Indexed OCR Text
Pages 381-400
حدثني أبو الحسن بِشْر بن عليّ بن عُبيد الكاتب النَّصْراني(١)، قال: كنتُ أجتازُ بالكَبْش والأسد مع والدي، فلا أتخلَّص في أسواقها من كَثْرة الزَّحمة . بَلَغني عن محمد بن خَلَف وكيع: أنَّ أبا حنيفة النُّعمان بن ثابت، كان يتولَّى القيامَ بضرب لَبِن المدينة وعدده حتى فُرِغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلي الخندق(٢). وكان أبو حنيفة يعدُّ اللبن بالقَصَب، وهو أولَ مَن فَعَلَ ذلك فاستفاده الناس منه . وذكَرَ محمد بن إسحاق البَغَوي: أنَّ رباحًا البناء حذَّثه، وكان ممن تولَّى بناء سُور مدينة المنصور، قال: وكان بين كل باب من أبواب المدينة إلى الباب الآخر ميل(٣)، في(٤) كل ساف من أسواف البناء مئة ألف لبنة واثنتان وستون ألف لبنة من اللبن الجَعْفَري، فلما بنينا الثُّلُث من السُّور لَقَطْناه، فَصَيَّرْنا في الساف مئة ألف لبنة وخمسين ألف لبنة، فلما جاوزنا الثلثين لَقَطْناه، فَصَيَّرنا في الساف مئة ألف لبنة وأربعين ألف لبنة إلى أعلاه. أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النّخوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السّگوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: قال ابن الشَّرَوي: هدمنا من الشُّور الذي يلي باب المُحَوَّل قطعة، فوَجَدنا فيها لبنة مكتوب عليها بمُغْرة: ((وزنها مئة وسبعة عشر رطلاً)». قال: فوَزَنَّاها فوجدناها كذلك. قال محمد بن خَلَف: قالوا: وبَنَى المنصور مدينَتُهُ وبَنَى لها أربعة أبواب؛ فإذا جاء أحدٌ من الحجاز دَخَل من باب الكوفة، وإذا جاء من المغرب دَخَل من باب الشَّام، وإذا جاء أحد من الأهواز والبصرة وواسط واليمامة (١) في م: ((النصراني الكاتب)»، وما هنا من النسخ. (٢) وذلك سنة ١٤٩ كما ذكر الطبري ٦١٩/٧ . (٣) الميل: أربعة آلاف ذراع بالسوداء، فيكون طول السور على هذه الرواية ستة عشر ألف ذراع. (٤) في م: ((وفي))، ولم أجد الواو في شيءٍ من النسخ. ٣٨١ والبحرين دَخَل من باب البصرة، وإذا جاء الجائي من المشرق دَخَل من باب خُراسان - وذكرُ باب ◌ُراسان كان قد سَقَط من الكتاب فلم يذكره محمد بن جعفر عن السَّكوني وإنما استَدرَكناهُ من رواية غيرهِ - وجِعَلَ، يعني المنصور، كُلَّ باب مقابلاً للقَصرِ وبَنَى على كلِّ باب قِبَّة، وجَعَل بين كل بابين ثمانية وعشرين بُرْجًا، إلّ بين باب البَصرة وباب الكوفة فإنه يزيدُ واحدًا، وجعل الطُّول من باب خُراسان إلى باب الكوفة ثمان مئة ذراع، ومن باب الشام إلى باب البصرة ست مئة ذراع، ومن أول أبواب (١) المدينة إلى الباب الذي يشرع إلى الرَّجْبة خمسة أبواب حديد. وذكرَ وكيع فيما بَلَغني عنه: أنَّ أبا جعفر بَنَى المدينة مدوَّرة، لأنَّ المدوَّرة لها معان سوى المُرَبَّعة، وذلك أنَّ المُرَبَّعة إذا كان المَلِكُ في وسطها كان بعضها أقرب إليه من بعض، والمدوَّر من حيث قسم كان مستويًا لا يزيد هذا على هذا ولا هذا على هذا، وبَنَى لها أربعة أبواب، وعَمِلَ عليها الخنادق، وعمل لها سُورَين وفصيلين بين كل بابين فصيلان، والسُّورِ الدَّاخل أطول من الخارج. وأمرَ أن لا يسكن تحت الشُور الطّويل الدَّاخل أحد ولا يبني منزلاً، وأمر أن تُبنَى في الفصيل الثاني مع السُّور المنازل (٢) لأنه أحصن للشُّور، ثم بنَى القَصْر والمسجد الجامع . وكان في صَّدْر قَصر المنصور إيوانٌ طوله ثلاثون ذراعًا، وعَرْضِهِ عشرون ذراعًا، وفي صدر الإيوان مجلس عشرون ذراعًا في عشرين ذراعًا، وسُمكه عشرون ذراعًا؛ وسَقْفه قُبَّة وعليه مجلس مثله فوقه القبة الخَضْراء؛ وسمكُه إلى أول حَدَّ عَقْد القُبَّه عشرون ذراعًا؛ فصارَ من الأرض إلى رأس القبّة الخَضْراء ثمانين ذِراعًا، وعلى رأس القُبَّة تمثال فرس وعليه(٣) فارس. وكانت القُبَّة الخَضْراء تُرى من أطراف بغداد . (١) في م: ((باب)) وما هذا من النسخ كافة . (٢) في م: ((النازل))، مجرفة، وما هنا من النسخ. (٣) سقطت الواو من م. ٣٨٢ حدثني القاضي أبو القاسم التّوخي، قال: سمعتُ جماعة من شيوخنا يذكرون: أنَّ القُبَّهَ الخَضْراء كان على رأسها صَنَمٌ على صورة فارس في يده رُمْحٌ، فكان السُّلطان إذا رأى أنَّ ذلك الصَّنَم قد استقبل بعض الجهات ومَدَّ الرُّمح نحوها، علم أنَّ بعضَ الخَوارج يظهر من تلك الجهة فلا يطول الوقت حتى ترد عليه الأخبار بأنَّ خارجيًا قد نَجَم من تلك الجهة، أو كما قال(١). أنبأنا إبراهيم بن مَخْلَد القاضي، قال: أخبرنا إسماعيل بن عليّ الخُطَبيُّ، قال: سَقَط رأس القُبَّة الخضراء، خَضْراء أبي جعفر المنصور، التي في قصره بمدينته يوم الثلاثاء لسبع خَلَون من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وكان ليلَتئذ مطرٌ عظيمٌ ورعدٌ هائل وبَرَقٌ شديدٌ، وكانت هذه