Indexed OCR Text
Pages 441-460
المِحَن، فخرب عِمْرانها، وانتَقَل قُطَّانها؛ إلّ أنها كانت قبل وقتنا والسابق لعَصرنا على ما بها من الاختلال والتّناقص في جميع الأحوال، مباينةً لجميع الأمصار، ومخالفةً لسائر الدِّيار. ولقد حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المُحَسِّن(١) التَّوخي، قال(٢): أخبرني أبي، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي في سنة ستين وثلاث مئة، قال: أخبرني رجل يبيع سَوِيق الخُمّص منفردًا به، وأسماه وأُنسيته(٣) ، أنه حَصَرَ ما يُعمل في سُوقه من هذا السَّوِيق كل سنة؛ فكان مئة وأربعين كُرًّا، يكون حمّصًا مئتين وثمانين كُرًّا، يخرج في كل سنة حتى لا يبقى منه شيء، ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى. قال: وسَوِيق الحمّص غير طَيِّب، وإنما يأكله المتجملون (٤) والضُّعفاء شهرين أو ثلاثة عند عدم الفواكه؛ ومن لا يأكله من الناس أكثر. قلتُ: ولو طُلب من هذا السَّويق اليوم في جانبي بغداد مكَّوك واحد ما وجد . أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النَّخوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السّکوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: قال أبو الفَضْل أحمد بن أبي طاهر: أُخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد لأبي أحمد، يعني الموفق بالله، عند دخوله مدينة السَّلامِ؛ فوُجد مئتي حَبْل(٥) وخمسين حَبْلاً وعَرْضه مئة وخمسة أحْبُلٍ، فيكون ستة وعشرين ألف جَريب ومئتين وخمسين جريبًا؛ ووُجد الجانب الغربي طوله (١) قوله: ((علي بن المحسن)) سقط من م. (٢) انظر نشوار المحاضرة ١٣٠/١. (٣) في م: ((أسماه لي وأنسيته))، وما هنا من النسخ، وهو الذي في النشوار أيضًا. في م: ((المتحملون» بالحاء المهملة، مصحف، وما هنا من النسخ والنشوار. (٤) (٥) طول الحبل ٣٩٫٩ م تقريبًا، فالحبل المربع هو الجريب. ٤٤١ مئتين وخمسين حبلاً أيضًا وعَرْضه سبعون حبْلاً يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب وخمس مئة جريب، فالجميع من ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبع مئة وخمسون جريبًا(١) ، من ذلك مَقابر أربعة وسبعون جريبًا. باب ما ذُكِرَ في مقابر بغدادَ المَخْصُوصة بالعُلماءِ والزُّهاد (٢) بالجانب الغربي في أعلى المدينة مقابر قُرَيْش، دُفن بها موسى بن جعفر ابن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وجماعة من الأفاضل معه . : أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحُسين بن محمد بن رامين الإستراباذي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حَمْدان القَطِيعي، قال: سمعتُ الحسن بن إبراهيم أبا عليّ الخَلَّل يقول: ما همَّني أمرٌ فَقَصَدتُ قبر موسى بن جعفر فتوسَّلْتُ به إلاَّ سَهَّل الله تعالى لي ما أحبُّ. أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرتنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: وكان أول مَن دُفن في مقابر قُريش جعفر الأكبر ابن المنصور، وأول من دُفِن في مقابر باب الشام عبدالله بن عليّ، سنة سبع وأربعين ومئة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة . ومَقبرة باب الشام أقدم مَقابر بغداد، ودُفِنَ بها جماعة من العُلماءِ والمحدِّثين والفُقَهاء. (١) فتكون المساحة (٦٩٦٥٠٠٠٠) مترًا مربعًا، وتساوي (٢٧٨٦٠) دونمًا عراقيًا، أو ٦٩,٦٥ كيلو مترًا مربعًا. (٢) كتب ناسخ ب ١ في الحاشية إلى أن العنوان جاء في نسخة أخرى كما يأتي: ((باب مقابر ... الخ)». ٤٤٢ وكذلك بمقبرة باب التّبْن، وهي على الخندق بإزاء قَطِيعة أم جعفر. حدثني أبو يَعْلى محمد بن الحُسين بن محمد بن الفَرَّاء الحنبلي، قال: حدثني أبو طاهر بن أبي بكر، قال: حكى لي والدي عن رجل كان يختلفُ إلى أبي بكر بن مالك(١) أنه قيل له: أينَ تُحب أن تُدفن إذا مثَّ؟ فقال: بالقَطِيعة، وإن عبدالله بن أحمد بن حنبل مدفون بالقَطِيعة، وقيل له، يعني لعبدالله، في ذلك، قال: وأظنُّه كان أوصى بأن يُدفن هناك، فقال: قد صحَّ عندي أنَّ بالقَطِيعة نَبِيًّا مدفونًا، ولأن أكون في جوار نبيِّ أحبُّ إليَّ من أن أكون في جوار أبي. ومقبرة باب حَرْب، خارج المدينة وراء الخَنْدق(٢) مما يلي طريق قُطْرُبُّل، معروفة بأهل الصَّلاح والخير، وفيها قبر أحمد بن محمد بن حنبل، وبِشْر بن الحارث. ويُنسَب باب حَرْب إلى حَرْب بن عبدالله أحد صحابة أبي جعفر المنصور؛ وإليه أيضًا تنسب المحلة المعروفة بالحَرْبيَّة . أخبرنا أبو عبدالرحمن إسماعيل بن أحمد الحِيري الضَّرير، قال: أخبرنا أبو عبدالرحمن محمد بن الحُسين الشُّلَمي بِنَيْسابور، قال: سمعتُ أبا بكر الرَّازي يقول: سمعتُ عبدالله بن موسى الطَّلْحيّ يقول: سمعتُ أحمد بن العباس يقول: خرجْتُ من بغداد فاستقبّلَني رجلٌ عليه أثرُ العِبادة، فقال لي: من أين خرجتَ؟ قلتُ: من بغداد هربتُ منها لِمَا رأيتُ فيها من الفَسَاد، خِفْتُ أن يُخسف بأهلِها. فقال: ارجع ولا تخف؛ فإنَّ فيها قبورَ أربعة من أولياء الله هم حِصْنٌ لهم من جميع البلايا. قلتُ: مَن هم؟ قال: ثَمَّ الإمام أحمد بن حنبل، ومعروف الكَرْخِي، وبِشْر الحافي، ومنصور بن عمَّار. فرجعتُ وزرتُ القبور، ولم أخرج تلك السَّنة . (١) هو أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي راوي («المسند» وغيره عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، وستأتي ترجمته (٥/ الترجمة ١٩٦٦). (٢) يعني: خندق طاهر. ٤٤٣ قلتُ: أما قبر معروف فهو في مقبرة باب الدَّيْر. وأما الثلاثة الآخرون. فقبورهم بباب حَرْب. حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا يوسُف بن عُمر القوَّاس، قال: حدثنا أبو مُقاتل محمد بن شُجاع، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدُّنيا،، قال: حدثني أبو يوسُف بَن يَخْتَانِ، وكان من خيار المُسلمين، قال: لما ماتَ أحمد بن حنبل رأى رجلٌ في منامه كأنَّ على كُلِّ قبر قِنْديلاً، فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمتَ أنه نُوِّر لأهلِ القُبور قبورُهم بنُزول هذا الرجل بيْنِ. أظهرُهم، قد كان فيهم من يُعذَّب فُرُحم. أخبرنا أبو الفَرَج الحسين بن عليّ بن عبيدالله الطَّناجيري، قال: حدثنا محمد بن عليّ بن سُوَيْد المؤدِّب، قال: حدثنا عُثمان بن إسماعيل بن بكر(١). الشُّكري، قال: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أحمد ابن الدَّوْرَقي يقول: مات جارٌ لي فرأيتُه في الليل وعليه حُلَتَين قد كُسِي، فقلتُ: أيش قصتك؟ ما هذا؟ قال: دُفِنَ في مَقبرتنا بشر بن الحارث فَكْسِيَ أهل المقبرة حُلَّتِيْن حُلَّتيْن ... قلتُ: وبنواحي الكَرْخِ مَقابر عدَّة، منها مَقبرة باب الكُناس مما يلي براثا، دُفِنَ فيها جماعةٌ من كُبراء أصحاب الحديث. ومَقبرة الشُّونيزي، فيها قبر سَرِيّ السَّقَطي وغيره من الزُّهاد، وهي وراء المحلة المعروفة بالتُّوثة بالقُرب من نهر عيسى بن عليّ الهاشمي. سمعتُ بعضَ شيوخناً يقول: مقابر قُريش كانت قديمًا تُعرف بمقبرة الشُّونيزي الصَّغير، والمقبرة التي وراء الثُّوثة تُعرف بمقبرة الشُّونيزي الكبير .. وكان أخَوَان يقال لكل واحد منهما الشُّونيزي، فدُفِن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونُسبت المقبرة إليه . ومقبرة باب الدَّيْر وهي التي فيها قبر معروف الكَرْخي. (١) في م: «بن أبي بكر»، خطأ، وستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب (١٣ / الترجمة ٦٠٣٠). ٤٤٤ أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحِيري، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين الشُّلَمي، قال: سمعتُ أبا الحسن بن مِفْسَم يقول: سمعتُ أبا عليّ الصَّفَّار يقول: سمعتُ إبراهيم الحَرْبي يقول: قبر معروف الترياق المجرَّب. أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن عُمر البَزْمكي، قال: حدثنا أبو الفَضْل عُبيدالله بن عبدالرحمن بن محمد الزُّهْري، قال: سمعتُ أبي يقول: قبر معروف الكَرْخِي مُجَرَّب لقضاء الحوائج، ويُقال: إنه من قَرأ عنده مئة مرة ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّجَ﴾ [الإخلاص] وسألَ الله تعالى ما يريد قضى اللهُ له حاجته . حدثني أبو عبدالله محمد بن عليّ بن عبدالله الصُّوري، قال: سمعتُ أبا الحُسين محمد بن أحمد بن جُمَيْع يقول: سمعتُ أبا عبدالله ابن المحامِلي يقول: أعرف قبر معروف الكَرْخِي منذ سبعين سنة ما قَصَده مَهْمُومٌ إلّ فَرَّج الله هَمّه . وبالجانب الشرقي مَقْبرة الخَيزُرَان، فيها قَبر محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السِّيرة، وقبر أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه (١) إمام أصحاب الرَّأي. أخبرنا القاضي أبو عبدالله الحُسين بن عليّ بن محمد الصَّيْمري، قال: أخبرنا عُمر بن إبراهيم المُقرىء، قال: حدثنا مُكْرَم بن أحمد، قال: حدثنا عُمر بن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا عليّ بن مَيْمون، قال: سمعتُ الشافعي يقول: إني لأتبرَّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قَبره في كلِّ يوم، يعني زائرًا، فإذا عَرَضَت لي حاجةٌ صَلَّيْتُ رَكعتَين، وجئتُ إلى قَبْرِه وسألتُ الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقْضَى . ومقبرة عبدالله بن مالك، دُفِنَ بها خلقٌ كثير من الفُقَهاء والمحدِّثين والزُّهَّاد والصَّالحين، وتُعرف بالمالكية. ومَقبرة باب البَرَدَان فيها أيضًا جماعةٌ من أهل الفَضْل. (١) سقطت من م. ٤٤٥ وعند المُصلَّى المرسوم بصلاة العيد كان قبرٌ يُعرف بقبر النُّذور، يقال. إنَّ المدفون فيه رجلٌ من وَلَد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يتبرك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته. حدثني القاضي أبو القاسم عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخي، قال: حدثني أبي، قال: كنتُ جالسًا بِحَضْرة عضدُ الدَّولة ونحن مُخَيِّمون بالقُرب من مُصلَّى الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام، نريد الخروج معه إلى مَمَّذان في أول يوم نَزَل المُعسكر، فوَقَع طرفه على البناء الذي على قَبر النُّذور، فقال لي: ما هذا البناء؟ فقلتُ: هذا مشهد النُّذور (١)، ولم أقُل قَبْر لعلمي بطيرته من دون هذا، فاستَحسن اللَّفظة، وقال: قد عَلمتُ أنه قبر التُّذور، وإنما أردتُ شرح أمره: فقلتُ: هذا يُقال: إنه قبر عُبيدالله بن محمد بن عُمر بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب. ويُقال: إنه قبر عُبيد الله بن محمد بن عُمر بن عليّ بن أبي طالب، وإِنَّ بعضَ الخُلَفاء أراد قَتْله خفيةً(٢)، فجُعلت له هناك زُبْيَةً (٣) وسُيِّر عليها وهو لا يعلم، فوقع فيها وهيلَ عليه التُّراب حَيًّا، وإنما شهر بقبر التُّذور لأنه ما يكاد يُنْذر له نذرٌ إلّا صحَّ، وبَلَغ النَّاذر ما يريد ولزمه الوفاء بالنَّذر، وأنا أحدُ من نَذَر له مِرارًا لا أحصيها كثرةً، نذورًا على أمور متعذّرة فبلغْتَهَا ولَزِمني النَّذر فوِفِيتُ به. فلم يَتَقَبَّل هذا القول، وتكلَّم بما دلَّ أنَّ هذا إنما يقع منه اليسير اتِّفاقًا فَيَتَسَوَّقُ العوامَ بأضعافه، ويسيّرون الأحاديث الباطلة فيه: فأمسكتُ. فلما كان بعد أيام يسيرة ونحن مُعسكرون في مَوْضعِنا، استدعاني في غَدوة يوم، وقال: اركب معي إلى مشهد التُّذور، فركبْتُّ ورَكِبَ في نَفَر من حاشيته إلى أن جئتُ به إلى المَوضع، فدَخَله وزارَ القَبْرَ، وصَلَّى عنده ركعتين سجد بعدهما سجدةً أطالَ فيها المُناجاة بما لم يسمعه أحدٌ ثم (١) في ب ١: ((قبر النذور مشهد النذور)). (٢) في م: ((خفيًا» .. (٣) الزبية: الحفرة. ٤٤٦ رَكِبنا معه إلى خَيمته وأقمنا أيامًا، ثم رحلَ ورَحّلنا معه يريد هَمَذان، فبلغناها وأقمنا فيها معه شهورًا، فلما كان بعدَ ذلك استدعاني، وقال لي: ألستَ تذكرُ ما حدثْتَني به في أمر مشهد النُّذور ببغداد؟ فقلتُ: بلى. فقال: إني خاطبتُك في معناه بدون ما كان في نفسي اعتمادًا لإحسان عشرتك، والذي كان في نفسي في الحقيقة أنَّ جميع ما يقال فيه كَذِب. فلما كان بعد ذلك بمُدَيْدةٍ. طرَقَني أمرٌ خَشِيتُ أن يقع ويتمَّ، وأعملت فكري في الاحتيال لزَواله ولَوْ بجميع ما في بيوت أموالي وسائر عساكري، فلم أجد لذلك فيه مَذهبًا، فذكرْتُ ما أخبرتني به في النَّذْر لقبر (١) النُّور، فقلتُ لم لا أُجَرِّب ذلك؟ فَتَذَرْتُ إن كفاني الله تعالى ذلك الأمر أن أحمل إلى صندوق هذا المشهد عَشرة آلاف درهم صحاحًا، فلما كان اليوم جاءتني الأخبار بكفايتي ذلك الأمر، فتقدَّمتُ إلى أبي القاسم عبدالعزيز بن يوسُف، يعني كاتِبَهُ، أن يكتب إلى أبي الرّيَّان، وكان خليفته ببغداد، يحملها إلى المشهد. ثم التفت إلى عبدالعزيز، وكان حاضرًا، فقال له عبدالعزيز: قد كتبتُ بذلك ونفذ الكتاب. أخبرني عليّ بن أبي عليّ المُعَدَّل، قال: حدثني أحمد بن عبدالله أبو بكر الدُّوري الوَرَّاق، قال: حدثنا أبو عليّ محمد بن هَمَّام بن سُهيْل الكاتب الشِّيعي، قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري، قال: حدثنا سُليمان ابن أبي شيخ، وقلتُ له: هذا الذي بقبر التُّدور يقال: إنه عُبيدالله بن محمد بن عُمر بن عليّ بن أبي طالب. فقال: ليسَ كذلك، بل هو عُبيد الله بن محمد بن عُمر بن عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب، وعُبيد الله بن محمد بن عُمر بن عليّ بن أبي طالب مدفونٌ في ضيعة له بناحية الكوفة يقال لها لُبَيّا(٢). وقال أبو بكر الدُّوري: قال لي أبو محمد الحسن بن محمد (٣) ابن أخي طاهر (١) في م: «لمقبرة))، خطأ. (٢) هكذا مجودة الضبط والتقييد في ب ١، ولم يذكرها ياقوت في معجم البلدان. (٣) في ب ١: ((أحمد))، خطأ، فستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب (٨/ الترجمة ٣٩٣٧). ٤٤٧ العَلَوي: مُبيد الله بن محمد بن عُمر بن عليّ بن أبي طالب مدفون في ضيعةٍ له بناحية الكوفة يقال لها: ألبِّي، وقبر النُّور إنما هو قبر عُبيدالله بن محمد بن عُمر بن علي بنِ الحُسين بن عليّ بن أبي طالب. قلت: وأقدم المقابر التي بالجانب الشَّرقي مَقبرة الخَيْزُران؛ فأخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة، قال: وأما مقابر الخَيْزُران، فمنسوبةٌ إلى الخَيْزُران أم موسى وهارون، يعني ابنَي المهدي، وهي أقدم المَقابر فيها قبر أبي حنيفة، وقبرُ محمد بن إسحاق صاحب (المغازي)). أخبرنا محمد بن عليَّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي(١)، قال: حدثنا الحسن بن محمد (٢) السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: قال بعضُ الناس: إنَّ موضع مقابر الخَيْزُران كان مقابر المجوس قبل بناء بغداد، وأول من دُفِنَّ فيها البانوقة بثت المهدي، ثم الخَيْزُران، ودُفِنَ فيها محمد بن إسحاق صاحب ((المَغازي))، والحسن بن زيد، والنعمان بن ثابت، وقيل: هشام بن عُرْوَة. قلت: كان المشهور عندنا أنَّ قبر هشام بن عُرْوة في الجانب الغربي وراء الخَنْدق أعلى مَقابر باب حَرْب، وهو ظاهر معروفٌ هناك، وعليه لوح منقوش فيه أنه قبر هشام؛ مع ما أخبرنا به الحسن بن عليّ الجوهري، قال: أخبرنا. محمد بن العباس الخَزَّازِ. وأخبرنا أبو القاسم(٣) الأزهري، قال: أخبرنا أحمد ابن محمد بن موسى، قالا (٤): حدثنا أبو الحُسين ابن المُنادي، قال: أبو المُنذر هشام بن عُروة بن الزُّبير بن العَوَّامِ القُرشي، ماتَ أيام خلافة أبي جعفر (١) سقطت من م. (٢) قوله: ((الحسن بن مجمده سقط من م. (٣) سقطت الكنية من م. (٤). في م: ((قال))، خطأ. ٤٤٨ في سنة ست وأربعين ومئة، ودُفِنَ بالجانب الغربي خارج السُّور نحو باب قُطْرُبُلِ . فحدثني أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدَّقَّاق، وكان من أهل الفَهْم وله قَدَم في العلم، أنه سمع أبا الحُسين أحمد بن عبدالله بن الخَضِر ينكر أن يكون قبر هشام بن عُروة بن الزُّبير هو المشهور بالجانب الغربي، وقال: هذا قبر هشام بن عُروة المَرْوَزي صاحب ابن المُبارك، وإنما قَبر هشام بن عُروة بن الزُّبير بالخَيْزرانية من الجانب الشَّرقي. ثم أخبرنا أبو بكر البَرْقاني، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عُمر الخَلَّل، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شَيْبة، قال: حدثنا جدي، قال: هشام بن عُروة يُكْنَى أبا المُنذر، توفي ببغداد سنة ست وأربعين ومئة. وقد قيل: إنَّ قبره في مقابر الخَيْزُران. وأخبرنا الحسن بن الحُسين بن العباس، قال: أخبرنا جدي لأُمّي إسحاق ابن محمد النِّعالي، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق المدائني، قال: حدثنا قَعْنب بن المُحَرَّر(١) أبو عَمرو الباهلي، قال: ماتَ عبدالملك بن أبي سُليمان، وهشام بن عُروة ببغداد سنة خمس وأربعين ومئة، ودُفنا بسُوق يحيى. ومَقبرة الخَيْزُران بالقُرب من سُوق يحيى، وإليها أشار قَعْنب بن المُحَرَّر(٢). ونرى أن قول أحمد بن عبدالله بن الخَضِر هو الصَّواب إلّ إنا لا نعرف في أصحاب ابن المُبارك من يُسمى هشام بن عُروة، ولا نَعلمُ أيضًا رُوِيَ العلم عن أحدٍ يُسَمَّى (٣) هشامًا واسم أبيه عُروة، سوى هشام بن عُروة بن الزُّبير بن العَوَّامِ، والله أعلم. (١) في م: ((المحرز)» آخره زاي، مصحف، وهو من رجال التهذيب المعروفين. (٢) كذلك. (٣) في م: ((سمي))، وما هنا من ب ١ ول ١ وهو الأليق. ٤٤٩ وبالقرب من القَبر المنسوب إلى هشام بالجانب الغربي: قبور جماعةٌ تعرف بقُبور الشهداء، لم أزَل أسمع العامَّة تذكرُ أنها قُبور قَوم من أصحابٍ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كانوا شَهِدوا معه قتال الخوارج بالنَّهْروان وارتَثُوا في الوقعة، ثم لما رَجَعوا أدركهم الموت في ذلك المَوضع فدَفَتْهم عليٍّ هناك. وقيل: إنَّ فيهم مَن له صُحبة. وقد كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر أيضًا ما اشتهر عند العامة من ذلك، وسمعتُه يزعمُ أنه لا أصل له، والله (١) أعلم(١) . (١) هذا هو آخر الجزء الثالث من الأصل. ٤٥٠ ذكرُ خبر المدائن على الاختصار وتسمية من وَرَدها من الصَّحابة الأبرار إنما أوردنا ذكرَ المدائن في كتابنا لقربها من مدينتنا، وذلك أنَّ المَسافة إليها بعض يوم فكانت في القُرب منا كالمثَّصلة بنا. وسنُورد في هذا الكتاب أسماء من كان من أهل العلم بالنَّواحي القَريبة من بغداد، كالنَّهروان، وعُكْبَرًا، والأنبار، وسُرَّ من رأى، وما أشبه ذلك عند وصولنا إلى ذكرِها(١) إن شاء الله. فأما تقديمُنا ذكر المدائن فإنما فَعَلنا ذلك تبرُّكًا بأسماء الصَّحابة الذين ورَدوها، والسّادة الأفاضل الذين نَزَلوها. وقد قُبر بالمدائن غير واحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين رحمةُ الله عليهم . أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحَرَشي بنَيْسابور، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم. وأخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله المُعَذَّل، قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن البَخْتري الرزَّاز. وأخبرنا عبدالرحمن بن عُبيد الله الحَزبي، قال: حدثنا حمزةُ بن محمد بن العباس. وأخبرنا الحسن بن أبي بكر بن شاذان، قال: أخبرنا مُكْرَم(٢) بن أحمد القاضي؛ قالوا: حدثنا محمد بن عيسى بن حَيَّان المَدائني، قال: حدثنا محمد ابن الفَضْل، هو ابن عَطِيّة، قال: حدثنا عبدالله بن مُسلم، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َ ﴿، قال: ((من ماتَ من أصحابي بأرضٍ، كان نورهم وقائدهم يوم القيامة))(٣). (١) الضمير هنا يعود على بغداد، فهو لم يذكر هذه القرى والأماكن مفردة. (٢) قيده ناشر م بتشديد الراء، فأخطأ. (٣) إسناده ضعيف، لضعف عبدالله بن مسلم أبي طيبة عند التفرد كما بيناه في (تحرير التقريب))، ولم يتابع، وابن بريدة هو عبدالله، والصواب أنه مرسل، قال الإمام الترمذي عقب إخراجه (٣٨٦٥): ((هذا حديث غريب، ورُوي هذا الحديث عن عبدالله ابن مسلم أبي طيبة، عن ابن بريدة عن النبي (َّ مرسلاً، وهذا أصح)). وانظر = ٤٥١ وقيل: إنما سُمّيتِ المدائنُ لكثرةِ ما بَنَى بها المُلوكُ والأكاسرةُ، وأثَّرُوا فيها من الآثار. وهي على جانبي دجلة شرقًا وغَرْبًا، ودجلةُ تشقُّ بينهما، وتسمَّى المدينةَ الشرقيةَ .. العَتيقةَ، وفيها القصر الأبيض القَديم الذي لا يُدْرَى مَن بَناه، وتتصل به (١) المدينةُ التي كانت الملوكُ تنزلُها، وفيها الإيوان، وتعرف بأسبانَبر. وأما المدينة الغربية فتسمَّى بَهرسير . وكان الإسكندر، أجلُ ملوك الأرض، نزلها، وقيل: إنه ذو القَرْنين الذي ذَكر (٢) الله تعالى في كتابه، فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِ اَلْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبِيًّا لِهَ فَأَنْعَ سَبًاجِهَ﴾ [الكهف] وبَلَغ مشارقَ الأرضِ ومَغاربها، وله في كلِّ إقليم أثر، فَبَنى بالمغرب الإسكندرية، وبَنَى بخُراسان العُليا على ما يُقال: سَمَرْقند ومدينةً الصُّغْد، وبَنى بخُراسان الشُّفلى مَرو وهَراة، وبَنَى بناحية الجبل جَيَّ مدينةٍ أصبهان، وبَنَّى مدنًا أخَرٍ كثيرةٌ في(٣) نواحي الأرض وأطرافها، وجَوَّلَ الدُّنيا كُلَّها ووَطِتها، فلم يختر منها منزلاً سوى المدائن فَتَزَلها. وبَنَى بها مدينةٌ عظيمةٌ وجعلَ عليها سورًا أثرُه باقٍ إلى وقتنا هذا موجودُ الأثر (٤) ، وهي المدينة التي تسمَّى الزومية في جانب دجلة الشرقي، وأقامَ الإسكندر بها راغبًا عن بقاع الأرض چمیعًا وعن بلاده ووطنه . وذكر بعض أهل العلم: أنها لم تزل مُسْتَقَرَّهُ بعد أنْ دَخَلها حتى مات بها، وحُمل منها فدُفِنَ بالإسكندرية لمكان والدته، فإنها كانت باقية هناك. وقد كان مُلوكِ الفُرْس لهم حسن التدبير والسياسة والنَّظر في الممالك، واختيار المَنازلَ، فَكُلُّهم اختارَ المدائنَ وما جاوَرَها؛ لصحَّة تُرْبتها وطِيلٍ = المسند الجامع ٢٣٩/٣ حديث (١٩١٢). (١) في م: ((ويتصل بها))، وما هنا من ب أو ل ١. (٢) في م: ((ذكره))، وما هنا من ب ١ ول !.. (٣) في م: ((من))، وما هنا من النسخ. (٤) في م: ((بالأثر))، وما هنا من النسخ، وهو الأصح. ٤٥٢ هَوائها، واجتماع مَصَبَّ دجلة والفرات بها(١). ويذكر عن الحُكماء أنهم يقولون: إذا أقامَ الغريبُ على دجلة من بلاد المَوْصل تبين في بدنه قوة، وإذا أقامَ بين دجلة والفُرات بأرض بابل تبين في فطنته ذكاء وحِدَّة وفي عقله زيادة وشدة، وذلك الذي أورثَ أهلَ بغداد الاختصاصَ بِحُسْنِ الأخلاقِ والتَفَرُّد بجميلِ الأوصافِ، وقَلَّ ما اجتمعَ اثنان مُتَشاكلان، وكان أحدُهما بغداديًا، إلّ كان المُقَدَّم في لُطْفِ الفِطنة، وحُسن الحِيلة، وحَلاوةِ القَولِ، وسُهولة البَذْلِ؛ وَوُجد ألينَهُما معاملةً، وأجْملهما مُعاشرة. وكان حُكْمُ المَدائن، إذْ كانت عامرةً آهلةً، هذا الحُكْمَ. ولم تزل دارَ مملكةِ الأكاسرة، ومحل كبارِ الأساورة. ولهم بها آثارٌ عظيمة، وأبنيةٌ قديمة، منها: الإيوان العَجيب الشأن، لم أرَ في معناه أحسنَ منه صنعةٌ، ولا أعجبَ منه عملاً؛ وقد وَصَفه أبو عُبادة الوليد بن عُبيد البُخْتُريُّ في قصيدته التي أولها(٢) [من الخفيف]: صنتُ نفسي عمَّا يُدَنِّس نفسي وترفّعتُ عن جَدًا كل جِبْسٍ إلى أن قال: وكأنَّ الإيوانَ من عَجَبِ الصَّنْ سعة جَوْنٌ فِي جَنْب أرعنَ جلس(٣) يُتَظَنَّى من الكآبةِ إذ يبدو لِعْيني مُصَبِّحِ أو مُمَسي عَزَّ أو مُرهقًا بتطليق عِرْس مُزعجًا بالفِرَاقِ عن أُنْس ألفٍ عكَسَتْ حظّه الليالي وبات الـ ـمُشْتَري فيه وهو كوكَبُ نَحْسٍ فهو يُبْدِي تجلُّدًا وعليه كَلْكَلٌ من كلاكل الدهر مُرسي (١) لعله يريد مياه الأنهار التي كانت تأخذ من الفرات وتصب في دجلة مثل نهر عيسى وغيره؛ وإلا فإن المجاري الرئيسة للنهرين إنما تلتقي بالقرب من البصرة . (٢) القصيدة في ديوانه ٢/ ١١٥٤. (٣) في م: ((جوب))، وما هنا من النسخ، وكذلك هو في معجم الأدباء لياقوت ٢٨٠٠/٦، والجون: الأبيض، والأرعن: الجبل، والجلس: العالي. ٤٥٣ لم يَعِبْهُ أن بُزَّ من بُسُط الدي باج واستُلَّ من ستُورِ الدِّمَقْسِ مشمخزٌّ تعلو له شُرُفاتٌ رُفعَت في رؤوس رَضْوَى وَقَدْس