظ في خطبة كتابه: ورقي خبر جمعي له (أي لتاريخ دمشق) إلى الملك العادل ... وبلغني تشوقه إلى استنجازه والاستتمام فراجعت العمل به راجياً الظفر بالتمام . ٧ مقدمة دار الفكر وقد بنى له نور الدين داراً لتعليم الحديث سُميت فيما بعد دار الحديث النورية وهي أول مدرسة أنشئت في الإسلام لتعليم الحديث وتولى التدريس فيها الحافظ ابن عساكر نفسه وابنه ثم بنو عساكر من بعدهما، وكان نور الدين يحضر حلقات التدريس له فيها، كما كان السلطان صلاح الدين يحضر مجلسه ودروسه أيضاً. وقد تخرج من المدرسة النورية هذه وأخذ عن شيوخها كبار العلماء والمؤرخين والمحدثين في القرنين السادس والسابع للهجرة، كابن الأثير الجزري والمقدسي والمزي وابن كثير والنووي والذهبي والحسيني وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم. ومن مؤلفاته ووفرتها وتنوعها نجد أن ابن عساكر محدث، حافظ، ثبت، ثقة أولاً، ومؤرخ ثانياً، شأنه في ذلك شأن سائر المؤرخين المسلمين. ولا جرم أن أكبر تآليفه وأكثرها ذيوعاً وشمولاً كتابه تاريخ دمشق. وأهمية هذا التاريخ لا تكمن في أنه تاريخ لمدينة دمشق أحد أكبر معاقل الحضارة الإنسانية والعلوم الإسلامية عبر مختلف العصور فحسب، بل إنه موسوعة حديثية وهو من أوسع المصادر في سير الرجال فمنه يمكن استخلاص كتب وأسفار عدة في موضوعات وعلوم وفنون شتى. فالكتاب مرجع لعلماء الحديث لاحتوائه على الآلاف من الأحاديث النبوية والآثار. والكتاب موسوعة في علم الرجال والجرح والتعديل، فهو عندما يترجم للرجال ويذكر سيرهم ويذكر مروياتهم فإنه يبين حالهم وعلى ما هم عليه من ضعف أو توثيق، ويصحح أسماءهم إذا اقتضى الحال. ويذكر سنة الوفاة للرجال، وهو بهذا يحدّد طبقة الاسم المترجم له، وفي هذا من الفائدة ما يدركه العاملون في حقل الرجال . وهو عندما يسرد الخبر خصوصاً في الفضائل يسرد جميع الروايات بأسانيدها المتعلقة بالخبر، يذكر ذلك وهو أعلم الناس بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، فكأنه بإيراده السند يخلي مسؤوليته ويدع العهدة في نقل الأخبار على من نقلها، وكأنه يريد أن يقول أيضاً: إن كتابه لجميع طبقات الناس، وإنه يريد أن يكون تاريخه مرآة تعكس حياة الناس ومعتقداتهم ومذاهبهم ونحلهم وآراءهم السياسية والاجتماعية، فله النقل والعرض والسرد وللعقل التدقيق والتمحيص. وكأنه هنا يلتقي مع نظرية معاصرة في تدوين التاريخ لأرنولد توينبي التي تزعم ((أن المؤرخين أميل إلى توضيح آراء الجماعات التي يعيشون في محيطها منهم إلى تصحيح الآراء)» . ٨ مقدمة دار الفكر والكتاب جمع أكبر عدد من رجال الثقافة الإسلامية وأعلام الحضارة العربية خصوصاً ذوي الشأن منهم وحتى ترجم لمن كان قبل الإسلام أيضاً. والكتاب موسوعة في الأدب شعراً ونثراً، فضلاً عن كون الحافظ ابن عساكر نفسه شاعراً وأديباً وله قصيدة في مدح نور الدين بعد أن رفع عن أهل دمشق المطالبة بالخشب، فيها : عُوِّضت مصرَ بما فيها من النَّشبِ لمّا سمحت لأهل الشام بالخشب للأجر جُوزيت خيراً