القبّة تاج بغداد وعَلَم البَلَد ومَأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بُنيت أول مُلْكهم وبَقِيَت إلى هذا الوقت(٢)، فكانَ بين بنائها وسُقوطها مئة ونيّف وثمانون سنة. قال وكيع فيما بَلَغني عنه: إنَّ المدينة مدوَّرة عليها سُور مدوَّر، قُطرها من باب خُراسان إلى باب الكوفة ألفا ذراع ومئتا ذراع، ومن باب البصرة إلى باب الشَّام ألفا ذراع ومنتا ذراع، وسُمك ارتفاع هذا السُّور الدَّاخل وهو سُور المدينة في السماء خمسة وثلاثون ذراعًا؛ وعليه أبرجة سُمك كل بُرجٍ منها فوق السُّور خمسة أذرع، وعلى الشُّور شُرَفٌ. وعَرْض الشُّور من أسفله نحو عشرين ذراعًا. ثم الفصيل بين السُّورين وعَرْضه ستون ذراعًا. ثم الشُّور الأول وهو سُور الفصيل ودونه خَنْدقٌ. وللمدينة أربعة أبواب: شَرقي وغَربي وقِبْلي وشمالي، لكلِّ باب منها بابان، بابٌ دون باب، بينهما دهليز ورَحْبة يدخل إلى الفصيل الدائر بين السُّورين، فالأول باب الفصيل، والثاني باب المدينة، فإذا دَخَل الدَّاخل من باب خُراسان الأول عطَف على يساره في دهليز أزجّ معقود بالآجر والجص، عَرْضه عشرون ذراعًا وطُوله ثلاثون ذراعًا، المدخل إليه في (١) هذا هراء لا ريب فيه. (٢) جاء في حاشية ب ١ (خ: إلى آخر أمر الواثق))، أي أن هذه الزيادة في نسخة أخرى. ٣٨٣ عَرْضهِ والمَخرج منه من طوله مُخْرِجٌ (١) إلى رَحْبة مادّةٍ إلى الباب الثاني طُولِها ستون ذراعاً وعَرْضِها أربعون ذراعًا، ولها في جَنبَتَيها حائطان من الباب الأول إلى الباب الثاني طولها ستون ذراعًا وعَرْضها أربعون ذراعًا(٢)، في صَدْر هذه الرَّحْبة في طولها الباب الثاني وهو باب المدينة، وعن يمينه وشماله في جنبتني هذه الرَّحْبة بابان إلى الفصيل(٣)؛ فالأيمن يؤدي إلى فصيل باب الشام، والأيسر يؤدي إلى فصيل باب البصرة، ثم يدور من باب البصرة إلى باب الكوفة، ويدور الذي انتَهى إلى باب الشَّام إلى باب الكوفة، على نعتٍ واحدٍ وحكايةٍ واحدةٍ. والأبواب الأربعة على صُورةٍ واحدةٍ، في الأبواب والفَصْلان والرِّحاب والطّاقات. ثم الباب الثاني وهو باب المدينة وعليه السُّور الكبير الذي وَصَفنا، فَيْخِل من الباب الكبير إلى دهليز أزج معقودٍ بالآجر والحِص طُوله عشرون ذراعًا، وعَرْضه اثني عشر ذراعًا، وكذلك سائر الأبواب الأربعة. وعلى كل أزَجِ من آزاج هذه الأبواب مجلسٌ له درجة على الشُّور يُرْتَّقَى إليه منها. على هَذَّا المجلسَ قُبَّةٌ عظيمة ذاهبةٌ في السماء سمكها خمسون ذراعًا مُزَخَرْفَةٍ، وعلى رأس كُلِّ قِبَّه منها تمثالٌ تديرُه الرِّيحُ لا يشبه نَظَائره، وكانت هذه القُبَّة مجلس المنصور إذا أحبَّ النَّظر إلى الماء وإلى من يقبل من ناحية خُراسان. وقُبَّة على باب الشَّام كانت مجلس المنصور إذا أحبَّ النَّظر إلى الأرباضِ وما والاها. وقُبَّة على باب البصرة كانت مجلسه إذا أحب النَّظَر إلى الكرخ ومن أقبل من تلك الناحية. وقُبَّة على باب الكُوفة كانت مجلسه إذا أحبّ النظر إلى البساتين والضياع. وعلى كُلِّ باب من أبواب المدينة الأوائل والثَّواني باب حديد عظيمٌ جليلُ المقدار، كل باب منها فَرِدانِ. أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا الحسن بن محمد السّكوني، قال: حدثنا محمد (١) في م: ((يخرج))، وما هنا من النسخ، وهو الأصح. (٢) قوله: ((طولها ستون ذراعًا وعرضها أربعون ذراعًا)» سقط من م. (٣). في م بين حاصرتين: ((إلى الفصيلين))، وما هنا مجود في ب ١. ٣٨٤ ابن خَلَف، قال: قال أحمد بن الحارث، عن العَتابي: أنَّ أبا جعفر نقل الأبواب من واسط، وهي أبواب الحجَّاج، وأنَّ الحجّاج وجدها على مدينة كان بناها سُليمان بن داود عليهما السلام بإزاء واسط، كانت تُعرف بزَنْدَوَزْد، وكانتِ خَمْسة. وصَيََّ(١) على باب خُراسان بابًا جيء به من الشَّام من عمل الفراعنة، وعلى باب الكوفة الخارج بابًا جيء به من الكوفة من عمل القَشْري. وعمل هو لباب الشام بابًا فهو أضعَفُها. وابتَنَى قصره الذي يسمَّى الخلد على دجلة، وتولَّى ذلك أبان بن صَدَقة والرَّبيع، وأمرَ أن يُعقد الجَسْر عند باب الشَّعير، وأقطعَ أصحابَه خمسين في خمسين. قلت: إنما سُمِّ قصر المنصور الخُلْد تشبيهًا له بجنَّة الخُلْد، وما يحويه من كُلِّ منظرٍ رائقٍ، ومطلبٍ فائق، وغَرَضٍ غريب، ومُرادٍ عجيب. وكان موضعه وراء باب خُراسان، وقد اندَرَس الآن فلا عينٌ له ولا أثر. حدثني القاضي أبو القاسم عليّ بن المُحَسِّن التَّنوخي، قال: حدثني أبو الحسن عليّ بن عُبيد الزَّجَّاجِ الشَّاهد وكان مولده في شهر رَمضان من سنة أربع وتسعين ومئتين، قال: أذكر في سنة سبع وثلاث مئة، وقد كَسَرت العامةُ الحُبوسَ بمدينة المنصور، فأقْلتَ مَن كانَ فيها، وكانت الأبواب الحديد التي للمدينة باقيةً، فغُلِّقت وتتبَّع