لابساتٌ من البَيَاض فما تُبْ صِرُ منها إلّ سبايخ بُرْس(١) ليس يُذْرَى أصُنْعُ إنس لجنُّ سكنوه أم صنعُ جِنٍ لإنس غير أني أُراه يشهد أن لم يكُ بانيه في الملوك بِتَكْسِ (٢) أنشدني الحُسين(٣) بن محمد بن القاسم العَلَويُّ، قال: أنشدنا أحمد بن علي البَنِّي، قال: أنشدنا أبو سَهْل أحمد بن محمد بن عبد الله القَطَّان، قال: أنشدنا المُحْتُري لنفسه: صَنتُ نَفْسي عما يُدَنِس نَفْسي وذكر القَصيدة بطولها . أخبرني علي بن أيوب القُمِّي، قال: أخبرنا محمد بن عِمْران الكاتب، قال: أخبرني الصُّولي، قال: سمعتُ عبدالله بن المعتز يقول: لو لم يكن للبُخْتريُّ من الشِّعر إلا (٤) قصيدتَه السَّينية في وصفِ إيوان كسرى فليس للعرب سينية مثلها، وقصيدتَهُ في صفة(٥) البركة، لكان أشعرَ الناس في زَمانِه . والذي بنى الإيوان على ما ذكر عبد الله بن مُسلم بن قُتَية(٦) هو سابور بن هُرمز المعروف بذي الأكتاف، وقد بَنَى أيضًا ببلاد فارس وخُراسان مدنًا كثيرةً، وله في كتب سير العجم أخبارٌ عَجيبة، وذَكَرَ أنَّ مُذَّة ملكه كانت اثنتين وسبعين سنة . (١) في الديوان ومعجم الأدباء: غلائل، وهي بمعنى، فهي لفائف، والبرس: القطن (٢) النكس: الضعيف المقصر عن غاية النجدة والكرم. (٣) في م: ((الحسن))، محرف، وهو المعروف بابن طباطبا والآتية ترجمته فيمن اسمه الحسين من هذا الكتاب (٨/ الترجمة ٤١٧٩). (٤) في م: (غیر»، وما هنا من ب ١ ول ١. (٥) في م: ((في وصف)) وما هنا من ب ١ ول ١ وكله بمعنى. (٦). المعارف ٦٥٨ - ٦٥٩. ٤٥٤ أخبرنا الحسن بن عليّ الجَوْهري، قال: أخبرنا محمد بن عِمْران المَرْزُباني، قال: حدثنا أبو الحُسين عبدالواحد بن محمد الخَصِيبِيُّ، قال: حدثني أبو عليّ أحمد بن إسماعيل، قال: لما صارَت الخِلاَفة إلى المنصور هَمَّ بَنَقْضِ إيوان المدائنِ فاستشارَ جماعةً من أصحابِهِ فكلُّهم (١) أشارَ بمثل ما هَمَّ به، وكان معه كاتبٌ من الفُرس فاستشارَه في ذلك فقال له: يا أميرَ المؤمنين أنتَ تعلمُ أنَّ رسولَ اللهِ وََّ خِرَجَ من تلك القَرية، يعني المدينةَ، وكان له بها مثلُ ذلك المنزل، ولأصحابه مثلُ تلك الحُجَر، فخرَجَ أصحابُ ذلك الرَّسول حتى جاءوا مع ضعفهم إلى صاحب هذا الإيوان مع عِزَّتِهِ وصُعوبةِ أمرهِ، فغَلَبوه وأخذوه من يَدَيه قَسْرًا وقَهْرًا ثم قتلوه، فيجيءُ الجائي من أقاصي الأرض فينظرُ إلى تلك المدينة وإلى هذا الإيوان، ويعلم أنَّ صاحبَها قَهَرَ صاحبَ هذا الإيوان، فلا يشكُّ أنه بأمر الله تعالى، وأنه هو الذي أيَّده وكان معه ومعَ أصحابِهِ، وفي تَرْكه فَخْرٌ لكم. فاستغشَّهُ المنصورُ واتَّهمه لقَرابتِهِ من القَوم، ثم بَعثَ في نَقْضِ الإيوان فنُقض منه الشيءُ اليسير، ثم كُتِبَ إليه: هو ذا يُغرم في نقْضه أكثر مما يُسترجع منه وأن هذا تَلَف الأموال وذَهابها. فدعا الكاتبَ فاستشارَه فيما كُتِبَ به إليه، فقال: لقد كنتُ أشرتُ بشيء لم يُقبل مني، فأمَّا الآن فإني آنف لكم أن يكون أولئك بَنَوا بناء تَعجزون أنتُم عن هَدِمِه، والصَّواب أن تبلغ به الماء، ففكّر المنصور فعلم أنه قد صَدَق. ثم نَظَر فإذا هذْمُهُ يُتلفُ الأموال، فأمرَ بالإمساك عنه. أخبرني عُبيدالله بن أبي الفَتْح الفارسي، قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد ابن سُوَيْد، قال: حدثنا الحُسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا أبو العباس المُبَّرِّد، قال: أخبرني القاسم بن سَهْل النُّوشجاني: أنَّ ستر باب الإيوان أخْرقه المُسلمون لما افتَتَّحوا المدائن، فأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهبًا، فبيع المثقال بعشرة دراهم، فَبَلَغ ذلك عشرة آلاف ألف درهم. (١) في م: ((وكلهم)، وما هنا من النسخ. ٤٥٥ ذِكر بشارة النبيِّ مَّة أصحابه أنّ الله يفتح المدائن على أمته أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبدالله الحافظ بأصبهان، قال: حدثنا محمد ابن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا إسحاق بن الحسن الحَرْبي، قال: حدثنا هَؤْذة بن خليفة، قال: حدثنا عَوْف، عن مَيْمون، قال: حدثني البَرَاء بَنِ عازب، قال: لما كان حين أمَرَنا رسولُ اللهِ وََّ بحَفْر الخَندق، عَرَضت لنا في بعض الخَندق صخرةٌ عظيمةٌ شديدةٌ لا تأخذُ فيها المَعاول. قال: فاشتَكَينا ذلك إلى النبيِّ ◌َ ﴿ فجاء رسولُ اللهِ وَّ﴾ فلما رآها ألقَى ثَوبه، وأخذَ المِعْولَ فقال: (بسم الله)) ثم ضَرَب ضربةً فكسر ثُلُثها، وقال: ((الله أكبر، أعطيتُ مَفاتيح الشام، والله إني لأُبْصِرُ قُصورها الحُمْرِ السَّاعة)»، ثم ضَرَب الثانية فقَطَعَ ثُلُثّا : آخر، فقال: ((الله أكبر، أعطيتُ مَفاتيح فارسٍ، والله إني لأُبْصِرُ قَصر المدائن الأبيض))، ثم ضَرَب الثالثة وقال: ((بسم الله)) فقَطَع بقية الحَجَر، وقال: ((الله أكبر، أعطيتُ مَفاتيح اليمن، والله إني لأُبْصِرُ أبوابِ صَنْعاء من مكاني هذا الساعة»(١). أخبرنا محمد بن الحُسين القَطَّان، قال: أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثني داود بن محمد بن أبي مَعْشَر، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو. مَعْشر عن بعض المشيخة، قال: كَتَب رسولُ اللهِ وَلَّ مع عبدالله بن حُذافة إلى (١) إسناده ضعيف، ميمون أبو عبدالله البصري ضعيف، وحديث الصخرة التي عرضت لهم عند حفر الخندق صحيح من غير هذا الوجه، ويغير هذا السياق. أخرجه ابن أبي شيبة ٤٢١/١٤، وأحمد ٣٠٣/٤، والنسائي في الكبرى (٨٨٥٨)، وأبو يعلى (١٦٨٥)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٣٠)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٤٢١ من طريق ميمون أبي عبدالله، به. وانظر المسند الجامع ١٧٥/٣ حديث (١٨٠٨) .. وقصة الصخرة أخرجها البخاري ١٣٨/٥ وغيره من حديث جابر بن عبدالله، قال: (إنا يوم الخندق نحفرٍ، فعرضت كُلْيَة شديدة فجاؤوا النبي ﴾ فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق، فقال: ((أنا نازل))، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ◌َ﴿ المعول نضرب فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم». ٤٥٦٠ كِسْرى: ((من محمد رسول الله إلى كسرى عَظيم فارس، أن أسْلِم تَسْلم، مَن شَهِد شهادَتَنا، واستَقْبلَ قِبْلَتنا، وأكلَ ذَبِيحَتنا، فَلَه ذِمَّةُ الله وذمَّة رسوله)). فلما قرأ الكتاب، قال: عَجز صاحبكم أن يكتب إليّ إلّ في كُرَاع. قال: فدعا بالجَلمَين فقطعهُ، ثم دعا بالنار فأحرقه، ثم نّدِم، فقال: لابد أن أهدي له هديةٌ، قال: فكَلَّمه عبدالله بن حُذافة كلامًا شديدًا. قال: فأدرج له سفطًا (١) من ديباج وخرير فأهداها لرسول الله وَ ﴾، قال: فَبَلَغنا أنَّ رسولَ اللهِالَّه قال: «مَزَّقَ كِسْرى كتابي ليُمَزَّقن مُلكه(٢)، ثم لِيَهْلكنَّ كسرى ثم لا يكون کسری بَعده، وليهلكنَّ قيصر ثم لا يكون قَيصر بعده، ولَتُنْفِقُنَّ كنوزهما في سبيل الله عز وجل))(٣). أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله المُعَذَّل، قال: أخبرنا الحُسين بن صَفْوان البرذعي، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي الدُّنيا، قال: حدثنا عبدالرحمن بن صالح، قال: حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، قال: لما خَرَج عليّ بن أبي طالب إلى صفين مرَّ بخراب المدائن فتمثل رجلٌ من أصحابه، فقال [من الكامل] : (١) في م: ((شققًا»، وما هنا من النسخ، وهو الصواب. (٢) أضاف ناشر م بعد هذا: ((كل ممزق)»، وليست في النسخ. (٣) إسناده ضعيف، لضعف أبي معشر نجيح، ولجهالة من حدثه به، وأحمد بن كامل ليّنه الدارقطني ومشاه غيره (الميزان ١٢٩/١)، ولم نقف عليه بهذا السياق عند غير المصنف . والقصة في صحيح البخاري ٢٥/١ و٥٤/٤ و ١٠/٦ و١١١/٩، وغيره من حديث ابن عباس: ((أن رسول الله * بعث بكتابه إلى كسرى، مع عبدالله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه» . و قوله: «ليهلکن کسری ثم لا يكون كسرى بعده، وليهلكن قيصر ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل)) صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه البخاري ٢٤٦/٤ و١٦٠/٨، ومسلم ١٨٦/٨ و١٨٧، وغيرهما. ٤٥٧ جرَت الرياح على مخل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد وإذا النَّعِيم وكلّ ما يَلْهى به يومًا يصير إلى بلّى ونفاد فقال عليّ: لا تَقُل هكذا، ولكن قل كما قال الله عزَّ وجل: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن ◌َنَّتٍ وَعُيُونٍ ثَ وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِمٍ ﴿لَ وَبَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَتْتَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴾(١) [الدخان]، إنَّ هؤلاء القوم كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، وأنَّ هؤلاء القوم اسْتَحَلُّوا الحُرَمِ فَحَلَّت بهم النِّقَم؛ فلا تَستحِلُّوا الحُرَم فتحل بكم النُّقَم. وكان فتح المدائن في صفر من سنة ست عشرة للهجرة؛ وهي السنة الرَّابعة من خلافةِ أميرِ المؤمنين عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفُتِحَت على يد سعد بن أبي وقاص؛ وفي قصةَ فَتْحها أخبارٌ كثيرةٌ يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب الفُتوح ولا حاجةً بنا إلى إيرادها في هذا الموضع، وإنما غَرِضُنا ذكرُ منْ سُمِّيَ لنا من مَشهوري الصَّحابةِ الذين وَرَدوا المدائنَ دونَ غيرهم، رحمةُ الله وبَرَكاتِه عليهم. فممن حفظنا(٢) أنه وَرَدَها من جِلَّة أصحابِ رسول اللهِ وَّ: (علي بن أبي طالب)(٣). أميرُ المؤمنين وابن عَمِّ خاتم النَّبين عليُّ بنُ أبي طالبٍ، واسمُ أبي طالب