غير محتسبٍ وإن بذلتَ لفتح القدس محتسباً أصبحتَ تملكُ من مصرَ إلی حلبٍ ولست تُعذر في ترك الجهاد وقد وكان يختم مجالسه بقطعة من شعره. وهو عندما يؤرخ لمدينة دمشق تخصيصاً لا يقتصر على الجانب التاريخي بل يتعدّاه إلى جغرافية المدينة لأنه أدرك بحس العالم وحس المؤرخ أنه لا انفصام بين التاريخ والجغرافيا، فالجغرافيا هي المسرح التي تحدث عليه وقائع التاريخ وهي من أهم المؤثرات التي تؤثر في الإنسان وبالتالي في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. وإذا كان تاريخ الطبري يُعد أغنى المصادر عن تاريخ الفرس، فإن تاريخ ابن عساكر أغنى المصادر عن تاريخ العرب المسلمين من نقطة الإنطلاق الأولى وعلى امتداد الرقعة الجغرافية التي وصل إليها الإسلام خصوصاً في الحقبات التاريخية التي كانت دمشق عاصمة الحياة العربية، ومصدر القرار، ومحجة وفود الجماعات والرجالات من الجزيرة والعراق وفارس. وما وراء النهرين وأقصى الشرق، ومصر وإفريقية وأطراف المحيط، كما كانت مركز تجمع ومنطقة حشد وقاعدة عمليات للجيوش التي وصلت شرقاً حتى حدود الصين وغرباً حتى اجتازت المحيط وعبرت إلى إسبانيا وجنوب أوربة . أليس من دمشق كانت تنطلق قوات الصوائف والشواتي لسد الثغور والدروب ورد غارات بيزنطة عن حدود الشام؟! ومن دمشق انطلقت جحافل صلاح الدين لطرد الصليبين وتحرير القدس. ومن دمشق أيضاً انطلق الإمام ابن تيمية رافعاً لواء التجديد داعياً إلى محاربة البدع والضلالات. كما لم تكن دمشق بمعزل عن الحياة والمشاركة فيها في كل العهود. وتاريخ دمشق يقدم مادة غنية للذين يدرسون التاريخ الأندلسي. ٩ مقدمة دار الفكر ألم تنتقل الخلافة الأموية إلى الأندلس؟! كل ذلك يؤكد أن تاريخ دمشق هو تاريخ حضاري للعالم العربي والإسلامي منذ ما قبل البعثة النبوية وحتى عصر المؤلف الذي يقف عند سنة ٥٧١(١). وكأن الحافظ ابن عساكر أراد أن يؤرخ للعالم العربي والإسلامي على امتداد رقعته الجغرافية شرقاً وغرباً من خلال تلك المشكاة المشعة دمشق الشام فكان بتاريخه الكبير الموسوعي الفذ شيخ المؤرخين ومؤرخ الحفاظ والمحدثين. ختاماً من عصر الحافظ ابن عساكر وهو عصر الجهاد وعصر النهضة العلمية ومن خلال موسوعته تاريخ دمشق ندرك كيف استطاعت هذه الأمة تخطي محنتها بالصمود وبالقوة الحيوية الكامنة فيها وطرد الصليبيين وتحرير القدس ثالث الحرمين الشريفين ومحرك الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. ومع كل ما بذلناه من جهد وصبر وتحمل لإخراج هذه الموسوعة التاريخية العربية إلى الضوء نشعر بالتقصير، وفرحتنا الكبرى تكتمل يوم يكتمل عقد هذا السفر العظيم بأجزائه الثمانين . وجدير بنا أن نردد هنا، وبعد تسعة قرون، ما قاله الحافظ في خطبة كتابه يوم ألف تاريخه: فمن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عثر فيه على تغيير أو زلل، فليعذر أخاه متطولاً، وليصلح ما يحتاج إلى إصلاح متفضلاً. ونحن نردد وراءه : وإنْ تجدُ عيباً فسْدّ الخللا فجلّ من لا عيب فيه وعلا اللهم