أصحاب الشُّرَط من أفلت من الحُبُوس، فأخذوا جميعَهم حتى لم يَقُتهم منهم أحدٌ. عُدنا إلى كلام وكيع المتقدِّم، قال: ثم يَدْخُل من الدهليز الثاني إلى رَحْبة مُرَبَّعةٍ عشرون ذراعًا في مثلها، فَعَلَى يمين الدَّاخل إليها طريق وعلى يساره طريق، يؤدّي الأيمن إلى باب الشام والأيسر إلى باب البَصرة. والرَّحْبة كالرَّحبة التي وَصَفنا، ثم يدور هذا الفصيل على سائر الأبواب بهذه الصورة، وتُشْرَع في هذا الفصيل أبواب السكك، وهو فصيلٌ ماذٌّ مع السُّور، وعَرْض كل فصيل من هذه الفُصْلان من الشُّور إلى أفواه السكك خمس وعشرون ذراعًا، (١) في م: ((وأقام))، وما هنا من النسخ كافة. ٣٨٥ ثم يَدْخُل من الرَّحْبة التي وَصَفنا إلى الطَّاقات، وهي ثلاثة وخمسون طاقًا سوى طاق المَدخل إليها من هذه الرَّحْبة، وعليه بابُ ساجٍ كبير فردين، وعَرْض الطَّاقات خمس عشرة ذراعًا، وطولها من أولها إلىّ الرَّحْبة التي بين هذه الطَّاقات والطَّاقات الصُّغرى مئتا ذراع، وفي جَنبتي الطَّاقات بين كل طاقين منها غُرف كانت للمُرَابطة، وكذلك لسائر الأبواب الباقية، فعَلَى هذه الصِّفة سواء، ثم يَخْرج من الطَّاقات إلى رَجْبة مربعةٍ عشرون ذراعًا في عشرين ذراعًا فعن يمينك طريقٌ يؤدي إلى نظيرتها من باب الشام، ثم تَدور إلى نَظِيرتها من باب الكوفة، ثم إلى نَظِيرتها من باب البَصرة. ثم نعودُ إلى وَضْفنًا لباب خُراسان: كُلُّ واحدة منهنَّ نظيرة لصَواحباتها. وفي هذا الفصيل تُشْرع أبوابٌ لبعض السكك، وتجاهُك الطَّاقات الصُّغرى التي تلي دهليز المدينة الذي يُخْرَج منه(١) إلى الرَّحْبة الدَّائرةُ حَوْلِ القَصْرَ والمسجد . حدثني عليّ بن المُحَسِّن، قال: قال لي القاضي أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي: انبَثَقِ البَثْق من قُبيِّن(٢) وجاء الماء الأسود فهدم طاقات باب الكوفة، ودَخَل المدينة فهدم دورَنا، فخَرَجنا إلى المَوْصل وذلك في سني نَيِّفٍ وثلاثين وثلاث مئة، وأقمنا بالموصل سنين عدة ثم عُدنا إلى بغداد فسكنًّا طاقات (٣) العگِّيَّ. قلتُ: بَلَغني عن أبي عُثمان عَمرو بن بحر الجاحظ، قال: قد رأيتُ المُدن العظام، والمذكورة بالإتقان والإحكام، بالشَّامات وبلاد الرُّوم وفي (١) في م: ((الذي منه يخرج))، وما هنا من النسخ كافة . (٢) في م: ((قبتين))، محرفة، وقبين تقع جنوب الأنبار، وفيه سكور وقناطر تنظم الماء في نهر عيسى الذي منه معظم ماء الجانب الغربي، وقد بحثه أستاذنا العلامة الدكتور صالح أحمد العلي في بحث له منشور في مجلة سومر عن نهر عيسى. وانظر تعليقه على كتاب لسنر ١٥٥ : (٣) في م: ((طاق))، محرفةٍ. ٣٨٦ غيرهما من البُلدان، لم (١) أرَ مدينة قَط أرفع سمكًا، ولا أجود استدارةً، ولا أقبلَ نُبلاً، ولا أوسعَ أبوابًا، ولا أجود فَصِيلاً، من الزَّوراء، وهي مدينة أبي جعفر المنصور، كأنما صُبَّت في قالب وكأنما أفرغت إفراغًا، والدَّليل على أنَّ اسمَها الزَّوراء قول سَلْم الخاسر [من الخفيف]: أين رَبُّ الزوراء إذا قُلِّدْتَه الـ ـمُلْكَ عشرين حجةً واثنتانِ أخبرنا الحُسين بن محمد المؤدِّب، قال: أخبرني إبراهيم بن عبدالله الشَّطِّي، قال: حدثنا أبو إسحاق الهُجَيْمي، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيْناء، قال: قال الرَّبيع: قال لي المنصور: يا ربيع هل تعلم في بنائي هذا موضعًا إن أخذني فيه الحصار خرجتُ خارجًا منه على فرسَخَين؟ قال: قلت: لا. قال: بلى، في(٢) بنائي هذا ما إنْ أخذَني فيه الحصار خرجتُ خارجًا منه على فَرْسخین. حُدِّثْتُ عن أبي عُبيد الله محمد بن عِمْران بن موسى المَرْزباني، قال: دَفَع إليّ العباس بن العباس بن محمد بن عبدالله بن المُغيرة الجَوْهري كتابًا ذكرَ أنه بخط عبدالله بن أبي سعد الوَرَّاق فكان فيه: حدثنا عبدالله بن محمد بن عيَّاش التَّمِيمي المَرْوَرُوذِي، قال: سمعتُ جدي عيَّاش بن القاسم يقول: كان على أبواب المدينة مما يلي الرَّحاب سُتور وحُجَّاب، وعلى كل باب قائد. فكان على باب الشَّام سُليمان بن مُجالد في ألف، وعلى باب البَصرة أبو الأزهر التَّمِيمي في ألف، وعلى باب الكوفة خالد العَكِّي في ألف، وعلى باب خُراسان مَسْلَمة بن صُهيب الغسَّاني في ألف. وكان لا يدخلُ أحدٌ من عمومته، يعني عُمومة المنصور، ولا غيرهم من هذه الأبواب إلّ راجلاً، إلّ داود بن عليّ (٣) عمه فإنه كان مُنقْرسًا، فكان يُحْمَل في محفة، ومحمد المهدي ابنه، (١) في م: ((فلم))، وما هنا من النسخ كافة . (٢) في م: ((قال في))، ولم أجد ((قال)) في شيءٍ من النسخ، ولا معنى لها. (٣) هكذا في النسخ كافة، وهو وهم لا ريب فيه من الراوي، فإن داود بن علي توفي بالمدينة في شهر ربيع الأول من سنة ١٣٣ قبل بناء بغداد بدهر (تاريخ الطبري = ٣٨٧ وكانت(١) تكنس الرُّحاب في كلِّ يوم يَكْنسها الفراشون، ويُحْمل التُّراب إلى خارج المدينة، فقال له عَنُّه عبدالصمد: يا أميرَ المؤمنين أنا شيخٌ كبيرٌ فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب، فلم يأذن له. فقال: يا أمير المؤمنين عُدَّني بعض بغال الرَّوايا التي تصل إلى الرِّحاب. فقال: يا ربيع، بغال الرّوايا تصل إلى رحابي؟ فقال: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: تُتَّخذ الساعة قُنِيٌّ بالسَّاج من باب خراسان حتى تجيء إلى قَصْرِي، ففعل. أخبرنا الحُسين بن محمد بن الحسن المؤدِّب(٢) ، قال: أخبرني إبراهيم ابن عبد الله(٣) بن إبراهيم الشَّطَّ بجُزجان، قال: حدثنا أبو إسحاق الهُجَّيْمي، قال: قال أبو العَيناء: بَلَغني أنَّ المنصور جَلَس يومًا فقال للربيع: انظر مَنْ بالباب من وفود الملوك فأدخله. قال: قلت وافدٌ من قبل ملك الرُّوم. قال: أدخله. فدَخَل فبينا هو جالسٌ عند أمير المؤمنين، إذ سمعَ المنصورِ صَرحَةٌ كادت تقلع القَصْر، فقال: يا ربيع يُنظر ما هذا؟ قال: ثم سَمِعَ صرخةً هي أشد من الأولى، فقال: يا ربيع يُنظر ما هذا؟ قال: ثم سَمِعَ صرخةً هي أشد من الأوليين. فقال: يا ربيع اخرج بنفسك. قال: فخرَجَ الرَّبيع ثم دَخَلُ، فقال: يا أميرَ المؤمنين بقرةٌ قُرُّبتَ لتُذبح، فغَلَبت الجازر وخَرَجت تدور في الأسواق، فأصغَى الرُّوميُّ إلى الرَّبيع يتفهّم ما قال، ففطن المنصور الإصغاء الرُّومي، فقال: يا ربيع أفهمه. قال: فأفهمه. فقال الرُّومي: يا أمير المؤمنين إنك بنيتَ ٤٥٩/٧). ولعل المقصود هنا هو عيسى بن علي، فإن الطبري ذكر مثل هذا الخبر عنه (٧ / ٦٥٢). (١) سقطت من. م. (٢) توفي سنة ٤٣٠ هـ، وستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب (٦٨٢/٨ ترجمة ٤١٧٧٠)، ومن العجيب أن الأستاذ يعقوب لسنر ظنه الحسين بن محمد بن بهرام المؤدب المتوفى سنة ٢١٣ أو ٢١٤ هـ والمترجم في هذا الكتاب أيضًا (٨/ الترجمة ٤١٣٧)، وهو غلط فاخش، فهو شيخ الخطيب! (٣) في ب ١: ((عبيد الله))، محرف، وهو مترجم في تاريخ جرجان (١٥٤). ٣٨٨ بناءً لم يبنه أحدٌ كان قبلك، وفيه ثلاثة عيوب. قال: وما هي؟ قال: أما أولُ عَيب فيه فبُعدُه من(١) الماء، ولابدَّ للناس من الماء لشفاههم، وأما العَيب الثاني فإنَّ العين خَضرة وتشتاقُ إلى الخُضرَة وليس في بنائك هذا بُستان، وأما العَيب الثالث فإنَّ رعيَّتَك معك في بنائك وإذا كانت الرعية مع المَلِك في بنائه فشا سِرُّه. قال: فتَجَلَّد عليه المنصور، فقال له: أما قولك في الماء فحسبنا من الماء ما بَلَّ شفاهنا، وأما العَيب الثاني فإنَّا لم نُخلَق للّهو واللعب، وأما قولك في سِرِّي فمالي سر دون رَعِيتي. قال: ثم عرفَ الصَّوابِ فوَجَّه بِشُمَيْس وخلاَّد، وخلاد هو جد أبي العَيْناء، فقال: مُدَّا لي قناتين من دجلة، واغرسوا لي العباسية، وانقلوا الناس إلى الگرْخِ. قلت: مَذَّ المنصور قناةً من نهر دُجَيْل الآخذ من دجلة، وقناةً من نهر كَرْخايا الآخذ من الفُرات، وجرَّهما إلى مدينته في عقود وثيقة من أسفَلها، محكمة بالصَّاروج والآجر من أعلاها، فكانت(٢) كلُّ قناة منهما تدخل المدينةً وتنفذ في الشَّوارع والدُّروب والأرباض، وتَجْري صيفًا وشتاءً لا ينقطع ماؤها في وقتٍ، وجَرَّ لأهل الكرخ وما اتَّصل به نهرًا يقال له: نهر الدَّجاج، وإنما سُمِّي بذلك لأنَّ أصحاب الدَّجاج كانوا يقفون عنده، ونهرًا يُقال له: نهر القَلَّئين حدثنا من أدركه جاريًا يلقي(٣) في دجلة تحت الفَرضة، ونهرًا يُسَمَّى نهر طابق، ونهرًا يقال له نهر البَزَّزين فسمعتُ من يذكر أنه توضّأ منه، ونهرًا في مسجد الأنباريين رأيته لا ماءَ فيه. وقد تعطلت هذه الأنهار ودَرَس أكثرُها حتى لا يوجد له أثرٌ. وأنهارًا نذكرُها بعدُ إن شاء الله تعالى. (١) في م: ((عن))، وما هنا من النسخ. (٢) في م: ((وكانت))، وما هنا من النسخ. (٣) في م: ((يلتقي))، وهو تحريف. ٣٨٩ خبرُ بناء الكَرْخ أخبرنا محمد بن الحُسين بن الفضل (١) القَطَّان، قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر بن دَرَستُويه، قال: حدثنا يعقوب بن سُفيان، قال (٢): سنة سبع وخمسين ومئة فيها نقل أبو جعفر الأسواق من المدينة ومدينة الشرقية إلى باب الكَرْخِ وبابِ الشَّعير والمُحَوَّل، وهي السُّوق التي تعرف بالكَرخ، وأمرَ ببنائها من ماله على يدي الرَّبيع مولاه. وفيها وسع طرق المدينة وأرباضها ووَضَعُها على مقدارِ أربعين ذراعًا، وأمرَ بهدم ما شخص(٣) من الدُّور عن ذلك القَدْر. أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال(٤): حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة الأزْدي، قال: فلما دخلَتْ سنة سبع وخمسين، وكان أبو جعفر قد ولَّى الحسبة يحيى بن زكريا، فاستغوَى العامة، وزيَّنَ لهم الجُموع، فقتَلَه