عبد مناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كَعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّصْر بن كنانة بن خُزيمة ابن مُذْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، يُكْنی أبا الحَسَن وأبا (١) هذه الآيات هي التي قرأها سعد بن أبي وقاص بعد الفتح عندما صلى بجنده أول مرة في هذه المدينة . (٢) في م: ((حفظ لنا»، وما هنا من ب ١ ول ١ وهو الأحسن. (٣) ما بين الحاصرتين إضافة مني للتوضيح، وكذلك ما يأتي من أسماء الصحابة ٤٥٨ تُراب (١) .. وأمه فاطمةُ بنت أسد بن هاشم بن عبد مَنَاف، وهي أولُ هاشميةٍ وُلدت الهاشمي. وعليٍّ أول مَن صَدَّقَ رسولَ اللهِ ◌ّ من بني هاشم، وشَهِدَ المشاهدَ معه، وجاهدَ بين يَدَيه. ومناقِبُهُ أشهر من أن تُذْكَرَ، وفَضائلُه أكثرُ من أنْ تُحْصرَ. وكان ورودُه المَدائنَ في طريقه لما قاتلَ الخَوارِجِ بِالنَّهْرَوان، ولما خرجَ إلى صِفِين أيضًا. أخبرنا الحَسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثنا أبو يحيى الناقد، قال: حدثنا محمد بن جعفر الفَيْدي، قال: حدثنا محمد بن فُضَيْل، عن الأجْلَح، قال: حدثنا قيس بن مُسلم وأبو كلثوم، عن رِبْعي بن حِراش، قال: سمعتُ عليّا يقول وهو بالمَدائن: جاء سُهَيْل بن عَمْرو إلى النبيِّ وََّ، فقال: إنه قد خرَجَ إليكَ ناسٌ من أرقَّائنا ليس بهم الدين تعبدًا (٢)، فارْدُدُهُمْ علينا. فقال له أبو بكر وعُمر: صَدَق يا رسول الله. فقال رسول الله وَلقر: ((لن تَنْتُهوا يا مَعشْر قُريش حتى يَبعثَ الله عليكم رجلاً امتَحَن اللهُ قلبَه بالإيمان يضربُ أعناقكم؛ وأنتم مُجفلون عنه إجفال النَّعَم)» فقال أبو بكر: أنا هو يا رسولَ الله؟ قال: لا. قال له عُمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكنه خاصف النَّعل)). قال: وفي كف عليّ نعلٌ يَخصِفُها لرسولِ الله حَ (٣). (١) انظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٧٢ - ٤٩٠، وفيه مصادر ترجمته. (٢) في م: ((تعيذً))، خطأ. وفي رواية الترمذي: ((ليس لهم فقه في الدين)). (٣) إسناده ضعيف، الأجلح هو ابن عبدالله بن حجية الكندي ضعيف عند التفرد كما بيناه في ((تحرير التقريب))، ولم يتابع عليه من هذا الطريق؛ فقد ورواه الترمذي (٣٧١٥) من طريق وكيع عن شريك عن منصور، عن ربعي بنحوه، وقال: ((حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي بن علي))، ومعنى هذا أن طريق الأجلح هذا غير محفوظ. ورواه أحمد ١/ ١٥٥ عن أسود بن عامر، عن شريك، عن منصور، عن ربعي، به مختصرًا على أوله ليس فيه قوله: لن تنتهوا يا معشر قريش. ولا قول أبي بكر ولا عمر، ولا ذكر خاصف النعل، وضعّفه محققو المسند الأحمدي = ٤٥٩ أخبرنا أبو الحسن عليّ بن القاسم بن الحسن الشَّاهد بالبصرة، قال: حدثنا أبو الحسن عليّ بن إسحاق بن محمد بن البَخْتري المادَرَائي، قال: حدثنا أحمد بن خازم بن أبي غَرَزِةٍ(١)، قال: حدثنا عليّ بن قادم، قال: أخبرنا عليّ بن عابس، عن مُسلم، عن أنس، قال: استُنبىء النبيُّ وَل يوم الاثنين، وأسلَمَ عليٌّ يوم الثلاثاء(٢) . أخبرنا محمد بن عليّ الصَّلْحي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب الجَرْجِرائي، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن مُعاذ الهَرَوي، قال: حدثنا أبو داود سُليمان بن مَعْبَد السِّنْجِي، قال: حدثنا الهيثم بن عَدِي، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: بُعث النبيُّ ◌َّ﴾ وعليّ ابنُ سبع سنين(٣) أخبرنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى النَّيْسابوري، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثَّقفي، قال: حدثنا قُتِيبة، قال: حدثنا الليث، عن أبي الأسود، عَمَّن حدَّثه: أنَّ عليّ بن أبي طالب أسلمَ وهو (٤٤٨/٢ من طبعتهم) بسبب سوء حفظ شريك مع أن شريكًا لم يتفرد به، فقد تابعه = بنحو روايته أبان بن صالح، وهو ثقة، فرواه عن منصور، به عند أبي داود (٢٧٠٠)، فيتحسن حديث شريك بهذه المتابعة. وسيأتي عند المصنف في ترجمة ربعي بن حراش (٩/ الترجمة ٤٤٩٣). (١). بفتح الغين المعجمة والراء. انظر توضيح المشتبه ٢٥٦/٦. (٢) إسناده ضعيف، لضعف مسلم بن كيسان الأعور، وعلي بن عابس، وقال الترمذي: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسلم الأعور، ومسلم ليس عندهم بذلك القوي، وقد رُوي هذا الحديث عن مسلم عن حبة عن علي نحو هذا)). وحية هذا هو ابنُّ جوين ضعيف أيضًا كما بيناه في «تحرير التقريب)). وقد استدرك الحاكم هذا الحديث على الصحيحين وسكت عنه، وغض طرفه عن ضعف علي ومسلم! أخرجه الترمذي: (٣٧٢٨)، وفي علله الكبير (٧٠٠)، وأبو يعلى (٤٢٠٨)، والحاكم ١١٢/٣ من طريق علي بن عابس، به. وانظر المسند الجامع ٠/٢ ٤ حديث (١٤٤٣). (٣) إسناده تالف، الهيثم بن عدي كذاب. ٤٦٠