زدنا علماً ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. واجعلنا ربنا خيراً مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون ولا تؤاخذنا بما يقولون وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. بيروت ١٢ محرم ١٤١٦ هـ. ١٠ حزيران (يونيه) ١٩٩٥ م. دار الفكر (١) بينما يقف تاريخ بغداد عند سنة ٤٦٣. : 1 ١١ مقدّمة التحقيق مقدمة التحقيق قال الله تعالى: ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمٍ وَرَسُولُهُ وَاَلْمُؤْمِنُونَ﴾ . الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوکل علیه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمَّد رسوله ونبيّه أرسله بالهدى، وعلى آله وصحبه الذين ازداد بهم الحق إشراقاً، والخير انتظاماً واتساقاً. أما بعد. الفصل الأول فإن دراستنا هنا تنقسم إلى فصلين : الأول: ترجمة المؤلف من مولده إلى وفاته. الثاني: تاريخ مدينة دمشق، عملنا ومنهجنا في التحقيق. ترجمة ابن عساكر اسمه ومولده و حیاته : هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عَبْد اللّه بن الحسين، أَبُو القاسم الدمشقي الشافعي، المعروف بابن عساكر . ولد في المحرم، في أول الشهر، سنة تسع وتسعين وأربعمئة، في مدينة دمشق. أخذ العلم والفقه منذ الحداثة بدمشق حيث عاش في بيت جليل، وقد كان أبوه الحسن بن هبة اللّه شيخاً صالحاً (١) عدلاً، محبّاً للعلم، مقدِّراً للعلماء، مهتماً بأمور الدين والفقه . (١) طبقات الشافعية للسبكي: ٧/ ٧٠. ١٢ مقدّمة التحقيق يقول د.صلاح الدين المنجد في مقدمة المجلدة الأولى من تاريخ ابن عساكر(١): ((كان للبيئة التي نشأ فيها الحافظ ابن عساكر أثر كبير في اتجاهه نحو العلم ونبوغه فيه، فقد نبت في بيت قضاء وحديث وفقه، وكان ألّف هذا البيت من كبار علماء دمشق وقضاتها(٢)، فما رأى ابن عساكر منذ نشأته غير العلماء، وما وعى غير العلم. وكان أخوه الأكبر صائن الدين هبة اللّه (٣) بن الحسن، فقيهاً مفتياً محدثاً، قرأ القرآن بالروايات، وتفقّه وبرع ورحل فسمع، وقرأ الأصول والنحو، وتقدّم، وسمع الكثير، وأعاد بالأمينية لشيخه أبي الحسن السلمي، ودرّس، وأفتى وكتب الكثير، وكان إماماً ثقة ثبتاً ديَّناً ورعاً (٤). سمع أبا القاسم النسيب، وأبا طاهر الحنائي، وأبا الحسن بن الموازيني، وأبا علي بن نبهان، وأبا عَلي بن مهدي، وأبا الغنائم المهتدي باللّه، وأبا طالب الزينبي. ولد سنة ٤٨٨ ومات في شعبان سنة ٥٦٣ . وأما أخوه مُحَمَّد بن الحَسَن بن هبة، أَبُو عَبْد اللّه، كان قاضياً(٥)، وقد نشر أولاده الستة العلم والحديث (٥). وكانت أمه من بيت القرشي، أبوها يَحْيَى بن علي بن عَبْد العزيز، القاضي الفقيه الكبير، وكان عالماً بالعربية، ثقة، حلو المحاضرة فصيحاً (٦). سمع عَبْد العزيز الكتَّاني، والحَسَن بن علي بن البري، وحيدرة بن عَلي، وعَبْد الرزّاق بن الفضيل، وأبا القاسم بن أبي العلاء، وارتحل إلى بغداد فسمع بها وتفقه على أبي بكر الشاشي، وبدمشق على القاضي المروزي