أبو جعفر بباب الذَّهب، وحَوَّل أسواق المدينة إلى باب الكَرْخِ وباب الشَّعير وباب المُحَوَّل، وأمر ببناء الأسواق على يد الرَّبيع، وأوسَع الطّرق بمدينة السلام وجَعَلها على أربعين ذراعًا وأمرَ بَهدم ما شخص من الدُّور عن ذلك المقدار. وفي سنة ثمان وخمسين بنَى المنصور قصره على دجلة وسمّاه الخُلْد .. أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن علي المُحتَسِب؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النَّحْوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السَّكوني، قال: قال محمد بن خَلَف: قالِ الخُوارزمي، يعني محمد بن موسى: وحَوَّل أبو جعفر (١) : سقطت من. م. (٢) المعرفة والتاريخ ١٤٤/١. (٣) في م: ((شاع))، وهو تحريف، وما هنا من النسخ كافة، وهو الذي في المعرفة ليعقوب أيضًا. (٤) بعد هذا في م: ((قال: حدثنا إبراهيم بن الحسن))، ولا وجود لها في النسخ، ولا تصح البتة: ٣٩٠ .--- الأسواق إلى الكَرْخ وبناها من ماله بعد مئة سنة وستّ وخمسين سنة وخمسة أشهر وعشرين يومًا، ثم بدأ بعد ذلك في بناء قَصر الخُلْد على شاطىء دجلة بعد شهر واحد عشر يومًا . قال محمد بن خَلَف: وأخبرني الحارث بن أبي أسامة، قال: لما فَرَغ أبو جعفر المنصور من مدينة السَّلام، وصَيَّرَ الأسواق في طاقات مدينته من كل جانب، قدم عليه وفد ملك الروم، فأمرَ أن يُطاف بهم في المدينة ثم دعاهم، فقال للبطريق: كيف رأيتَ هذه المدينة؟ قال: رأيت أمرها كاملاً إلا في خَلَّة واحدةٍ. قال: ما هي؟ قال: عدوك يخترقُها متى شاء(١) وأنت لا تعلم، وأخبارك مبثوثة في الآفاق لا يُمكنُّكَ سترُها. قال: كيف؟ قال: الأسواق فيها، والأسواق غير ممنوع منها أحد فيدخل العدو كأنه يريد أن يَتَسَوَّق، وأما التُّجَّار فإنها تردُ الآفاق فيتحدثون بأخبارك. قال: فَزَعَموا أنه أمرَ المنصور حينئذ بإخراج الأسواق من المدينة إلى الكَرْخ، وأن يُبْنَى ما بين الصَّراة إلى نهر عيسى، ووَلَّى ذلك محمد بن حُبَيْش(٢) الكاتب، ودعا المنصور بثَوْب واسع فحدَّ فيه الأسواق، ورَتَّب كلَّ صنف منها في موضعه. وقال: اجعلوا سوق القَصَّابين في آخر الأسواق، فإنهم سُفَهاء وفي أيديهم الحديد القاطع. ثم أمرَ أن يُبنى لأهل الأسواق مسجدٌ يجتمعون فيه يوم الجُمُعة لا يدخلون المدينة ويُفرد لهم ذلك، وقَلَّد ذلك رجلاً يقال له: الوَضَّاح بن شبا، فبنَى القصر الذي يقال له: قصر الوضَّاح والمسجد فيه، وسُمِّيت الشَّرقية لأنها في(٣) شرقي الصَّراة، ولم يضع المنصور على الأسواق غلَّة حتى مات. فلما استُخْلِف المهدي أشارَ عليه أبو عُبيد الله بذلك، فأمرَ فَوُضِع على الحوانيت الخراج وَوَلَّى (١) في م: ((يشاء)»، وما هنا من النسخ. (٢) سماه الطبري: ((إبراهيم بن حُبيش الكوفي)) (٦٥٣/٧)، وتبعه في ذلك ياقوت في معجم البلدان ٢٥٤/٤، وذكرا أنه ضم إليه جواس (وفي معجم ياقوت: خراش) بن المسيب اليماني. (٣) سقطت من م. ٣٩١ ذلك سعيدًا الخُزْسي سنة سبع وستين ومئة. ۔۔ أخبرنا محمد بن عليّ وأحمد بن علي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر النَّحْوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السَّكوني، قال: قال محمد بن خَلَف . كانت سوق دار البِطِيخِ قبل أن تُنْقَلَ إلى الكَرْخِ فِي دَرب يُعرف بدرب الأساكفة، ودَرب يُعرف بدرب الزَّيت، ودَرب يُعرف بدرب العاج، فُقلت الشُّوق إلى داخل الكرخ في أيام المهدي، ودَخَل أكثر الدُّروب في الدُّور التي اشتراها أحمد بن محمد الطّائي. وكانت القطائع التي من جانب الصَّراة مما يلي باب المُحَوَّل لعُقْبة بن جعفر بن محمد بن الأشعث، من وَلَد أُهْبان بن صَيْفِي مُكَلِّم الذئب، إقطاعًا من المنصور، ثم خَرَج عُقبة إلى (١) المأمون فنُهِبَت دارُه، ثم أقطَعَها المأمون ولد عيسى بن جعفر. وكانت الدُّور التي بين الخَّنْدق مما يلي باب البصرة وشط الصَّراة وإزاء دور الصَّحابة للأشاعِثة، وهي دور آل حماد بن زَيْد اليوم. وكانت دارُ جعفر بن محمد بن الأشعث الكندي مما يلي باب المُحَوَّل ثم صارت للعباس ابنه . حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا أبو عُمر محمد بن العباس الخَزَّاز، قال: حدثنا أبو عُبيد الناقد، قال: حدثنا محمد بن غالب، قال :. سمعتُ عبدالرحمن بن يونُس أبا مُسلم يذكر عن الواقدي، قال: الكرخ مغيض (٢) السُّفل. قلت: إنما عَنى الواقدي بقوله هذا مواضع من الكَرْخِ مخصوصة يسكنها الرَّافضة دون غيرهم، ولم يُرد سائر نواحي الكَرْخ، والله أعلم. أنشدنا الحسن بن أبي(٣) بكر بن شاذان، قال: أنشدنا أبي، قال: أنشدنا أبو عبدالله إبراهيم بن محمد بن عَرَفة نِفْطويه لنفسه [من الطويل]: (١) في م: ((على))، خطأ، وما هنا من النسخ كافة. (٢) في م: ((مفيض))، محرفة . (٣) سقطت من م. ٣٩٢ سَقَى أربُعَ الكَرْخِ الغَوَادي بديمةٍ وكُل مُلِثَّ دائم الهَطْلِ مُسْبِلٍ منازلَ فيها كل حُسْنٍ وبَهْجَةٍ وتلكَ لها فَضْلٌ على كل مَنْزِلِ خبر بناء الرُّصافة أخبرنا محمد بن عليّ بن مَخْلَد الوَرَّاق وأحمد بن عليّ بن الحُسين التَّوَّزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر الثَّمِيمي النَّحْوي، قال: حدثنا الحسن ابن محمد السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: قال أحمد بن محمد السَّرِي(١) ، عن أبيه: قدمَ المهدي من المحمدية بالرَّي سنة إحدى وخمسين ومئة في شوال، ووَفَدت إليه الوفودُ وبَنى له المنصور الرُّصافة، وعَمِلَ لها سُورًا وخَنْدِقًا ومَيْدانًا وبُسْتانًا، وأجرَى لها الماء. قال محمد بن خلف: وقال يحيى بن الحسن: كان بناء المهدي بالرُّهوص إلَّ ما كان يسكنه هو، واستَّمَّ بناء الرُّصافة وجميع ما فيها سنة تسع وخمسین ومئة، هكذا قال يحيى بن الحسن . وأخبرنا ابن مَخْلَد وابن الثَّوَّزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: فُرِغَ من بناء الرُّصافة سنة أربع وخمسين ومئة. قرأتُ على الحسن بن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثني محمد بن موسى، عن محمد بن أبي السَّري، عن الهيثم بن عَدِي، قال: لما بَنَى المهدي قصره بالرُّصافة دَخَل يطوفُ فيه ومعه أبو البَخْتري وَهْب بن وَهْب. قال: فقال له: هل تروي في هذا شيئًا؟ قال: نعم، حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((خير صحونكم ما سافرت فيه أبصاركم))(٢). أخبرنا أبو الحُسين عليّ بن محمد بن عبد الله المُعَدَّل، قال: حدثنا عُثمان (١) في م: ((الشروي))، وما هنا من ب ١، وكتب الناسخ في الحاشية أنه ((الشروي)) في نسخة أخرى . (٢) موضوع، وآفته أبو البختري وهب بن وهب فإنه كذاب (الميزان ٣٥٣/٤). ٣٩٣ ابن أحمد الدَّقَّاق، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: قال عليّ بنِ يقطين: خَرَجنا مع المهدي، فقال لنا يومًا: إني داخِلٌ ذلك البَهُو فنائمٌ فيه فِلا يوقظني أحد حتى أستيقظ. قال: فنامَ ونمنا فما أنبهنا إلّ بكاؤه، فقمنا فَزِعينِ، فقُلنا: ما شأنك يا أميرَ المؤمنين؟ قال: أتاني السّاعة آتٍ في منامي شيخ والله لو كان في مئة ألف شيخ لعرفته، فأخَذَ بعضادَتَي الباب وهو يقول (من الطويل]: كأني بهذا القصْرٍ قَدْ بادَ أهلُهُ وأُوحِشَ منه ركْنُه ومنازِلُهُ وصارَّ عميدُ القوم من بعد بَهْجةٍ ومُلْكِ إلى قَبرِ عليه جَنَادِلُهْ أخبرنا القاضي أبو عبدالله الحُسين بن عليّ الصَّيْمري، قال: حدثنا محمد ابن عِمْران المَرْزُباني، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن · موسى المُنَجِّم: أنَّ المُعتصم وابن أبي دُؤاد اختلَفَا في مدينة أبي جعفر والرُّصافة أيُّماً(١) أعلَى، قال: فأمرَنِي المُعتصم فوزنتهما، فوجدت المدينة أعلى من الرُّصافة بذراعين ونحو من ثُلُثي ذراع. قلتُ: ورَبْعُ الرُّضافة يُسَمَّى عَسْكر المهدي، وإنما سُمِّي بذلك لأنَّ المهدي عسکر به عند شخوصه إلى الرَّي. ذکرُ محال مدينة السَّلام وطاقاتها وسککِها ودُروبها وأرباضها ومعرفة من نُسِبَتِ إليه من ذلك نواحي الجانب الغَربي : أخبرنا محمد بن عليّ بن مَخْلَد وأحمد بن عليّ بن الحُسين التَّوَّزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر الثَّمِيمي النَّخوي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف وكيع، قال: طاقات العَكِّي، هو مُقاتل بن حَكِيم أصله من الشام. (١). في م: ((أيهما))، وما هنا من النسخ. ٣٩٤ وطاقات الغطريف بن عطاء، وهو أخو الخَيْزُران خال الهادي والرَّشيد وَلِيَ اليمن، ويُقال: إنه من بَني الحارث بن كعب، وإنَّ الخَيْزران كانت لسَلَمة ابن سعيد اشتراها من قوم قَدِموا من جُرَش مُوَلَّدة. طاقات أبي سُوَيد، اسمُه الجارود مما يلي مقابر باب الشَّام . رَبَض العلاء بن موسى، عند دَزب أبي حيَّة . رَبَض أبي نُعَيم موسى بن صَبِيح من أهل مَرو عند دَرْب شيرويه(١). ويقال: إنَّ أبا نُعَيم خال الفَضْل بن الرَّبيع. قلت: يقال: شيرويه، هو اسم موضع في هذا الرَّبَض . ورَبَض أبي عَوْن عبدالملك بن يزيد، الدَّرب النافذ إلى دَرب طاهر . وَرَبض أبي أيوب الخُوزي، ورَبَّض التَّرْجُمان يَتَّصل برَبَض حرب، وهو (٢) التَّرجمان بن بَلْج(٣) . مربَّعة شَبِيب بن رَوْحِ المَرْوَرُوذي. كذا ذكر لي ابن مَخْلَد وابن التَّوَّزي، وإنما هو شَبِيب بن واج (٤)؛ قال ذلك أحمد بن أبي طاهر وإبراهيم بن محمد ابن عَرَفة الأزدي ومحمد بن عُمر الجِعابي. مربّعة أبي العباس، وهو الفَضْل بن سُليمان الطُّوسي، وهو من أهل أبْوَرد. قال محمد بن خَلَف: وقال أحمد بن أبي طاهر: حدثني أبو جعفر محمد بن موسى بن الفُرات الكاتب: أنَّ القرية التي كانت في مربّعة أبي العباس كانت قرية جَدْه من قِبَل أمه وأنه من دَهاقين يقال لهم بنو زَرَارَى، (١) في م: ((عند يقال شيرويه))، وفي نص لسنر: ((عند موضع يقال له شيرويه)»، وكله تحريف، وما أثبتناه من ب ١ وغيرها وهو الصواب. (٢) سقطت من م. (٣) في م: ((بلخ)) بالخاء المعجمة، مصحف. وكتب ناسخ ب ١ في الحاشية أنه في نسخة أخرى ((قلج)). (٤) كان شبيب بن واج من قواد المنصور المقربين الذين ساعدوه في التخلص من أبي مسلم الخراساني. انظر تاريخ الطبري ٧/ ٣٦٠ و ٤٨٨ و ٤٨٩ و ٤٩١ و ٤٩٢. ٣٩٥ وكانت القرية التي تُسَمَّى الوَزْدانية وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربّعة أبي قُرَّة . قال محمد بن خَلَفَ: ومربَّعة أبي قُرَّة، هو عُبيد بن هلال القاسَاني من أصحاب الدولة. وزّعَم أحمد بن الحارث، عن إبراهيم بن عيسى، قال: كان في المَوضع الذي هو اليوم معروف بدار سعيد الخَطِيب قرية يقال لها: شَرْقانية(٢) ولها نخلٌ قائم إلى اليوم مما يلي قَنْطرة أبي الجَوْز(٣)، وأبو الجَوْز من دَهاقين بغداد من أهل القَرْيَة . قال محمد بن خَلَفِ : ورَبَض سُليمان بن مُجالد. ورَبَض إبراهيم بن حُميد. ورَبَض حمزة بن مالك الخُزاعي . ورَبَّض رَدَّاد(٤) بن سنان أحدُ القواد .. ورَبَض حُميد بن قَّحْطَبة بن شَبِيب بن خالد بن مَعْدان بن شمس الطّائي. وقرية مَعْدان بعُمان على ساحل البحر يقال لها: بُوسن(٥). (١) في م: ((الغساني))، وما أثبتناه مجود التقييد في ب ١، ولم أقف عليه. (٢) هكذا مجودة الضبط في النسخ بالقاف ومنها ب ١. وسماها ياقوت الحموي: : (الشرفانية)) بالفاء، وتبعه ابن عبدالحق في مراصد الاطلاع، وقال: ((بفتحتين، والفاء والنون والياء قرية قرب قنطرة أبي الجون (معجم البلدان ٢٧٧/٣، ومراصد الاطلاع ٢/ ٧٩١). وكذلك هي في تاريخ الطبري. (٣) هكذا مجودة في النسخ، وفي كتاب سهراب ١٣٤ وتاريخ الطبري ٧/ ٦٢٠ ومعجم . - البلدان ومراصد الاطلاع: ((أبي الجون)) بالنون . (٤) في م: «رواد))، وأثبتتا ما في النسخ. (٥) في م: ((بوس))، وأثبتتا ما في النسخ، وهذه القرية لم يذكرها ياقوت في معجم البلدان، وذكر (بَوْس) من قرى صنعاء اليمن، وقال: ((يقال لها بيت بوس)). ولا شك أنها ليست هي، فإن صنعاء بعيدة من البخر. ٣٩٦ ورَبَض نَصْر بن عبدالله، وهو شارع دُجَيْل يعرف بالنَّصْرية. ورَبَض عبدالملك بن حُميد، كاتب المنصور قبل أبي أيوب. ورَبَض عَمرو بن المُهَلَّب. ورَبَض حُميد بن أبي الحارث، أحد القُوَّاد. ورَبَض إبراهيم بن عُثمان بن نَهِيك عند مقابر قُريش. ورَبَض زُهير بن المُسَيِّب. ورَبَض الفُرْس ومربَّغتهم أقطعهم المنصور. ثم قال محمد بن خَلَف: وقال الفِرَاسي(١) أحمد بن الهيثم: إقطاع المُسَيّب بن زُهير في شارع باب الكوفة ما بين حَد دار الكِنْدي إلى حَدِّ سويقة عبد الوَهَّاب إلى داخل المقابر. وإقطاع القَحَاطبة من شارع باب الكوفة إلى باب الشام . أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرَفة، قال: وأما شارع القَحَاطبة، فمنسوبٌ إلى الحسن بن قَحْطَبة وهنالك منزلُه، وكان الحسن من رِجَالات الدَّولة وماتَ سنة إحدى وثمانين ومئة . أخبرنا ابن مَخْلَد وابن التَّوَّزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا السَّكوني، قال: قال محمد بن خَلَف: وأقطعَ المأمون طاهرَ بن الحُسين دارَه، وكانت قبله لعُبَيْد الخادم مولى المنصور. قال: والبغيّين إقطاع المنصور لهم، وهو من دَرب سَوَّار إلى آخر رَبَض (١) في م: ((الفراشي)) مصحف، وأظنه منسوب إلى جده فراس الذي كان من شيعة بني العباس، وهو أحمد بن الهيثم بن فراس أبو عبدالله السامي، كان صاحب أخبار وحكايات، وسيذكر له المصنف ترجمة مقتضبة في المجلد السادس من هذا الكتاب (الترجمة ٢٩٢٢). وانظر معجم الأدباء لياقوت ٥٢٩/٢، والوافي بالوفيات للصفدي ٢٢٨/٨. ٣٩٧ البُرْجُلانِيَّةِ، وفي البُرْجُلانِيَّة منازل حُمَّرَةٍ(١) بن مالك . . الخُوارزمية جُند من جُنْد المنصور. الحَرْبية، نُسِبَت إلى حَرْب بن عبدالله صاحب حَرَس المنصور. الزُّهيرية، إلى زهير بن محمد قائد من أهل أبيْوَرد. منارةٌ حُميد الطُّوسي الطَّائي. قال محمد بن خَلَف: قال أبو زيد الخطيب: سمعتُ (٢) أبي يقول: شهار سُوج (٣) الهيثم، هو الهيثم بن معاوية القائد. وقال أبو زيد الخَطِيب: المنارة التي (٤) في شارع الأنبار بناءُ(٥) طاهرٍ وقتَ دُخولِه. قال(٦) محمد بن خَلَف: بُستان القَسّ، قٌَّ كان ثَمَّ قبل بناء بغدادِ. (١) في م: ((حمزة))، وهو تصحيف، وما هنا مجود التقييد والضبط في ب ١ وكتب ناسخها في الحاشية: ((ويقال حُمْرة، حكاهما ابن ماكولا)). وهذا الذي ذكره الناسخ عن ابن ماكولا صحيح، وهو في كتابه ٥٠٤/٢، قال: ((وأما خُمَّرة، بتشديد المِيْم فهو ... وحُمَّرة بن