والفقيه نصر(٧). وقد سمع منه وروى عنه نافلته أبو القاسم بن عساكر . (١) تاريخ ابن عساكر المجلدة الأولى: ص ١١. (٢) أبوه الحسن كان قد صحب نصراً المقدسي وسمع منه، انظر طبقات الشافعية للسبكي ٧/ ٧٠. (٣) انظر ترجمته في طبقات السبكي ٣٢٤/٧ سير الأعلام ٤٩٦/٢٠ وفيات الأعيان ٢/ ٤٧٣ فوات الوفيات ٤ /٢٣٥ النجوم الزاهرة ٥/ ٣٨٠ شذرات الذهب ٢١٠/٤. (٤) طبقات الشافعية للسبكي :٨/ ٣٢٥ وسير الأعلام ٢٠/ ٤٩٦ . (٥) طبقات الشافعية للسبكي ٧/ ٧٠ . (٦) سير الأعلام ٢٠/ ٦٤. (٧) سير الأعلام ٦٣/٢٠ - ٦٤ طبقات الشافعية للسيكي ٣٣٤/٧ _ ٣٣٥. ١٣ مقدّمة التحقيق وأما خاله أَبُو المعالي مُحَمَّد بن يَحْيَى، فقد سمع أبا القاسم بن أبي العلاء، والحَسَن بن أبي الحديد، والفقيه نصر المقدسي، وأبا مُحَمَّد بن البري، والقاضي الخِلَعي بمصر، وعلي بن عَبْد الملك الدبيقي بعكا، وحضر درس الفقيه نصر، و تفقه به . ناب عن أبيه في القضاء، ثم استقل به، وكان نزيهاً عفيفاً صليباً في الحكم(١). قال عنه السمعاني أنه كان محموداً، حسن السيرة شفوقاً وقوراً، حسن المنظر، متودداً(٢). روى عنه ابن أخته أَبُو القاسم بن عساكر. وأمّا خاله الآخر سلطان بن يَحْيَىُ، زين القضاة، أَبُو المكارم القرشي الدمشقي، فقد روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء، ناب في القضاء عن أبيه، ووعظ وأفتى (٣). بدأ بتلقي علومه ودروسه باكراً، وهو في سن صغيرة، فقد سمعه أخوه الصائن سنة خمس وخمسمئة(٤)، فقد كان في السادسة من عمره يومذاك، فأخذ يسمع باعتناء أبيه وأخيه الصائن، فسمع أبا القاسم النسيب، وقوام بن زيد، وسُبيع بن قيراط، وأبا طاهر الحنائي، وأبا الحَسَن بن الموازيني(٥) . وراح يتردد إلى مجالسهم ويحضر حلقات تدريسهم. يقول د. المنجد في مقدمة المجلدة الأولى (٦): فبيئة هذا شأنها .. فقد وجد فيها الحافظ ما ساعده على تفتُّح ذكائه وإقباله على ما رغب فيه، حتى غدا مؤرِّخ الشام وحافظ العصر. تفقه في حداثته بدمشق على الفقيه أَبِي الحَسَن علي بن المُسَلّم بن مُحَمَّد بن علي (١) سير الأعلام ٢٠/ ١٣٨. (٢) التحبير ٢٥٠/٢ . (٣) شذرات الذهب ٤ / ٩٥ . (٤) تذكرة الحفاظ ١٣٢٨/٤ سير الأعلام ٥٥٤/٢٠ . (٥) تذكرة الحفاظ ١٣٢٨/٤ . (٦) تاريخ ابن عساكر المجلدة الأولى ص ١٤ . ١٤ مقدّمة التحقيق السلمي (١) عمدة أهل الشام ومفتيهم، وكان قد لازم الغزالي مدة مقامه بدمشق، وقد نقل ابن عساكر عن الغزالي قوله في أَبي الحَسَن السلمي: خلّفت بالشام شاباً إن عاش كان له شأن، فكان كما تفرّس فيه، ودرّس بحلقة الغزالي مدة، ثم ولي التدريس في المدرسة الأمينية(٢) في سنة أربع عشرة وخمسمئة، وهي أول مدرسة للشافعية بنيت في دمشق. وكان السلمي ثقة ثبتاً عالماً بالمذاهب والفرائض، وكان ابن عساكر يتردد عليه ويحضر دروسه في المدرسة الأمينية ويستمع عليه. رحلة ابن عساکر الأولی إلی بغداد : وفي سنة ٥٢٠هـ وكان قد بلغ الحادية والعشرين من عمره، وكان قد استوفى قسطاً مهماً من العلم على شيوخه بدمشق، وتنوعت معارفه، واتجه نحو رواية الحديث حيث جمع من معرفة المتون والأسانيد وحفظ فأتقن، وقرأ فتثبّت، وتعب في ملاحقة المحدِّثين والعلماء، ولم يعد يقنعه ما حصل عليه في حلقات دمشق ومساجدها ومدارسها وعلمائها(٣)، عزم على طلب المزيد والوقوف على آراء مشاهير العلماء والفقهاء فقرر أن يرحل عن دمشق رغبة في طلب الحديث. يقول د. المنجد في مقدمة المجلدة الأولى (٤): وكانت الرحلة في طلب الحديث والاستماع إلى الشيوخ أمراً ذا شأن، ولم يتخلف محدِّث كبير عن الرحلة ليتم علمه، ويتلقى الأسانيد العالية . وكانت مراكز العلم منتشرة في طول العالم الإسلامي وعرضه، والعلماء والفقهاء منتشرون في كافة الأصقاع، ولكن الإشعاع كان ينتشر من مراكز استطاعت أن تستقطب أهل العلم والحديث والرواية، واشتهرت فيها حلقات التدريس والنقاش في مراكزها العامة كالمدارس والمساجد، وفي مراكزها الخاصة كمقرات إقامة الفقهاء والعلماء والمحدثين. (١) انظر سير الأعلام ٣٠/٢٠. (٢) الدارس للنعيمي ١/ ١٣٤. (٣) تاريخ دمشق السيرة النبوية قسم ١ المقدمة ص: هـ. (٤) المجلدة الأولى من تاريخ دمشق: ص ١٦. ١٥ مقدّمة التحقيق وكانت بغداد جنّة الأرض، ومدينة السلام، وقبة الإسلام، ومجمع الرافدين، وغرة البلاد، وعين العراق، ودار الخلافة، ومجمع المحاسن والطيبات، ومعدن الظرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كل فن وآحاد الدهر في كل نوع(١). ورغم تدني نفوذها السياسي إلى مستوى كبير، فقد حافظت على دورها الاستقطابي والمحوري، حيث بقيت المركز الأساس الذي يجذب طلبة الحديث، والفقه، والعلوم، ولم تستطع أي من المراكز الأخرى في مصر، ومكة، والمدينة، وخراسان، ونيسابور، وأصبهان، ومرو، وهراة، وسرخس، وطوس، أن تنال من أهمية بغداد ودورها . وقد عُرِف عن أهل بغداد أنهم أرغب الناس في طلب الحديث، وأشدهم حرصاً علیه، وأكثرهم کتباً له. ويقول الخطيب (٢): وأهل بغداد موصوفون بحسن المعرفة، والتثبّت في أخذ الحديث وآدابه وشدة الورع في روايته، اشتهر ذلك عنهم وعُرفوا به . ورحل أَبُو القَاسِم بن عساكر إلى بغداد سنة ٥٢٠هـ(٣)، وذهب من بغداد إلى الحج سنة ٥٢١هـ فسمع بمكة ومنى والمدينة، وممن سمع بمكة: عَبْد اللّه بن مُحَمَّد المصري الملقّب بالغزَّال بمكة، وعَبْد الخلّق بن عَبْد الواسع الهروي بمكة، وحدَّث بمكة ومنها قفل عائداً إلى بغداد (٤). ولما دخل بغداد أُعجب به العراقيون، وقالوا: ما رأينا مثله، وقال شيخه أَبُو الفتح المختار بن عَبْد الحميد: قدم علينا هذا فلم نر مثله (٥). وأقام ببغداد خمسة أعوام يُحصِّل العلم، فسمع من هبة الله بن الحُصَين، وعلي بن عَبْد الواحد الدينوري، وقراتكين بن أسعد، وأبي غالب بن البناء، (١) معجم البلدان: بغداد ١ / ٤٦١ . (٢) تاريخ بغداد ١/ ٤٣. (٣) اتفقت مصادر ترجمته على أن رحلته الأولى إلى بغداد كانت سنة ٥٢٠ . (٤) يقول د.