مالك الصدائي شاعر، ذكره أبو عبيد في غريب الحديث واستشهد بقوله، وقال ابن الأنباري: إنهِ حُمْرة، بسكون الميم وتخفيفها)». وهذا الكلام في أصله كلام الخطيب، كما نقله العلامة ابن ناصر الدين في التوضيح ٣١١/٣ .. (٢) في م: ((وسمعت))، ولم أجد الواو في شيءٍ من النسخ. (٣) لفظة فارسية معناها المربعة))، وقد تكتب بالكاف في آخرها ((شهارسوك)) كما في معجم البلدان ٥٢٢/٢، بالجيم في أولها: ((جهارسوك)). وفي البلدان لليعقوبي ٢٤٧: ((شارسوق))، وكله بمعنى، لأن أصل اللفظة فارسية مكونة من مقطعين ((جهار)) . بمعنى أربعة، وسوك بمعنى طرف أو جانب. (٤) في م: ((المنار الذي))، محرف. (٥) في م: ((بناء))، وما هنا من ب ١، وهو مجود الضبط فيها، كما أنه نَوَّنَ «طاهرٍ)) بالخفض . (٦) من هنا يبدأ المجلد المحفوظ بدار الكتب الوطنية بتونس والذي رمزنا له بالحرف (( ط)). ٣٩٨ سويقة عبدالوهاب بن محمد بن إبراهيم الإمام؛ أخبرنا محمد بن أحمد ابن رِزْق، قال: أخبرنا عُثمان بن أحمد الدَّفَّق، قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن البَرَاء، قال: حدثنا عليّ بن أبي مريم، قال: مَرَرَتُ بسُوَيْقة عبدالوهاب وقد خَرِبت منازلُها وعلى جدارٍ منها مكتوب [من البسيط]: لهُذي منازلُ أقوامٍ عَهِدْتَهُمُ في رَغْدِ عيشٍ رَغِيبٍ ماله خَطَرُ صاحت بهم نائباتُ الدَّهرِ فانقلبوا إلى القُبور فلا عينٌ ولا أثرُ أخبرنا ابنُ مَخْلَد وابن التَّوَّزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا الشَّكُونِي، قال: قال محمد بن خَلَف: ودور الصَّحابة؛ منهم أبو بكر الهُذَلي وله مسجد ودَرْبٌ، ومحمد بن يزيد، وشبةُ بن عَقَّل، وحَنْظلة بن عَقَّال ولهم دَرب ينسب إلى الاستخراجي اليوم. ولعبدالله بن عيَّاش دارٌ على شاطىء الصَّراة. ولعبدالله بن الرَّبيع الحارثي دار في دور الصَّحابة . ولا بن أبي سَعْلى(١) الشاعر. ولأبي دُلامة زيد بن جَوْن إقطاع. هكذا في رواية محمد بن جعفر عن السَّكوني: ((زيد)» بالياء؛ وقد أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد (٢) الأهوازي، قال: أخبرنا أبو أحمد الحسن بن عبدالله بن سعيد العَسْكري، قال: أخبرنا أبو العباس بن عَمَّار، قال: أخبرنا ابن أبي سَعْد، قال: قال أحمد بن كُلثوم: رأيتُ أبا عُثمان المازني والجمَّاز عند جدي محمد بن أبي رجاء، فقال لهم: ما اسم أبي دُلامة؟ فلم يردوا عليه شيئًا. فقال جدي: هو زَنْد إياك أن تُصَحُّفَ فتقول زيد(٣). قال أبو أحمد العَشْكري: أبو دُلامة هو زَنْد بن الجون مولى (١) كتب ناسخ ب ١ في الحاشية أنه في نسخة أخرى: ((سَعْلة)). (٢) سقطت من م. (٣) ستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب (٩/ ٥١٧ ترجمة ٤٥٥٩) وسيبين المصنف أنه يقال في اسمه ((زيد)) بالباء الموحدة أيضًا، لكن الأول أثبت. وانظر توضيح ابن ناصر الدين ٤ /٣٣٥. ٣٩٩ قُصاقِص الأسدي، صَحِبُّ السَّفَّاح والمنصور ومدحهما، وفي أجداد النبيِّ وَّ في نسب إسماعيل زَنْد بن يَرَى(١) بن أعراق الثَّرَى. أخبرني عبيدالله(٢) بن أحمد بن عُثمان الصَّيْرفي، قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن أيوب، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عُبيد الله بن عمار الثَّقفي، قال: قال أبو أيوب، يعني سُليمان بن أبي شيخ: كان أبو جعفر المنصور أمر بدورِ من دورِ الصَّحابة أن تُهْدَم أو تُقْبَضَ وفيها دارٌ لأبي دُلامة، فقال: [من الخفيف]: يا بني وارثِ النبي الذي حـ كلّ بكفّيهِ مالُه وعقارُه لكُمُ الأرضُ كلُّها فأعيروا عبدكم ما احتوى عليه جِدَارُه وكأنْ قد مضى وخَّلّف فيكم ما أعرتُم وَحَلَّ ما لا يُعارهُ أخبرنا ابن مَخْلَد وابن التَّوَّزي؛ قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا الشَّكوني، قال: قال محمد بن خَلَف: كان موضع السّجن الجديد إقطاعًا لعبدالله بن مالك نَزَلها محمد بن يحيى بن خالد بن بَرْمك ثم دخِلَت في بناء أمِّ جعفر أيام محمد الذي سمته القَرَار. وكانت دار سُليمان بن أبي جعفر قَطِيعة لهشام بن عمرو الفَزاري . ودار عمرو بن مَسْعدة للعباس بن عُبيد الله بن جعفر بن المنصور .. دار صالح المِسْكين أقطعه إياها أبو جعفر. وسَويقة الهيثم بن شُعبة بن ظُهَيْر مولى المنصور توفي سنة ست وخمسين ومئة، وهو على بطن جارية. (١) في م: ((بري)) بالموجدة، مصحف، وهو بالياء آخر الحروف كما في كتب النسب، وقيده العلامة ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٤٤٥/١ فقال: ((ويَرَى بمثناة تحت مفتوحة ثم راء مفتوحة أيضًا: ابن أعراق الثرى بمثلثة في أوله مفتوحة وفي آخر كلِّ الياء آخر الحروف ساكنة، في النسب الشريف)). (٢) في م: ((عبدالله))، محرف، وستأتي ترجمته في موضعها من هذا الكتاب ٢٠/١٢ ترجمة ٥٥١٢ . ٤٠٠