المنجد في مقدمة المجلدة الأولى ص ١٧: وأقام الحافظ في بغداد سنة واحدة، ثم عاد إلى دمشق ولم يلبث أن عاد إليها يريد الحج عن طريقها، لكنه لم يدعم قوله بأي حجة وبيّنة . (٥) طبقات الشافعية للسبكي: ٢١٧/٧. ١٦ مقدّمة التحقيق وهبة اللّه بن أَحْمَد بن الطبري، وأَبي الحَسَن البارع، وأَحْمَد بن ملوك الورّاق، والقاضي أبي بكر(١). وسمع بالكوفة الشريف أبا البركات عمر بن إبراهيم الزيدي، وطوّف وجاب العراق ولقي المشايخ، ثم عاد إلى بغداد فأقام بها يسمع الحديث(٢)، ولزم به التفقّه وسماع الدرس بالنظامية، وقرأ الخلاف والنحو(٣). وكان ببغداد يسمى شعلة نار من توقده وذكائه وحسن إدراكه، لم يجتمع في شيوخه ما أجتمع فيه (٤). وعلى هذا النحو لازم ابن عساكر بغداد، متتبعاً العلماء والفقهاء وكبار المحدِّثين، مستمعاً إليهم، قارئاً عليهم، مُكثراً في ملازمتهم، حتى سنة خمس وعشرين وخمسمئة وقد استنفذ ما عند الشيوخ من أحاديث، بالغ في طلبها منهم فأتقن حفظها، وتلقى متونها وأسانيدها، فقرر العودة إلى دمشق، وفعلاً عاد إلى دمشق سنة ٥٢٥هـ ليسمع على شيوخها . رحلته الثانية: إلى بلاد العجم: وبقي أَبُو القَاسِم بن عساكر في دمشق مدة ملازماً علمائها وفقهائها وكبار محدِّثيها مكثفاً الطلب منهم، متعشقاً لرواية الحديث عليهم، حتى غدا حافظاً فهماً متقناً بصيراً بهذا الشأن، لا يلحق شأوه ولا يُشق غباره، ولا كان له نظير في زمانه وهو بعد شاب في مقتبل العمر، وبقي إلى سنة تسع وعشرين وخمسمئة حيث عزم على التوجّه إلى مراكز ازدهر فيها علم الحديث، وانتشر فيها الفقهاء والعلماء والمحدِّثون فكانت رحلته نحو الشرق، نحو بلاد العجم، فارتحل إليها وطاف في مراكزها ومدنها، وبالغ في طلب الحدیث فیھا علی کبار شيوخها ومحدِّثیھا، فسمع بأصبهان، ونيسابور، ومرو، وتبریز، وميهنة، وبيهق، وخسروجرد، وبسطام، ودامغان، والري، وزنجان، وهمذان، (١) سير الأعلام ٢٠/ ٥٥٥، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن الدمياطي: ص ١٨٧ . (٢) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن الدمياطي: ص ١٨٧ . (٣) مفتاح السعادة لبطاش كبرى زاده ٣١٨/٢، وابن الدمياطي: ص ١٨٧، وطبقات الشافعية للسبكي: ٢١٧/٧. (٤) طبقات الشافعية للسبكي: ٢١٨/٧. ١٧ مقدّمة التحقيق وأسداباذ، وجيّ، وهراة، وبون، وبغ، وبوشنج، وسرخس، ونوقان، وسمنان، وأبهر، ومرند، وخويّ، وجرباذقان، ومشكان، وروذراور، وحلوان، وأرجيش(١). وكان توجهه إلى بلاد خراسان على طريق أذريبجان، والتقى في نيسابور بالسمعاني، وفيه يقول: أَبُو القاسم كثير العلم غزير الفضل حافظ متقن، ديِّن، خير، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبت محتاط ... إلى أن قال: جمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على أقرانه، دخل نيسابور قبلي بشهر، سمعت منه، وسمع مني، .. وكان قد شرع في التاريخ الكبير لدمشق، ثم كانت كتبه تصل إليّ وأنفد جوابها(٢). وسمع بنيسابور أبا عَبْد اللّه الفراوي ولازمه فترة، وفي ذلك يقول الفراوي: قدم ابن عساكر فقرأ عليّ ثلاثة أيّام فأكثر وأضجرني، وآليت على نفسي أن أغلق بابي، فلما أصبحنا قدم عليّ شخص فقال: أنا رسول رَسُول الله وَّل، قلت: مرحباً بك، فقال، قال لي في النوم: امض إلى الفراوي وقل له: قدم بلدكم رجل شامي أسمر اللون يطلب حديثي فلا تملّ منه(٣) . قال القزويني : فوالله ما كان الفراوي يقوم حتى يقوم الحافظ. ولم تقتصر رحلته وطوافه في بلاد خراسان على الدرس والتلقّي والسماع؛ إنما حدَّث في أصبهان ونيسابور، وسمع منه جماعة من الحفّاظ ممن هو أسن منه (٤) . ودامت رحلته في بلاد العجم أربع سنوات (٥) قضاها في ملازمة العلماء والفقهاء، والمحدِّثين، متتبعاً الحديث معتنياً بطرقه ورواته ورواياته وأسانيده، فتعب في جمعه، وبالغ في طلبه حتى أنه جمع ما لم یجمعه أحد. وعاد إلى بغداد ومنها قفل إلى دمشق، ويلخص أَبُو القَاسِم مشواره مع طلبه الحثيث للحديث بقوله: (١) طبقات الشافعية للسبكي ٢١٦/٧ . (٢) سير الأعلام: ٥٦٧/٢٠، تذكرة الحفاظ: ١٣٣٠/٤. (٣) تذكرة الحفّاظ: ١٣٣٠/٤، وتذكرة الحفّاظ للسبكي: ٢١٩/٧. (٤) معجم الأدباء: ٧٦/١٣. (٥) المجلدة الأولى من تاريخ دمشق، المقدمة للدكتور المنجد: ص ٢٢. ١٨ مقدّمة التحقيق سفرين بين فدافد وتنائف وأنا الذي سافرت فى طلب الهدى من أصبهان إلى حدود الطائف وأنا الذي طوفت غير مدينة بعد العراق وشامنا المتعارف والشرق قد عاينت أكثر مدنه ولقيت كل مخالف وموالف (١) وجمعتُ في الأسفار كل نفيسة هاتان الرحلتان إلى بلاد العجم وخراسان ومراكزها العلمية الكبيرة، وإلى العراق وبلاد الحجاز، سمحتا له بلقاء كبار الشيوخ وأعيان العلماء والفقهاء والمحدثين حيث سعى في التحصيل عليهم والإفادة منهم فحفظ وكتب الكثير، وقد التقى بأكثر من ألف وثلاثمائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانين امرأة (٢). يقول الذهبي في سير الأعلام(٣): وعدد شيوخه في معجمه ألف وثلاثمائة شيخ بالسماع، وستة وأربعون شيخاً أنشدوه، وعن مئتين وتسعين شيخاً بالإجازة، الكل في معجمه، وبضع وثمانون امرأة لهن معجم صغير سمعناه . عودته إلى دمشق : مرحلة جديدة : كان ابن أربع وثلاثين سنة لما عاد إلى دمشق، وقرر الاستقرار فيها وذلك بعد أن حقّق قدراً عالياً من بناء شخصيته العلمية والفقهية، وبعد أن ذاع صيته، وانتشرت أخباره، وتناقل العلماء أخبار فطنته وسعة حفظه وإتقانه، وتردد اسمه في مختلف الآفاق. قال أَبُو المواهب (٤): لم أَر مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصفّ الأول إلّ من عذر، والاعتكاف في شهر رمضان، وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك، وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة وأباها بعد (١) الأبيات في كتابه تبيين كذب المفتري: ص ٤٣١. (٢) معجم الأدباء: ٧٦/١٣، وتذكرة الحفاظ: ١٣٢٨/٤. (٣) سير الأعلام: ٥٥٦/٢٠ . (٤) تذكرة الحفاظ: ١٣٣٢/٤. ١٩ مقدّمة التحقيق أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم . قال لي: لما عزمت على التحديث والله المطّلع أني ما حملني على ذلك حبّ الرياسة والتقدّم؛ بل قلت: متى أروي كل ما سمعت؟ وأي فائدة من كوني أخلفه صحائف؟ فاستخرت الله واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد وطفت عليهم فكلهم قالوا: من أحقّ بهذا منك؟ فشرعت في ذلك منذ ثلاث وثلاثين وخمسمئة . هذه المرحلة في حياة ابن عساكر، هي الأكثر سعة ورحابة، وقد امتدت على مدى عمره وفيها انتهت إليه رياسة المذهب، وبات - كما يقول عنه ابن النجّار: إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والمعرفة التامة بعلم الحديث، والثقة والنبل، وحسن التصنيف والتجويد (١)، وأخذ بعدما ملأته الثقة والاعتزاز بما حمله وحفظه، أخذ يُملي ويحدِّث ويصنّف، حيث كان بارعاً في معرفة الحديث ومعرفة رجاله، وهذا ما جعله ينصرف بكلّيته إلى الالتزام بما قرره من التحديث والرواية. فانتهت إليه الرياسة كما أشرنا إلى ذلك قريباً. يقول ولده بهاء الدين الحافظ أَبُو مُحَمَّد القاسم(٢): قال لي أَبي: لمَّا حملت بي أمي رأت في منامها قائلاً يقول لها: تلدين غلاماً يكون له شأن ... فإن الله تعالى يبارك لك وللمسلمین فیه . وصدّقت اليقظة منامها، ونبهه السعد فأسهره الليالي في طلب العلم، وغيره سهرها في الشهوات أو نامها، وكان له الشأن العظيم الذي يجل عن التعظيم. ثم انصرف إلى الجمع والتصنيف، والرواية والتأليف، وهذا يتطلب إلى جانب التزامه بالقيام بواجباته العبادية، تخليّاً عن العمل لتحصيل الأملاك والمنافع وبناء الدور، إلى المواظبة على طاعة الله، وعدم التطلّع إلى أسباب الدنيا، وإعراضه عن المناصب الدينية كالإمامة والخطابة بعد أن عرضتا عليه (٣) وانكبّ على التصنيف، (١) الطبقات الكبرى للشافعية للسبكي: ٢١٨/٧، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن الدمياطي: ص ١٨٦. (٢) طبقات الشافعية للسبكي: ٢١٨/٧، وسير الأعلام: ٢٠ / ٥٦٢. (٣) طبقات الشافعية للسبكي: ٢١٨/٧، تذكرة الحفاظ: ١٣٣٢/٤. ٢٠ مقدّمة التحقيق فصنّف التصانيف المفيدة، وخرّج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظاً في الجمع والتأليف (١). آثاره ومؤلفاته : ١ - إتحاف الزائر. ٢ - الاجتهاد في إقامة فرض الجهاد، وهو أربعون حديثاً. ٣ - أربعون البلدان. ٤ - أربعون حديثاً من أربعين شيخاً من أربعين مدينة . ٥ - الأربعون الطوال في ثلاثة أجزاء. ٦ - أربعون المساواة. ٧ - أربعون المصافحات. ٨ - الأحاديث الخماسيات وأخبار ابن أبي الدنيا. ٩ - الأحاديث المتخيرة في فضائل العشرة في جزءین. ١٠ - أخبار أَبي عمرو الأوزاعي (وفضائله، عن معجم الأدباء). ١١ - الاشراف على معرفة الأطراف في الحديث أربعة مجلدات. ١٢ - أمالي في الحديث. ١٣ - التاريخ الكبير لدمشق، مشهور، (وهو كتابنا). ١٤ - تاريخ المزّة. ١٥ - التالي لحديث مالك العالي (١٩ جزءاً). ١٦ - تبيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الأطيط. ١٧ - تبيين الامتان بالأمر بالختان. ١٨ - تبيين كذب المفتري، فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري. ١٩ - ثواب الصبر على المصاب بالولد. ٢٠ - جزء حديث الهبوط . ٢١ - جزء كفرسوسية (أحاديث جماعة من كفرسوسية). (١) وفيات الأعيان: ٣١٠/٣